تابعنا على

جور نار

مِهن جديدة أقترحها على التونسيين

نشرت

في

ثمّة صفات نكتسبها بفعل الشهائد الجامعية أو التكوينية أو المهن التي نُمارسها أو كذلك الأوساط العائلية والاجتماعية والجهوية التي ننحدر منها، كأن نقول فلان تابع تكوينا صلبا في ميكاترونيك السيارات، أو فلانة تشتغل في مجال التعدين واستخراج الموارد الجوفية، أو فلان أصيل تطاوين لذلك كتب عن قراها البربرية المُعلّقة وقصورها الصحراوية…

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

وثمّة في المقابل صفات وملامح وطبائع تتشكّل ترسّباتها عبر سنين العمر وتجارب الحياة وطبيعة المناخات التي ننشأ فيها ونتربّى على إيقاعها، فتتحوّل إلى هويّة مميّزة تُعرّفنا وتصف جانبا بارزا في شخصيتنا لا تقوله الأسماء والألقاب. بل نكاد لا نتعرّف إلى أشخاص معيّنين إذا لم نذكر “هويّاتهم الموازية غير الرسمية” في ارتباط بمهارة أو ظُرف أو نزوع طبيعي إلى انتهاج سلوكات مُتفرّدة لا يُنازعهم فيها أحد.

وفي سياق محاولة التخفيف من وطأة الصوم عليكم والسّعي إلى استكشاف البعض ممّا يأتيه كثير من الأفراد الذين نتقاسم معهم حديث الحليب والسكّر ونشرة أخبار الثامنة، سأعمل في هذه الورقة على رصد بعض السلوكات التي تلتحم بأصحابها حتى تكاد تتحوّل إلى مهن جديدة قائمة بذاتها، خاصة أن عالم الشغل يشهد تحوّلات عميقة ومتسارعة تنطفئُ بموجبها مهنٌ وتولد أخرى.

وهذه بعض الأمثلة وليس كلّها :

فنّي مختص في تركيب المُهذِّبات adoucisseurs

وهو عبارة عن مجال يختصُّ بتصنيع أدوات إلكترونية متطورة أو شرائح رقمية ذكية توصَلُ بالحنجرة والبلعوم لتُصفّي كلام بعض البشر وتنتقيه وتُحلّيه وتُنسّبه وتُخفّفه قبل وصوله خاما إلى اللسان والشفتين. وفي عملية التّكرير هذه خدمة ثمينة نستفيد منها جميعا أمام السيول الجارفة من البذاءات والشتائم التي تملأ شوارعنا وساحات مدارسنا. وحتى بعض المثقفين لدينا، يُبهجهم كثيرا أن يستهلّوا جُملهم بعبارات من قبيل “غبيّ وأحمق من يعتقد أن…” أو ” يا من تلعقون أحذية أسيادكم…” أو “لا تستمع إلى النقد عندما يأتيك من إنسان حقير …”. وتبقى الغاية النهائية من تركيب المُهذّبات في أوساطنا التونسية تحديدا هو القطع نهائيا مع “السدّاف” حاشاكم في حلوق القائلين لفائدة الصحّة والسلامة والعافية وعذب الكلام دون سواه.

تقني سامي في النسيج والإكساء العاطفي

هو اختصاص يعتمد على فنون ما يُعرف بالصيد، بالتمويه أو بالنداء (أي إصدار أصوات مدروسة لجلب الفريسة) وكذلك على تقنية الإخفاء المُتقن لمستودعات المَكر والمُخاتلة مقابل إبراز صفات تُغري الناظرين ويطرب لها جمهور الباحثين وخاصة الباحثات عن بناء علاقات مستقرّة ومُفضية إلى مآلات ثابتة ومُطمْئنة. وهؤلاء التقنيون ينسجون خطابهم جيدا ويبنونه بإحكام بعد عمليات استطلاع دقيقة لـ “ما يطلبه المستمعون” وإجراء استقراءات عالِمة لنفسيات ضحاياهم وحاجياتهم. كما يتميّزون بكونهم موزّعين مهرة لآيات الحب والمودّة والوله على أوسع نطاق ممكن، من أجل ضمان الإيقاع بالحدّ الأدنى من أصحاب الحاجيات العاطفية الخاصة.

لوجستيكي في فنون التموقع

بعد التخرّج مباشرة والحصول على شهادة مُنظّرة ومُعترف بها من المحيط المباشر، يشرع هذا اللوجستيكي في ممارسة فنون “الكِنّ”  (من العامية التونسية “يكنّ راسو في انتظار مرور الزوبعة والتيّارات المعادية) في القيام بقراءة مستفيضة للواقع السياسي الإقليمي والوطني واستكناه “صُرفة” الماسكين بالسلطة في كل مستوياتها ونوعيّة الشاي الذي يشربونه وحتى الفانتازم الحميمي الذي يسكنُهم، ويُبدعون في انتقاء الكلمات والتعابير التي يؤثّثون بها خطابهم بشكل مُتقن حتى يتناسب تماما مع ما يعتقده صاحب السلطة وصفا موضوعيا وصادقا لصولاته وجولاته. وهم لا ينزعجون البتّة من اختراق أربعة عُهود سياسية بطمّ طميمها بتقلّباتها وتحوّلاتها، يأكلون على جميع موائدها وهم باقون في نفس المواقع يغدون ويروحون رافعين شعار “لكل عهد خطابٌ يُطمأنُّ لهُ“.

أخصّائي في تقنيات الإخبار والإشعار (اختيار option  هتك الأعراض وتخريب الدّيار)

هؤلاء ليسوا بوُشاة عاديين تستخدمهم الشرطة الوطنية في تعقّب المُروّجين وزُوّار الليل، بل هم محترفون في النميمة المنظّمة المُلتحفة بالتحاليل المُلغّمة، يُنبّهون الحاكم إلى أقلام أو أصوات “لاوطنية” تنشر الزيف والمغالطة أو يتساءلون في منابر إعلامية لها صيت عن تباطؤ الجهات المعنيّة في محاسبة فُلان أو التدقيق في ثروة علاّن أو كذلك “فلان عندو مدّة ما ثمّاش ريحتو… توحّشناه”. يُلاحظ أيضا أن هذا الاختصاص يُفضي في مستوياته التعليمية النهائية إلى اختيارات عديدة options مثل اختيار “الكابتور” أو اختيار “صياغة التقارير” أو اختيار “تمرير الرسائل المُشفّرة عبر قادة الرأي”.

مُنسّق عام في تبليد الأذهان وتعميم الركاكة التي يُطلق لها العِنان

هذه المهنة يُعهد بها عموما إلى منشّطي المنوّعات التلفزية وجهابذة الكرونيك الذين نالوا مواقعهم (باستثناء عدد ضئيل جدا منهم) بناءً على كل الاعتبارات التي يمكن تصوّرها إلا اعتبار الكفاءة والتخصص والجدارة. وهم يعلمون جيدا أن الجمهور الواسع لا يستسيغ ركاكتهم المؤذية لكنه يتحمّل لغوهم وسماجتهم لأن لا عيون أخرى ينهل منها والحال على ما هو عليه من عوْز ثقافي عام. وتتمثّل مهمّتهم الأساسية في جعل الفظاظة نمطا سائدا والمسخ مجرد وجهة نظر. 

مصمّم لاقطات لدرء الاكتئاب واستبعاد النكد

 هي رقائق إلكترونية ذكية للإشعار المبكّر بوجود خطر نكدي على بُعد معيّن أو في صفحة ما أو على شاشة معيّنة. وقد تتطور في السنوات القليلة القادمة لتُصبح علاجا وقائيا تتكفّل الصناديق بإرجاع كُلفته، لأن الأضرار الناجمة في بلادنا عن تسرّب الإشعاعات النكدية القوية أضحت مشكلة صحة عامة. فالتونسي حين تذكر أمامه على سبيل المثال أن نجاح الفتيات في الباكالوريا يفوق نجاح الذكور بحوالي 8 نقاط يُجيبك مباشرة “محسوب، ماعليها كان يجيها نهار وتاخو راجل وتشد الكوجينة”، بينما يأتيك صباحا في الحالة المقابلة “متحزّما” مُحمّلا بالأخبار الطازجة لباخرة جنحت وطائرة تأخّرت عن موعد إقلاعها وقطار حاد عن سكّته…وبلاد باتت على حافة الإفلاس.

تقني سام رئيس في علك المُبتذلات واجترار الترّهات

 أصحاب هذا الاختصاص الذي ساعدت مواقع التواصل كثيرا على نموّه وانتشاره، يُمعنون في تمديد الإقامة لساعات وأيام طويلة على صفحات هذه المواقع من أجل قصف المُتابعين بمقولات مكرورة وحِكم مجرورة تُسند غالبا إلى دستويفسكي وتولستوي وغاندي من قبيل “الجحيم هو عجزك عن الوصول إلى لذة الحب” أو “الحقيقة بسيطة وهي بهذا تتميّز عن الكذب” أو “الفقر هو أسوأ أشكال العنف” الخ… أو كذلك علك أسئلة فقهية حول مسائل راهنة يطلبون الإجابة عنها بمنطق القرن الحادي العشرين، كأن يسأل أحدهم عن شروط جواز الإقامة في بلاد الكفّار أو “حكم استعمال الهاتف الجوال في المسجد للمعتكف؟ وما ضوابط ذلك إذا كان جائزاً؟”…

مُسيّر أشغال ورشة مطالة وتلميع

مثل العاملين في ورشات “المطالة والدّهن” تماما، يتولّى هؤلاء الذين تعجّ بهم مسالكنا السياسية الوعرة طمس العاهات وطلاء الثّقوب التي تعتري أولياء أمرهم من أجل إظهارهم في أجمل حلّة وتسويقهم على أن الدهر لم يجُد بأمثالهم عبر التاريخ، ويطلقون على ورشاتهم تسميات فاخرة تتراوح بين “الكوم” و “بيوت الخبرة” و “الكوتشينغ” … رأفة بمُسيّري أشغالها من صفات التسبيح والمدح والولاء.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار