تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 64

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

الخيبة التي لا تُولّد شرارة الانتفاضة تعني الموت … والحلم الذي لا تحدّي فيه هو كحلم مهزوم نخرته النكبات واستسلم للخرف ..

عبد الكريم قطاطة

هكذا كنت اردّد مع عبدالكريم الآخر وانا اغادر حوشنا لأعانق اوّل مرّة مصدح من البريد الى الاثير، خيبة فشل النواة التلفزية وقبرها، وتحدّي الواقع الاعلامي الباهت انذاك… اذن لابدّ من رؤية اخرى ومستمع آخر ورسالة… في تلك الفترة كان هناك اسمان فقط شغلا الناس اذاعيا… المرحومان صالح جغام ونجيب الخطاب وقبل دخولي دنيا التنشيط كنت من ضمن مستمعيهما وباعجاب… كانا مختلفين جدا وكانا دوما متنافسين جدا في الخفاء والعلن… عندما عدت من باريس بعد اتمام دراستي في العلوم السمعية البصرية اصبحت استمع اليهما باذن ناقدة وفهمت من خلال دراستي معنى الاختلاف لديهما… كان نجيب ممتعا جدا وكان صالح مقنعا جدا… والتنشيط علميا هو الذي يحقّق المعادلة بين الامتاع والاقناع… وكانت الثغرة التي عملت من خلالها على تحقيق تلك المعادلة…

هذه كانت النقطة الاولى في استراتيجيّة عملي… الثانية تتعلّق بالمستمع التونسي في تلك الفترة… هو امّا سلبيّ للغاية بطبعه او مفقود تماما لأنه مغيّب اراديّا من لدن السياسة الاعلامية حتى تتجنّب اخطار وجوده كفاعل وشريك في المشهد… اي (فكّنا من بلاه)… وهذا كان بالنسبة لي تحدّيا كبيرا حتّى اجر السلبي جرّا الى ساحة اعمال الفكر اوّلا، والى تحطيم جدران الكهف ليخرج الى النور… هذا من جهة، ثمّ اجبار اباطرة الاعلام على حلحلة مواقفهم وبتدرّج قد يصل بهم يوما الى الخضوع لواقع اعلامي آخر…

المفصل الاخير الذي خطّطت له هو الرسالة… انا ترسخت لديّ قناعات من خلال تكويني المعرفي من ناحية وحسّي الوطني من ناحية اخرى، انّ السلطة الرابعة هي ديكور باهت اذا لم يكن المنضوون تحت لوائها اصحاب موقف واصحاب رسالة … ومن ثمة كنت ومازلت اعتبر الحياد كذبة كبرى والاعلامي الذي لا موقف له هو اشبه بـ”روبو” يعبث به من يشاء عندما يضغط على زرّ من ازراره كي ينفّذ فقط ما يريد الضاغطون عليه من مواقف… وهو ما نسميه الان اعلام الاجندات… كنت ومازلت اومن بأن لا اجندة الا للوطن وللانسان.. وفي هذه النقطة بالتحديد لا فُضّ فوه الكاتب المغربي المزلزل محمد شكري وهو يتحدث عن مهمة الكتابة والكاتب فيقول: {انّ مهمة الادب الاساسية كما اعتقد هي الاستنكار والاحتجاج والتمرّد على كلّ واقع مسكون بالبؤس والعفونة والاستغلال البشع}…

اليست هي ايضا مهنة ورسالة الاعلامي ..؟؟؟

عندما اقترح عليّ المرحوم قاسم المسدّي المساهمة في برنامج من البريد الاثير سعدت جدا بتلك المساحة اليومية من العاشرة صباحا الى منتصف النهار… سعدت لا لتوقيتها او مدّتها او معدّل بثها اسبوعيّا… بل لانّها مساحة اذاعية متخلّفة جدا في مضمونها… اذ ماذا يعني ان نبقى ساعتين يوميّا فلان يُهدي اغنية لفلانة و فتاة تُهدي اغنية لأمها وهي تقطن معها تحت سقف واحد .. ايّة جدوى في ذلك ..؟؟ ايّة رسالة .؟؟؟ والغريب ان تلك الاهداءات في الاذاعات الثلاث وفي نفس التوقيت … الان ستفهمون اكثر معنى سعادتي .. كنت كذلك الفلاح الذي يجد نفسه امام ارض خصبة ولكنّها جدباء لا تنتج شيئا ..اليس عليه ان يشمّر على ساعديه للحرث والزراعة …؟؟؟ في انتظار مطر اوّلا وحصاد ثانيا … وعلى هذا الفلاح ايضا ان يعرف ماذا وكيف ومتى يزرع .. حتى تتحقق معادلة الامتاع والاقناع …

في من البريد الى الاثير بدأت خطوتي الاولى ولمدّة شهر كامل اقدّم تحيّتي ومعها قصيدة شعر لنزار قباني فقط واترك الاستوديو لمنجي وحسناء لتقديم اغاني الاهداء ..كنت اجسّ النبض …ومنذ الاسبوع الاوّل بدأ الغيث النافع يهلّ على زرعي ..شعر القباني والقاء عبدالكريم (ضرب) وبريد المستمع بدأ يتكاثر … بعد ذلك الشهر ادمجت اوّل ركن لصحافة الموقف في البرنامج وكان (قرأت سمعت شاهدت)… ضرب هو ايضا رغم الليونة والهدوء في تعاليقي حتى لا اثير قلق المراقبين واولاد الحلال… من داخل الدار ومن خارجها وتكاثر تكاثُر البريد . ثمّ جاءت دعوتي للمستمع للفعل التشاركي ..لاخراجه من قمقم المستهلك واخترت له ابسط السبل: انتقاء حِكم او مقولات واسميت الركن (كلمات من ذهب)… ثم تلته اركان اخرى لمزيد تفعيل دور المستمع في انتاج البرنامج…

ثم جاء دوري لاكون بجانب هذا المستمع في محيطه في بيئته في بيته وانا اتنقل اسبوعيا كل احد لزيارته على عين المكان ولتسجيله كعضو فاعل بصوته ..بكيانه ..بمشاعره ..بآماله وما اجمل الآمال ..وبآلامه وما اجمله وهو يئن امام المصدح انينه الصادق …. الركن انذاك (مع احباء البرنامج على عين المكان) ..وهو ركن اتاح لي زيارة معظم مناطق تونس التي لم اكن اعرفها من قبل واتاح للمستمع ان يوصل صوته … اليس ذلك حقّه المشروع ..؟؟ ما قيمة الاذاعة دون حضور فعلي لمستمعيها …قلت فعلي واضيف فاعل ..لان المستمع الذي يكتفي بالحضور الباهت الماسط موجود وسيبقى موجودا اذا لم يأخذ المنشط بيده كي يرتفع به الى الاجمل والارقى… ولكن انّى لمنشّط ماسط وباهت وفارغ ان يرتفع بالمستمع ..وتلك هي معظم حالات منشّطي هذا الزمن الاحرف …. ضحك وتهنهين واستعراض عضلات ببعض الكلمات الفرنسية في حين ان جُلّهم لا يفرّقون بين les héros et les zéros الابطال والاصفار ، وهم ينطقونها في صيغة الجمع باللغة الفرنسية …

لنعد الى خرفاننا كما يقول المثل الفرنسي …كاينّي صعّبتها شويّة بهذا المثل الفرنسي على هاضوكا المنشطين اللي عمرهم ما كانوا منشطين …واللي البعض منهم دخلو بقفة زيتون او بالرمّان لبعضهن … هذي هاكة العام عملت زلزال كيف حكيت عليها ..ونساو اولاد الحلال اني استثنيت الزميلات الشريفات … ولي عودة لها عند اوانها لأني تعودت كذلك ان اقولها واُمضي ولا امضي…راجعين يا هوى ملوّث راجعين…هوى اعنيها وليست هواء …

تلك كانت استراتيجيتي في العمل ضمن برنامج من البريد الى الاثير .. تحسيس المستمع بعدم جدوى اغنية للاهداء والتقليص من وجودها مرحليا والقيام بعدعام واحد باستفتاء مع مستمعي البرنامج حول ضرورة بقاء ركن الاهداءات من عدمه ..وكان اوّل رهان اربحه .. المستمع ينادي بنسبة 90 في المائة بالغاء الاهداءات تماما وفسح المجال لاركان ومحتويات اخرى اكثر جدوى …وتضاعف بريدهم عشرات المرات… وكان بريدهم كما اسميته انذاك امانة حقا … اذ والله شاهد على ما اقول لم يطّلع ايّ كان على محتوى رسائل مستمعيّ ..ايّ كان ..علاقتي بالمستمع على مستوى الثقة تجذرت بشكل غريب … المستمع اصبح يعتبر المنشّط جزءا من حياته فيسقط عليه كلّ ما ينقصه في محيطه ..هو الاستاذ …هو الاب هو الاخ … هو الصديق …هو الحبيب ..هو الزوج … اي هو المفقود في الواقع المعيشي ..نعم …وهذا طبيعي جدا في غياب اي فرد من هؤلاء الذين ذكرتهم …انذاك سيُسقط على منشطه المفضل ذلك الدور بل ويتجاوز ذلك (وهي حالة لم يفهمها العديدون) المستمع وخاصة المرأة بفعل ظروفها الاجتماعية والبيئية التي حرمتها من عدّة اشياء… سيصبح المنشط بالنسبة اليها يقول الشعر فيها ولها وحدها ..كل الاغاني في الحصّة هي مهداة لها وحدها .. اي سيصبح المنشط عالمها الجميل في عالم لم تعش فيه يوما الجمال ..

ومن هنا جاءت غيرة العديدين من بعضهن البعض ..المرأة في مثل هذه الحالات تصبح لبؤة تغار بشدة على قرينها … لكن ما لا يعرفه الكثيرون من مستمعيّ ان بعض الرجال هم ايضا يغارون ..اما من المنشط على زوجاتهن ..وهذا اراه معقولا .. حتى ان بعضهم، وهذه حالات علمت بها منهم، كاد يُنهي حياته الزوجيّة نظرا إلى تعلّق زوجته المفرط بمنشطها …وذات يوم جلسا لمناقشة امر الطلاق فطلبت الزوجة من زوجها بكل رجاء ان يستمع مرة واحدة الى ذلك المنشط… فاذا به يُصاب هو ايضا بادمان العشق … وانتهى الخلاف… والقصص لا تعدُّ ولا تُحصى في هذا الامر ..

ومن جهة اخرى هنالك من المستمعين من يغار من المستمعات في حبّهن الغامر للمنشّط ويعتبرون انفسهم مهضومي الجانب عندما يقرؤون او يسمعون اشياء من النساء من نوع (هاكة متاعي وحدي) .. يوما ما، دخل واحد منهم على الخاص ليُعبّر لي عن غضبه من مثل هذه الظواهر بالقول (حتى احنا عندنا باي فيك ومتاعنا زادة)… تحدثت عن هذه الامور من اجل التوثيق… اولا لاني لست دون جوان ولا كازانوفا ولا جيجي لاموروزو . ولم ارد البتة التباهي بهذه الاشياء . ولكن ما اردت ان اوصله لكم هو الآتي: ليس هناك ايّ سرّ في تعلّق المستمع بمنشّطه… هذا لن يحدث الا اذا تحققت معادلة الامتاع والاقناع واذا كان المستمع شريكا في البرنامج واذا كان للبرنامج رسالة سامية… رسالة في سطورها حب الوطن ..حب الانسان ..الدفاع عن المظلومين والتحالف وبصفة لا تجادل مع الجمال ضد القبح ومع الحب ضد الكراهية ..انذاك فقط يتعانق الانسان مع الانسان حتى وان لم يره يوما في حياته ..وهل هنالك اجمل من عناق الانسان للانسان … اعانقكم ودون عقد …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

جور نار

الدنيا ليست بخير كما يزعمون…

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…

هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…

فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟

وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟

فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟

هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار