هنالك لدى الغرب عموما قناعة جماعية تذكّرنا بـ {اعمل لدنياك كأنك تعيش ابدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا} ودون الدخول في جدل عن حقيقة الحديث موضوعا كان ام صحيحا وما المقصود منه في ابعاده العميقة، فالمؤكّد ان الغربي يعمل على الاقلّ بما جاء فيه في منظومة حياته ..هو يقدّس عمله ويتفانى فيه وهو ايضا قلّ ان يترك فرص التمتّع بالحياة …
اتذكّر جيّدا وانا في روما سنة 1988 عند قيامي صحبة العديد من الزملاء في مؤسسة التلفزة التونسية بتربّص تكويني في واحدة من اهم تلفزات العالم (الراي)… اتذكّر ذلك العامل البلدي الذي يرتدي يوميا بدلته الصفراء وهو يجتهد فيتجميع القمامات من الحي الذي نقطن فيه في قلب روما… كان يعمل بكلّ فخر ومثابرة …. تقولشي مهندس في النازا … ذات ويك اند ونحن نتجوّل قرب الفاتيكان، تُطلّ علينا سيارة حمراء سبور لتتوقّف امام احدى المغازات وينزل منها شاب هو الوسامة والجمال والاناقة … حتما هو واحد من اشهر ممثلي هوليوود … ونُمعن النّظر فيه باعجاب شديد لنتكتشف أنّه العامل البلدي ذاته …
هكذا هم في نهاية الاسبوع …الويكاند عندهم للتفرهيد والخروج من روتين عمل الاسبوع… لذلك وفي جلّ عواصم اوروبا تُنظم رحلات اخر الاسبوع داخليا وخارجيا …
ذات مرّة قررنا شلّة من الاصدقاء ان نسافر آخر الاسبوع في رحلة منظّمة الى امستردام بهولندا حيث الزهور والطواحين ومدينة الدراجات الهوائية… (وهي التي تحتل المرتبة الثانية عالميا بعد شنغاي الصينية وتاتي صفاقس في تلك السنوات مباشرة بعدهما) … كنّا مدركين جيّدا ان الهولنديين من اكثر الاوروبيين عنصريّة تجاهنا نحن العرب… كنّا نسمع كذلك ما يشاع من ان اسطورة كرة القدم الهولندية جوهان كرويف صرّح ذات مرّة انّه لو علم انّ العرب يتفرّجون عليه لما لعب بتاتا …لكنّ ذلك لم يمنع عزمنا على المشاركة في الرحلة لسببين… اوّلهما ان تجربتنا في فرنسا اكّدت بما لا يدع ايّ مجال للشك انّ الانسان عموما اذا احترم لابدّ ان يُحترم … (النفس نفسك وانت طبيبها وين تحط نفسك تصيبها)… فانا وجُلّ من اعرفهم، لم يحدُث ان استوقفنا عون امن ليطلب منّا اوراقنا ..اطلاقا ..اما ان يُعربد الواحد في مدينة الانوار ويشرب حتى يرى الديك اسدا ويصول ويجول بكل عنتريّة (يحساب روحو في حومة السمران او في الملاسين) فطبيعي جدا ان يقع ايقافه كعربي وسخ (ساال آراب) وربّما يقع ترحيله …
ثانيهما… الرحلة الى امستردام بالنسبة لي كان هاجسي الوحيد فيها ان اعيش تجربة الزطلة … نعم كانت لي رغبة جامحة في تجربة فعل الحشيش فيّ ..ولكم ان تسألوا عن الاسباب ولماذا امستردام بالذات … اوّلا وللتذكير انا في عشقي لا اكتفي بالشاطئ بل اريد سبر الاغوار في كل تجاويفها… واذا كانت الخمور بانواعها متوفّرة في كل مكان من المعمورة فانّي كنت اخاف تجريبها والغوص فيها عشقا دون حدود… بينما الامر في تلك الحقبة (نهاية السبعينات) بالنسبة للزطلة مختلف جدا لعديد البلدان العربية…باستثناء المغرب الذي رأيت فيه بائعي الحشيش سنة 74 كبائعي التبغ عندنا وباستثناء ايضا المقصورات المغلقة لدى الاثرياء في جُلّ البلدان العربية عموما والخليجية خاصّة…
وهنا تعود ذاكرتي الى رمضان 2008 عندما كنت في عمرة وتجاذبت اطراف الحديث مع سائق سيارة اجرة في مكّة … وهو شاب عرف اننا تونسيون وبالذات صفاقسيّون فطفق يرحّب بنا ترحابا خاصّا ويُعدّد لنا مآثرنا وعشقه للسي اس اس خاصّة …لم يكن يفعل ذلك طمعا او خبثا بل كان شابا ظريفا لطيفا عفويا …وكان لابدّ ان اردّ على تحيته ومديحه باحسن من ذلك، فرحت اُكيل اعجابي بالسعودي عموما وخاصّة بسكّان المدينة المنوّرة الذين يفيضون بِشْرا وابتسامة دائمة وطيبة… ففهم الشاب وهو ابن مكّة قصدي وابتسم في لطف وقال: عندك الف حق… سكان المدينة افضل بكثير منّا في كل شيء حتى في التزامهم بدينهم …ثمّ همس لي ونحن في الاسبوع الثاني من رمضان وتحسّبا من ان يصل صوته الى البقية في سيارة الاجرة: “تحبشي توة نهزّك لبقايع تحت الارض فيها كل شيء …خمر… نساء …حشيش ؟؟؟”…هو لم يقل ذلك بمعنى هل تريد وسيطا ؟، بل ليؤكد كلامي من انّ اهل المدينة المنورة افضل بكثير من متساكني مكّة… العهدة على من روى نعم …ولكن وعذرا يا رب ان كنت ميّالا لتصديق ذلك الشاب …
اذن امستردام هي مدينة الحشيش… لذلك اخترتها… وما ان وصلنا وحتى قبل دخولنا الى النزل المتواضع جدا (وهو اختيار منّا نظرا إلى عوزنا المادي كطلبة) … حتى لفت انتباهنا بعض المنشورات السياحية والتي تذكُر فيما تذكُر انّ استهلاك الحشيش ممنوع قانونيا ولكن نفس تلك المنشورات تُضيف: “ننصحكم بعدم التزوّد به من باعة الشوارع لأنّ نوعيته رديئة” … فهمتو حاجة ؟؟؟… ولأن امثالي الراغبين في عيش التجربة يهمهم جدا عجُز المنشور فان القرار اتُّخذ بعد… ساتعاطاه لاكتشف كُنهه كتجربة لا ادري وقتها توصيفها … الاولى والاخيرة ؟؟؟ الاولى وما تلاها ؟؟؟… المهم عندي ان امارس حقّي في التجربة …ما ان دلفنا إلى باب النزل حتى تيقّنت ان الميدان خصب جدا …جل رواد المكان مسطولون …رجالا ونساء ..وبانماط وسلوكات مختلفة …
اوّل من لفت انتباهي سيدة شقراء في غاية الجمال … كانت تجلس متسمّرة على حافة الكونتوار تحتسي خمرا وتدخّن حشيشا ..كانت في منتهى الهدوء والرصانة … تقولشي تمثال جامد لا حراك به …وكانت نظراتها اكثر جمودا ..عيناها وعلى عكس الاخرين مثبتتان الى سقف قاعة الاستقبال في بهو النزل لا تهتم باحد ولا تنظر الى احد ..كان النادل يقدّم لها كوبها حذو يدها كلّما انتهت من افراغ سالفه في جوفها ..هل هي عمياء؟؟ … عرفت فيما بعد انها عمياء نعم … وعرفت وهو الافظع انّها لم تولد كذلك الاّ انّها كانت منذ بدأت تستهلك الحشيش تمارس هوايتها المجنونة: النظر الى الشمس … الى ان فقدت بصرها …انه عالم المخدرات الرهيب …
اخذت مكاني ببهو النزل …طلبت قهوتي (كابوسان) وطلبت سيجارة …. .فهمني النادل واحضرها …دخنتها دون خوف او تردد …ولم يحدث لي شيء …هل غشني النادل؟؟؟… طلبت ثانية واشعلتها …لم اكن ادري ان تأثير الحشيش يتطلّب ربع ساعة على الاقل ليبدأ اشغاله داخل مُخيّخي وكياني … وما كدت اكمل الثانية (وهي “اوفر دوز” بالنسبة لغير المتعوّدين امثالي على استهلاك الحشيش)…حتى شعرت بالدوران يبدأ في فعل فعله …ولتفادي اي سلوك منّي وسط بهو النزل طلبت من اصدقائي التونسيين ان يصعدوا بي الى غرفتي وان لا يتركوني وحيدا وان يقوموا بتسجيل كل ما اقول وما افعل …في البداية لم استطع الوصول الى الغرفة التي كانت في الطابق الثالث الا بعد معاناة كبيرة ..كنت اتعثّر في كل درج اريد ان اتخطّاه ..والسبب انني اصبحت احس بخفّة غير عادية في جسدي وحركاتي… فكنت كلّما رفعت رجلي لاتخطّى الدرج الذي انا فيه اشعر بان ساقي ترتفع امتارا الى اعلى وهي في الحقيقة لم ترتفع الا بعض السنتمترات غير الكافية للوصول الى الدرج الموالي… لذلك اسقط واعيد الامر نفسه مع كل درج … حاصيلو ما وصلت لبيتي كان ما كل غديرة شربت ماها … لا علينا …كانت تجربة مهولة ومهبولة ورائعة …اكتشفت كلّ ذلك بعد ان استفقت وسمعت التسجيلات ..وهاكم الفيلم …
كنت ممددا على سريري في شبه غيبوبة ممتعة … وكنت ارى في سقف البيت المخربش بالاوساخ اشياء عديدة ..مخزوني المعرفي خرج ليفسرها ..كنت اقول لاصدقائي انظروا الى عنترة كيف استجابت له القبيلة ليدافع عن حماها وليرفع رأس حبيبته عبلة بشهامته وشجاعته …في ركن آخر كنت ارى طرفة بن العبد المنبوذ من عشيرته التي اُفردته افراد البعير المعبّد … انا ابن آداب لذلك جاءت تهويماتي تلك اللحظة من خلال ما اختزنته ذاكرتي من دراستي في الشعر والرواية ..الا انّ ذلك لم يمنعني من العودة الى واقعي (مزطول وحاذق!)… كنت ارجو من اصدقائي ان يُحضروا لي صديقتي الجزائرية التي صاحبتني في رحلتي تلك ..بل كنت ابكي واصرخ في وجهوهم: “يا حيوانات افهموا انها ليست الحاجة الجنسية التي تحكُمني فقط اريد ان اعرف كيف سيكون سلوكي معها في حالتي تلك” …
لكنّ اغرب ما وقع في تلك الزطلة، لوحة عبّاس بن فرناس في اوّل محاولة تاريخية للطيران … غمرتني الفكرة لحدّ الامتلاء وقمت من سريري متجها الى النافذة قائلا لاصدقائي: “عبّاس بن فرناس على حقّ” ..عندما يصل الواحد منّا الى هذه الدرجة من الخفّة سيتحدّى الجاذبية الارضية وسيبرهن على قدرته على الطيران .. وكان في نيّتي وبكل عمق وارادة وايمان ان اخرج من النافذة في الطابق الثالث طيرانا …نعم هكذا هي الزطلة وهكذا هو الحشيش …ولولا اصدقائي لطرت دون رجعة ودون ورقات يتيم… المهم في التجربة على روعتها انّها عمّقت لديّ فكرة استحالة تجربة المسكرات بكافة صنوفها والى الابد… وهذا ما حصل… كان الطلاق بالثلاث مع الخمور و مع الحشيش طبعا …كانت الاولى والاخيرة …وادركت بفعل السن و بعض الحكمة انّ الخمر الحقيقية والزطلة الحقيقية هما ما تصنعه انت بنظرتك العميقة للجمال… للاخر… للحياة …لا بمفعول مؤثّر خارجي لا حول لك فيه ولا قوة …
انا اسكر جدّا وانا استمع الى اغنية راقية ..وانا اقرأ قصيدة راقية …وانا اشاهد فيلما راقيا او مسرحية راقية …وحتى وانا انظر بمتعة الى قرنفلة وردية اللون… الى مشموم ياسمين… الى صغير يُلاغيني بموسيقى الكون … الى العقربي يقسّم برجليه تقاسيم موزارية … الى عبدالوهاب وهو يخرج الروائع الواحدة تلو الاخرى ليختمها بـ”من غير ليه”… الى العندليب ذلك الذي لم يستطع احد خلافته كارقى فنان ذي احساس مرهف … الى الست وهي تتاوه في (وصفولي الصبر)… ياااااااااااااااااااااااااه يا تومة عظمة على عظمة …
لذلك انا كنت وسابقى طيلة حياتي سكّيرا بكل ما هو جميل وراق …
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟