يوم وصلتني بطاقة الدعوة لاجراء مناظرة السيزيام لم ينتبني اي شعور بالرهبة او بالخوف … ولم اجد لحد يوم الناس هذا اي تفسير لحالتي العادية في جل امتحاناتي …
عبد الكريم قطاطة
ليس معنى هذا اني كنت واثقا من نجاحي، ابدا فبعضها كانت بحق مناظرة مصير …الا اني هكذا ! … بل وصل بي التعنت احيانا الى مخاطر في بعضها (وللحديث بقية) …وكان اليوم الموعود، نهضت باكرا وكعادتي لم آكل شيئا في فطور الصباح فعلاقتي منعدمة تماما بالبيض والحليب والزبدة والسمن (ان وجدوت) وكل ما في الامر بقايا عشاء البارحة …وهو لا يغريني … الا ان امي لم تنفك تردد: “يا وليدي ماشي للامتحان على ريقك ؟؟؟ اشكون يعرف ادوخشي في (الكار) كول حويجة” … ولست ادري مالذي جعلها تخاف من الحافلة رغم اني لم امتطها من قبل الا في مناستين …يوم ذهابي الى المصور الزواري لاخذ صورة لبطاقة التعريف المدرسية للمناظرة المرتقبة ..او يوم ذهبت مع خطيب اختي الى السينما …
و في الحقيقة ولان قلب المؤمن خبيرو، هي على حق في نصيحتها لاني وبعد معاشرتي للحافلات خلال مرحلة تعلّمي الثانوي الاولى خاصة،كثيرا ما احسست بالدوار متى بالغ السائق في استعمال فرامله …بل واحيانا كنت انزل قبل محطتي بمحطات واكمل بقية الطريق ماشيا حتى اتفادى الدوخة … يومها رافقني ابي الى معهد الهادي شاكر طريق قابس (الليسيه) وكان اول عهدي بمعهد ثانوي بمثل تلك الضخامة المعمارية … يفجع … ولكني لم افجع …لا اتذكر بالضبط كم يوما قضيته في امتحان المناظرة، ولكن كل ما اذكره سؤال امي الذي لم ينقطع: “يا وليدي عديت بالباهي ؟” … واجابتي الدائمة:لا.باس …اميتها وشبه امية ابي ما كانت لتسمح لهما باسئلة اكثر تفاصيل … ورب ضارة نافعة اذ اني وعلى عكس اولياء هذا الزمن (اللي يسالوا على البسباس واللي كانلو غراس) الى حد الارهاق …
لم يكن هنالك اي اشكال من هذا القبيل من ناحيتهما …كنت احس بداخلي بوجع امي خاصة وهي الأم غير القادرة على نبش تفاصيل امتحان ولدها وهي التي ما انفكت تعبر عن عدم رضاها على مذاكرته لدروسه وكثرة نهمه لشتى انواع اللعب …ولقد لازمها هذا الوجع حتى يوم اعلان النتيجة …النتائج انذاك كانت تظهر فقط في الجرائد اليومية والتي كانت “الصباح” و”العمل” في نسختيها العربية والفرنسية، و”لابريس” …
يومها ولاول مرة اشترينا جريدة الصباح وثمنها 20 مليما (حق خبزة والخبزة ابجل اولا ثم لم يكن انذاك مكان للجريدة الا لدى بعض الكبايرية من مثقفين او من المتمظهرين بالعلم والثقافة) …وبدأت ابحث عن اسمي بين الاف الناجحين …لست ادري اي حدس انتابني يومها لاقلب نتائج التلاميذ الناجحين والموجهين في نفس الوقت الى معهد دون غيره ..حدسي جعلني ابحث عن اسمي في معهد الحي الزيتوني (15 نوفمبر حاليا)… و”اوريكا”! اسمي موجود … فرحت نعم …ولكن كانت فرحة عادية … بل واصبحت مشوبة بحذر شديد لان ابن عمي لم يحالفه النجاح …وحتى عندما دخلت الحوش كانت العائلتان تنتظران التلميذين بكل وجل والف سؤال يرتسم في اعين الجميع ..وكان من واجبي ان اعلن عن نجاحي بكل هدوء ورصانة حتى لا ابدو شامتا في فشل ابن عمي … وكذلك عائلتي … هو الفرح الصامت، وما اتعس الفرح الصامت …
كان هم امي وابي واختي الكبرى ان انجح حتى لا يتحول زواج اختي في اوت الى شبه مأتم …كيف لا والعائلة معلقة آمالها على ابنها ؟؟ كيف لا وهو سيكون اول ناجحي السيزيام في الحوش ؟؟؟ وحتى اختي التي حرمت من التعليم من اجلي كانت فرحتها كبيرة خوفا على مراسم زواجها … لو فشل عبدالكريم “يتعدالها عرس سلاطة” … وللامانة اصبحت منذ تلك اللحظة كسرى انو شروان … نحكم باحكامي … لقد رفعت راس العائلة وكنت في مستوى التضحيات الجسيمة (ماديا) التي قاست منها ميزانية العائلة من اجلي … لا تذهبوا بتصوراتكم بعيدا فعبارة كسرى انو شروان نسبية وعيارة تضحيات جسيمة لا تقل عنها نسبية …لان لعب الكرة ما زال ممنوعا ولان مخالطة اي كان ممنوعة ولان الحوش هو مقر سكناي ولعبي اي سجني … وحتى بعض هدايا العائلة لي بمناسبة نجاحي لا تتجاوز ڨازوزة بوڨا سيدر ، او بعض البسكويت القطعة الواحدة منه بمليم واحد اي الهدية 20 مليما … ثمنهما معا …
وكنت كلما عبرت عن رغبتي في “روبولوت” اي اعادة الزردة الڨازوزية، واجهتني امي باجابتها الحاضرة: “اه وليدي ماذا بيّا اما ما تنساش رانا قادمين على عرس وخيتك” … ولعله من ميزات العائلات في صفاقس انها ومهما كان مستواها المادي تستعد جيدا لكل المناسبات، بفضل حكمة وزيرة الاقتصاد والمالية التي عادة ما تكون الام … وهذا ما يحدث في عائلتي ..ابي كان “ترتاق” متاع فلوس، ولا يخبئ القرش الابيض لليوم الاسود …وهذا ما ورثته عنه في القليل الذي ورثته عنه …اما امي فهي وكاغلب الصفاقسية تحكم التصرف في الميزانية اذ لا عيد اضحى دون كبش العيد يعلف 4 اشهر قبل ذبحه، ولا عيد فطر دون حلوياته وحوت مالحه وشرمولته، ولا صائفة دون عولة (محمص وكسكسي وملثوث) اللي كتب من ربي كما تقول …فما بالكم وهي تستعد لزفاف ابنتها البكر ؟؟؟؟
هي منذ ان بلغت اختي الكبرى 14 سنة ووالدتي “تحَتْرف” طرف فلوس لتشتري كل مرة شيئا من جهازها، اي ملابسها لتحملها معها قبل عرسها الى بيت العروس … ودائما على عربة مجرورة ببغلين (الكارو) و فرقة فلكلورية تصحبها بالكورنيطة …وسيارتان او ثلاثا على اقصى تقدير مكتظة باهل البنت حتى التخمة (نساء) وهن المكلفات بترتيب جهاز العروسة بمنزل زوجها …كنت سعيدا بالحدث وكنت اترقب الاسبوع الاخير قبل اليوم الموعود لاستعرض عضلاتي في الدربكة والغناء كما يحدث في كل الاعراس … إذ قد حفظت من مذياع الجيران عديد الاغاني التونسية والشرقية وحان الوقت لاستعراضها …وطبيعي جدا ان يكون الاختيار على تلك التي احدثت “بيزززز” من جهة وعلى اغاني الافراح (من الغريب جدا اننا في عصرنا الحاضر نستمع الى مطريبن ومطربات يتغنون في حفلات الاعراس بـ “يا غدارة” او “يا خاينة” او ما شابههما في المعاني ..
المطربون الذين كان لهم صيت ذائع انذاك هم نعمة، علية، صفية شامية، الهادي القلال، الجموسي، احمد حمزة … علاوة على الاغاني الفلكلورية لجهة صفاقس والتي وقع تسجيلها في ما بعد مع افتتاح الاذاعة الجهوية بصفاقس (يمة لسمر دوني، يا رمانة، سيدي منصور…) اما من المشرقيين فكانت جل الاغاني التي تلاقي صدى لدينا من الطقطوقات (العصفورية والغاوي لصباح، بحلم بيك وبتلوموني ليه لعبد الحليم، انا قلبي ليك ميال لفائزة احمد، “اش لوننا” لشفيق جلال، على شط بحر الهوى لكارم محمود) … اي ان الفوندو من فصيلة ام كلثوم وعبدالوهاب لم نكن قادرين على فك رموز شفراته …وانا من الجيل الذي عرف ام كلثوم يوم التقائها بعبدالوهاب في “انت عمري” …
كنت اذن اتأهب لاكون في نفس الوقت درابكي الفرقة ومغنيها ومنشطها … وما ان حل الاسبوع الموعود حتى ابتليت بـ “بوجنيّب” في سبابة يدي اليسرى وهو نوع من الدمّل الذي يؤلم جدا … ولكم ان تتصوروا العازف على آلة الايقاع وهو يقضي العشية والسهرة يعزف ويغني ثم يؤوي الى فراشه كل ليلة وهو يبكي من الألم … السبابة تبات تنقّح، بثلاث نقاط على حرف القاف … وعبثا ان تحاول امي اثنائي عن العزف والغناء غدا …_النافع ربي … مما جعل الورم يزيد تعفنا و إيلاما ولم اشف منه الا بعد الزواج باسابيع …حتى ان آثاره ما زالت مرسومة علىي سبابتي ليوم الناس هذا …
حفل الزواج انذاك يخضع الى تقاليد وحيثيات هي في جلها معمول بها الى الآن … هناك الحمام ثم الحنة ثم البطالة ثم النزول ثم يوم العرس … وهنالك ايضا السبوع، اي مرور سبعة ايام بعد العرس وهي من التقاليد التي اصبحت نادرة جدا في صفاقس … الحيثيات الاولى لا تختلف في شيء عما يحدث الان من حيث المبدأ رغم اختلافها في جزئياتها … فالحمام مثلا كان في حمام عربي في المدينة العتيقة ولعل اشهرها “حمام بوعصيدة” واليوم اصبح “عند محاسن” …ولست ادري هل عرائس اليوم يستمتعن بنفس رائحة الحمام العربي ايام زمان …لست ادري لاني ببساطة وشيء من البلادة …لم احضر يوما حمام نساء … على عكس طفل “عصفور السطح” …اتصور فقط ان مثل هذه الحمامات العصرية يستحيل ان نجد فيها نكهة ايام زمان …
مما اذكره في مراسم النزول ان الفرقة نسائية بآلات ايقاع (دربوكة وطار وبنادر) …وكانت احدى تلك الفرق تترأسها امرأة متقدمة في السن تسمى “الدجيجة”وهي بالكاد ترى … وهي امرأة كثيرة الخصام مع بدء عملية الرشقان على العروسة …فاحداهن تدعي انها رشقت 5 دينارات والدجيجة تقسم انها رشقت 10د لانها ستاخذ نسبة من كل الآلاف التي يقع رشقها على جبين العروسة …ومن مآثر هذه البندارة (وهو اللقب الذي يطلق عليها من خلال مهنتها)، انها كانت لا تشرب الماء الا من حلابها الصغير (درجية) واننا كنا نتسرب خفية الى حرمها وهي غاطسة في التبندير ونقوم بسرقة الدرجية لاستفزازها حتى تقول جملتها الشهيرة:اشكون هز الدرجية يجعل كبدو مشوية! وذاك ما كنا نبغيه من فعلتنا …التمتع بتلك السمفونية التي “تخرج عسل” من فم الدجيجة …
يوم العرس كان في جله حفلا نهاريا اما بمنزل العروس ان كان يستجيب جغرافيا للحشد الكبير، او باحدى صالات الافراح ويتصدرها انذاك صالة الافراح البلدية (للدمادم ماديا) او صالة العموص وهي التي تقع في بودريار وكانت تؤمنها عادة فرقة نسائية بالبيانو واشهرها فرقة كسودية ثم فرقة ذيابة …ولا مجال لدخول اي رجل داخل الصالة (ذاك حرم نسائي لا ينتهك) وللرجال مكانهم في حديقة الصالة يتلصصون على هذه او تلك رغم ان تلصصهم لا يسمن ولا يغني من جوع، لان جل النساء متزوجات وصبايا بالسفساري … ماعدا “كعيبات” لا يتجاوز عددهن اصابع اليدين … لكن المهم ان لا تمر واحدة دون ان يتهامس الشبان اذا اعجبهم الجسد المكور داخل السفساري: “هذي زعمة من جماعة العروس والا العروسة ..؟؟؟ والله منظرها ما تخيبش” … ولست ادري اي منظر يقصدون ..؟؟؟ ام ان الرجل العربي في ذلك الزمن وربما لحد الان مغرم بالتربيع والتكوير ؟؟؟؟
يوم العرس كادت الامور تؤول الى ما لا يحمد عقباه …العائلتان اتفقتا على ان يضمن العروس يوم الزفاف (اي يوم قدومه لاخذ العروسة واهلها الى الصالة) … اتفقتا على ضمان خمس سيارات لنقل اهل العروسة …الا ان السيارات التي انتصبت امام باب الحوش كانت اربعا …وحملق الوالد وبدأ عرق النرفزة يتصبب ومباشرة صاح: “وينو علي ولد عمي ..؟؟؟ يا سي علي ولينا مسخرة نتفاهمو في خمسة تجيبلي اربعة …؟؟؟؟” ويربت سي علي على كتف ابي: “اه اها يا محمد وليدات احنا ؟؟؟؟” اما الخامسة تبلّعت في التراب متاع الزنقة (وفعلا زنقتنا، زنقة المظفر، كانت مضربا للامثال في ترابها _العيثة _ وكانت العديد من السيارات لا تغامر بولوج كثبان رمالها …_لا تبحثوا عنها كثيرا زنقة المظفر لانها اصبحت الان تتشهى رمالها بعد ان تربضت وكغيرها كل الزقاق) … زمانا كان في صفاقس بعض الارباض لا تعد حتى على اصابع اليد الواحدة كربض القائد وربض زنقة بن سعيد …والان …..ياااااااااااااااااااااااه لقد وأدوا الغابات والرمال وطوابي الهندي واصبحت صفاقس يتيمة منها .. اصبحت صفاقس ام الارباض ..
وهدّأ سي علي من روع ابي ووعده بان يعوضها له يوم السبوع …يوم السبوع هو يوم يحتفل به اهل العروس باهل العروسة ويتم كما تدل تسميته بعد اسبوع من حفل الزفاف تقديرا من العروس للعائلة التي انجبت عروسته وخاصة لاصالتها وتربيتها والمحافظة على شرفها حتى تصل بكرا الى زوجها وحتى تقدم عربون الشرف الى والديها من خلال ما تخبؤه العروس في احدى السلال المخصصة للغرض …دماء الشرف … وتقدمه بخجل وسعادة الى امها وكل من صاحبها من نساء عاقلات لا فتيات يسترقن السمع والنظر لما في السلة من كنز والكبريات ينهرنهن: “هذي امور خاطيتكم يززيو من التنسنيس” ….وما هي الا زغاريد الافراح تتعالى من جميع النساء …ويعلو البشر والفخر لدى الاب ولدى العريوس ايضا ..الاول افتخارا ببنت الاصول والثاني افتخارا برجولته والاصح بفحولته …التي قد تصل احيانا بالفحل الى حجز اقامة لدى بعض المستشفيات لانقاذ زوجته المسكينة من وحشيته …_طبعا ….تحبهم يقولو عليه موش راجل ؟؟؟؟ ضربة بموس ولا ها الشيء …
وبكل امانة مثل هؤلاء قد نجد لهم تبريرا لا عذرا لما يقترفونه في حق زوجاتهم من سلوك شنيع قد يؤثر على كل الحياة الزوجية بفعل الصدمة لان معظمهم لم يعرفوا يوما ان المرأة كيان انساني وان الرجولة الحقيقية في ان تكون انسانا معها لا وحشا كاسرا … في المقابل واذا حدث ووجد العريوس عروسته غير عذراء فانه وعلى عكس العديد من الجهات التي تصبح الحالة فيها مدمرة قد تصل الى القتل من قبل والدها لانها لوثت شرفه وشرف العائلة او من قبل العروس انتقاما لشرفه المهدور …فان ما يحكى عن مثل تلك الحالات في صفاقس وفي جلها هو ما تتداوله بعض الالسن الخبيثة من النساء وبعد مرور مدة طويلة على الحدث والتي تصل احيانا الى سنوات …ان فلان كلاها ورقد …مرتو ما لقاهاش بنية (وبنية هنا تعني عذراء) …وترد عليها اخرى امالا اش يعمل بنت عمو راهي ..اشبيك يلزمو يسترها ويستر العائلة الكل …هذا اذا كان الزواج زواج اقارب ..اما اذا كان من فصيلة اخرى فكثيرا ما تمضي النسوة في وصفها بابشع النعوت لعل اخفها وقعا عليكم كقراء: “اشبيك راهي العوبان كلاتلو عقلو ووكلتهولو في الزميت” (اي مسحور) “قللك وكلتلو ذيل ام البويا” (الحرباء) …
اولم يكن من الافضل دينا وفكرا واخلاقا ان يبتلع هؤلاء النساء الحرباوات لسانهن وان يسترن ما ستر الله ..؟؟؟ …
سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…
هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…
فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟
وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟
فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟
هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…
عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…
سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…
جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…
نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”
ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”
نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”
هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”
نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”
همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…
نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….
شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…
التقيت صديقا من مشاكسي أيام زمان فاقترح علي مجالسته لبعض الوقت في أحد مقاهي المدينة فقبلت بالأمر… جلس وأشعل سيجارته وقال “حين تسأل اليوم من يعترضك من المارة أو أحد الأصدقاء كيف حالك؟؟ غالبا ما تكون الإجابة (الأمور ليست كما هي… جميعنا نعيش تحت غطاء الخوف)… تسأله مم الخوف؟ يجيبك (لا نعلم…)
هكذا جميعنا اليوم أو أغلبنا، هل ورثنا ثقافة الخوف عن أبائنا أم هي ثقافة كسبناها مما عشناه ونعيشه، ما رأيك يا صديقي في هذا الأمر؟؟” قلت: “في العهود التي مرّت بها البلاد وعشناها كنّا نخاف كل شيء، فحين كنّا صغارا كان خوفنا كبيرا من أمّنا ومن إخوتنا الكبار، وكنّا نعيش الرعب مع والدنا خوفا من عقاب شديد لا نعلم لماذا ومن فرضه علينا وبأي قانون وقع فرضه…ثم حين كبرنا وكان ذلك في عهد بورقيبة رحمه الله أصبح الخوف أوسع واشمل…وأخذ طابعا آخر فعشنا الخوف من مكاتب الشُعب ومن يعمل فيها ومن رئيسها فكان أغلبنا يمرّ أمام مكتب الشعبة مطأطئ الرأس صامتا يلقي التحيّة دون أن يلتفت إلى على من ألقى التحية… وقد يصل الخوف ببعضنا بأن يرفع عقيرته بالصراخ (نموت نموت ويحيا الوطن…) وقد يرفع عقيرته بالنشيد الوطني وكأنه في تحية العلم الصباحية،
كبرنا وبدأنا نفاخر ببعض الشعيرات التي غزت ذقوننا ولم يغادرنا الخوف بل أقسم أن لا يفارقنا ويتركنا في حالنا، فاصبحنا نخاف عون الأمن وأقاربه واصهاره ومن يجالسه…ثم عرفنا دور العمدة ومدى قربه من السلطة والحكم فأصبحنا نخافه ونخاف من يعمل معه ومن يجالسه ومن يرافقه ونخاف أهله وأصهاره وحتى أصدقاء صغاره…ولم تسلم المدرسة ومن يعمل فيها من خوفنا… فكنّا نخاف حين نمرّ أمام بوّاب المدرسة من وشاية تسبقنا إلى مدير المدرسة… معلمنا أيضا لم يسلم من خوفنا…فكنّا أيضا نخاف من وشاة القسم، فبعض من هم أقرب منّا إلى المعلم ويلاطفهم بتوصية من زميل له يعمل بالمدرسة التي لا تبعد عن مدرستنا كثيرا، كانوا يقرؤون في حصة القرآن “قل أعوذ برب الناس” ثم يذهبون ليوسوسوا في أذن المعلم عمّا يفعله بعضنا خارج القسم والمدرسة، فتنزل ببعضنا أشدّ العقوبات فيغلق في وجهنا مضيق هرمز… عفوا باب القسم فنمنع من الدخول…
هكذا كان لكل من مرّوا بحياتنا وشاة ينشرون الرعب والخوف… فمدير المدرسة وحارس المدرسة وبوابها… والأستاذ… وابن الأستاذ وابن أخت الأستاذ… والعمدة وجار العمدة وقوّاد العمدة… ومخبر قوّاد العمدة… والمعتمد وابن المعتمد… وصديقة ابن العمدة وابن المعتمد وابن شقيق الوالي وحارس الولاية وقوّاد الوالي ومن يجالسهم ومن يتعاملون معه في السرّ والعلن… جميعهم أذاقونا وجع الشكّ في القوادة فكنّا نخافهم بسبب ودون سبب ولا نعرف حتى لِمَ وجب علينا أن نخافهم ونخاف وشاتهم …ث
م كبرنا…وحين أصبحنا في عمر يسمح لنا بالوقوع في حبّ ابنة جارتنا فتحية أو زميلتنا في القسم كنّا نخاف أبناء الحي والأحياء المجاورة… فالوقوع في الحبّ ليس في متناول الجميع في أيامنا تلك… وابن الفقير لا يسمح له بالتقرّب من ابنة العمدة أو رئيس الشعبة أو ابنة مدير المدرسة وقد يعيش الرعب لو عاكس ابنة المعتمد أو ابنة رئيس مركز الشرطة، ففي أيامنا تلك حتى الوقوع في الحبّ بالأكتاف…فـــ”مها” لا يمكن لــ”خليفة” ان يقترب منها ويعاكسها… و”الشعلاء” أيضا فليس لها الحق في أن تعشق أو تعجب بــ”نوفل” و”كمال”… فـــ”نوفل” هو ابن المعتمد و”كمال” هو صاحبه ابن العمدة… لـ”خليفة” لالحقّ كاملا في معاكسة “برنية” و”أم الخير” لكن لا حقّ له في الاقتراب من “ابتسام”…فالاقتراب حينها يصبح سامّا وقد يعرّضه لعقوبات وتتبعات ومضايقات وملاحقات و”شفطات” وويل وثبور وعظائم أمور…
وهكذا كان أيضا عهد بن علي رحمه الله… فتواصلت معنا لعنة أو لنقل ثقافة الخوف … الخوف مما سبق الى ما لحق… فكنّا نخاف بن علي رحمه الله ومدير ديوانه وأعضاء ديوانه وأقاربهم وعائلاتهم وأصهارهم ومعارفهم ومن يجالسهم من له أرقام هواتفهم… كما عرفنا الخوف من كل الوزارات ومن يعمل فيها ومن يديرها ومن يدخلها ومن يجالس من فيها وعائلاتهم وأصهارهم وأبناء عمومتهم… ودبّ الخوف أيضا في قلوبنا من أعضاء مجلس النواب واللجنة المركزية والديوان السياسي وكل من له علاقة أو صلة بهم وبأحد أقاربهم وأتباعهم ومن يجالسهم ومن يصاهرهم ومن يعرف أرقام هواتفهم … دون أن ننسى خوفنا الدائم من الوالي والمعتمد الأول والمعتمد والعمدة وصديق العمدة وعمّ العمدة وخال زوجة العمدة وابن أخت العمدة وسائق الوالي والمعتمد والخ الخ الخ….
ثم وقع إضافة بند آخر في قائمة الرعب، فتوسعت القائمة لتشمل ليلى وأخواتها ومن يجالسها ومن يصاهرها ومن يعرف رقمها ورقم إخوتها… ثم سافر بن علي رحمه الله لأداء مناسك الحج والعمرة والموت في البقاع المقدسة… واستوطن التتار والمغول والفيكينغ أرضنا وجاء جنكيز خان على حصانه المخطط رافعا سيف العدالة والديمقراطية والحرية فلا خوف بعد اليوم لا من ليلى ولا من فتحية ولا حتى من “مولاة الخلة الخمرية”…فأصبح الخوف الديمقراطي أكبر واستوطنت الأحزاب التي خرجت علينا كالفقاقيع كل مقرّات المغفور له التجمّع الدستوري الديمقراطي… فأصبح الخوف ديمقراطيا شموليا… فالولد يخاف من أمه ومن والده ومن إخوته ومن جاره وأصهاره وأبناء عمومته ومن كلبه ومن قطته…
فخرج علينا اليسار يهددنا بالويل والثبور والكثير من الجاوي والبخور… وخرج علينا شيوخ الدين يولولون ويكفّرون ويهددون بجهنم وبئس المصير والمسير… ثم جاء بعض من هم في الاتحاد فأصبحنا جميعا في نظرهم من الأوغاد فخرّبوا الكثير من البناء وأرهقوا البلاد والعباد…فحلّ الرعب والخوف والاستبداد… وحكم بعض رجال الاتحاد البلاد … فأصبحنا جميعا نخاف الأمين العام والكاتب العام ورفيق الأمين العام وصديق الأمين العام وجار الأمين العام وابن عم الأمين العام ومن يجالس الأمين العام ومن يصاهر الكاتب العام وقوّاد الأمين العام… فقط السؤال اليوم هل لخوفنا هذا ما يبرره؟؟؟”
ثم نظرت إلى ساعتي فضحكت وسكتُّ…فقال صديقي لِم ضحكت ولم سكتَّ أكمل؟ قلتُ: الساعة الآن منتصف الليل يعني الساعة صفر وبلغتك أنت صديقي الساعة الصفر هي ذاتها الساعة الرابعة والعشرون وأنا وعدت زوجتي ألا أكون خارج المنزل بعد الساعة صفر… ضحك وقال: “الخوف يدير الجوف يا صاحبي …”