تابعنا على

جور نار

رسالة عاجلة إلى الفاروق عمر… عن بلاد دخلت مرحلة “الخُرّ ـ طُرْ”

نشرت

في

من مواطن تونسي يعيش في غياهب القرن الحادي والعشرين

إلى عمر بن الخطاب أمير المؤمنين وأعدل الخلفاء الراشدين

رضي الله عنه ورحمه

سلام عليك يا أعدل خلق الله…

محمد الأطرش Mohamed Alatrash

أما بعد، الأكيد أنه بلغك يا مولاي أن بعض من حكموا شعوبهم بعدك انتحلوا صفاتك وأوهموا شعوبهم أنهم في عدلك وقربك من شعبك ورعيتك…وأن بعضهم الآخر أعجبته صفة الفاروق التي يطلقها عليهم أنصارهم فاكتفوا بسماعها واستمتعوا بموسيقاها في اذانهم، ولم يخدموا بلادهم ولا شعبهم بل اكتفوا بالخطب الرنّانة…ولا شيء بعدها…أفعلت أنت ذلك يا مولاي؟ …لا… لم تفعل…فأنت العادل…

أما بلغك يا أمير المؤمنين أن الحقد استوطن كل أرض العرب من شرقها إلى غربها…أما بلغك أن بعض شعب تونس التي فُتحت في السنة السابعة والعشرين من الهجرة، في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه على يد الصحابي عبد الله بن أبي سرح الذي جاء شمال افريقيا فاتحا على رأس جيش كبير قادما من طرابلس الغرب، في حملة سميت بغزوة العبادلة السبعة لأن قادتها السبعة كانوا يحملون نفس الاسم “عبد الله”…

أقول يا مولاي أما بلغك أن بعض شعب تونس وخلال سنة 1440 للهجرة انتخبوا رئيسا ولقبوه بالفاروق…وحمّلوه ما لا يمكنه حمله ولا تأمينه…وعاشوا بحلم ووهم أن من يحكمهم أقرب إلى الفاروق منه إلى رئيس عربي آخر، في زمن ليس كزمانكم ولا كما كنتم تحكمون وتعدلون…فخاب ظنّهم، فمن اختاروه فاروقا لم يأت ما أتاه الفاروق… أفعلت أنت ذلك يا مولاي…لا …لم تفعل… فأنت العادل…

أما بلغك يا مولاي ان من يلقبه أنصاره بالفاروق انقلب على من كانوا شركاء له في الحكم حسب ما جاءت به فصول الدستور… فقط، لينقذ نفسه من غضب الشعب الذي كان سيخرج على كل من يجلس على كراسي الحكم لو أبطأ من يلقبونه بالفاروق شهرا آخر… أفعلت أنت ذلك يا مولاي…لا… لم تفعل… فأنت العادل…

أما بلغك يا مولاي أن من يلقبونه بالفاروق لم يأت شيئا ينفع الناس منذ استحواذه على كل مفاصل الدولة والحكم…ولم يغفل يوما عن اتهام خصومه ومن كانوا شركاء له في السلطة، بالفساد وهلاك العباد وأشياء أخرى لا أحد يعلم إن كانت له حجج وأدلّة تثبتها وتؤكدها… أفعلت أنت ذلك يا مولاي…لا …لم تفعل… فأنت العادل…

أما بلغك يا مولاي أن البلاد تئن وترزح تحت ثقل الفقر وأن شعبها قد يجوع لو تواصل الحال على ما هو عليه…أما بلغك يا مولاي أن كل من وعدوا بمساعدتنا على حلّ مشكلاتنا الاقتصادية لم يفعلوا بسبب ما أتاه من يلقبه بالفاروق أنصاره…وأن من يلقبونه بالفاروق لم يحرّك ساكنا غير مجالس وزارية لا نسمع منها غير ديباجتها التي تكون دائما عبارة عن وصلة شيطنة للخصوم والمنافسين على مقام أنا أو لا أحد… أفعلت أنت ذلك يا مولاي…لا …لم تفعل… فأنت العادل…

أما بلغك يا مولاي أن تونس ومنذ أكثر من عشر سنوات لم يحكمها سياسي واحد شجاع يمتلك رؤية محترمة، للتعامل مع الوضع الراهن في البلاد حتى الآن…وأن البلاد تعيش فراغا سياسيا رهيبا لم ينجح من يلقبونه بالفاروق في ملئه بخطابه المشحون شيطنة وتشويها لخصومه، دون أن يعرف الشعب يوما واحدا هدنة من خطاب التحريض والتقسيم… أفعلت أنت ذلك يا مولاي…لا… لم تفعل… فأنت العادل…

أما بلغك يا مولاي أن لا أحد من ساسة البلاد ولا حتى الذي يلقبونه بالفاروق فكّر في المصالحة الوطنية الشاملة التي قد تكفينا شرّ التقاتل والفتنة والشيطنة والأحقاد…ولا أحد جعل من المصالحة الوطنية احدى أهمّ الأدوات المشروعة، والشجاعة، في تنفيذ استحقاقات العدالة الانتقالية التي يزعمون أنهم يريدونها حقّا…جميعهم تعنتوا وتعاملوا بسياسات الضدّية فكل من حكمنا منذ عشر سنوات شيطن من جلس على كراسي الحكم قبله…ولم يفكّر في كيف ينقذ البلاد والعباد بل اصبح همّهم الوحيد كيف يحاسبون من سبقهم…ونسوا أنهم سيحاسبون يوم يأتي من يجلس مكانهم….كما فعلوا هم…وربّما أكثر…لا أحد منهم وضع حدّا لسياسات الأحقاد والانتقام…وتصفية الحسابات الضيّقة…أفعلت أنت ذلك يا مولاي…لا… لم تفعل… فأنت العادل…

أما بلغك يا مولاي أن أغلب ساسة البلاد يستشعرون الخوف والوجل مما يحدث اليوم في تونس…أتعلم يا مولاي أن الوضع الراهن لا يحكمه منطق أو تحدّه قوانين وأن الخوف والتردّد كفيلان بأن يغرقا الجميع في دائرة لا تحمد عقباها…وأن لا أحد ولا حتى من يلقبونه بالفاروق فكّر في خطاب يقلب الخوف إلى طمأنينة نعبر بها بهذا الوطن الموجوع إلى مساحة آمنة يتعايش فيها الجميع دون خوف ودون هلع مما قد يخفيه المستقبل… أفعلت أنت ذلك يا مولاي…لا… لم تفعل… فأنت العادل…

أما بلغك يا مولاي وكأني بمن يلقبونه بالفاروق أوعز له بعض من هم حوله بأن يبني جدارا ويحفر خندقا بينه وبين من هم ليسوا من أنصاره، أو من أتباعه، دون أن يضعوا نصب أعينهم أن من يحكم عليه أن يعامل الشعب كل الشعب بنفس الشاكلة… فمن هم حوله يتعاملون كأن لا صديق لهم ولا عدو إلا بالقدر الذي يحتاجون فيه إلى إشباع رغبة جامحة أو استجابة لمزاج سياسي سلطوي عابر وغير مستقرّ… أفعلت أنت ذلك يا مولاي…لا… لم تفعل… فأنت العادل…

أما بلغك يا مولاي أن لا أحد ولا حتى من يلقبونه بالفاروق قرأ التاريخ قراءة تليق بما تعيشه البلاد من أحداث…فالبلاد تنتقل كل يوم إلى دائرة أضيق ومساحة الخيارات تتضاءل …ومساحة العصبية العمياء والاندفاع المزاجي الغريب تتوسع كل يوم… أفعلت أنت ذلك يا مولاي…لا… لم تفعل… فأنت العادل…

أما بلغك يا مولاي أن البلاد وأقصد تونس التي حدثتك عنها في بداية رسالتي هذه وصلت حدّ التسوّل عبر فتوى أصدرها مكتب مفتي الديار التونسية تطلب دعما ومساندة مادية عينية للدولة من شعبها الموجوع، والمفقّر، والذي يعيش وضعا مأساويا لم يعشه منذ استقلال البلاد…فهل طلب منه من يلقبونه بالفاروق إصدار هذه الفتوى أم هو تصرف شخصي …فهل يجوز يا مولاي أن يسلب الحاكم شعبه…على شكل فتاوى… أفعلت أنت ذلك يا مولاي…لا… لم تفعل… فأنت العادل…

أما بلغك يا مولاي أن حكومة من يلقبونه بالفاروق لا تسمع…لا تتكلم…ولا ترى…فمنذ وصولها إلى كراسيها لم نر شيئا واحدا منها ينفع البلاد والعباد…حكومة عرجاء…فقدت النطق منذ جلوسها على كراسي السلطة…وفقدت حاسة السمع فالفاروق هو من يستمع نيابة عنها ويتحدث بالمناولة عنها…فلا الفاروق ولا حكومته جاؤوا بأمر ينفع الناس… أفعلت أنت ذلك يا مولاي…لا… لم تفعل… فأنت العادل…

أما بلغك يا مولاي أن الظلم انتشر في البلاد منذ استحوذ من يلقبونه بالفاروق على حكم البلاد والعباد…أما بلغك أن الشعب يعيش رعبا من جوع قادم…ومن فقر ظالم…ومن حكم لا أحد يعرف كيف سيكون…فلا شيء مما وعد به من يلقبونه بالفاروق أنجز…فقط أصبح الحقد يسيطر على العباد وأمزجة العباد…أما بلغك مولاي أن بعض الناس يسعدون ويرقصون حين يسجن بعضهم الآخر…أما بلغك يا مولاي أن بعضهم يوزع المشروبات احتفاء بعزل بعضهم الآخر….أما بلغك يا مولاي أن بعضهم يحتفل بظلم بعضهم الآخر…ويطالب بالمزيد… أفعلت أنت ذلك يا مولاي…لا… لم تفعل… فأنت العادل…

أما بلغك يا مولاي أن كل الشعب مشتبه فيه حتى اشعار آخر…فجميعنا من الفاسدين…وجميعنا أفسدنا في الأرض…والغريب يا مولاي أن لا اثباتات عند من يلقبونه بالفاروق غير كلامه وما يلقيه على مسامع مجلسه الوزاري…وهو يحسب كلامه وثيقة اثبات تورط بقية الشعب بالفساد والإفساد…وحدهم أنصاره هم من الملائكة ولا هم يحاسبون ولا يُشَيْطَنون ولا يحزنون… أفعلت أنت ذلك يا مولاي…لا… لم تفعل… فأنت العادل…

أما بلغك يا مولاي أن أغلب سكان البلاد يعيشون الرعب…رعب الأيام القادمة…رعب الخوف على أبنائهم…رعب مستقبل غامض مخيف…رعب حقد يتعاظم يوما بعد يوم…فجميعهم يشعرون أنهم يفقدون هويتهم يوما بعد آخر…فهم لا يعلمون إلى أي فصيل ينتمون…فأنصار الفاروق أو من يلقبونه بالفاروق قسموا البلاد إلى من هم مع الفاروق المزعوم…ومن هم ضدّه…فمن هم معه هم من الأخيار…ومن هم ضدّه هم من الأشرار… أفعلت أنت ذلك يا مولاي…لا… لم تفعل… فأنت العادل…

أما بلغك يا مولاي …أن الشعب وأقصد شعب تونس يعيش الإقصاء والترهيب كما لم يعشهما من قبل…أما بلغك أن نصف الشعب يريد الهروب…يبحث عن وطن يحتضنه…يقبل به…وطن يعترف به…ولا يخذله…هم لا يريدون ترك وطنهم…هم فقط يخافون أن يكونوا غدا غرباء في وطنهم…فتونس ليست وطنا يعيشون فيه…بل وطنا يعيش فيهم…ويبقى بعدهم وإن ماتوا…

هكذا حال شعب تونس يا مولاي إن لم يبلغك حاله…فأنت الفاروق…ولا أحد سيعدل كما عدلت…ولا أحد سيحكم كما حكمت…ولا أحد سيهنأ بنومه كما نمت…ولا أحد بُشِّر بالجنة كما بُشرْت….

الختم:

محمد الأطرش

                                                              

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار