في اليوم الاول من عودتي للدراسة بمعهد الحي، احسست بأنني لست ذلك التلميذ الذي هجر مدرسته بعد نكسة الجزء الاول من الباكالوريا ..احسست بأني تلميذ ليس كسائر التلاميذ …محفظتي تغيّرت ..ملابسي تغيّرت ..هيأتي تغيّرت …
عبد الكريم قطاطة
كانت شخصيّة المربّي بادية على سلوكي .. زملائي في الدراسة الجدد كانوا يتساءلون .._اشكونو هذا اللي ضاربو في روحو؟؟ … و عندما تجاذبت الحديث مع احدهم (رفيق مغيّث) وهو تلميذ مشاكس جدا وكان الاكثر جرأة وهو يستشف اخبار هذا القادم الجديد (اللي عامل فيها برانس وانيق وهازز خشمو على الجميع)… وقتها عرف اني كنت معلّما في السنة المنقضية واني عدت الى معهديلمواصلة الدراسة، ايمانا منّي بأن دربي وطموحاتي ما اردتها ان تقف عند ذلك السقف ..رفيق هذا وهو الذي يعيش حاليا في اوروبا .._بعد ان فعلت المستحيل لمعرفة اخباره وعلمت انه في بحبوحة العيش، ردّ على طراطيش معلوماتي الاولى التي افدته بها بالقول: جوّ السنا ..نتصوّر انّك من الرعيل الاول في الحي وماشي تفيدنا بخبرتك …
كان يقولها بشيء من السخرية اللطيفة ..فكان منّي وقتها ان ابتسمت ابتسامة لا تقل سخرية عن سخريته وقلت: “يعمل الله”… فعاد رفيق ليستدرك: ما تتغشش منّي والله ارتحتلك وحبّيت انفدلك معاك… فاجبت: ولا يهمّك انت ما تعرفنيش ._ وكعادته ردّ بابتسامته: انا نحسّ بيك وحيّد …_ رفيق هذا “ما يبلش الفولة في فمّو”… وانتشر خبر الوافد الجديد عبدالكريم المعلّم في وسطي الدراسي ..ووصل صيته حتى لدئ اساتذتي الذين والحق يقال عاملوني بشيء من اللطف وهم مدركون اني مررت بتجربة التدريس ..اساتذتي عموما في سنة الباكالوريا وباستثناء سي محسن الحبيب استاذ العربية ومستر فيرس استاذ الانكليزية (استاذ في قمة الجمال والاناقة والكفاءة بلجيكي متعاون)… الباقون كانوا جددا ..
والغريب انه ورغم ابتعادي عن معهدي لسنة واحدة فقط وجدتُني مع مجموعة هامة من الاسماء الجديدة… من المدرسين: مادموازال “بوسناك” وصدقوني اسمها ولقبها يجسدان تماما جمالها ..خاصة وهي ترتدي بشكل دائم “الميني جيب” الذي هو اقرب للميكرو جيب … وكأنها تستنهض همم التلاميذ نحو علم آخر وفنون اخرى (واحنا صغيّرين وما نعرفش الحاجات دي) … وكنا نحسد ونحسد ونحسد مسيو بلان استاذ الفرنسية الذي كان (مشلّق على روحو برشة) في التعاطي معها .كزميلة وكمربّية “حنيّنة آوي آوي آوي” ..
من ضمن الاساتذة الجدد كذلك الاستاذ توفيق بن عياد في مادة العلوم الطبيعية (رحمه الله)… كان “مهفّ” نظرته ردود افعاله .. في حصّة من حصص العلوم حول الهضم الاصطناعي حيث يختلط ما ناكله باللعاب فتبدا عملية تفاعل المادتين … علّق عليه احد التلاميذ (المعلول) والذي لم يكن معلولا في ضماره على عكس البعض الذي يولد معلولا وينتهي معلولا …. علّق سي المعلول على تفاعل اللعاب مع الاكل بقوله ..سي التوفيق اذا كان الآكل امرأة ما نجموش نقولو لعاب ..سي التوفيق المهفّ فهم مقصده ولكنّه استعبط و ردّ عليه: .اش نقولولو يا معلول ..؟؟ فاجاب ابن الآداب الذي لم يكمل دراسته في الاداب بل اصبح اطارا عاليا في الداخلية وللمعلولين فيما يختارون مذاهب (واحد في الداخلية والاخر في الاهلي وآخرون لم يعرفوا يوما ولن يعرفوا مذاهب في حياتهم) ..اجاب معلول السادسة آداب: نسمّيه رضابا سي التوفيق… انفجر القسم ضحكا وضجيجا ..وابتسم سي التوفيق وقال: صحيتك يا بليد عاملّي فيها ضامر .؟؟ وواصل زميلنا المعلول بلادته السمحة وردّ: علاش سي التوفيق ما عجبتكش ..؟؟؟ ضحك سي التوفيق وردّ: .كيف وجهك ..ولم يكتف معلولنا بمشاكسته واضاف: “سافا” …معناها سمحة ، وبابتسامة رضاء على ضمارو ..ختم سي التوفيق الاستراحة بـ”نرجعو نقراو” ..وعدنا الى درس الهضم الاصطناعي ..
هذه التفاصيل التي سردتها هي بالنسبة لي مدخل لعلاقة تلاميذ الباكالوريا انذاك مع اساتذتهم ..كنّا فعلا اصدقاء وجدّا و لكن كنّا منضبطين وجدّا ايضا … فمع الاستاذ محمد صالح الهرماسي وهو اكثر الاساتذة المؤثرين ايديولوجيا على تلك المشتلة من التلاميذ .. هو مشرقي التكوين كفء وبدرجة مبهرة …لم يستعمل يوما مذكّرات ليعود اليها …يساري المنحى .. كنا في حصص التاريخ والجغرافيا كتلاميذ الكتّاب ..تركيز كلّي ..صمت مطبق ..ومتعة ونحن نستمتع بكل ما يقدّمه لنا ..هذا داخل القسم …خارجه كان صديقا للعديد وبكل تفاصيل الصداقة ..هو يحتسي مع البعض منّا ما لذ وطاب وانعش من بنات واخوات وامهات العنبة ..وهو لا يجد احراجا في طلب “سجيرة” كما ينطقها هو عندما لا يجد في جرابه سيجارة واحدة، خاصة في اخر الشهر … وهو مغرم لحد النخاع الشوكي والبصلة الشوكية والمخيّخ بالسيدة ام كلثوم ..وكنت انا مدير اعماله والاصح خادم اعماله في دنيا الست ….كان يطلب منّي ان اقدّم له كلمات الست في اغنيتها الجديدة وهي تقدّم حفلتها الشهرية .. وانا الذي لم افلت ايّة حفلة كلثومية ..وذلك المصري المغرم الولهان ينبعث صوته الشهي من حشاشة اوردته الدموية بعد كل مقطع °(عظمة على عظمة على عظمة )…
اتذكّر جيدا ان آخر اغنية دوّنت كلماتها لاستاذي الهرماسي كانت اقبل الليل … لاحمد رامي كلمة ورياض السنباطي لحنا .. اقبل الليل وناداني حنيني يا حبيبي … عندما قرأها استاذي الهرماسي .. ووصل الى “يا بعيد الدار عن عيني ومن قلبي قريبا ..كم اناديك باشواقي ولا القى مجيبا” ..نظر اليّ وقال: اشنوة تحبّني نسكر على الصباح ..؟؟ وواصل التهام رائعة الست حتى قرأ خاتمتها “يا هدى الحيران في ليل الضنى ..قد غدوت الان ادري من انا ..كنت وحدي بين اوهامي واطياف المنى .. والتقينا فبدا لي يا حبيبي من انا اين انا” …اغمض استاذي عينيه وقال: اطلع بسجيرة عاد .. توة هاذا فن واللي يخرج من حنفية الزبلة فن ..؟؟ …يلعن بو التاسيلة متاع جد بوهم الكلب … وهو يقصد اشباه الفناين التونسين متاع صرّافة على صرّافة ..والاكيد ان الله احبّه لانه ومنذ بداية السبعينات غادر تونس باعتبار انتمائه لحزب البعث واستقر بسوريا كواحد من اكبر المستشارين السياسين للنظام السوري منذ حافظ حتى يشار الاسد ..تصوروا فقط انه يشنف اذنه في هذا الزمن الرديء ب”طق اشترق طق” او “انا موش مريڨل وانت موش مريڨلة” .. ويجعلهم لا يتريڨلو …مستويات ..على طريقة لاباس …
الحي في تلك السنة شهد حدثا مشهودا ..ويا له من حدث ..لأول مرة في تاريخه يشهد معهد الحي اختلاطه بالفتيات (واحنا صغيّرين وما نعرفش الحاجات دي يا بيه) والافدح انهن من فصيلة صنف الاداب ..والافدح الافدح انهن في فصل اداب لا انتمي اليه ..شفتو الظلم ..؟؟ كانت ساعة الرياضة يوم يكنّ فيها تلميذات الاداب واللواتي هن هسكات .. قالب ..ممتلئات جمالا واغراء … باستثناء واحدة كانت تُلقّب بحاملة مفاتيح “بورت كليه” نظرا إلى قصرها .. اما الافدح الافدح الافدح ..فانهن كنّ يمارسن رياضتهن بشورت …افضل واحد فيه لا ينزل عن نصف الفخذين …لم اقل نصف الساقين ..يا بشر يا عالم يا هو ..نصف الفخذين ..في حقبة كانت العلاقات المعلنة بين الفتى والفتاة تعني فضيحة ..في زمن كان الشبان والشابات في صفاقس يلتقون في المائة متر الرابطة بين باب الديوان والبلدية الكبرى …يتمشون ذهابا وايابا كل عشية احد عشرات الكيلومترات ..بعيدا عن الكوْبَلة (من كوبل) نعم يستحيل ان تجد شابا مع صديقته او زميلته او حبيبته ..ممنوع …. تصوّروا فقط عشيّة كاملة ولا شيء الا نظرات متبادلة ..اي وبايجاز “تشلهيڨ في تشهليڨ” …
سنة الباكالوريا انذاك عُرفت بدسامة وامتاع البرامج الدراسية فيها ..بدءا بالفلسفة والتي لم تكن تروق لي بتاتا نظرا إلى ان استاذها كان في اسلوبه “مدّب” … وللتدخّل او الاستفسار يُحتّم على كل تلميذ منّا ان يرفع يده ويقول للاستاذ (علي المقدّميني سامحه الله): سيدي ..والا لن يتمكّن من قول ما يريد ..تصوروا استاذ فلسفة في سنة الباكالوريا يكون بيداغوجيا بهذا الشكل ..كان بالنسبة لي يمكن ان يكون كل ّ شيء الا استاذ فلسفة ..ولهذا السبب لم اسمح لنفسي اطلاقا طيلة تلك السنة بطرح اي سؤال او اي استفسار رفضا منّي لكلمة “سيدي” كما يحبّها هو ويفرضها علينا ..رغم ان قناعتي الداخلية ودون اي جدال ما زلت اؤمن بأن المربّي منذ الروضة وحتى التعليم العالي يستحق افضل من كلمة سيدي ….
ولاعود لتلك السنة يكفي ان اذكر ان برنامج العربية كان ممتعا جدا ففيه المتنبي وما ادراك وفيه الشعر الحديث وادباء المهجر وفيه ايضا الشعر المعاصر … اما عن التاريخ فهو يشمل الحربين العالمية الاولى والثانية والثورة الفرنسية قبلهما والثورة البلشفية… وطبعا تاريخ الحركة التوسية للتخلص من الاستعمار وانذاك كنا نمر عليها مرور الكرام ولا نعيرها كثيرا من الاهمية (زعمة زعمة مڨوّشين) ..في الجغرافيا كانت المحاور على المستوى المعرفي هامة جدا… تصوروا فقط اننا كنا ندرس القوى الكبرى في العالم اقتصاديا من المارد الالماني العجيب الى انكلترا وفرنسا واليابان الى القارة اللقيطة امريكا كما يسميها سي الهرماسي… دون نسيان الاتحاد السوفياتي والسوفخوزات والكولخوزات وهو النظام التعاضدي انذاك في ثاني اكبر قطب عالمي مع الولايات المتحدة الامريكية …وحتى المواد الاخرى من علوم طبيعية وفيزياء وكيمياء وانكليزية كانت هامة جدا ..لن اعلّق على الرياضيّات واللغة الفرنسية (صاحبكم حويلة فيهم .. كعبة لا)…
في حياتي خارج معهد الحي ,,اصبحت الاكثر دلالا واحتراما وتبجيلا بين اصدقائي ربما لان صورتي كمعلّم لم تمّح في اذهانهم ..اما عن علاقتي بحبيبتي فكانت كعادتها منحصرة في الرسائل التي تُطل احيانا حسب ظروفها… والتي عبّرت في بدايتها عن سعادتها وعبد الكريم يعود الى مصاف العلم والمعرفة وينال شهادته التي ستؤهّله حتما الى غد افضل .. حتى كان جوان ونحن نستعد لخوض امتحان الباكالوريا و صهر صديق عمري رضا يخصص لنا منزله لنستعمره ليلا نهارا ونحن رباعي يراجع ويذاكر استعدادا للامتحان ..صهر صديق العمر (عبدالحفيظ قطاطة رحمه الله) لا علاقة قرابة لي به الا انه كان يحبّني بشكل كبير ..هو كان مختلفا عن الاخرين… هو مربّ فاضل يعشق عبدالناصر وفريد الاطرش وسكك الحديد الصفاقسي . ويعشق فيّ عنصر التحدّي والصراحة والجرأة ولكن ما يغيظه في شخصيتي اني “دمي بارد” _…ي لا اغضب بسرعة ولا ارد الفعل بسرعة .. على عكسه هو تماما ..وكان يقول لي دوما: من ايّ طينة انت اتخلقت .؟؟ ولأن علاقته بصديق عمري وبي متميّزة، اقصى زوجته واطفاله من منزله ليسكنوا في دار صهره ومكننا من ماٌقامة عنده على امتداد نصف شهر للمذاكرة ..كنا اربعة انا ورضا واخوه عبدالحميد ورابعنا صديق نلقّبه الناموسة ..لانه في لعبه كرويا كان يلدغ كالناموسة… الم يُلقّب شكري الطرابلسي بالوشواشة ..؟؟… واذ انسى فلن انسى يوما عندما هبّ الذباب بهجمة صيفيّة مريعة على مجموعتنا فما كان من عبدالحميد الا ان حمل قارورة الفلي توكس (البخاخة) ورشها على بدنه ..ولولا الطاف الله والعجلة بأخذ حمام، لـ “مشى فيها”…
اثناء المراجعة وصلتني رسالة من حبيبتي في خبر عاجل: (اجري لي يا عبدالكريم ..جا اشكون يخطب فيّ ..يلزمك تلقى حل ..انا ليك انتي اوكي اما اش ماشي نقول لدارنا ؟؟) … واتضرب سي عبدالكريم وما جاش يدور …جاء واقف على ساقيه والاصح قام يجري ساقو اعلى من راسو ..والجماعة مفجوعين .نظر ثلاثي المراجعة الى وجهي ولست ادري انذاك كان مصفرا او محمرا او بالألوان ..ونزلت اسئلتهم من كل حدب وصوب على “قنباعة” راسي: اشبيك .؟؟ اش ثمة ؟؟ لاباس؟؟ … همست في اذن صديق عمري: توة يلزمني نمشي نصف ساعة وانجيك وتوة بعد نحكيلك …وسرت وحدي شريدا ..محطّم الخطوات ..تهزّني انفاسي .. تخيفني لفتاتي .. كهارب ليس يدري من اين او اين يمضي ..شك ضباب حطام .. يعضي يمزّق بعضي يمزّق بعضي ….
على عكس حليّم كنت ادري تماما واعرف تماما وادرك تماما الى اين امضي …
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟