يتساءل الجميع شارعا و دولة و مؤسسات، عن مدى قدرة رئيس الحكومة على إخراج البلاد من الوضع التي تعيشه…و يتساءل الجميع عن إمكانية تطبيق القانون و إعادة مواقع الإنتاج إلى سلطة الدولة بعد أن استوطنتها الفوضى و أصبحت خارج سلطتها…فهل ينجح المشيشي حيث فشل غيره يا ترى؟؟ وهل يمتلك الجرأة الكافية لإعادة فتح كل مواقع الإنتاج بالقوّة في صورة عدم الوصول إلى حلّ سلمي يرضي جميع الأطراف؟ و السؤال الأهمّ هل ستقبل المجموعة التي أغلقت مواقع الإنتاج البترولية بإخلاء المكان غدا بعد الإعلان عن جميع فصول الاتفاق، وهل سيكرر المشيشي ما فعله بملف “الكامور” مع بقية ملفات غلق مواقع الإنتاج في بقية “المستوطنات” الاقتصادية؟؟
محمد الأطرش
في خروجه الإعلامي الأخير حاول المشيشي تبرير فشله المنتظر، باتهام كل الحكومات التي سبقت حكومته بالتخاذل في العديد من الملفات، و اتهمها بتصدير كل أزماتها إلى من سيمسك بدواليب السلطة بعدها … لكنه لم يكن شجاعا و لم يذهب إلى التشخيص الأسلم لمن كان سببا في كل ما تعيشه البلاد اليوم…و ستعيشه غدا و ربما بعد غد…فكل الحكومات القادمة سترث إرثا ثقيلا من المديونية و العجز و التضخم …و جميع الحكومات لن تنجح في إخراج البلاد من وحل الأزمة ما لم تكن لها الشجاعة الكافية في تشخيص سليم و واقعي لأسباب ما نحن فيه.
ما هو هذا التشخيص الذي غفل عنه كل رؤساء حكومات ما بعد حكومة قايد السبسي التي جاءت على أنقاض حكومة الغنوشي الثانية؟؟ التشخيص الذي يرعب البعض ذكره هو كيف رضخنا لسلطة الشارع بعد 14 جانفي 2011…و كيف فشلت الدولة في كبح جماح الخارجين عن سلطتها ….و كيف فرّطت في مفاتيح مواقع الإنتاج إلى النقابات و “بلطجية” الفوضى التي أتت على الأخضر و اليابس بعد 14 جانفي… فأسباب ما نحن فيه لم تكن كما يزعم البعض، اختيارات خاطئة للحكومات المتعاقبة و فشلها في إيجاد الحلول الكفيلة بإنقاذ البلاد…و لم تكن أيضا عدم استقرار الوضع و تداول عديد الحكومات على التسيير مما أفسد كل المخططات التي كانت تهدف إلى النهوض بالبلاد و الخروج من الأزمة…فكل هذه الحجج و التبريرات ليست هي أصل الداء…و ليست السبب الرئيسي في ما نحن فيه اليوم…
البلاد بدأت في الانحدار إلى أسفل منذ 14 جانفي 2011 حين أطلقنا العنان للمطالب و الترضيات و تسوية الوضعيات…فالزيادات غير المدروسة و الكرم الحاتمي للحكومات المتعاقبة على البلاد من سنة 2011 إلى سنة 2014 أفرغت كل خزائن الدولة و أغرقت البلاد في الديون… و كل هذا بسبب تعنّت الاتحاد و غطرسته و طغيانه على البلاد و انخراطه الأعمى في ابتزاز الدولة….ففي عهد عبد السلام جراد رأينا العجب في التعامل مع المطالبة بالزيادات في الأجور…فكل اعتصام و ايقاف للإنتاج تقابله من طرف الاتحاد )ضغطا( و الحكومة )تنفيذا( زيادة في الأجور لتهدئة الأمور و الهروب من سماع كلمة “ديقاج”….فالخوف حينها بلغ أشدّه من الشارع و دكتاتورية الشارع المدعومة باستبداد النقابات، فكان الحلّ الأسهل و الأمثل لمن كانوا يقودون البلاد و الاتحاد، تلبية كل الرغبات و المطالب على حساب موارد الدولة….فالزيادات التي تمّ توزيعها يمنة و يسرة لم تقابلها زيادة في الإنتاج بل انحدرت كل مؤشرات الإنتاج إلى أسفل…
و ما زاد الطين بلّة هو أغنية “العفو العام” التي جاؤوا بها لإنقاذ رؤوسهم من الفوضى العارمة التي حلّت بالبلاد…فالعفو التشريعي العام أفرغ جزءا من خزينة الدولة…ثم جاء فرحات الراجحي ليزيد الأمور سوءا و تعقيدا بإعلانه العفو عن آلاف الأمنيين المطرودين دون دراسة لملفاتهم، فغرقت البلاد في موجة من قرارات تسوية الوضعيات أثقلت كاهل الخزينة …فما أقدم عليه الراجحي أصبح ككرة الثلج بانخراط كل مؤسسات الدولة في حملات تسوية للوضعيات أنهكت خزينة الدولة و ضاعفت حجم كتلة الأجور…ثم تواصل العبث بمقدّرات البلاد حين أعلن علي العريّض حملة لتسوية وضعيات كل الأمنيين في محاولة منه لاستقطاب المؤسسة الأمنية سياسيا بجميع أسلاكها فسقطنا في منحدر يصعب الخروج منه…
و تواصل الأمر على هذه الحالة مع وصول حسين العباسي إلى ساحة محمد علي أمينا عاما ثم نور الدين الطبوبي…فتضاعف عدد الاعتصامات و تعطيل مواقع الإنتاج إلى درجة أصبح التصرّف في موارد البلاد يوميا كأي دكان أو حانوت حي…ما تكسبه اليوم تصرفه غدا…فكل المواقع الإنتاجية الحساسة و الهامّة كانت معطّلة من طرف النقابات …و بدأت الدولة تبحث عن حلّ لخلاص أجور موظفيها…و لم تجد غير الاقتراض للمحافظة على استقرار الوضع…و رغم ذلك، و رغم دراية الاتحاد بوضع البلاد الاقتصادي و بما عليه وضع خزينة الدولة واصل هذا الأخير خنق البلاد قطاعيا و بالتناوب….
لم تعش البلاد هدنة اجتماعية بمعنى الهدنة منذ 14 جانفي 2011 …فالإضراب تلو الإضراب و قطع الطريق تلو الآخر…هذه حالنا منذ 2011 الخوف من فقدان المواقع و المناصب جعل الجميع يتنازل و يفتح الباب واسعا أمام الفوضى… كلمة “ديقاج” أرعبت كل من كان يتمتع بخطّة وظيفية فانخرط الجميع في ابتزاز الدولة وتلبية كل مطالب التسويات و الترضيات، حتى أنهكت خزينة الدولة وارتمت كل الحكومات في أحضان الدول و المنظمات المانحة، فغرقت الدولة في وحل غير مسبوق من المديونية والعجز…
و اليوم كيف يمكن لحكومة المشيشي إيقاف النزيف و إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟؟ و هل ينجح في جرّ الاتحاد إلى شراكة فعلية خالية من دسم الابتزاز تصاحبها هدنة طويلة الأمد رغم أن الاتحاد مقدم على مؤتمر قد يضطره إلى الدخول عنوة في حزمة جديدة من المفاوضات الاجتماعية تزيد الطين بلّة وتعكّر وضع خزينة الدولة … فهل يُقدم المشيشي على محاولة جدّية لكبح جماح الاتحاد وإيقاف النزيف أم يدفن رأسه كجميع من سبقوه في التراب لتسقط البلاد في قبضة المجهول… المشيشي يدرك جيدا أنه لن يعوّل على الأحزاب فهذه الأخيرة تخلّت عن دورها الاجتماعي وخيّرت البقاء على الربوة ومشاهدة ما يجري و مهادنة الاتحاد خوفا من سطوته التخريبية…
قد يخرج المشيشي من القصبة في صورة عدم نجاحه في جرّ الاتحاد إلى هدنة طويلة الأمد فالأحزاب لن تغامر بالدخول في حرب مع ساحة محمد علي لأنها لا تريد تحمّل تبعات أي فشل حكومي يوسّع الهوّة بينها و بين قواعدها …فالأحزاب لا تريد شيئا من المشيشي غير بعض المواقع و الخطط لمن سترشحهم لذلك، لكنها لن تغامر بتبني حكومة المشيشي و مشاركته تبعات أي فشل يغرقها في الوحل…و قد لا تهتم أصلا لو ذهبت حكومة المشيشي وذهب هو معها…فالأحزاب اليوم تبحث عن طريقة تبقيها على قيد الحياة وبعضها يريد البقاء خارج السجون حتى موعد الانتخابات القادمة…خاصة أنها على بينة كاملة من نوايا ساكن قرطاج تجاه جميع الأحزاب وتجاه بعض قياداتها…
خلاصة ما يجري في البلاد هو أننا مقدمون على أحلك فترة من تاريخنا الحديث…و ما لم تقع مراجعة العلاقة بين الدولة و الاتحاد لن ننجح في ايجاد حلّ و لو جزئي لما نحن فيه و إنقاذ البلاد من الوضع الذي تردّت فيه…فالدولة و من ورائها البلاد خسرت كثيرا بسبب الخوف…و الارتباك …و الغباء السياسي و الإملاءات و الترضيات التي فاقت كل الحدود…و اليوم يريد بعضنا إعادتنا إلى نفس مربع الفوضى و سلطة و قانون الشارع بحجة أن “الشعب يريد”…. حذار… فالقادم قد يكون أخطر من كل ما مر بهذه البلاد…
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.