تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة رقم 15

نشرت

في

عصفور السطح

…. السنة الاولى من التعليم الثانوي انتهت اذن بالرسوب …وجاءت العطلة الصيفية …..تلك السنة ورغم الرسوب ملأتني بشعور غريب …احسست في تلك العطلة بأن عبدالكريم آخر بدأ يظهر ..

عبد الكريم قطاطة
عبد الكريم قطاطة

تجربة السنة الاولى اثمرت في داخلي نوعا من الثقة بالنفس وربما نوعا من الغرور اذ كيف لراسب مثلي في سنته تلك المكللة بالفشل دراسيا وهو الذي كان طيلة دراسته في الابتدائي من الثلاثة الاوائل، ان يكون مزهوا واثق الخطوة يمشي (ليس ملكا قطعا) وكأنه ينظر الى الاشياء والاشخاص والاحداث من برج فوقي ..؟؟؟ في تلك العطلة الصيفية كانت حياتي تسير عادية هادئة …حتى حان موعد عرس احد الاقرباء لاكتشف عالما آخر .. هو من الميسورين …وانا ما حضرت مرة عرس ميسور ابدا …واعراس الميسورين كانت “ربوخ” حقا ..فبدءا بالعشاء الذي فيه ما لذ وطاب من المأكولات لللمدعويين من الاهل والاصدقاء حيث اماكن خاصة للنساء (الحريم) واخرى خاصة بالرجال و “العضارط” (جمع عضروط اي الشباب) وحتى الرجال والعضارط منقسمون الى مجموعتين الاولى كبار السن واطفالهم (اذ كيف لطفل في سني وامثالي ان يختلطوا بالحريم ..؟؟؟) والثانية للعضارط وهم في حلقات منزوية بعيدة عن كبار القوم يأكلون و”يمزّطون” اي يشربون بنت العنبة …

وكلما سمع احدالكبار صرير قواريرهم الا وعّبر البعض منهم (متطرفو ذلك الزمن) عن غضبهم من ام الخبائث: “توة هذا قال بيه ربي والله تقول نمشي نكسرهم على روسهم ..تي هاكة موش ولد خليفة .. لشكون جاء ؟؟؟ بوه خليفة حتى مات ما يعرفش طعمتو ؟؟” فيما يردّ المتفتحون (علمانيو ذلك الزمن) بالعبارة الشهيرة: “كيسان معدودة ويتوب عليهم ربي” … وفي الحقيقة هم لم يكونوا يوما لا متطرفين ولا علمانيين .. بل هم ايضا وفي زمان عضرطتهم كانوا في جلّهم مثلهم تماما ..الا ان الواحد منا ومنهم وفي عمومنا وعندما يتقدم به العمر يتعنتر ويتفنن في نقد تصرفات الاخر والافتاء والعنطزة، حيث لا يقدر ولا يريد ان يقدر مثلنا ومثل هؤلاء على قراءة الاحداث والسلوكيات بمنظار واقعي اي اولا “الجمل ما يراش حدبتو” وفي رواية اخرى “ما يراش عوج كرومتو” وثانيا هل تساءلوا لماذا لجأ امثال هؤلاء العضارط الى ام الخبائث ..؟؟؟ وعندما نعرف السبب لا فقط يبطل العجب بل يصلح العقار ما افسده الدهر ..

اولئك العضارط وقبل ان يركنوا للقوارير ليشتكوا لها بمعزوفة (وداوني بالتي كانت هي الداء) كانوا يقضّون كامل اليوم وهم ينصبون “التيندة” ركح الفرقة المغطّى وجهد بوهم طالع …ثم يرشون المكان المخصص للمدعويين (مساحة هامة من الجنان) بالماء حتى يستطيع الجميع التمتع بسهرة رائقة لا غبار فيها رغم وجود اغبرة اخرى عليها ..وعند العشاء تبدأ معزوفتهم (دع عنك لومي فان اللوم اغراء )…ينتهي العشاء ويبدا تقني مكبرات الصوت والمصادح بعمله ..يمر على كل مصدح ويطلق كلمة سره الغريبة “ساه”؟؟؟ فهمت بعد سنوات انه يجرب ويستعمل فعل جرب بالفرنسية وبشكل مدمر لكلمة essai…. ثم يتداول اعضاء الفرقة على التخت لاخذ اماكنهم ولبدء عملية تعديل اوتار آلاتهم الموسيقية ..وفي زاوية اخرى ينبري عنتر عازف الدربوكة الشهير يحمي دربوكته على مجمارة حتى ينضج جلدها وتستجيب لنقراته …

عنتر هذا كان في بداية الستينات ابرع عازف على الدربوكة دون منازع في صفاقس ومن اغرب ما روي عنه (مبني للمجهول في الفعل وفي الراوي) انه وقع منعه بتاتا من العزف على آلة الايقاع (الدربوكة) وعوضه عازف اخر يدعى لوربو واصبح بعده الاشهر بينما هو اكمل حياته بعزف الرق (الطار )… وقع منع عنتر لانه ذات سهرة اندمجت سيدة في مشاهدة عزفه وبكل انبهار فسقطت من اعلى البناية التي وقع فيها الحفل وماتت لتوّها (والعهدة على من روى) ..

لنعد الى حفل عرس قريبي … في تلك الليلة كانت الفرقة يقودها المرحوم محمد الدريدي عازف قانون بفرقة الاذاعة الجهوية ..وكنت اسمع كبار القوم الذين كانوا ينهون عن المنكر يتهامسون: “الليلة العوادة فيها زوز نساء” … كنت مندهشا من حفل عرس تحضره مطربتان خاصة ولعلمكم ان اذاعة صفاقس عندما فتحت ابوابها وجدت صعوبات كبيرة لادماج عنصر المرأة في فرقتها الموسيقية، لان الغناء انذاك لأية امرأة عيب ..بل عيب كبير .. بدأ الحفل وكأي حفل حتى بداية السبعينات بالمقطوعة الموسيقية الشهيرة (سماعي بياتي للملحن المصري ابراهيم العريان)… كل الفرق تبدأ بها وفي كل المناسبات ..ثم بعدها يأتي الموشح وهو في الغالب شوشانة وفي مرحلة متقدمة ناعورة الطبوع .. ثم تبدأ الاغاني الفردية وهي كلها طقطوقات اما تونسية او مشرقية وابدا ان يتغنى المطربون بعبد الوهاب او ام كلثوم او عبدالحليم ..وحتى المطربون انذاك لم يكونوا مطربين مختصين في الغناء فقط فهم في جلهم اعضاء عازفون في الفرقة ..ولا عزاء في الاعراس للسيدات …

المرأة لا يحق لها حضور الحفل الرجالي … وللامانة كما الرجل في الحفل النسائي لا حضور له مع النساء الذي يكون عادة في الغد وتديره فرقة موسيقية نسائية (بيانو وطار ودربوكة) ويقيادة اشهر الشهيرات كسودية .. المرأة في الحفل الرجالي تاخذ مكانها على سطح المنزل المقام فيه الحفل ..وبأمر من سي السيد عليها ان تلبس السفساري وتكون “التعويرة مغنبزة ” اي لا تظهر من وجهها الا كوة صغيرة على احدى عينيها .. ترى من ثقبها فقط العالم الاخر (وهكذا الاستمتناع او لا يكون _)… والويل والثبور لاية امرأة تظهر حتى عينها الثانية ..بينما عين سي السيد وعند خروج الراقصة تتحول الى بروجكتور رهيب تقضي على الاخضر والاخضر لانه لا يابس في جسدها حسب تعبيرات سي السيد وشلته وهم يتهامسون: “يعطيها عزة بدنها يتلعوك كيف الحلوى” …

عند خروج الراقصة فهمت وقتها ما معنى الليلة العرس فيه زوز نساء اي راقصتان …. وربما لانني من جينات سي السيد شدني ظهور الراقصة وانا اشاهدها لاول مرة (“لحم ولحم” موش لحم ودم) .. كانت اول مرة في حياتي اشاهد امرأة لابسة ثلاثة ارباع “بلاش هدوم” … فحتى عندما كنا نذهب للاصطياف في سيدي منصور كنا نرى شبه آدميات في البحر و”روبتهن” منتفخة في الماء اشبه بالبيوت المكيفة …صدقا ليلتها لم يكن احساسي بها احساسا جنسيا فانا طفل غر انذاك وكل مافيّ غر ايضا ..ولكن هو ربما اكتشاف جسد امرأة (لا انثى) تتلوى بكثير من الاناقة والجمال وبكل راحة واريحية … كنت متسمرا في مكاني انظر اليها احيانا باعجاب عميق وانظر احيانا الى اولئك “المتطرفين” وهم ينزعون كبابيسهم ويضربون بها افخاذهم من شدة الطرب وخاصة للفت انظارها لهم ولشواربهم المفتولة ولباسهم الانيق والمعد لهذه الليلة بالذات… لانه جرت العادة ان “ييبت” بالراقصة من يدفع اكثر من كبار القوم ولو كانوا من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر …

اتمت الراقصة الاولى وصلتها وتركت مكانها للراقصة الثانية (موش قلتلكم زوز نساء ؟؟) وكعادتي “الخايبة” انا المهتم بالتفاصيل ..استاذنت ابي في الدخول الى المنزل لقضاء حاجة بشرية واذن لي دون اسئلة بوليسية …كيف لا والراقصة الثانية تعلن عن مقدمها (ربما هو ارتاح من خلقتي) رحمك الله يا سي محمد …وفعلا انا لم اكذب على الوالد انما اختلف معه فقط في نوعية الحاجة البشرية التي فهمها هو ..حاجتي البشرية انذاك ان اتلصًص على عرش الراقصة …تسللت وراءها وخلفها حارسها (صاحبنا متاع “اسسه” اي تقني مكبرات الصوت ..وكنت وددت لولم يكن معها ..ثم الم يكتف بتجربة المصادح ..؟؟؟)… ولانه كان حارسا بارعا لمحني بعين استكوتلانديارد ونهرني كي ابتعد عن عرش الراقصة … “رقدت في الخط” ولم اعره اي اهتمام وافهمته بذلك السلوك اني لم اسمعه و”تلهيت” بامور اخرى حتى يأمن جانبي ويعتبرني عبيطا لا افهم شيئا …

صعد وراقصتنا (طبعا موش متاعو هو اكهو علاه موش راقصتي انا زادة ؟؟؟) صعد الى مدرج يؤدي الى بيت في السطوح ..ذاك هو عرش الراقصة ..اغلقه وعندما سمعت صرير غلق الباب تسللت الى محيط العرش ..الباب لا مفتاح فيه بل الاروع ان المفتاح لا مكان له …اي هنالك كوة صغيرة بامكاني ان ارى من خلالها ما يجري بالداخل … و”ما كنتش من العاكسين” نظرت …سرير وحيد ب”وبلاصة” واحدة والراقصة مستلقية عليه وهي “تقرعط” (اي تشرب)في قارورة ستيلا ..وهي بيرة في قوارير ضخمة … طبعا وسيجارتها “عدو” بضم العين والدال، وهي تطلق عادة على ما ياكله النديم من ماكولات على طاولة ابي نواس …الا ان مقدم احدهم في المدرج افسد عليّ متعة الفرجة واسرعت بعيدا عن بيت السطح …القادمة تفطنت لوجود احد ما هنالك فقدمت للاستطلاع ..انها خالتي نفيسة رحمها الله ..كانت تحبني هلبة وكانت تعتبرني ابنها وهي التي لم تتزوج ولم ترزق …سالت عن وجودي هنالك فافدتها اني اردت مشاهدة الحفل من فوق السطوح …”موش هذا السطح يا ولدي ايجا انهزك للسطح الاخر” …

حملتني معها حيث السطح الاخر وحيث امي …انطلت الحيلة واستاذنت العودة للبقاء مع الرجال …ولم تلح امي في بقائي بجانبها لان خالي رحمه الله كان يعتبر وجود الاطفال في مثل سني بجانب النساء غير محبذ ..ولانها كانت تحترمه جدا ارتات في عودتي لمصاف الرجال اسلم للجميع، رغم انها في قرارة نفسها كانت تكون اكثر راحة لو كنت بجانبها خوفا من العقارب وسط الجنان ..براف ..رضي الخصمان (انا وامي) وهرولت بسرعة الى عرش الراقصة وبالتحديد الى كوة الكاميرا (مكان المفتاح) …وما ان وضعت عيني على الكوة حتى هالني ما رايت …الراقصة وتقني الابواق يتخاصمان …وعادت بي ذاكرتي الى النزالات التي كنا نتبارى فيها نحن الاطفال …كنا وعندما نتخاصم مع بعضنا يقترح الواحد منا على الاخر معركة بقوله: “ايّا تطيحلي”…؟؟؟ وعندما نتفق يقع طرح السؤال الموالي: “بونية والا صراع او ڨراش؟… وفي الحالة الثانية الغالب هو من يطيح بخصمه ويجثم على صدره …وتقني المصادح غالب في الڨراش ….كدت افتح الباب لادافع عن الراقصة …ثم “ما يحشمش يلعب ڨراش مع مرا ؟؟؟؟ المفروض يتصارع هو وراجل كيفو” … وما هدّأ من روعي انذاك ضحكات الراقصة الخفيفة وكأنها تحب الڨراش ….

غادرت المشهد واجما ولم احك لاحد ما شاهدت ولا ما سمعت وانتظرت خروجها لرقصتها الثانية …عندما خرجت كانت اكثر دلالا واكثر غنجا واكثر حيوية ..كانت شهية كطعم الشهد وعسولة كطعم الرقص ..يبدو ان الڨراش يعمل …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

جور نار

الدنيا ليست بخير كما يزعمون…

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…

هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…

فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟

وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟

فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟

هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار