تابعنا على

جور نار

إعادة توظيف الحمير والبغال…

نشرت

في

اطلعت أنا وبقية أفراد العائلة على النسخة المسرّبة من برنامج الإصلاح الاقتصادي، الذي أرسلته حكومة “للاّتنا نجلوتة” إلى صندوق النقد الدولي…وقرّرنا دعوة كامل أعضاء مجلس الأمن العائلي لتدارس تبعات وتطوّر الأوضاع الاقتصادية العائلية التي ستترتب عن هذا البرنامج الإصلاحي الموجع، وصياغة استراتيجية الردّ المناسب على هذا الاعتداء السافر على مقدرتنا الشرائية والاستهلاكية والمعيشية، وإعلان حالة الطوارئ لمدّة خمس سنوات مرافقة لما قررته حكومتنا من إصلاحات، كما تمّت دعوة أعضاء اللجنة العائلية لمجابهة “الكوارث الحكومية” للانضمام للمجلس ومساعدته في إيجاد حلول عاجلة للخروج من الأزمة والحدّ من تبعاتها على أفراد العائلة…وكالعادة جاءت زوجتي بوصفها النائبة الأولى ومقررة المجلس وأمينة مال العائلة بكل الفواتير المؤجلة الدفع حتى إشعار آخر…

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
محمد الأطرش

فتح باب النقاش في ما تحتويه فاتورة استهلاك الماء الصالح للشراب وأشياء أخرى، وكالعادة افتتحت الجلسة بوصفي رئيس المجلس بكلمة ترحيبية مشفوعة بدعاء “اللهم أعنّا على خلاص كل الفواتير، وابعد عنّا كل أمراض البواسير وأكسر “خشم” ورجل عمّ البشير موزّع الفواتير” ثم أحلت الكلمة إلى ابني الصغير، لقراءة ما جاء في فاتورة استهلاك الماء والتطهير…كشف عن المبلغ العام المطلوب دفعه فكان بالضبط 265 دينارا مقسّمة على النحو الآتي، 165 دينارا مجموع استهلاك الماء، 70 دينارا معلوم ديوان التطهير، وتسعة دنانير معاليم قارّة…والبقيّة مجموع ضرائب عامة…صرخ الجميع من هول ما سمعناه…فهذا ابني الكبير يصرخ ربع مليون ماء ما هذا؟؟ وصاحت ابنتي معاليم قارة “علاه”؟ وصمت البقيّة في انتظار ما سأصرخ به أنا بوصفي رئيس المجلس والحاكم بأمره وآمر الصرف العائلي، وقفت من هول ما سمعت وصرخت “70 دينارا من “الخـ…ء” والبول؟؟ ما هذا ؟؟

علينا بإيجاد حل جذري وعلينا ترشيد استهلاكنا لبعض المأكولات ودخولنا لبيت الراحة، وعلينا إعلان حالة التقشّف العام في كل أسباب التغوّط والتبوّل…وجلست لأقول “أعلن تكوين لجنة خاصة والاستعانة بخبير في التطهير ومعالجة البواسير لدراسة الوضع “التغوّطي” وإيجاد حلول عاجلة للخروج من الأزمة” وحدّدت المهام الأساسية للجنة وأهمّها تقييم وجرد شامل لحجم الاستهلاك البولي والتغوّطي، وكشف أسباب انتفاخ فاتورة التطهير…ثم اقتراح حلول جدّية وجذرية لترشيد وتخفيض وتيرة استعمال بين الراحة…وقد اقترح ابني الأوسط اكتفاء من يعمل من أفراد العائلة بالتبوّل والتغوّط بمقرّات العمل…واقترح ابني الأكبر التقشّف في وجبات الأكل والاكتفاء بوجبة واحدة يوميا، أو أن يكون الأكل بالتناوب في هذا الظرف الاقتصادي المتأزم الذي تعيشه البلاد والعائلة، وبتلك الطريقة يقع تخفيف الضغط على بيت الراحة من خلال العمل على الحدّ من انتاج “الخـ…ء”، في انتظار دراسة أمر تكاليف البول وما آلت إليه أوضاعه،

واقترحت ابنتي أن يكون دخول بيت الراحة بمعلوم يقع الاتفاق حوله في هذه الجلسة، كأن يكون مثلا “خـ…ء الصباح” وهو تغوّط استراتيجي كيف لا وهو مخزون أكثر من ليلة ونصف يوم بمائتي مليم، على أن يوضع هذا المبلغ مسبقا في صندوق يعلّق قرب باب بيت الراحة، والتفكير في تزويده بآلة تسليم وصولات الدفع، أمّا التبوّل اليومي فيكون بمعلوم لا يفوق الخمسين مليما، وإن تجاوز عدد “البولات” الخمس يوميا يُضاعف المعلوم المتفق عليه، إضافة إلى دفع معلوم استهلاك الماء المستعمل في عمليات غسل اليدين وغسل وتعقيم وسائل وآليات التبوّل والتغوّط بعد الانتهاء من كل عملية إفراغ نفايات، كما اقترحت ابنتي فرض ضريبة بـعشرة في المائة عن كل حصّة تغوّط وتبوّل تفوق مدّتها الربع ساعة تستعمل في شراء مستلزمات المكان وتعقيمه…مع اقتراح إضافة معلوم خاص لكل اسهال معلن، وتعريفة خاصة لكل اسهال غير معلن…وتدخّلت أمينة المال ومقرّرة المجلس زوجتي لتقترح الاكتفاء بمياه الماجل العائلي للشراب للضغط على فاتورة استهلاك الماء الصالح للشراب والتطهير عامة…

دوّنت مقرّرة الجلسة كل ما تمّ اقتراحه في الساعة الأولى من الجلسة والتي خصصت لدراسة أوضاع الماء والتطهير وبقية التدابير…وانتقلنا إلى فاتورة استهلاك الكهرباء التي فاقت هذه المرّة أيضا ربع المليون من المليمات…وقد قررنا إلغاء كل الفوانيس الداخلية والإبقاء فقط على الفوانيس الخارجية، مع توصية بالتعويل على الشمع والعودة إلى “الڨازة” داخل البيوت…وفي هذا الإطار تدخّل ابني الأوسط ليقول “أقترح الامتناع مستقبلا عن مشاهدة القنوات الوطنية، ومطالبة الشركة بحذف معلوم التلفزة الوطنية من الفاتورة” فكلفناه بكتابة عريضة لرئيسة الحكومة “نجلوتة” للقيام بإجراءات الحذف، مع التنبيه عليها بأن المجلس قد يقرّر التصعيد، في قادم الأشهر والاتصال بمنظمة الدفاع عن المستهلك إن لم يتم حذف معلوم القنوات الوثنية، عفوا الوطنية…

كما اقترحت ابنتي مشاهدة مقابلات كرة القدم في مقهى الحي والمسلسلات التركية عند جارتنا “مغلية”…والاكتفاء بمتابعة الأخبار الوطنية والعالمية عبر مذياع قديم أعدنا له الحياة عند صديقنا “محرز تورني فيس” المختصّ في إصلاح كل التجهيزات الالكترونية والمنزلية…وتمّ في نهاية جلسة مناقشة ميزانية الكهرباء والغاز التطرّق إلى موضوع قوارير الغاز، فقرر مجلسنا الموقّر بالإجماع العودة إلى التعويل في طبخ وجبة العشاء على “الحطب”، وتكليف ابني الأكبر بالسفر شهريا إلى صحراء تطاوين والقيام بعملية “تحطيب” واسعة لِمَا يبس من نبتة الشيح والتقوفت والعرعار وغيرها من الأعشاب الرعوية والطبية الصحراوية…كما تمّ تكوين لجنة عائلية لوضع برنامج شهري لشحن الهواتف وإقرار معلوم على كل عملية شحن، على أن يرتفع المعلوم إلى الضعف في صورة تجاوز أربع عمليات شحن أسبوعيا…وفي نهاية النقاش تمّت قراءة الفاتحة والدعاء “اللهم اعطب “طرطارة” موزع فواتير الكهرباء…وابعده عن دارنا من فصل الصيف إلى فصل الشتاء”…

انتقلنا مباشرة بعد راحة بربع ساعة تناولنا فيها البعض من “البسيسة” و”البعرور” وهي وجبة فرضتها السياسة التقشفية التي بدأ مجلس الأمن العائلي في توخيها منذ تسريب وثيقة الحكومة النجلوتية وإصلاحاتها الكارثية…أقول انتقلنا بعد مناقشة الماء والكهرباء وشؤون بيت الراحة لدراسة أوضاع بقيّة التكاليف المعيشية التي ستتضرر بما قررته حكومتنا من تصرفات عدائية لم تعرفها سابقا العائلات التونسية…طلب ابني الصغير الكلمة وتطرّق إلى إلغاء الدعم التدريجي عن المحروقات…وتبعاته على قطاع النقل عموما…قلت ماذا تقترحون في الأمر وهل ثمّة ما تقترحونه على حكومة “نجلوتة” لمساعدتها في إيجاد بعض الحلول السريعة والمفيدة…؟ قالت ابنتي مبتسمة “ما رأيكم في حمار أو جحش لكل مواطن”…ضحكنا وقلنا جميعا “لم لا؟ الفكرة ثورية وتليق بمقام حكومتنا ودولتنا وأزمتنا”…

حينها أضاف ابني الأوسط “ما رأيكم في حمار لكل مواطن كشعار للمرحلة وهو إجراء قد يخفف علينا كثيرا وطأة تكاليف المحروقات فبرميل النفط تجاوز المائة دولار أخيرا” قلت “علينا دراسة الأمر بأكثر تعمّقا وأظنّ أن تعويض التاكسيات بالــ”كريطة” أمر إيجابي ومفيد في أوقاتنا هذه…كما أن شعار جحش لكل تلميذ في الثانوي، وطالب في الكلية قد يكون أيضا مفيدا فتكاليف الجحش أو الحمار اقلّ بكثير من تكاليف الحافلات وسيارات الأجرة والسيارات الخاصة، فقط وجب توفير العلف وأماكن الوقوف للبغال والحمير والابل…وأقترح دهن الحمير بلون خاص …وحمير النقل العمومي بلون آخر…وبغال كبار السن بلون خاص…والابل يركبها الوزراء وكبار المسؤولين…ومنع المرأة من ركوب ظهور الحمير والبغال وتمكينهن من أولوية ركوب “الكريطة”…كما علينا إيجاد حلّ للتلوث الذي قد يتسبّب فيه تغوّط الحمير والبغال…

فجأة ارتفع صوت ابني الكبير ضاحكا وقال”يعني لو كان التلميذ حمارا أو جحشا في دراسته سيقول كل من يراه راكبا على الحمار أو الجحش “جحش راكب على خوه””…ضحكنا جميعا وقررنا كتابة تقرير في الأمر وعرضه على حكومة “نجلوتة” ليكون حلاّ وطنيا لأزمة الغاء الدعم عن المحروقات…فالحمير لا تشحن بالبنزين ولا بالكهرباء والبغال متوفرة في كل جهات البلاد…وقرر ابني الأصغر وفي إطار مبادرة إعادة توظيف الحمير والإبل والبغال أن يكون أول من يعوّض سيارته ببغل أنيق رآه في زريبة جارنا “عمّ فرج الحمراوي” كما أن حفيدتي طالبت وفي إطار تفعيل مبادرة حقّ الحمير في تقرير المصير بتبنّي جحش تركبه وتتدرب على سياقته فلا أظنّ ان الحمير والبغال والإبل في حاجة إلى رخص سياقة أو ساعات تدريب مضنية…ولا أظنها ستنضبط لعلامات وإشارات المرور…

في آخر نقطة من نقاط برنامج اجتماع مجلسنا قررنا قراءة الفاتحة على بعض المواد الغذائية والخضر والغلال دون مناقشة وطأة غلاء أسعارها على جيوبنا وميزانية العائلة…فوضعنا تفاحة وموزة وبعض التمرات على طاولة الاجتماع وبكيناها طويلا وخطب ابني الأوسط وعدّد مزاياها ومنافعها ثم ودعناها جميعا بأن قبّلناها…ثم أتينا ببعض من لحم الضأن والدجاج وسمكة من السردين وقرأ ابني الصغير خطبة الوداع ثم قبّلناها جميعا وواريناها قفّة جارنا الذي سمح لنا بقراءة الفاتحة على أرواحها وتوديعها…في الأخير جاءت مقرّرة الجلسة برغيف من الحجم الكبير وخطب ابني الأكبر خطابا يليق بمقام هذا الرغيف المناضل الذي قاوم لعقود كل محاولات ارتفاع أسعار المواد الأساسية ثم قررت تكريمه على طريقتي بتوسيمه بوسام الفقر والجوع الوطني وسط تصفيق وهتاف بقية أعضاء المجلس واللجان المساندة وبعض رجال الإعلام ممن واكبوا فعاليات اجتماع مجلس الأمن العائلي…

في آخر الجلسة تساءل ابني الأكبر قائلا “لو طبقنا ما اتفقنا عليه فهذا يعني أننا سنعود نصف قرن إلى الوراء…ولا أظنّ أن الأمر سيكون مريحا كما يتصوره بعضنا…نحن اليوم أمام خيارين إما العودة 50 سنة إلى الوراء…أو الهجرة في أول باخرة مغادرة…فتونس هي البلاد الوحيدة في العالم التي كان ماضيها أفضل وأجمل من حاضرها…فما رأيكم…الهجرة أو العودة إلى سنة 1970…” فكرنا طويلا وقررنا…الهجرة…فبلاد تدفع فيها ثمن التغوّط غاليا ولا يتمتّع فيها التبوّل بإعفاء ضريبي…لا يمكن العيش فيها….فالخوف هو أن يقع غدا…أو بعد غد فرض عقوبة حجز معدّات التغوّط والتبوّل حين يمتنع المواطن عن دفع ما عليه من ديون…ولا غرابة في ذلك في دولة تبحث عن تمويل ميزانيتها بكل الطرق والأساليب…

“بابا…بابا…نصف النهار شبيك لتوّه راقد”…هكذا صرخت في وجهي ابنتي بعد أن استغربت نومي لتلك الساعة…نظرت إليها وسألتها “كملتوا الاجتماع؟ …”…

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الوضع الحالي (ج 2): الساحة الوطنية… مقترحات لدرء الخطر

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.

كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أو بعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.

هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:

أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،

ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.

ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.

ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.

المقنترحات العاجلة:

ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.

واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:

أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.

ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.

ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.

رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.

خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.

خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.

كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.

أكمل القراءة

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار