تابعنا على

جور نار

هل خطّط قيس سعيد للانقلاب … منذ جلوسه على كرسي قرطاج؟!

نشرت

في

سؤال يطرح نفسه بعد ما قرره أخيرا قيس سعيد، منذ متى بدأ ساكن قرطاج في التخطيط لما قام به؟ فالعقل لا يقبل أبدا بالرواية التي تقول إن ساكن قرطاج أتى ما أتاه بحثا عن حلّ لمشكلات البلاد، وبهدف انقاذ تونس من الوضع المأسوي الذي أوصلوها إليه منذ عشر سنوات ويزيد…فقيس سعيد أحببنا أم كرهنا هو جزء من منظومة “فاسدة” وإن لم يكن فاسدا، أليس هو رئيس البلاد منذ قرابة السنتين؟ أليس هو من اختاره الشعب لقيادة البلاد؟ إذن هو جزء هام وربّما هو أهمّ جزء من منظومة فشلت في تسيير دواليب الدولة وزادت وضعها الاقتصادي والاجتماعي علاوة على السياسي تأزما…

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
محمد الأطرش

يقول المنطق إن قيس سعيد وهو رئيس البلاد، والضلع الأهم في ثلاثي الحكم، مسؤول كالبقية عمّا وقع بالبلاد، وعمّا آلت إليه الأوضاع بالبلاد منذ جلوسه على كرسي قرطاج، فهو إذن الشريك الأكبر في ما آلت إليه الأزمة، و وجب منطقيا أن يلقى نفس مصير بقية شركاء الحكم فكيف استثنى نفسه من العقاب وأنقذ نفسه من الحساب…فهل استبق غضب الشعب وخروجه على حكامه ليقفز من مركب الفشل إلى ضفّة تجعله في مأمن من محاسبة الشعب؟

تسلسل الأحداث يؤكّد أن مسؤولية قيس سعيد في مثل حجم مسؤولية بقية أطراف الحكم وربّما أكثر، فهو من اختار الفخفاخ رئيسا للحكومة بعد سقوط حكومة الجملي في امتحان مجلس النواب، وهو من اختار المشيشي رئيسا للحكومة بعد استقالة الفخفاخ اثر اتهامه بشبهة تضارب المصالح، وهو أيضا من عرقل نصف حكومة المشيشي بعد التحوير الذي أجراه هذا الأخير على حكومته وابعاده لكل وزراء القصر، ومن اختارتهم ساكنة قرطاج نادية عكاشة، فقيس سعيد ساهم “عن قصد” في وصول البلاد إلى ما هي عليه، ولم يحرّك ساكنا أصلا أمام ما يقع في مجلس النواب، ولم يقف وقفة حازمة لإيقاف مهزلة المجلس وما يجري تحت قبّته بل كان يعرّج على الأمر في كل خطبه بشكل شيطنة لخصومه داخل وخارج قبّة باردو… فلماذا ترك إذن قيس سعيد البناء ينهار على رؤوس الجميع؟ هل فعل ذلك من أجل إيجاد مبررات لتفعيل الفصل 80 من الدستور؟ أم كان شريكا بنصيب كامل في صنع الخطر الداهم الذي يخوّل له تفعيل ذلك الفصل؟ فهل خطّط قيس سعيد لكل ذلك من أجل الاستيلاء على جميع مفاصل الحكم أم كانت الصدفة التي اعترضت طريقه ليصبح الحاكم بأمره في البلاد والعباد؟

المتابع للأحداث وتسلسلها منذ تقديم قيس سعيد لترشحه لكرسي قرطاج يدرك ومن خلال برنامج هذا الأخير أن قيس سعيد كان يبحث منذ يومه الأول عن رئاسة كاملة الأوصاف والصلاحيات ويريد أن يكون صاحب القرار الأول والأخير رغم علمه بتواضع صلاحيات الرئيس في دستورنا الحالي…فالرجل جاء كرسي قرطاج ليكون ملكا على البلاد دون تاج ودون عرش…فهل بحث قيس ومنذ وصوله كرسي قرطاج عن الاستحواذ على جميع السلطات، وهل وفر كل الظروف تدريجيا لذلك؟ فالرجل لم يكن بذلك الحزم الكبير في تعامله مع بقية أطراف الحكم ولم يقترب من بقية أطراف المشهد، بل كان منغلقا على مجموعة داعمة له، ولم يُشعر الشعب ولا المتابعين للمشهد بأنه شريك في ما يقع بالبلاد وجزء من المنظومة، بل روّج من خلال كل ما يـأتيه بأنه خارج السرب، ولا شيء يربطه بمنظومة الحكم الحالي، وكأني به يريد الإيقاع بهم جميعا والتسويق جماهيريا بأنه غير مسؤول عن الأزمات التي تعيشها البلاد سواء كانت الأزمة الصحية أو الاقتصادية والاجتماعية، فالرجل لم يساهم ولو بالنصيحة أو بالاقتراح في حلحلة الأمور، رافضا كل حوار مع أي طرف اجتماعي أو سياسي عرض عليه الأمر، وجلس يشاهد سقوط المنظومة وتصاعد وتيرة غضب الشارع عنها، وتضاعف عدد الرافضين لها، وتراجع شعبية كل الجالسين أمامه من شركاء الحكم، والأغرب أنه لم يحرّك ساكنا ولم يُولِ أهميّة كبيرة للملفات التي هي تحت سلطته وبحوزته، خاصة تلك التي تتعلّق بالتعاون الدولي والعلاقات الديبلوماسية.

كأني بقيس سعيد استشعر ما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع وما يمكن أن يقع بالبلاد فاختار توقيت وضع يده على حكم البلاد بعد أن عشنا معه خطبا نارية اتهم فيها كل خصومه وكل من يشاركونه الحكم بالفساد، وهددهم بالويل والثبور وعظائم الأمور لمدّة فاقت السنة ونصف السنة، فالرجل هدّد بالضغط على زر إطلاق صواريخه الدستورية التي كانت تنتظر إشارة واحدة منه لتنطلق من منصاتها، ماذا يعني كل هذا يا ترى؟ هل كان قيس سعيد ينتظر اكتمال مبررات انقلابه على بقية شركاء الحكم؟ وهل ترك الحبل على الغارب ليزيد من غضب الشارع والشعب ويكتمل بذلك شحن الشعب نفسيا ضدّ من يحكمه؟ وهل كان إعلانه للحرب ضدّ المشيشي ومن حوله فقط لإيهام الشعب وأتباعه بأنه ليس منهم وليس شريكا في ما يقع بالبلاد وأن خروج الشعب على هؤلاء أصبح ضرورة مؤكّدة؟ وهل وضع نفسه من خلال قطيعته مع شركاء الحكم في مأمن من غضب الشعب وردّة فعله؟

لاحظ بعض المتابعين للمشهد السياسي بتونس أن ارتفاع حدّة توتّر ساكن قرطاج أصبحت واضحة للعيان مباشرة بعد انقلاب المشيشي عليه وعلى خياراته، وزادت حدّتها بعد ارتماء المشيشي في حضن حزام سياسي وبرلماني تتزعمه حركة النهضة ويضمّ ائتلاف الكرامة وقلب تونس وكتلة الإصلاح في المقام الأول وحركة تحيا تونس وبعض الكتل الداعمة الأخرى في مقام ثان، وتأكّد حينها قيس سعيد أنه لن ينجح في الوفاء بوعوده لمن انتخبوه وأوصلوه إلى كرسي قرطاج من العمود الفقري لقواعده وأتباعه، فهُم من صوّتوا له في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، وأدرك أن فرصة إعادة انتخابه لولاية ثانية أصبحت تتلاشى تدريجيا، وكان عليه أن يجد حلاّ ينقذ به مسيرته في قصر قرطاج فالرجل لم يقم بشيء يذكر خلال سنة وأكثر من وجوده بقصر قرطاج، وهذا سيكون وصمة عار لن تمّحي من ذاكرته، وهو الجالس على كرسي جلس عليه الزعيم بورقيبة رحمه الله لحوالي الثلاثين سنة وبن علي رحمه الله لأكثر من عقدين وقاما بكثير من الأعمال وتركا أثرا سيذكره التاريخ بعد مئات السنين. فكيف ينقذ نفسه وتاريخه من ورقة بيضاء لا شيء فيها تجعله مجرّد اسم عابر في سطر يتيم ببعض كتب التاريخ؟

والغريب في أمر ساكن قرطاج هو تحرّكه السريع والكبير بعد 25 جويلية لجلب وتوفير التلاقيح واستجداء المساعدات والهبات والعطايا، فالرجل كان يعلم قبل ذلك الوقت بكثير بما آلت إليه الأمور الصحية بالبلاد، وكان يعلم بعدد من ماتوا بسبب الكوفيد لكنه لم يكن حازما بالشكل الذي كان يجب أن يكون عليه وأوعز لأتباعه بإغراق المشهد الإعلامي بأخبار نفاد الاوكسيجين وعدم توفير التلاقيح، وصدفة تغيّر كل شيء وصمت الجميع عن الاوكسيجين والتلاقيح…وأصبح كل شيء على ما يرام… وقرّر الرئيس أيام التلقيح الجماعي لتتحرّك “ماكينته” الإعلامية وتجعل من اليوم الأول للتلقيح الجماعي حدثا لم يشهده العالم أبدا…فماذا لو تدخّل قبل الانقلاب بأشهر ليقترح ما فعله وليتحرك دوليا من أجل توفير التلاقيح وأجهزة التنفس وشحنات الأوكسيجين؟ فهل وضع قيس سعيد مخططا لكل ما وقع في البلاد من أجل إيجاد مبررات انقلابه على خصومه؟

ماذا كان يريد حقّا قيس سعيد بما قد يكون خطّط له ونفّذه يوم 25 جويلية الماضي وأكمل صياغته القانونية هذا الأسبوع؟ هل كان يريد فقط إصلاح شأن وحال البلاد وانقاذها من الإفلاس والخراب والدمار التي تسببت فيهم كل منظومات حكم ما بعد 14 جانفي، أم كان يبحث عن أمر أكبر من ذلك بكثير؟ لسائل أن يسأل كيف يمكن لقيس سعيد أن يغيّر حال البلاد وهو في سنته الثانية على كرسي قرطاج؟ هل ستكفي ثلاث سنوات ليصلح حال البلاد ويطهّرها من الفساد كما يزعم ويصرخ بذلك في كل خطاب؟ كل عاقل سيجيبنا عن هذا السؤال بــ”لا” فقيس سعيد لن يكون قادرا على فعل ذلك في ثلاث سنوات فقط وفي ظلّ ظروف اجتماعية واقتصادية كالتي تعيشها البلاد اليوم…فماذا يريد إذن؟

الإجابة واضحة للعيان من خلال ما أتاه هذا الأسبوع فما قرره ونشره بالرائد الرسمي للبلاد التونسية يؤكّد بما لا يدع مجالا للشكّ، أن الرجل يبحث عن إطالة مدّة إقامته بقصر قرطاج ويريدها مصحوبة بكل مقاليد الحكم كما كان الشأن بالنسبة لبن علي رحمه الله…فلا أحد سيصدّق أن الرجل فعل كل هذا الذي فعله ليسلّم البلاد إلى غيره أو أحد خصومه بعد أن ينهي تنفيذ ما قرره…فشيطنة خصومه…وإبادتهم الجماعية سياسيا كان مخطّطا لها فهو يدرك أن أكثر من ثُلُثي الشعب التونسي لا يريدون بقاء حركة النهضة في الحكم، ولا حتى عودتها للسلطة وسيسعدون بإبعادها عن الحكم، فاختار أن تكون هي أولى ضحاياه وبذلك كسب تعاطفا واسعا، ومساندة كبيرة من كل من يكرهها وأصبح عند بعضهم “بطل” معركة التحرير من آخر فصائل إخوان الربيع العربي، وتعاطف معه حتى بعض من هم منها ومعها، كما أنه أوجد مشروعية شعبية لحلّ مجلس النواب من خلال تركه الحبل على الغارب وشيطنته اليومية لفساد بعض من هم تحت قبّة باردو دون أدلة وإثباتات تسمح له بوضعهم في السجون…

فالشارع التونسي وبعد أن تمّ شحنه ضدّ كل الأحزاب لم يعُد مهتما بمن يكون قيس سعيد أو بما يريده قيس، أو بخطر وإمكانية تحوله إلى مستبد أو دكتاتور غدا، وسيقول لك لو سألته عن سبب مساندته الكبيرة لقيس سعيد بقوله “ما خَرِّجْ النهضة كَان هُوَ”…وهو نفس ما وقع مع التجمّع بعد 14 جانفي 2011…فالحكاية ليست أكثر من انتقام مكوّنات سياسية من بعضها البعض، ومن انتقام رئيس جمهورية ممن حوّلوا وجهة من اختاره وزيرا أول ومن حرموه من سلطة تامة بدستور وقعت صياغته على مقاس من صاغه…وهذه الرغبة في الانتقام هي من أوجدت الرغبة الجامحة لساكن قرطاج في البقاء أكثر ما يمكن في قصر قرطاج…فكل قراراته التي نشرت في الرائد الرسمي تصبّ في نتيجة واحدة وهدف واحد…انتخابات تشريعية سابقة لأوانها يكون فيها لــ”الشعب يريد” النصيب الأكبر من المقاعد، بعد صياغة قانون انتخابي جديد يسمح للأحزاب بكسب الأغلبية المطلقة التي تسمح لحزب واحد بحكم البلاد، خاصة أنه نجح في تفتيت كل الأحزاب التي يمكن أن تنافسه جدّيا في المحطّة الانتخابية السابقة لأوانها بما أتاه يوم 25 جويلية الماضي، فحتى الدستوري الحرّ سيفقد بريقه بعد أفول نجم النهضة وشيخها وبعد ظهور حزب الرئيس للعلن…ومن خلال “الشعب يريد” يمكن لقيس سعيد أن يواصل الجلوس على كرسي قرطاج بعد انتخابات 2024…فالرجل سيصبح خطابه وخطاب “الشعب يريد” واحدا وبرنامجهما واحدا، سيضمن بذلك ولاية ثانية تسمح له بتغيير كل ما يريد تغييره دستوريا وقانونيا وسياسيا…وسيضمن بأغلبية برلمانية تمرير كل تعديل دستوري دون الحاجة إلى استفتاء شعبي…

لكن هل قرأ قيس سعيد حسابا للأوضاع الاقتصادية للبلاد؟ وهل قرأ حسابا لما ينتظره في السنة المالية القادمة وفي ما تبقى من هذه السنة؟ وهل قرأ حسابا لانتهاء مفعول الخمرة في رؤوس أتباعه؟ فغدا ينتهي مفعول قراراته وما أتاه…وسيعود الشعب وأتباعه إلى شؤونهم وحياتهم وأوجاعهم وما ينتظرونه من وعود قيس سعيد…و سيخرجون ليطالبوه بالدفع على الحساب…فمئات الآلاف سيطلبون تفعيل القانون 38 لسنة 2020…ومئات الآلاف سيطالبون بمورد رزق…وعشرات الآلاف سيطالبونه بتسوية وضعياتهم ورفع المظالم عنهم…ولن يفعل من أجلهم شيئا غير قوله “أصبروا علينا شوية”….حينها قد يقول الشعب “يبطى شوية”…

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الدنيا ليست بخير كما يزعمون…

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…

هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…

فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟

وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟

فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟

هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…

أكمل القراءة

جور نار

ملاّ ليلة كلبة!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…

سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…

جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة  ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…

نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”

ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”

نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي  منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”

هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”

نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”

همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…

نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….

شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…

ملا ليلة كلبة…

أكمل القراءة

جور نار

محمد الأطرش يعود: نحن… ولعنة “الخوف الديمقراطي”!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

التقيت صديقا من مشاكسي أيام زمان فاقترح علي مجالسته لبعض الوقت في أحد مقاهي المدينة فقبلت بالأمر… جلس وأشعل سيجارته وقال “حين تسأل اليوم من يعترضك من المارة أو أحد الأصدقاء كيف حالك؟؟ غالبا ما تكون الإجابة (الأمور ليست كما هي… جميعنا نعيش تحت غطاء الخوف)… تسأله مم الخوف؟ يجيبك (لا نعلم…)

هكذا جميعنا اليوم أو أغلبنا، هل ورثنا ثقافة الخوف عن أبائنا أم هي ثقافة كسبناها مما عشناه ونعيشه، ما رأيك يا صديقي في هذا الأمر؟؟” قلت: “في العهود التي مرّت بها البلاد وعشناها كنّا نخاف كل شيء، فحين كنّا صغارا كان خوفنا كبيرا من أمّنا ومن إخوتنا الكبار، وكنّا نعيش الرعب مع والدنا خوفا من عقاب شديد لا نعلم لماذا ومن فرضه علينا وبأي قانون وقع فرضه…ثم حين كبرنا وكان ذلك في عهد بورقيبة رحمه الله أصبح الخوف أوسع واشمل…وأخذ طابعا آخر فعشنا الخوف من مكاتب الشُعب ومن يعمل فيها ومن رئيسها فكان أغلبنا يمرّ أمام مكتب الشعبة مطأطئ الرأس صامتا يلقي التحيّة دون أن يلتفت إلى على من ألقى التحية… وقد يصل الخوف ببعضنا بأن يرفع عقيرته بالصراخ (نموت نموت ويحيا الوطن…) وقد يرفع عقيرته بالنشيد الوطني وكأنه في تحية العلم الصباحية،

كبرنا وبدأنا نفاخر ببعض الشعيرات التي غزت ذقوننا ولم يغادرنا الخوف بل أقسم أن لا يفارقنا ويتركنا في حالنا، فاصبحنا نخاف عون الأمن وأقاربه واصهاره ومن يجالسه…ثم عرفنا دور العمدة ومدى قربه من السلطة والحكم فأصبحنا نخافه ونخاف من يعمل معه ومن يجالسه ومن يرافقه ونخاف أهله وأصهاره وحتى أصدقاء صغاره…ولم تسلم المدرسة ومن يعمل فيها من خوفنا… فكنّا نخاف حين نمرّ أمام بوّاب المدرسة من وشاية تسبقنا إلى مدير المدرسة… معلمنا أيضا لم يسلم من خوفنا…فكنّا أيضا نخاف من وشاة القسم، فبعض من هم أقرب منّا إلى المعلم ويلاطفهم بتوصية من زميل له يعمل بالمدرسة التي لا تبعد عن مدرستنا كثيرا، كانوا يقرؤون في حصة القرآن “قل أعوذ برب الناس” ثم يذهبون ليوسوسوا في أذن المعلم عمّا يفعله بعضنا خارج القسم والمدرسة، فتنزل ببعضنا أشدّ العقوبات فيغلق في وجهنا مضيق هرمز… عفوا باب القسم فنمنع من الدخول…

هكذا كان لكل من مرّوا بحياتنا وشاة ينشرون الرعب والخوف… فمدير المدرسة وحارس المدرسة وبوابها… والأستاذ… وابن الأستاذ وابن أخت الأستاذ… والعمدة وجار العمدة وقوّاد العمدة… ومخبر قوّاد العمدة… والمعتمد وابن المعتمد… وصديقة ابن العمدة وابن المعتمد وابن شقيق الوالي وحارس الولاية وقوّاد الوالي ومن يجالسهم ومن يتعاملون معه في السرّ والعلن… جميعهم أذاقونا وجع الشكّ في القوادة فكنّا نخافهم بسبب ودون سبب ولا نعرف حتى لِمَ وجب علينا أن نخافهم ونخاف وشاتهم …ث

م كبرنا…وحين أصبحنا في عمر يسمح لنا بالوقوع في حبّ ابنة جارتنا فتحية أو زميلتنا في القسم كنّا نخاف أبناء الحي والأحياء المجاورة… فالوقوع في الحبّ ليس في متناول الجميع في أيامنا تلك… وابن الفقير لا يسمح له بالتقرّب من ابنة العمدة أو رئيس الشعبة أو ابنة مدير المدرسة وقد يعيش الرعب لو عاكس ابنة المعتمد أو ابنة رئيس مركز الشرطة، ففي أيامنا تلك حتى الوقوع في الحبّ بالأكتاف…فـــ”مها” لا يمكن لــ”خليفة” ان يقترب منها ويعاكسها… و”الشعلاء” أيضا فليس لها الحق في أن تعشق أو تعجب بــ”نوفل” و”كمال”… فـــ”نوفل” هو ابن المعتمد و”كمال” هو صاحبه ابن العمدة… لـ”خليفة” لالحقّ كاملا في معاكسة “برنية” و”أم الخير” لكن لا حقّ له في الاقتراب من “ابتسام”…فالاقتراب حينها يصبح سامّا وقد يعرّضه لعقوبات وتتبعات ومضايقات وملاحقات و”شفطات” وويل وثبور وعظائم أمور…

وهكذا كان أيضا عهد بن علي رحمه الله… فتواصلت معنا لعنة أو لنقل ثقافة الخوف … الخوف مما سبق الى ما لحق… فكنّا نخاف بن علي رحمه الله ومدير ديوانه وأعضاء ديوانه وأقاربهم وعائلاتهم وأصهارهم ومعارفهم ومن يجالسهم من له أرقام هواتفهم… كما عرفنا الخوف من كل الوزارات ومن يعمل فيها ومن يديرها ومن يدخلها ومن يجالس من فيها وعائلاتهم وأصهارهم وأبناء عمومتهم… ودبّ الخوف أيضا في قلوبنا من أعضاء مجلس النواب واللجنة المركزية والديوان السياسي وكل من له علاقة أو صلة بهم وبأحد أقاربهم وأتباعهم ومن يجالسهم ومن يصاهرهم ومن يعرف أرقام هواتفهم … دون أن ننسى خوفنا الدائم من الوالي والمعتمد الأول والمعتمد والعمدة وصديق العمدة وعمّ العمدة وخال زوجة العمدة وابن أخت العمدة وسائق الوالي والمعتمد والخ الخ الخ….

ثم وقع إضافة بند آخر في قائمة الرعب، فتوسعت القائمة لتشمل ليلى وأخواتها ومن يجالسها ومن يصاهرها ومن يعرف رقمها ورقم إخوتها… ثم سافر بن علي رحمه الله لأداء مناسك الحج والعمرة والموت في البقاع المقدسة… واستوطن التتار والمغول والفيكينغ أرضنا وجاء جنكيز خان على حصانه المخطط رافعا سيف العدالة والديمقراطية والحرية فلا خوف بعد اليوم لا من ليلى ولا من فتحية ولا حتى من “مولاة الخلة الخمرية”…فأصبح الخوف الديمقراطي أكبر واستوطنت الأحزاب التي خرجت علينا كالفقاقيع كل مقرّات المغفور له التجمّع الدستوري الديمقراطي… فأصبح الخوف ديمقراطيا شموليا… فالولد يخاف من أمه ومن والده ومن إخوته ومن جاره وأصهاره وأبناء عمومته ومن كلبه ومن قطته…

فخرج علينا اليسار يهددنا بالويل والثبور والكثير من الجاوي والبخور… وخرج علينا شيوخ الدين يولولون ويكفّرون ويهددون بجهنم وبئس المصير والمسير… ثم جاء بعض من هم في الاتحاد فأصبحنا جميعا في نظرهم من الأوغاد فخرّبوا الكثير من البناء وأرهقوا البلاد والعباد…فحلّ الرعب والخوف والاستبداد… وحكم بعض رجال الاتحاد البلاد … فأصبحنا جميعا نخاف الأمين العام والكاتب العام ورفيق الأمين العام وصديق الأمين العام وجار الأمين العام وابن عم الأمين العام ومن يجالس الأمين العام ومن يصاهر الكاتب العام وقوّاد الأمين العام… فقط السؤال اليوم هل لخوفنا هذا ما يبرره؟؟؟”

ثم نظرت إلى ساعتي فضحكت وسكتُّ…فقال صديقي لِم ضحكت ولم سكتَّ أكمل؟ قلتُ: الساعة الآن منتصف الليل يعني الساعة صفر وبلغتك أنت صديقي الساعة الصفر هي ذاتها الساعة الرابعة والعشرون وأنا وعدت زوجتي ألا أكون خارج المنزل بعد الساعة صفر… ضحك وقال: “الخوف يدير الجوف يا صاحبي …”

Motif étoiles

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار