تابعنا على

سرديار

الأرخبيل

نشرت

في

أفكار غريبة و ذكريات مشوشة تطرق رأسي اليوم، في الكلية، اتجهت فورا إلى مكتبة الفرنسية. كانت ريم منكبة على كتاب ضخم تفلي سطوره سطرا سطرا.

<strong>يوسف رزوقة<strong>

كان وجهي أصفر كالزعفران، و لم أكن بقادر على الانشراح مهما حاولني الزملاء ..

تقدمت نحو ريم خطوات، ثم عدلت عن إحراجها و إخراجها من دائرة التركيز ..

و يبدو أنها لاحظتني أتوجه إليها، فألقت ما بين يديها و لحقت بي:

ـ عبد الحميد، كنت تنوي الجلوس إليّ بلا شك؟.

* و لكن …

ـ لا عليك، تعال …

تسكعنا معا في معابر الكلية (و على رأسينا الطير).

ـ قال: لقد جاءني خبر سار من سويلمي مساء أمس.

* قلت: ماذا تقولين؟.

ـ قالت: اقرأ ..

و أخرجت من جيب فستانها المزهر ورقة صغيرة بحجم الكف تماما، أكاد لا أصدق … ارتبكت عيناي فلم أعد أتبين الحروف …

(سأعود يا ريم قريبا … سأمكث فيك يوما واحدا، ننتقل إثره إلى تهديم الخرائب و بناء العش الذي راودنا في الحلم.

لقد أصبحت فعلا غنيا على الرغم من ضيق ذات اليدين. لكن، إن أكن قررت أن أبقى فقيرا، فلأن الفقر مأوانا أخيرا …)

تملكني سهوم و انخذال … تكلفت الانشراح أمام ريم و باركت عودة سويلمي بعد كل ذلك الغياب …

*   *

انقضت أيام قليلة وجدتني إثرها أعود إلى قريتي … كانت لحيتي دغلا كثيفا و وجهي مكفهرا.

و كانت قريتي غارقة في اللامبالاة حتى الذقن … كل الأمور تسير على علاتها. لا حزن بحجم الحلم يدق الأبواب بالعنف الضروري. و لا هم، غير تسقط الأخبار الوهمية و تلفيق الحكايات التافهة.

كل مساء، تنتشر الغرانيق السود فوق القرية، و تبذر قفيزا و قفيزا من النعيق الفاسد، إلى أن ألفت القرية هذا النعيق و بات جزءا من نشيدها اليومي، لم تزده الأيام إلا تمكنا بالأعصاب و القلب …

عندما حللت، استقبحوا وجهي و رجموني بالنظرات المعوجة، الوقحة … صرخت فيهم بكل ما أوتيت من شجاعة:

كلكم كلاب لا تستحقون الذكر ! كلكم أجياف تسترون نور الشمس بالغربال. هذه الأرض تلعنكم و أجداد أجداد أجدادكم … النعاس دائما و القمار دائما و النفاق و الموت !!!

نهرني جدّي: عيب هذا يا عبد الحميد ! هل جننت؟ و أهوى أبي بكفه الغليظة على خدي: أنت عاق ! أفسدتك كتب الفلسفة و السحر … أنت لست من صلبي، أنت ملقوط … و تهامس عدد من الفلاحين الشيوخ: لقد جن ! في حين وقف بعض الشبان الشداد يحملقون في وجهي و على وجوههم سحابة همّ مدلهمة.

*  قال بوزيان: سبحان الله، لكأنه سويلمي في أيامه الأخيرة !

* و قال عيفة البرادعي: كلاهما نحس على القرية …

* و قال الزبيبي بوشيحة: هل عرفتم الآن، لماذا حبس الله عنا الغيث النافع ؟؟

* و قال شعيب السعفي: كانت القرية مطمئنة، هادئة، ثم جاء هذا الحطيط فشوّشها بكراع كلب …

*    *

و دبت قطيعة بين الآباء و الأبناء. تسللت روائح الكآبة إلى المنازل عبر شقوق الأبواب القديمة و النوافذ المغلقة. و عاذت رية بالصلاة و البكاء و هي تلطم خديها و تندب حظها، و انسحبت الغرانيق السود فجأة …

و كان ليل طويل و ثقيل كالحيرة.

الريح تحتحت نبق السدر المصهود بالشمس و تصهل:

ـ ماذا يمكن أن تقول الريح في مثل هذا الامتداد الموحش؟

أسأل محبس الحبق المركوز منذ عهد بعيد على حافة الشباك الموصد دائما:

ـ هل كان موت فاحش، ذات ظلام موحل، في هذا البيت المغلق على روائح مختلفة؟

ظلام الليل يتساقط عذقا، عذقا، و زغاريد الريح تعلن عن ريحة موت قديم تزيح الرماد عن جثة مشروخة لشيخ حيّ.

لأكن أجلس إلى وجهي و معي وجه من تنكرت لي قهرا و على حسن ظن …

و ليكن نعيق بومي قاحلا، أكنّ له حقدا دفينا.

و ليكن نباح غليظ الشفرة، يذبح دابر الكساد.

و ليكن والدي، بأغصانه اللائثة، يحاول أمّي على الدكة و أمي تتحول عنه، و بيننا حائط شفاف كجناح ذبابة حنطها الموت …

و لأكن ألعن هذا الصمت و أشمئز من قط رمادي يتبوّل في إحدى زوايا البيت …

المخزون النفطي يتضاءل فيتضاءل ضوء القنديل، و ينفجر الفجر: شهيا كالتفاح … و تفيق القرية على دهشة الشبان و همسات الشيوخ: ـ إنه سويلمي يعود، و معه فتاة سمراء ! …

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سرديار

مذكرات مدير سابق (7)

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر ميغري:

أول المتصلين كان الشهيد شكري بالعيد، ويوم أتممنا التحقيق أعلمته فأكد لي أن لا مسؤولية لي في الحادثة

– ممثلون عن جمعيات مدنية 

– كثير من الأصدقاء زاروني بالمؤسسة، من بوحجلة ومناطق أخرى 

–  ولكن شذ عن هذا الموقف شخص واحد (نقابي “يصاري” عالاخر . اي نعم بالصاد موش بالسين للتأكيد ههه)  هاتفني أثناء جلسة خمرية مع “مناضلين نقابيين وسياسين” في غابة الأكاسيا قرب مزبلة البلدية وقال ضاحكا كي أفهم أنه يمازحني :“اشنوة مشيت لهم ضريتهم !” ثم مر الى التعزية وتمنى لي الخير هههه وقد يأتي اليوم الذي أروي عنه ما يجب.

***

 وهذه ختاما بعض الطرائف وإن شئت العجائب :

*عينت المندوبية أستاذ عربية معوضا لم يسبق له ممارسة التدريس وربما بعُد عهده بالمعرفة. كان كهلا، قدِم في شاحنته الإيسوزو الجديدة فقد اشتغل بتجارة الشاحنات من الخليج. كان علي أن أحضر حصة درس معه وفوجئ بذلك إذ كان خالي الذهن. لم يَخْف علي ارتباكه فلاطفته مؤكدا أن الزيارة على سبيل الود والمساعدة. قضى أغلب الحصة جالسا وكان مدار الأمثلة المقدمة هو السيارات والتجارة ههه ولم يتوان عن نهر التلاميذ وزجرهم.

ولا تسل عن مضامين الدرس وتمشياته فتلك حكاية أخرى. ذلك أنني كنت، قبل أن أبتلى بخطة مدير ، أقدم دروسا شاهدة مع المتفقدين المرحوم رضا بن سعيد والصديق مبروك الربيعي مع المرشدين الصديقين خليفة الطالبي وعبدالرحيم بواتم، كما حضر معي متربصون وساهمت في لجان الترسيم .. المهم : غادرت القاعة بنهاية الحصة فالدرس انتهى قبلها وتنفس صاحبنا الصعداء.

* كان ابني يدرس بالرابعة أساسي، وكان مثالا في الاستقامة و”العقولية”. خلال الأسبوع الثالث من دراسته روى لي الحادثة التالية: التلاميذ يتناولون بذور عباد الشمس خلال الدرس، تنهرهم المعلمة وتطوف عليهم فتجمعها من عندهم وتجلس إلى مكتبها تقشر وتدرس ههه.

* بعد أيام يعنفه المعلم دون أي سبب. فبكى بكاء مرا وكدت أقاضي المعلم ولكن… اعتذر وتدخل الأصدقاء.

*في يوم من أيام الربيع العربي جلب احد القيمين ثلاثة تلاميذ في حالة سكر مطبق. طلبت من القيم العام استجوابهم. كان والد أحدهم من الباعة خلسة، سرق الطفل بضع علب واحتساها مع صاحبيه فصاروا أبطالا لا يبالون بشيء. سألت أحدهم وانا ابتسم له لأطمئنه فقال: “سيدي، مُرة في الاول أما بعد تشيخ. ما جربتهاش مسيو ؟ ” وعندما رأى الثاني هول الصفعة جرى خارجا: “سيدي، التواليت، سيدي التواليت ” …

ـ تمّت ـ

أكمل القراءة

سرديار

مذكرات مدير سابق (6)

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر ميغري:

الخميس 2 مارس2012 : عودة الدروس واستئناف الامتحانات. عائلة أحد المصابين تقرر الاعتصام بالمؤسسة: “ما نروّح الا ما تعطيني ولدي” ولا تقتنع الا بعد جهد جهيد. كان ابنهم الوحيد فقد مات أخوه قبله بسنة. وكانت لوعتهم شديدة وكان القلب يعتصر دما ولكن ما باليد من حيلة.

وعلى هذه الوتيرة مرت باقي أيام الأسبوع، حتى جاء يوم الاثنين 6 مارس 2012 ويلقى احد المصابين حتفه وهو الذي يقيم في مستشفى القيروان رغم أن جروحه من الدرجة الثانية.. وستتناقل بعض الفيديوات بعد ذلك ظروف إقامته وصنوف الإهمال. فقد كان مثلا مغطى بغطاء منتف التصق صوفه بالجروح… ولم يتم نقله إلى سوسة إلا بعد فوات الأوان.

 وننتقل حينها إلى طور آخر من المعاناة وننزل درجة إضافية نحو الجحيم (راك في بوحجلة يا حنين). وتهيج الدنيا على رؤوسنا وتنهار أسرتي وجعا فأعيدها من حيث أتت. 

***

يتجدد إيقاف الدروس وكان يفترض ان نبدأ امتحانات الاسبوع المغلق ولكن .. صرنا كل يوم نستقبل أفواجا من أهل الفقيد وأقاربه: يأتون في شاحنات بأعداد هامة تعاون الأساتذة والقيمون والعملة والإداريون على إقناعهم في كل هجوم بأن حرق المؤسسة لن يرد الفقيد بل يضاعف الخسائر.. كثير من الأساتذة واظبوا على الحضور شأن كل الأسلاك وبما أن العملة من أبناء الجهة فقد كانوا يعرفون العناصر الخطيرة التي قد تتسرب وسط الجموع فكانوا يتلقونهم وخاصة من عملة الحضائر المعينين بعد الثورة .

يوم الخميس 9 مارس 2012 على ما أذكر ازداد الموقف تأزما ذلك أن عنصرا ملتحيا قيل إنه خال الضحية رافق المحتجين بل تقدمهم وبيده وعاء بلاستيكي به بنزين ودخل أقرب قاعة إلى الباب الخارجي، وكنا خصصناها للمسرح ، فسكب بعضه على السبورة وبعض الطاولات واضرم فيها النار ولم يستطع العملة منعه ثم توجه نحو الادارة وكنت بالداخل حين جاءني عامل يجري صارخا : “هام حرقوا قاعة وصبوا الايسونس على محمد” . خرجت مسرعا فاذا بالعامل قد فر هاربا بجلده وشرعت فورا في امتصاص غضبهم: “تحبوا تحرقوا ابداو بيّ أنا “ فقفز أحد الحاضرين إلى الملتحي واختطف منه الوعاء وأجبره آخرون على الابتعاد .. حينها لان خطابي فورا (والحق الحق استعنت بشوية قدرات خطابية امتكتها كي كنت ناشط في الجامعة): “أنا إلي حليتو الدرتوار . على جال اشكون؟ التعب لاشكون؟ ماو كان مسكر وانتم وصغاركم تاعبين…”  وهكذا تدرجت إلى خطاب ميتافيزيقي.. حتى تراخت الجموع وبدأ الانسحاب تدريجيا.. ولكن لم تتوقف الهجومات..

الجديد انه بعد سكب البنزين على الحارس، صار الجميع ينسحب قبيل وصول المحتجين فإذا وصلوا ألتفت فلا أجد أيا كان، صدقا لا أحد غيري بالمؤسسة.. ومع ذلك لم يمسسني منهم سوء ولو لفظيا. كنت أتصل بالأمن فيعتذر لأنه لا يملك سيارة للتنقل الى المؤسسة !! وهذا ربما كان أفضل فقد كانت الأوضاع متوترة في كل مكان.

 ***

المهم لا أذكر كم طال الأمر، وقررنا زيارة المصاب الثاني بمستشفى الحروق البليغة ببن عروس، انا والأختان وداد ومفيدة مع أستاذ بالمؤسسة لأن سيارتي كانت معطبة. وجدنا بعض أهل المصاب هناك وأثناء الزيارة اتصلت بأحد الأطباء فأخبرني أن حالته لم تتحسن وقد لا ينجو. كتمت الأمر عن مرافقيّ وليسامحوني على ذلك وعدنا والذهن يشتغل على احتمالات أسوأ، فهو من “عرش كبير” وقد يكونون أعنف !!!

عدنا إلى الدراسة وشرعنا في إجراء الامتحانات التأليفية واتفقت مع المندوبية على أن يكون الإصلاح بعد العطلة. كنت أتابع حالة التلميذ باستمرار فموته في تلك الأيام يعني حتما حرق المؤسسة. ولكن تعاطف معنا عزرائيل واختطف روحه نهاية الأسبوع أي بداية العطلة فنجونا.. وهذا لا يعني انهم لم يهاجموا بل جاؤوا وعندما لم يجدوا غيري ولّوا على أعقابهم .. وكان يمكنني بعد ذلك أن أنال قسطا من الراحة ولكن مسألة أخرى لا بد من حلها 

                                                ***

مسألة التحقيقات : رجحت الحماية المدنية أن يكون عطب في الكهرباء هو سبب الحريق، ولعلكم ستجدون هذا السبب نفسه في كل الحرائق تقريبا، الخطير أن المسؤولية حينها تلقى عليّ أساسا باعتبار أن النيابة العمومية ستعتمد تقرير الحماية المدنية في حال انعدمت امكانية اثبات الجناية،  لذلك كان التحقيق الإداري نافذتنا إلى الحقيقة فقد أفاد التلاميذ أن ثلاثة منهم غادروا المؤسسة نهارا ولم يفطن اليهم الحارس وجلبوا قارورة بنزين في محفظة أحدهم وأخفوها حتى ساعة متأخرة بعد مغادرة القيم، وسكبوها على بعض الاسرة الخاوية واضرموا النار التي سرعان ما انتشرت وكان ما كان..

السبت ، منتصف النهار استكملنا التحقيق وعرفنا كل التفاصيل، أحمل كل شيء وألتحق بالمندوبية بعد إعلامها، المندوب يتصل بوكيل الجمهورية الذي يطلب حضوري فورا.. وهكذا أخذت التحقيقات مجرى آخر .

 والان هلا تكهنتم بالمدبر الرئيسي؟ لا ترهقوا اذهانكم لأنه… ذلك التلميذ الذي أثار شفقة ابني. والغريب أنه من ذوي النتائج الحسنة، فمعدله يقارب 15 وسيرته عادية !!!

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

سرديار

مذكرات مدير سابق (5)

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر ميغري:

[نزولا عند رغبة صديق صميم سأكتب ما تبقى بالفصحى]

كنت قد أعلمت المندوب ما إن أخرجنا التلاميذ. سي عبدالجليل صيود يذكره بالخير. وكنت بالمكتب  أهاتف المسؤولين لمتابعة حالة المصابين وكان معي ابني. كانت الدموع تنهمر من عينيه عندما دخل علينا تلميذ في حالة قصوى من الهلع. وجهه ممتقع ولباسه خفيف. قفز ابني الى المنزل وجلب له من ملابسه ما يدفئه. هدأته قليلا. كان يهذي بكلام غير مفهوم …

هبّ الأهالي جميعا للمساعدة وكل يبذل ما استطاع من جهد. منهم من قدِم من بعيد لأن ابنه بالمبيت. تحولت الإعدادية إلى خلية نحل، كلفت العمال بالحرص على مراقبة كل تحرك والتصرف بحكمة فهذا الجمع يصعب التحكم به لذلك لا بد من اللين حفاظا على المؤسسة. وهكذا كان.. وعندما حل ركب الوالي والمسؤولين الجهويين، كانت الحماية المدنية قد سيطرت على الحريق وكان التلاميذ في قاعة محميين وقد تناولوا وجبة الصباح. طفت عليهم ومعي من حضر من القيمين وحاولنا تهدئتهم.

***

مر المسؤولون الى المبيت مباشرة، وهذا مؤشر على صحة ما توقعت من الوالي لأن في الأمر سوابق سأذكرها بإيجاز حتى لا يتم تأويلها أكثر من اللزوم وهي مايلي:

(ذات 6 افريل 2011، مر الباجي قايد السبسي من الترحم على بورقيبة إلى القيروان للاجتماع بالجميع، وكنت ممثلا لحزب ما، وتم توزيع الكلمة واستثنوني فافتككت المصدح وتدخلت عنوة وملخص تدخلي تبرئة اتحاد الشغل من أحداث صفاقس انذاك، والتأكيد على أن القيروان مهمشة منذ عهد بورقيبة لا من عهد الزين فقط، وهو ما ساء الوالي والسبسي وكل المسؤولين الجهويين الحاضرين، لأني قلت عنهم إنكم تعملون بنفس ماكينة الفساد ووو. المهم كان تدخلي مستفزا حتى لممثل اتحاد الشغل حينها ههه).

وأظن، قلت أظن وليس كل الظن إثما،  ان السيد الوالي تذكر الحادثة أو ذكّرته بها الحاشية لذلك دخل إلى المؤسسة دون انتظار المدير، وكنت بالمكتب على الهاتف ولم ألتحق بهم فإذا بالجميع يدخل عليّ، فحييتهم وامتلأ الرواق والمكتب بكل الأصناف ومنهم مواطنون. تنحنح الوالي وبدأ خطابه بالأسف ولم يطل كلامه كثيرا حتى قال :“وهذي مسؤولية المدير” وهنا قاطعه المندوب فورا قائلا حرفيا  :“سيدي الوالي في المؤسسة هذي احكي علّي تحب، إلا عالمدير . أنا جيت بيدي نتفقد دون إعلامه نلقاه فوق طاولة يصلّح في الضوء”. وهذا حدث فعلا، وطبعا الوالي بعد ذلك لن يغفرها له وقد يكون، قلت قد يكون، كلامه ذاك احد أسباب تشغيل الماكينة ضده فتمت إقالته بعد مدة. ومما ساءه أيضا قول أحد الحاضرين بصوت مرتفع:“صحيح سيدي الوالي. المدير ولد حلال”  ثم انصرفوا واعدين بالحرص على إنقاذ المصابين ووو

وأغلقنا المؤسسة لمدة يومين لأننا كنا في بداية الأسبوع المفتوح وليس يسيرا بل ليس ممكنا إلغاء الامتحانات.

***

كان الجميع في حالة من الذهول، كل يحاول الفهم والتفسير وكان لا بد أن يبدأ الحديث عن الأسباب والكيفيات ، وكان لا بد من تعدد الاجتهادات لكن والحق يقال لا أحد اتهمني شخصيا بشيء بل على العكس تماما لم أجد إلا الدعم والمساندة من كل الإطار التربوي والمجتمع المدني والنقابة والأصدقاء، والكل يعرض المساعدة من موقعه وهذا بحد ذاته يرفع المعنويات رغم هول الكارثة. ومر اليوم الأول ثقيلا مشحونا لم نهدأ فيه إلا ليلا. ومن الغد جاءت عائلات المصابين وهم من ضعاف الحال فشرعنا في جمع تبرعات تساعدهم على التنقل لأبنائهم والعناية بهم. وبذلك مر اليوم الثاني بعد أن جاء فريق من الحماية المدنية لمعاينة المكان ومحاولة معرفة أسباب الحريق وفي نفس الوقت محققون جعلوا يفتشون في كل شيء ويسألون الجميع. وانصرفوا مرجحين أن يكون السبب خللا كهربائيا !!! فهذا المبيت كان مغلقا (مالة إلبِسْ يا .مدير )

***

بعد مغادرتهم أسرّ إلي أحدهم أنه يشتبه في أن يكون الأمر مدبّرا وألح على إجراء تحقيق سري في أوساط التلاميذ واخترنا بعض الأسماء الموثوق بها، وهكذا كان على أن نؤجل الأمر قليلا حتى تهدأ الأمور، وخططنا لذلك كأن لا يكون التحقيق مباشرا ولا شفويا بل إجابة كتابية، وكل تلميذ على حدة وعلى فترات متباعدة حتى لا يفطن أحد إلى أن التحقيق يجري. ونجحنا في ذلك فجاءت الشهادات متقاربة بل متطابقة…

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

صن نار