كانت الحلقة الاولى يومها في علاقتي بخالقي … نعم صليت له وسجدت وقلت لربّي كما اسلفت في الورقة 106 (انا جايك)… وتصادف ذلك مع قدوم شهر رمضان… وقمت بفريضة الصيام لاوّل مرّة في حياتي…
كنت قبل سنة 2003 (عازقو) كما كنّا نعبّر انذاك عن كلّ من يُفطر في ذلك الشهر الكريم… ولأوّل مرّة في حياتي ايضا اصبحت اشارك المصلّين في صلاة التراويح بعد الافطار… وعشت حالة من الخشوع الرهيب… بكاء مستمرّ… والسبب الرئيسي في بكائي كان مزيجا من الندم على عصياني طيلة ما سبق من حياتي، والخوف من ان اقابل ربّي ذات يوم وانا مكبّل بالمعاصي… كلّ تلك المشاعر كانت نيرانها تضطرم في صدري… وكان لا بدّ من البحث عن شخص اثق فيه واحبّه واحترمه حتى افرغ له ما في صدري من شحنات خوف بحجم الجبال… ومن يكون غيره؟ انه معلّمي في السادسة ابتدائي الذي اكنّ له كلّ التقدير والاحترام… انه الحاج علي الشعري رحمه الله امام جمعة مسجد ساقية الزيت…
وجاء يوم الجمعة لاجد نفسي من المصلين صلاة الجمعة خلفه… يومها لم البس اجمل الملابس بل وتعمدت ان اترك اللحية لايام تسرح في ملكوت الله خوفا من ان يتعرّف عليّ سي علي (عاد الله خير انا ماشي نحكيلو على ماضيّ الاغبر ويعرف انّي فلان الفلاني؟ يا فضيحتك يا ولد عيادة!)… وعلى فكرة، عيّادة رحمها الله كانت تتمنى طيلة حياتها ان تراني تائبا الى الله وكانت تعرف عن ابنها الصائع كلّ شيء… رغم انّي لم ابح لها يوما بتفاصيل حياتي الماجنة… ولكنّ ذكاءها واحساسها بولدها وبعمايلو حتى وهو يخفيها عنها يمكن لكم ان تقرؤوها في تساؤلها الدائم في فترة من عمري: (يا وليدي وقتاش ماشي يهديك ربّي و”تسكّر سروالك”؟!)… الم اقل لكم انّها تقرؤني حرفا حرفا حتى ولو لم انطق بأيّ حرف… والحمد لله انها عاشت لتراني ولو لمدة سنة واحدة ذلك الابن الهارب الى ربه …
اتمّ سيدي علي الشعري يومها صلاة الجمعة بنا وبدأ المصلّون يغادرون المسجد و(تسلحبت) كأنّي عامل عملة، في خطى متعثرة له… لمن؟ لذلك الرجل الضخم جثة والاضخم في الكاريزما… تماما كما عهدته وانا تلميذ في السادسة ابتدائي بمدرسة القراوة المختلطة… سلمت عليه باستحياء وعيناي لم تتجرّآ على النظر اليه… قال لي مرحبا يا ولدي عندك سؤال تحب تسألو؟ صمتّ قليلا ولساني الداخلي يقول (يا ريتو كان سؤال)… طأطأت رأسي وبالكاد خرج صوتي المرتعش الخائف من معلّمي قائلا: (سيدي الشيخ انا نحسّ بأنو ربّاني هداني… لكن ماضيّ معذّبني… نحسّ بجبال من الذنوب… وباش نسهّل عليك مانيش ماشي نقلك اشنوة اللي عملت، اما اسهل اني نقلك شنوة اللي ما عملتش…
لم ارفع رأسي لأرى ردّة فعله ولكن رايتها بقلبي حين قال لي:(ايّا سمّعني اشنوة اللي ما عملتش ترا)… قلت له: (لم اشرب الخمر طيلة حياتي ولم اعاشر المثليين والبقية الكلّ عملتو)… والله يشهد اني كنت صادقا في بوحي هذا… ورايت ودائما بقلبي يده حين ربّت بها على كتفي وقال: (يا ولدي وقت ترجع لدارك شدّ كتاب القرآن وامشي لسورة الفرقان واقرا من الآية 63 حتى الآية 71 وستجد الاجابة)… سلمت عليه شاكرا ومرة اخرى لم اجد الشجاعة لرؤية عينيه وهو الذي يمتاز بعينين كبيرتين ثاقبتين… تسلحبت مرّة اخرى وغادرت المسجد…
ساقية الزيت حيث المسجد تبعد عن مقرّ سكناي 9 كلم تقريبا… يومها كانت المسافة 9999 كلم… ويومها كان الزمن يسير بسرعة مليمتر واحد في الساعة… يااااااه فعلا كانت السكّة يومها طويلة قوي كما وصفها سعيد صالح… ووصلت لمنزلي وديراكت استلقيت على فراشي وديراكت سورة الفرقان والاية 63… وشعرت بالويل والثبور لمن هم من صنفي ولمن ارتكبوا ما ارتكبت… يا الهي… هل هذا انت الغفور الرحيم…؟ ولانّ الله ودون شك هو الغفور الرحيم وجدتني ابكي بكاء الفرح والامان وانا اقرأ الآية 71 وحلّ جلاله يقول بعد الآيات الرهيبة والمرعبة التي سبقتها: (الا الذين تابوا وآمنوا وعملوا عملا صالحا فاولئك سيبدّل لهم الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما)… ياااااه ما اشهى البكاء يومها حبّا في الله وفي رحمته وغفرانه… بل لم اكتف بذلك… قررت في تلك اللحظة ان اقوم بصلاة لم تأت في القرآن ولا في السنّة، واسميتها صلاة الحمد والشكر وداومت عليها يوميّا لحدّ يوم الناس هذا… وهل انسى فضل معلّمي سي علي الشعري عليّ رحمه الله… انا من عادتي ان اعترف بالجميل لكلّ انسان عرفته في حياتي ومهما كان حجم جميله… فكيف لا اذهب لمن حررني من عقدة الخوف من ماضيّ الخايب في علاقتي بخالقي؟ اقتنعتوشي توة انو في فترة من عمري كنت خايب بالحق؟؟
ورجعت له وما احلى الرجوع اليه ..رجعت لمعلّمي بأبهى ملابسي وطلّقت اللحية وللابد وصلّيت خلفه صلاة الجمعة وتقدّمت له هذه المرة بكل ثقة في النفس وسلّمت عليه بسعادة… نظر اليّ وقال: (جايني فرحان اليوم ماذابيك سيئاتك كانوا اكثر، طمعا في تحويلها الى حسنات هواشي؟)… نزل الدمع من عينيّ مرّة اخرى وشكرت له صنيعه وقلت له: (‘توة جا الوقت باش تعرفني انا شكون؟) قللي مرحبا بيك ايّا قللي انتي شكون؟… قلت له انا تلميذك عبدالكريم قطاطة في مدرسة القراوة في سنة 1960… شدّ على يدي بكل حرارة وقللي انت ولدي متاع اذاعة صفاقس ؟ قلت له انا هو… جذبني اليه وعانقني وقبّلني… وطفقنا معا في بكاء جميل… نعم البكاء احيانا هو عذب جدا وعزف جميل على اوتار الوجدان… اضف له طبطبة بيديْ سيدي علي الغليظتين على ظهري وهو في قمة سعادته بابنه الذي جاءه تائبا، وبابنه المنشط الذي وبالنسبة له هو وسام له كمربّ نجح في تربية عبدالكريم…
صدقوني انّ تلك الطبطبة باليدين اللتين قلت عنهما غليظتين هي وعلى حدّ تعبير ابراهيم ناجي (ويد تمتدّ نحوي كيد مُدّت من خلال الموج لغريق )…مسكني سيدي علي من ذراعيّ النحيفتين وقال: (توة ماشي نطلب منك طلب ونحبك تلبيهولي)… قلتلو انت معلمّي وعرفانك عليّ لن انساه طيلة عمري… اطلب عينيّ وشويّة فيك… قال لي وبنظرة جادّة كما تعوّدت عليه عندما كنت تلميذا… اهاب مثل تلك النظرات ولكن هذه المرة كانت ممزوجة بحنّية المربّي الاب… قال: (انت مازلت تتذكّر دار بوك علي اللي في واد القراوة بعد المدرسة؟)… قلت له طبعا وبالامارة في نهاية واد القراوة على اليسار… قال: (تبارك الله على ولدي وعلى ذاكرتو)… واضاف: (نحبك تجيني نهار الاول في عيد الفطر بعد صلاة العصر تقبّل عليّ)… وطبعا قفزت كلماتي وبكلّ سعادة وسرور وطبعا دون نسيان جانب المزاح فيّ قلت: (معناها ماشي تذوّقني البقلاوة وكعك الزلوز والملبّس)… ابتسم بكل حبّ وقال: اللي ماشي نحضرهولك خير مللي قلتو الكل… انت قدرك اعزّ باااااااااااارشا مللي قلتو…
وكنت اليوم الاول من عيد الفطر بمنزله… فوجئت جدا بالجمع الغفير الذي كان في الصالون… مسك سيدي علي رحمه الله بيدي وقال لي: هؤلاء هم ابنائي واحفادي… ثم نظر اليهم وقال: (هذا خوكم عبدالكريم قطاطة اللي تسمعوه وتحبوه في اذاعة صفاقس… اي نعم هذا خوكم اللي ما جابتوش امكم والحمد لله ربيت وما خبتش)… سلّمت على الجميع بكل حب وسعادة ثم قال لي سيدي علي: (ايّا تفضل موش حكيتلي على البقلاوة وكعك الزلّوز والملبّس؟ ورينا جهدك)… قلتلو: (سيدي ومعلمي احنا راهو جماعة الاذاعة نبهبرو برشة اما ما نفعلوش)… وبنظرة فيها عتاب غاضب قال لي سيدي علي: (انت بالذات فخور بيك لانك تقول وتفعل)… وربت في حنية على كتفي وقال: (عندي هدية ليك مفاجأة اما راهو تشوفها وبعد ترجعهالي)… ودلف الى بيته واخرج لي ورقة من نوع دوبلوفاي وقال لي تفضل اقرا…
يااااااااه انها ورقة في تمرين انشاء تحمل اسمي ولقبي وانا في السادسة ابتدائي… وهل هناك هدية اثمن من تلك؟ عاد بي زمني الى زمن اخر وهنا لا بدّ من القول وانا زعمة زعمة التلميذ المجتهد والنجيب جدا في مادة اللغة العربية طيلة دراستي… لابدّ من القول اني عشت عديد المواقف والاحداث في حياتي التي تعطلت فيها كلماتي… نعم لغة الكلام احيانا تتعطّل عندما تجتاحنا مشاعر غامرة…. فنصبح كقشّة تبن في لجج البحار… هل يعني ما قلته انّ لغة كلامي ستتعطّل وتقف عند هذا الحدّ في الحديث عن خالقي وعن الدين واهل الدين؟؟ ابدا ما قلته لحدّ الان هو غيض من فيض… ولكن للتذكير وللتاكيد مرة اخرى اقول: ما دوّنته وسأدوّنه في قادم الاوراق هو تجربة شخصية لا ارمي من ورائها اعطاء درس لايّ كان… انا لست مؤهلا لذلك بتاتا… بل وهذي تلميحة مقصودة اعتبروها بداية الغيض لورقتي المقبلة او مخالفة غير مباشرة، كم اشفق كثيرا على كل من يعطي دروسا في الدين لانه رغم ما بداخله من نوايا سيحمل وزره ووزر من يتبعه.
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟