تابعنا على

جور نار

لماذا نضطرّ إلى تغيير القناة … مع كل خطاب لمولانا؟

نشرت

في

أطلّ علينا مولانا للمرّة الثانية جالسا على كرسي رئاسة مجلس الوزراء…لا شيء تغيّر عن المرّة الأولى ولا عن كل مرّة يخرج فيها علينا مولانا ليشبعنا دروسا في كشف عورة الفساد ومقاومته، وكيف نقتل العقرب بأسفل الحذاء…هكذا هو مولانا لم يتغيّر فهو لم يتخلّص إلى يومنا هذا من هاجس التدريس وإلقاء المحاضرات…وكأن الشعب…لا يزال في سنته الأولى من التعليم الأساسي…

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
محمد الأطرش

مولانا يريد شيئا، لكنه يطالب بأشياء أخرى…يريد أن نكون معه ووراء كل ما يعلنه…ويشتمنا…ويتهم بعضنا…ويصرخ في وجوهنا جميعا…مهدّدا… متوعدا بالويل والثبور والكثير من عظائم الأمور…هكذا هو مولانا لم يتغيّر ولم يدرك أنه اليوم رئيس الجميع من بنزرت إلى آخر نقطة في جنوب البلاد… وعليه أن يدرك أن من يشتمهم اليوم ويتهمهم بأبشع التهم لن يكونوا أبدا معه غدا…يوم يعرف الجميع أنهم أبرياء مما قال ويقولون…وعليه أن يترك ما للقضاء للقضاء فهو الأقدر والأدرى بما يفعله…فما يفعله وما يأتيه مع كل إطلالة هو تدخّل ضمني لا غبار عليه في القضاء…

مولانا لم يع إلى حدّ اللحظة أن إصلاح الخراب الذي عشناه منذ 14 جانفي لا يكون بالصراخ …ولا باتهام الجميع…ولا بسرد القصص التي لا نجد لها مقدّمة ولا خاتمة ولا معنى…إصلاح البلاد والخراب الذي عشناه ونعيشه إلى يوم الناس هذا يكون أحببنا أم كرهنا بشراكة حقيقية بين جميع المكونات السياسية والاجتماعية، في ظلّ حكم تعددي نحترم فيه الاختلاف…والرأي الآخر…فالتعايش بين الجميع لا يكون أبدا بتبادل التهم والتهديد والوعيد وفرض نمط سياسي واجتماعي بقوّة السلطة والجاه، وبتأويل نصوص الدستور كما ولما نريد…وعليه أن يعلم أن الجسد المريض لا يمكن أن يستجيب للعلاج بسرعة إذا لم يقع عرضه على طبيب ماهر يدرك حقيقة أوجاعه وما يعانيه…ويعرف كيف يعالجه ويخرجه مما هو فيه…دون أن يؤلمه ويؤذيه…وتونس اليوم جسد مريض وموجوع…

مولانا لم يخرج من دائرة خطابه المشحون …والغاضب…والمتشنّج منذ جلس على كرسي قرطاج وعرف حقيقة حجم صلاحياته…ولم يسلم أحد من خصومه من تهديده ووعيده واتهاماته التي لا تنتهي…وكأني ببعض من هم حوله حوّلوا وجهته نحو وجهة تُلهيه عن الهدف المنشود والموعود…مولانا لم يدرك إلى حدّ الساعة أن منهجه وطريقة تعامله مع بقيّة مكونات المشهد ومع متطلبات المرحلة لن تُفيد البلاد في شيء ولن تخرجها مما هي فيه…وقد تدخل البلاد في عزلة تامة، وتوسّع الهوّة بينها وبين كل حلفاء وشركاء الأمس…ولم يدرك أن من ينصحونه بتوخّي هذا المسلك المتشنج في تعامله مع المرحلة ومع بقيّة الأطراف المكونة للمشهد السياسي والاجتماعي، يريدونه أن يفشل في إيجاد وتقديم رؤية واضحة لاحتواء حالة الانقسام التي تعيشها البلاد، من خلال توحيد جهود كل الأطراف، من أجل بلوغ هدف واحد يتفق حوله الجميع في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ البلاد، علما بأنه لن يكون قادرا على ذلك بمفرده أبدا…حتى وإن وقفت إلى جانبه كل دول الخليج …

كما يريدونه أن يفشل في توفير أبسط ضروريات الحياة لأفراد هذا الشعب من صحة وتعليم وخدمات معيشية يومية والضغط على الأسعار والحفاظ على المقدرة الشرائية لجميع المواطنين من شمال البلاد إلى جنوبها…

ويريدونه أن يفشل في الوصول إلى مصالحة شاملة يجلس خلالها الجميع حول طاولة الوطن باستثناء من أجرم في حق البلاد والعباد ومن ساهم في خرابها وايصالها إلى ما هي عليه وفيه اليوم…

ويريدونه أن يفشل في مواصلة الحفاظ على أمن ونظام البلاد وايجاد التدابير الكفيلة للحدّ من خطورة الإرهاب والقضاء على ما تبقى من فلوله …

ويريدونه أن يفشل في القضاء على البطالة والبحث عن الطرق الكفيلة ومضاعفة الجهود من أجل خلق وجلب الاستثمار، لتوفير مواطن شغل للعاطلين عن العمل من أصحاب الشهائد العليا وبقية فئات المجتمع…

ويريدونه أن يفشل في إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس سليمة لا تقصي أحدا وعلى أساس الخبرة والكفاءة …

ولأن الخطاب هو الوسيلة الأكثر تأثيراً وتفاعلاً في نفس المتلقي، فإن بعض من هم حول الرئيس أو من ينصحونه من هنا وهناك لم يدركوا إلى يومنا هذا خطورة الخطاب الذي يتوخاه ساكن قرطاج منذ جلوسه على كرسي قصر قرطاج…فهذا الخطاب هو الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه اليوم من تحرّش سياسي من عديد الأطراف الخارجية التي لم تتعوّد منّا سابقا هذا الخطاب. فتونس عُرفت منذ استقلالها، بخطاب متوازن وعقلاني غير متشنّج، جلب لنا احترام الجميع شرقا وغربا…والخطر الأكبر هو أن يسيء البعض فهم خطاب ساكن قرطاج  فيرى فيه وسيلة للشحن الانفعالي المهيج للعواطف والكراهية …فنحن اليوم في حاجة أكيدة وملحّة إلى خطاب عقلاني مدروس وهادئ فخطاب الانفعال والتوتر لن يجلب لنا أبدا نتائج طيبة ومقبولة، و الصراخ والانفعال لن يصل أبدا بأصحابه إلى غاياتهم وأهدافهم، والخوف كل الخوف أن تكون نتائجه العكسية أكبر وأخطر على من يتبناه….

قد أتفهّم أحيانا تشنّج خطاب ساكن قرطاج فوضع البلاد موجع إلى حدّ الصراخ…لكن هل وجب أن يكون خطابنا على نفس الوتيرة وعلى نفس المقام دون أن نأتي يوما بأمر يسعد الشعب منذ جلوسنا على كرسي الحكم؟ والسؤال الذي يطرح نفسه بعد كل خطاب لمولانا ساكن قرطاج هل ثمّة عوامل أخرى وراء هذا التشنّج الذي نعيشه مع كل خطاب لساكن القصر؟ هل يمكن أن يكون لغياب مشروع سياسي واضح واستراتيجي لمولانا دور في كل هذا التشنّج؟ وهل يكون هذا الشحن الانفعالي والتشنّج الخطابي المتواصل مجرّد وسيلة للتغطية على ضعف المشروع والبرنامج السياسي لمولانا؟ وهل يمكن أن يكون نقص التجربة السياسية لمولانا وراء كل هذا التشنّج الخطابي؟ وكأني بساكن قرطاج يستخدم سيكولوجية الجماهير بخطابه الشاحن لتحقيق غايات لم يكشفها إلى حدّ الساعة، وقد تكون غايات انتخابية سريعة المفعول في قادم الأشهر، لكن هل قرأ حسابا للخسائر التي قد تتكبدها البلاد، فكل الأنظمة التي توخّت خطاب التهديد والوعيد انزلقت إلى الدكتاتورية إذ الخطاب العنيف يحمل دائما في طيّاته طبيعة ارتدادية تؤسس للعنف والعنف المضاد وقد تقود البلاد إلى تفكّك كامل للنسيج المجتمعي…

فهل يدرك مولانا ساكن قرطاج أن خطابه المتشنّج لن يذهب بنا بعيدا ولن يخرجنا مما نحن فيه، وهل يُقدم على تغيير خطابه من خطاب سلبي شاحن ومهيّج إلى خطاب إيجابي وعقلاني جامع ومدروس يوحّد الجميع حول هدف واحد… فالانفعالات كما يقول أفلاطون تقتل السياسة، وتحطم أسس المدينة والدولة… وقد كان أفلاطون حريصا على أن يقوم بنيان الجمهورية على أساس النفس العاقلة، ووضع النفس العاقلة فوق النفس الغاضبة والنفس الشهوانية…وهو بذلك يستبعد سلطة الانفعالات دينية كانت أو غير دينية عن القرار السياسي… فالخطر الأكبر على القرارات السياسية حسب افلاطون هي العواطف الإنسانية…فهل نسعد يا ترى بخطاب يختمه مولانا بطرفة تضحك الجميع…أم نواصل البحث عن قناة أخرى قبل نهاية كل خطاب لمولانا…؟؟

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الوضع الحالي (ج 2): الساحة الوطنية… مقترحات لدرء الخطر

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.

كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أو بعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.

هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:

أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،

ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.

ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.

ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.

المقنترحات العاجلة:

ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.

واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:

أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.

ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.

ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.

رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.

خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.

خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.

كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.

أكمل القراءة

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار