سؤال يطرح نفسه بعد ما قرره أخيرا قيس سعيد، منذ متى بدأ ساكن قرطاج في التخطيط لما قام به؟ فالعقل لا يقبل أبدا بالرواية التي تقول إن ساكن قرطاج أتى ما أتاه بحثا عن حلّ لمشكلات البلاد، وبهدف انقاذ تونس من الوضع المأسوي الذي أوصلوها إليه منذ عشر سنوات ويزيد…فقيس سعيد أحببنا أم كرهنا هو جزء من منظومة “فاسدة” وإن لم يكن فاسدا، أليس هو رئيس البلاد منذ قرابة السنتين؟ أليس هو من اختاره الشعب لقيادة البلاد؟ إذن هو جزء هام وربّما هو أهمّ جزء من منظومة فشلت في تسيير دواليب الدولة وزادت وضعها الاقتصادي والاجتماعي علاوة على السياسي تأزما…
محمد الأطرش
يقول المنطق إن قيس سعيد وهو رئيس البلاد، والضلع الأهم في ثلاثي الحكم، مسؤول كالبقية عمّا وقع بالبلاد، وعمّا آلت إليه الأوضاع بالبلاد منذ جلوسه على كرسي قرطاج، فهو إذن الشريك الأكبر في ما آلت إليه الأزمة، و وجب منطقيا أن يلقى نفس مصير بقية شركاء الحكم فكيف استثنى نفسه من العقاب وأنقذ نفسه من الحساب…فهل استبق غضب الشعب وخروجه على حكامه ليقفز من مركب الفشل إلى ضفّة تجعله في مأمن من محاسبة الشعب؟
تسلسل الأحداث يؤكّد أن مسؤولية قيس سعيد في مثل حجم مسؤولية بقية أطراف الحكم وربّما أكثر، فهو من اختار الفخفاخ رئيسا للحكومة بعد سقوط حكومة الجملي في امتحان مجلس النواب، وهو من اختار المشيشي رئيسا للحكومة بعد استقالة الفخفاخ اثر اتهامه بشبهة تضارب المصالح، وهو أيضا من عرقل نصف حكومة المشيشي بعد التحوير الذي أجراه هذا الأخير على حكومته وابعاده لكل وزراء القصر، ومن اختارتهم ساكنة قرطاج نادية عكاشة، فقيس سعيد ساهم “عن قصد” في وصول البلاد إلى ما هي عليه، ولم يحرّك ساكنا أصلا أمام ما يقع في مجلس النواب، ولم يقف وقفة حازمة لإيقاف مهزلة المجلس وما يجري تحت قبّته بل كان يعرّج على الأمر في كل خطبه بشكل شيطنة لخصومه داخل وخارج قبّة باردو… فلماذا ترك إذن قيس سعيد البناء ينهار على رؤوس الجميع؟ هل فعل ذلك من أجل إيجاد مبررات لتفعيل الفصل 80 من الدستور؟ أم كان شريكا بنصيب كامل في صنع الخطر الداهم الذي يخوّل له تفعيل ذلك الفصل؟ فهل خطّط قيس سعيد لكل ذلك من أجل الاستيلاء على جميع مفاصل الحكم أم كانت الصدفة التي اعترضت طريقه ليصبح الحاكم بأمره في البلاد والعباد؟
المتابع للأحداث وتسلسلها منذ تقديم قيس سعيد لترشحه لكرسي قرطاج يدرك ومن خلال برنامج هذا الأخير أن قيس سعيد كان يبحث منذ يومه الأول عن رئاسة كاملة الأوصاف والصلاحيات ويريد أن يكون صاحب القرار الأول والأخير رغم علمه بتواضع صلاحيات الرئيس في دستورنا الحالي…فالرجل جاء كرسي قرطاج ليكون ملكا على البلاد دون تاج ودون عرش…فهل بحث قيس ومنذ وصوله كرسي قرطاج عن الاستحواذ على جميع السلطات، وهل وفر كل الظروف تدريجيا لذلك؟ فالرجل لم يكن بذلك الحزم الكبير في تعامله مع بقية أطراف الحكم ولم يقترب من بقية أطراف المشهد، بل كان منغلقا على مجموعة داعمة له، ولم يُشعر الشعب ولا المتابعين للمشهد بأنه شريك في ما يقع بالبلاد وجزء من المنظومة، بل روّج من خلال كل ما يـأتيه بأنه خارج السرب، ولا شيء يربطه بمنظومة الحكم الحالي، وكأني به يريد الإيقاع بهم جميعا والتسويق جماهيريا بأنه غير مسؤول عن الأزمات التي تعيشها البلاد سواء كانت الأزمة الصحية أو الاقتصادية والاجتماعية، فالرجل لم يساهم ولو بالنصيحة أو بالاقتراح في حلحلة الأمور، رافضا كل حوار مع أي طرف اجتماعي أو سياسي عرض عليه الأمر، وجلس يشاهد سقوط المنظومة وتصاعد وتيرة غضب الشارع عنها، وتضاعف عدد الرافضين لها، وتراجع شعبية كل الجالسين أمامه من شركاء الحكم، والأغرب أنه لم يحرّك ساكنا ولم يُولِ أهميّة كبيرة للملفات التي هي تحت سلطته وبحوزته، خاصة تلك التي تتعلّق بالتعاون الدولي والعلاقات الديبلوماسية.
كأني بقيس سعيد استشعر ما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع وما يمكن أن يقع بالبلاد فاختار توقيت وضع يده على حكم البلاد بعد أن عشنا معه خطبا نارية اتهم فيها كل خصومه وكل من يشاركونه الحكم بالفساد، وهددهم بالويل والثبور وعظائم الأمور لمدّة فاقت السنة ونصف السنة، فالرجل هدّد بالضغط على زر إطلاق صواريخه الدستورية التي كانت تنتظر إشارة واحدة منه لتنطلق من منصاتها، ماذا يعني كل هذا يا ترى؟ هل كان قيس سعيد ينتظر اكتمال مبررات انقلابه على بقية شركاء الحكم؟ وهل ترك الحبل على الغارب ليزيد من غضب الشارع والشعب ويكتمل بذلك شحن الشعب نفسيا ضدّ من يحكمه؟ وهل كان إعلانه للحرب ضدّ المشيشي ومن حوله فقط لإيهام الشعب وأتباعه بأنه ليس منهم وليس شريكا في ما يقع بالبلاد وأن خروج الشعب على هؤلاء أصبح ضرورة مؤكّدة؟ وهل وضع نفسه من خلال قطيعته مع شركاء الحكم في مأمن من غضب الشعب وردّة فعله؟
لاحظ بعض المتابعين للمشهد السياسي بتونس أن ارتفاع حدّة توتّر ساكن قرطاج أصبحت واضحة للعيان مباشرة بعد انقلاب المشيشي عليه وعلى خياراته، وزادت حدّتها بعد ارتماء المشيشي في حضن حزام سياسي وبرلماني تتزعمه حركة النهضة ويضمّ ائتلاف الكرامة وقلب تونس وكتلة الإصلاح في المقام الأول وحركة تحيا تونس وبعض الكتل الداعمة الأخرى في مقام ثان، وتأكّد حينها قيس سعيد أنه لن ينجح في الوفاء بوعوده لمن انتخبوه وأوصلوه إلى كرسي قرطاج من العمود الفقري لقواعده وأتباعه، فهُم من صوّتوا له في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، وأدرك أن فرصة إعادة انتخابه لولاية ثانية أصبحت تتلاشى تدريجيا، وكان عليه أن يجد حلاّ ينقذ به مسيرته في قصر قرطاج فالرجل لم يقم بشيء يذكر خلال سنة وأكثر من وجوده بقصر قرطاج، وهذا سيكون وصمة عار لن تمّحي من ذاكرته، وهو الجالس على كرسي جلس عليه الزعيم بورقيبة رحمه الله لحوالي الثلاثين سنة وبن علي رحمه الله لأكثر من عقدين وقاما بكثير من الأعمال وتركا أثرا سيذكره التاريخ بعد مئات السنين. فكيف ينقذ نفسه وتاريخه من ورقة بيضاء لا شيء فيها تجعله مجرّد اسم عابر في سطر يتيم ببعض كتب التاريخ؟
والغريب في أمر ساكن قرطاج هو تحرّكه السريع والكبير بعد 25 جويلية لجلب وتوفير التلاقيح واستجداء المساعدات والهبات والعطايا، فالرجل كان يعلم قبل ذلك الوقت بكثير بما آلت إليه الأمور الصحية بالبلاد، وكان يعلم بعدد من ماتوا بسبب الكوفيد لكنه لم يكن حازما بالشكل الذي كان يجب أن يكون عليه وأوعز لأتباعه بإغراق المشهد الإعلامي بأخبار نفاد الاوكسيجين وعدم توفير التلاقيح، وصدفة تغيّر كل شيء وصمت الجميع عن الاوكسيجين والتلاقيح…وأصبح كل شيء على ما يرام… وقرّر الرئيس أيام التلقيح الجماعي لتتحرّك “ماكينته” الإعلامية وتجعل من اليوم الأول للتلقيح الجماعي حدثا لم يشهده العالم أبدا…فماذا لو تدخّل قبل الانقلاب بأشهر ليقترح ما فعله وليتحرك دوليا من أجل توفير التلاقيح وأجهزة التنفس وشحنات الأوكسيجين؟ فهل وضع قيس سعيد مخططا لكل ما وقع في البلاد من أجل إيجاد مبررات انقلابه على خصومه؟
ماذا كان يريد حقّا قيس سعيد بما قد يكون خطّط له ونفّذه يوم 25 جويلية الماضي وأكمل صياغته القانونية هذا الأسبوع؟ هل كان يريد فقط إصلاح شأن وحال البلاد وانقاذها من الإفلاس والخراب والدمار التي تسببت فيهم كل منظومات حكم ما بعد 14 جانفي، أم كان يبحث عن أمر أكبر من ذلك بكثير؟ لسائل أن يسأل كيف يمكن لقيس سعيد أن يغيّر حال البلاد وهو في سنته الثانية على كرسي قرطاج؟ هل ستكفي ثلاث سنوات ليصلح حال البلاد ويطهّرها من الفساد كما يزعم ويصرخ بذلك في كل خطاب؟ كل عاقل سيجيبنا عن هذا السؤال بــ”لا” فقيس سعيد لن يكون قادرا على فعل ذلك في ثلاث سنوات فقط وفي ظلّ ظروف اجتماعية واقتصادية كالتي تعيشها البلاد اليوم…فماذا يريد إذن؟
الإجابة واضحة للعيان من خلال ما أتاه هذا الأسبوع فما قرره ونشره بالرائد الرسمي للبلاد التونسية يؤكّد بما لا يدع مجالا للشكّ، أن الرجل يبحث عن إطالة مدّة إقامته بقصر قرطاج ويريدها مصحوبة بكل مقاليد الحكم كما كان الشأن بالنسبة لبن علي رحمه الله…فلا أحد سيصدّق أن الرجل فعل كل هذا الذي فعله ليسلّم البلاد إلى غيره أو أحد خصومه بعد أن ينهي تنفيذ ما قرره…فشيطنة خصومه…وإبادتهم الجماعية سياسيا كان مخطّطا لها فهو يدرك أن أكثر من ثُلُثي الشعب التونسي لا يريدون بقاء حركة النهضة في الحكم، ولا حتى عودتها للسلطة وسيسعدون بإبعادها عن الحكم، فاختار أن تكون هي أولى ضحاياه وبذلك كسب تعاطفا واسعا، ومساندة كبيرة من كل من يكرهها وأصبح عند بعضهم “بطل” معركة التحرير من آخر فصائل إخوان الربيع العربي، وتعاطف معه حتى بعض من هم منها ومعها، كما أنه أوجد مشروعية شعبية لحلّ مجلس النواب من خلال تركه الحبل على الغارب وشيطنته اليومية لفساد بعض من هم تحت قبّة باردو دون أدلة وإثباتات تسمح له بوضعهم في السجون…
فالشارع التونسي وبعد أن تمّ شحنه ضدّ كل الأحزاب لم يعُد مهتما بمن يكون قيس سعيد أو بما يريده قيس، أو بخطر وإمكانية تحوله إلى مستبد أو دكتاتور غدا، وسيقول لك لو سألته عن سبب مساندته الكبيرة لقيس سعيد بقوله “ما خَرِّجْ النهضة كَان هُوَ”…وهو نفس ما وقع مع التجمّع بعد 14 جانفي 2011…فالحكاية ليست أكثر من انتقام مكوّنات سياسية من بعضها البعض، ومن انتقام رئيس جمهورية ممن حوّلوا وجهة من اختاره وزيرا أول ومن حرموه من سلطة تامة بدستور وقعت صياغته على مقاس من صاغه…وهذه الرغبة في الانتقام هي من أوجدت الرغبة الجامحة لساكن قرطاج في البقاء أكثر ما يمكن في قصر قرطاج…فكل قراراته التي نشرت في الرائد الرسمي تصبّ في نتيجة واحدة وهدف واحد…انتخابات تشريعية سابقة لأوانها يكون فيها لــ”الشعب يريد” النصيب الأكبر من المقاعد، بعد صياغة قانون انتخابي جديد يسمح للأحزاب بكسب الأغلبية المطلقة التي تسمح لحزب واحد بحكم البلاد، خاصة أنه نجح في تفتيت كل الأحزاب التي يمكن أن تنافسه جدّيا في المحطّة الانتخابية السابقة لأوانها بما أتاه يوم 25 جويلية الماضي، فحتى الدستوري الحرّ سيفقد بريقه بعد أفول نجم النهضة وشيخها وبعد ظهور حزب الرئيس للعلن…ومن خلال “الشعب يريد” يمكن لقيس سعيد أن يواصل الجلوس على كرسي قرطاج بعد انتخابات 2024…فالرجل سيصبح خطابه وخطاب “الشعب يريد” واحدا وبرنامجهما واحدا، سيضمن بذلك ولاية ثانية تسمح له بتغيير كل ما يريد تغييره دستوريا وقانونيا وسياسيا…وسيضمن بأغلبية برلمانية تمرير كل تعديل دستوري دون الحاجة إلى استفتاء شعبي…
لكن هل قرأ قيس سعيد حسابا للأوضاع الاقتصادية للبلاد؟ وهل قرأ حسابا لما ينتظره في السنة المالية القادمة وفي ما تبقى من هذه السنة؟ وهل قرأ حسابا لانتهاء مفعول الخمرة في رؤوس أتباعه؟ فغدا ينتهي مفعول قراراته وما أتاه…وسيعود الشعب وأتباعه إلى شؤونهم وحياتهم وأوجاعهم وما ينتظرونه من وعود قيس سعيد…و سيخرجون ليطالبوه بالدفع على الحساب…فمئات الآلاف سيطلبون تفعيل القانون 38 لسنة 2020…ومئات الآلاف سيطالبون بمورد رزق…وعشرات الآلاف سيطالبونه بتسوية وضعياتهم ورفع المظالم عنهم…ولن يفعل من أجلهم شيئا غير قوله “أصبروا علينا شوية”….حينها قد يقول الشعب “يبطى شوية”…
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟