“السلطة تهرّئ صاحبها” وصاحب القولة والسلطة والتهرئة هو رئيس فرنسا المطوّل فرانسوا ميتيران … رجل لا تعرف من تاريخه هل هو حقا من اليسار أو من اليمين، ولكنه ارتقى إلى السلطة بعد أن أعلن نفسه زعيما موحدا للطيف الاشتراكي بكافة تفريعاته، وتخلص من حلفاء جانبه الأيسر واحدا واحدا، وانتهى في الأخير حليفا لأمريكا في احتلالها لمنطقة الخليج… وكان من رافضي احتكار ديغول، ولكنه حين خلفه بعد عقد من الزمن، تشبث بالحكم 14 سنة متصلة، ولولا الدستور والمرض والوفاة، لطمع في سباعية حكم أخرى…
اعتراف “تونتون” بأن السلطة مثل مبرد الخشب أو مبشرة الجبن، أنار شيئا من معارفنا في ما يخص الساسة وتبدّلهم بين وضع المتفرج على اهل القمة ووضع الجالس على تلك القمة… المتفرج فارس، كما قال كثيرون، إنما هناكحد أدنى … زعماء عدة يصابون بداء حب البقاء في الحكم حتى آخر العمر، ولكن يقف الأمر تقريبا هناك… نحكي عن النظم الديمقراطية طبعا … فالدستور والقوانين ومواثيق حقوق الإنسان، بل قل قواعد التحضر وأخلاق الفرسان وقشرة الشهامة، تبقى دائما في صدارة الصورة التي يحافظ عليها السياسي ويرتفع بها فوق مستوى الرعاع العاديين …
لهذا كان جيسكار ديستان من أول السائرين في جنازة أهم الساخرين منه والمشنّعين عليه، المقلد الموهوب “تييري لولوران” … ولهذا أيضا رفض الجنرال ديغول أن يتم إيقاف شاتمه الدائم “جان بول سارتر” في أحداث 68 … ولهذا كذلك، محا نيلسون مانديلا جميع خطايا النظام الأبيض في حقه وحق شعبه طوال قرنين كاملين، عندما وصل بدوره إلى مقود الحكم … لهذا خاصة، لم تشهد دول أمريكا اللاتينية حملات تطهير عرقي في حق العسكريين السابقين ومختلف فلول الطغم التي سقطت تباعا في الأربعين سنة الأخيرة، تاركة زمام الدولة في أيدي معارضيها القدامى، ومعظمهم من اليسار …
ليس الأمر ببساطة العفو عند المقدرة … فهذه منة قد تجلب لصاحبها المدائح والأذكار، ولكنها لا تليق بمن يريد أن يؤسس لدولة تحترم نفسها … وأهم من هذا، دولة بعيدة النظر شاملة الرؤية، يعرف أصحابها أنك كما تدين تدان، وأنه لكي تأمن على نفسك غدا، لا بد أن يأمن لك معاصروك الضعاف وأنت في سنام القوة والحل والعقد… لهذا ابتكر العقلاء عددا من الأشكال السلسة المستحبة الجامعة لا المفرقة، مثل الانتقال الديمقراطي والعدالة الانتقالية وطي الصفحة وتصفية القلوب ووحدة الوطن ومنطق الأولويات الوطنية إلخ … وقد استفادت دول من هذا، وها أن جنوب إفريقيا تعود إلى صدارة القارة وتقفز حتى إلى صدارة جزء مؤثر من العالم … وها أن فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليونان وغيرها تستعيد بريقها وتكتسب عافية جديدة، بعدما ضمدت بنجاح جراح الماضي وعرفت كيف تستثمر في رأسمال لا يمكن أن ينضب أو يفلس … الثقة …
نأتي إلى ما عندنا… فبعد 2011، هل أسس حكامنا الجدد وقتها لمدونة أخلاقية يحترمونها مع الآخرين، ويحترمها الآخرون معهم حين تدول دولتهم وتدور عليهم الدوائر؟… نبدأ بالخطاب الرسمي وسحنات من تولوا ذلك… رئيس جمهورية دكتور في أصله ومحترف حقوق إنسان وكاتب كتب تملأ خزانة من هذا الحائط إلى هذا الحائط … قرأ ما قرأناه وزاد عليه أضعافا مما ذكرنا أعلاه وما لم نذكر … تعلم في الدول المتحضرة وأتقن لغاتها وعاش هناك ردحا من الزمن ورأى بعينيه كيف تكون الحضارة والأخلاق والسماحة وكبر الكبار فبماذا وفد علينا؟ … لم نعاصر “روبسبيير” ولا تلميذه “سان جوست” بدعاواهما الملتهبة وآلة الفرم التي في ايديهما، ولكننا رأينا المرزوقي وسمعناه بعد وصوله إلى قصر قرطاج… عينان من نار وفم كشوش مزبد ونبرة أبي سفيان في فيلم الرسالة … لا تسمع منه سوى الخونة والعملاء والأزلام والموت والمقاصل والمشانق … ولا تلمس فيه سوى السخرية الجارحة والاحتقار والتعالي والاستعداد الدائم لأقذع ما في الكون … البشر عنده انشطروا إلى فئتين: الذين معه وهم “شعب المواطنين” وطلائع الثورة المباركة، والذين ليسوا معه (بل هو الذي ليس معهم) وهم أوسخ وأحط وأسفل من في الوجود ولا حق لهم حتى في الموت الرحيم …
أما شريكه، أو حليفه، أو أبوه الروحي، أو بدر الثورة الذي طلع فقط من مطار الشرقية 2 … أما شيخ مونبليزير فهو وإن امتاز بخطاب المراوغة وقال مرارا إننا (أي هو وجماعته) نعرف أعداء الأمس بالواحد ولكننا لن نسيء إليهم … وإن قال وقال في العلن، فإنه ووفاء لازدواجه المشهور، أطلق معاونيه في البلاد إطلاق الرخ في رقعة شطرنج… حصدوا ودرسوا وهددوا وأرعدوا وأزبدوا كما لم يحصد ولم يدرس ولم يهدد ولم يرعد ولم يزبد أحد… عبثوا وشتموا وشمتوا وأمعنوا وأوغلوا إلى درجة لا يصدقها عقل …
صدم حقا عيوننا وحواسنا كافة، ركام الحقد (كما يقول محمد الأطرش) الذي كان يقود أقوالهم وأفعالهم، وقسوتهم مع من سبقهم، ومن خالفهم، وتبريرهم لما أوقعوه من انتهاكات أو تكذيبها …مثل أحداث الرش، وضرب المتظاهرين في 9 أفريل، وهجومهم على اتحاد الشغل، وتنكيلهم باتحاد المرأة بحجب منحته وافتكاك مقراته في عهد سهام بادي، واعتداءاتهم بالجملة على نساء نائبات (عبير موسي، سامية عبو…) تحت أعين الكاميرا… وظروف وفاة جيلاني الدبوسي وطريقة كلامهم عنه وهو ميت… وتكريمهم لمن أدينوا بالإرهاب قبل 2011 وعادوا إلى صنيعهم بعدها … ووضع يدهم على الإعلام سواء بالتسلط أو الابتزاز… واختراقهم العلني لكافة المؤسسات… وإفراطهم في استغلال حصانة البرلمان وحرمة القضاء… والصلف والتباهي بأنهم سادة أنفسهم… إلخ، إلخ، إلخ … وما على البقية سوى أن يشربوا من ماء البحر أو يموتوا بغيظهم …
كل هذا وصل للناس واختزنته الذاكرات والعقول والضمائر … فهل نتجرأ على ذاكرة التونسيين وذكائهم ونناشد فيهم صحوة الضمير، حين نسقط أخيرا… بعد أن كنا عاملناهم بلا ضمير، ولا شروى نقير؟.
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.