تقديري أن التئام تظاهرة المعرض الدولي للكتاب سنويا في تونس بكل هذا الزخم والتناول الإعلامي الواسع هو تقليد مهمّ وجبت المحافظة عليه ومزيد تطويره وجعله حدثا وطنيا بارزا يدخل جميع البيوت والمدارس والفضاءات العامة،
منصف الخميري
لكنه في نفس الوقت يعطي الانطباع الخاطئ بأننا من الشعوب المصنّفة جيدا على مستوى الوقت المخصص للقراءة، وأن طوابير الكتب تُغرينا أكثر مما تُغرينا طوابير السكّر والموز الفاسد. برأيي هو تقليد أشبه بــ “الفزعة” أو “الزردة” تهبّ لها الجموع في نشوة واندفاع لكن سرعان ما ينطفئ أثرها ويخبو بريقها بمجرد مغادرة المقام والعودة إلى رتابة الأيام.
اخترت بهذه المناسبة أن أعرض عليكم بعض التجارب المجدّدة والمُعتمدة في العالم خارج سياقات المعارض والمناسبات الدورية، لعلّها تفيد مدرستنا ومختلف العاملين فيها والمتردّدين عليها.
تجربة “الشخصية الرمزية الصديقة داخل القسم”
تتمثل هذه التجربة المعتمدة وراء أسوار بعض المدارس البريطانية في اختيار حيوان أليف مصنوع من الصوف أو ما شابه، يُقدّم في مفتتح السنة الدراسية للتلاميذ بكونه الضيف المبجّل والحريّ بجميع الأطفال أن يتبنّوه صديقا لهم كلّهم ويطلقون عليه اسما توافقيّا طريفا، ثمّ يتولّى كل تلميذ استدعاءه خلال عطلة نهاية الأسبوع فيحمله معه إلى البيت وينجز معه افتراضيا جملة من الأنشطة ويعرّفه على أفراد عائلته ويجعله يكتشف خصوصيات المحيط الذي يعيش فيه ويدعوه إلى حضور فعاليات لعبيّة أو ثقافية مّا لو تسنّى له ذلك. ويوم الاثنين صباحا، تخصص المعلّمة مساحة زمنية لاستعادة الضيف داخل القسم ودعوة التلميذ الذي استضافه مدة يومين، إلى تقديم عرض شفوي مهيكل يدوم ربع ساعة أو أكثر بقليل للحديث إلى أقرانه حول طعم التجربة التي خاضها مع الضيف والأشياء أو الأشخاص أو الأكلات التي تسنى له معرفتها واكتشافها.
من فوائد هذه التجربة أنها تدفع الطفل نحو مواجهة جمهور متحفّز وله انتظارات وتطلّع إلى معرفة ما حدث لصديقهم المشترك وأين تجوّل وماذا أكل وكيف استقبلته العائلة الحاضنة…وهذه المواجهة الأولى هي التي سيتدرّب من خلالها الطفل على دحر خجله واستنهاض أفضل ما لديه لنيل رضى جمهوره ورضاه عن نفسه. من فوائدها أيضا أنها تلقّن الأطفال درسا في “التعاطف” وبذل الجهد في سبيل العناية بالآخر والإحاطة به، في مناخ عام يشجّع على الفردانيّة والتمركز حول الذات وسيادة منطق بعدي أنا الطوفان. وثالثا فإنها تجربة تدفع الطفل إلى اتخاذ مسافة ذهنية كافية إزاء عائلته ومحيطه الطبيعي بمعالمه والحياة البرية والنباتية فيه، حتى يستطيع وصفها والتحدث فيها وعنها باعتباره متفرّجا ناقدا لا جزءً منصهرا فيها.
بالإضافة إلى برامج متفرّدة أخرى أعطت أُكلها في عديد بلدان العالم، نذكر منها :
“برنامج اقرأ واجعلهم يقرؤون” في فرنسا، الذي يؤثثه متطوعون تجاوزوا الخمسين من العمر يتولّون قراءة قصص للأطفال تتراوح أعمارهم بين 3 و 10 سنوات في المدارس والمكتبات ومراكز الترفيه بهدف تشجيع الأطفال على القراءة وشحذ خيالهم.
“برنامج اقرأ عبر أمريكا” في الولايات المتحدة وهو برنامج يُحيي يوم الكاتب والرسام الأمريكي للأطفال دكتور سوس من خلال تنظيم فعاليات قراءة في المدارس والمكتبات بهدف النهوض بتقليد المطالعة لدى الأطفال.
“برنامج الشعر عن ظهر قلب” في انكلترا الذي يهدف إلى تشجيع الأطفال على القراءة والتعبير الشفوي من خلال جعلهم يحفظون وينشدون قصائد شعرية. ثم يُدعى التلاميذ للمشاركة في مسابقات لإبراز مهاراتهم في حفظ القصائد.
“برنامج بوك ستارت” في أستراليا المتمثل في توزيع كتب بصفة مجانية على الأطفال منذ نشأتهم لتأصيل قيمة القراءة فيهم وصلب عائلاتهم، الغاية منه زرع بذرة القراءة مبكّرا لتمكين الطفل من حبّ القراءة والارتقاء بتقليد المطالعة لديه.
“برنامج بيبليو بيرو” في كولومبيا الذي يقوده معلّم يجوب القرى والأرياف القصيّة على ظهر حمار من أجل إعارة كتب للأطفال والكهول بهدف زرع حبوب القراءة في مناطق منسيّة وصعبة المنال.
لكن أين مدرستنا من كل هذا ؟
تتفق أغلب الدراسات على أنه توجد علاقة طرديّة واضحة بين الأصول الاجتماعية والثقافية للطفل ونماء متعة القراءة من عدمها. ونظرا إلى كون المدرسة تُطلق على نفسها مدرسة الجمهورية، فهذا يطرح عليها واجبا تاريخيا يتمثل في الارتقاء بتقليد المطالعة لدى الجميع وتوليد رغبة القراءة لديهم وبناء علاقة جديدة مع الكِتاب، خاصة في ظل المنافسة الشديدة التي تفرضها شاشات الهواتف المحمولة والإغراءات المتنوّعة التي تمارسها المشهدية المتصاعدة على الويب في وجه شباب متعطّش إلى الصورة والحركة أكثر بكثير من تعطّشه إلى الحرف والكلمة.
إن الحرص على جعل ناشئتنا تنفطم على حب الكتاب وتلذّذ نسغ النص الأدبي والشعري والثقافي عموما ليس ترفًا يؤثث به المثقفون جلساتهم ونصوصهم، بل هو القاسم المشترك الأكبر بين جميع من تحدث حول فوائد القراءة عبر العالم والذي عنوانه : “لا تعلّم دون قراءة“… حيث تكون الإجابة واحدة وموحّدة عن السؤال المتعلق بفوائد الكتاب في حياة الأطفال وذلك في كل بلدان العالم المُجمعة على أن القراءة تقاوم تهرّم الخلايا، وبالتالي تسهم في تأجيل الشيخوخة، والقراءة تحسّن أداء الذاكرة، والقراءة تُدرّب على التعاطف (بدلا من الاستعداء المستشري) والقراءة تساعد على التحليق ذهنيا في أقاصي هي أقرب إلى وجدان الناس والكِتاب يُمكّن القارئ من الاستراحة عندما يلمّ به تعب يومه الشاق… بالإضافة إلى مزايا تنمية القدرة على التركيز بواسطة القراءة وإتاحة يُسر في التعبير الكتابي والشفوي لا تلين طلاقته إلا لمن احترف معانقة المعاني وملاحقة المباني .
ويبقى السؤال ملحّا : كيف نفسّر علاقة التنافر والتباغض بين شبابنا بصورة عامة والكتاب وفعل المطالعة، رغم بداهة الفوائد التي كنا بصدد استعراضها ؟
أكتفي بذكر ثلاثة أسباب حالت حسب اعتقادي دون نشأة تلك اللهفة العارمة لدى شبابنا وأطفالنا على الإبحار بين طيّات الكتب التي تختصر التجارب وتُقطّر فاكهة الحياة التي عاشتها أقلام مُضيئة ومنتبهة، أو تُطلع القارئ على ما يعيشه الكاتب “كمفكر ومراقب وناقد في الحاضر بكل كثافته وتحوّلاته ومشاريعه” كما يقول صادق جلال العظم.
– في “عزّ طلعة شبابنا” تتعهّد المدرسة – خاصة في المرحلة الثانوية وما بعدها – بردْم مُجمل المساحات الجوفاء على نسبيّتها التي تتوفر للشاب، بالفروض والاستعداد للامتحانات والدروس الخصوصية حتى لا يكاد التلميذ ينتهي من فترة تقييم حتى يبدأ فترة أخرى وأخرى…فتتحول المدرسة إلى آلة جهنمية منذورة للتقييم والتسديم وسدّ جميع المنافذ المطلّة على ما به تُورق شجرة الشخصية لدى الطفل والشاب كبناء وذات قيد التشكّل.
– المكتبات المدرسية التي ظلّت إلى وقت غير بعيد منارة معرفة وتعلّم ونافذة على أمهات الكتب والمراجع، أصابتها الكآبة والرتابة وحُرم من تسييرها وتعهّدها آلاف المتخصصين في علوم المكتبات والتوثيق من خريجي مؤسسات التعليم العالي، لأن الوزارة توظفها لاستيعاب “غير القابلين للتوظيف في مهام واضحة ودقيقة”. وبقيت مجرد رفوف تضمّ عناوين سئمناها من قبيل التوت المر وعذراء قريش والفضيلة وماجدولين والعروة الوثقى والدقلة في عراجينها …
– أعتقد أيضا أننا لم نستغل تقاليد مُباركة لدينا كشعب شفوي تتمثل في تعهّد أجدادنا وخاصة جدّاتنا بنقل كمّ هائل من الحكايات والأساطير التي تُحكى بأسلوب شيّق وآسر على امتداد ساعات طويلة جعلت جيلا بأكمله يفتتن بعذب الكلام قبل أن ينام ويحلق عاليا بمخيّلته في سماوات وملاذات للدهشة والغرابة…وقد يعود ذلك ربما لأسباب هيكلية متصلة أساسا بارتفاع نسبة الأميّة في أوساط واسعة من أهالينا وعدم تمكّن الكتاب من أن يجد لنفسه مكانا يليق بمقامه ضمن مستلزمات التأثيث في بيوتنا. للأسف لم نسحب هذا التقليد الشفوي العريق والذي وهبنا حكّائين جيّدين وفْداويّة مقتدرين وأناس عاديّين يُجيدون فنّ الحديث الحكيم … لم نسحبه على تقليد تأسّس على أنقاضه في ربوع أخرى وهو تقليد قراءة المكتوب لأطفالنا ومعهم.
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.