تابعنا على

جور نار

الباسم فرحا… الباسم وجعا … الباسم دواما

نشرت

في

(مولدي الهمامي مع ابنة بلده الفيحاء زهيرة … رحمهما الله)

كان القلب واجفا، ولكن كانت الحواس متوقعة مستسلمة، حين هاتفني الصديق مصطفى الشارني في الصباح الباكر على غير العادة … ومباشرة سألته عن جديد مولدي الهمامي، فكان جوابه: لقد توفي منذ قليل …

عبد القادر المقري Makri Abdelkader
عبد القادر المقري

ورغم توقع هذا النبإ المحزن، فقد اعتراني ما يشبه عدم التصديق … وغالبا ما يحدث لنا هذا مع الموت، خاصة إذا طال واحدا أو واحدة ممن يشغلون حيزا مهما في حياتنا… وصديقي مولدي الهمامي أخذ مكانه في وجداننا جميعا، منذ كم من وقت؟ … غيري ربما عرفه من زمن الطفولة، أما أنا فلقائي به يعود “فقط” إلى 47 سنة، أي مذ كنا في طفولتنا الثانية، طفولة الجامعة ومعهدنا القديم بمونفلوري زنقة البشروش … كان هو ومصطفى الشارني يمثلان ثنائيا كوميديا من الدرجة العليا … أحدهما (مصطفى) كان يكتب مقالات هزلية صمّاء في جريدة موروثة عن زمن تحت السور اسمها “القنفود” … فيما كان مولدي يرافقه برسوم الكاريكاتور … وكانت للحق موفقة موهوبة هازلة، في زمن علي عبيد وبالخامسة نعم، ولكن قبل كثيرين ممن صاروا أعلام هذا الفن بعد ذلك …

وتمضي عقارب الساعة وخطى الأيام والأعوام و”ينحرف” الثنائي الفكه نحو آفاق أكثر صلابة … الهمامي انتهج طريق الإذاعة والتلفزة التي بالتدريج أصبح من كبار مدرائها … أما مصطفى فقد استغرقته هموم إدارية ونقابية شتى (مثل حالي تقريبا) وابتعد نهائيا عن صناعة الهزل، ولعله أوكل ذلك وأورثه إلى ابنه (الفنان جهاد الشارني) الكوميديان الشاب الناجح في السنين الأخيرة … وقد بقيت على صلة شبه دائمة بمصطفى طوال هذا النصف قرن، فيما قلّت مناسباتي مع مولدي واقتصرت أحيانا على مكالمة من هنا ومعايدة من هناك، ولكنه لبث دائما حاضرا في مجال ذاكرتي، وأعتقد أني كنت حاضرا لديه أيضا …

وتأتي سنة 2014 … كنت خارجا من تجربة إذاعية مُرّة في محطة خاصة مع منشطة جحود، مقررا أن مكاني النهائي في الصحافة المكتوبة ولا مجال مستقبلا للجلوس وراء ميكروفون … حين طلبتني الصديقة كلثوم السعيدي ذات عصر وأنا في خرجة عائلية بضاحية قرطاج … كانت كلثوم بصوتها الماسي ولغتها المباشرة الجذابة على الطرف الثاني من الخط تقول لي باختصار: “محتاجة إليك يا فلان، ولو كنت صديقي فعلا فتعال حالا، أنا بمكتبي مع نخبة منكم، وقد أودعت اسمك في لوج الإذاعة” …

أمر الحسناوات لا يُردّ … خصوصا إذا كنّ في جدية كلثوم وحرفيتها العالية، وضمّت زوجتي رجاءها إلى رجاء كلثوم وكانت من المعحبات بها … وهكذا قطعنا خرجتنا وحوّلنا وجهة عائلة بكاملها ـ زوجتي وليال وأنا ـ من قرطاج بيرسا إلى شارع الحرية، وصعدت إلى مكتب أختنا السعيدي في ركن بلوري من الإذاعة الدولية … كانت الحجرة الصغيرة تضيق بأفراد من النخبة حقا … علي سعيدان الشاعر والفنان، شكري الباصومي الشاعر والصحفي، مولدي الهمامي بتاريخه الإذاعي ووجهه البشوش وضحكته التي تملأ المكان، وكلثوم طبعا بوجهها الطليق ولباسها شيه العسكري الذي تعلوه قبعة كوماندوس …

بعد النقديم قالت كلثوم إنها كانت في فترة تجميد بثلاثة أعوام من “بركات” ثورة 14، وإنهم أخيرا فتحوا أمامها الضوء الأخضر … وهي تريد أن تكون عودتها غير عادية … “تولك شو” فيه أسماء هي تراها رنانة وذات شأن، تحيط بها إحاطة المجموعة الشمسية بقرص الشمس … ووافقناها دون كبير تردد … أما أنا ورغم قراري الجازم أعلاه، فما أن رأيت هؤلاء وسمعت من هؤلاء، حتى نسيت حقدي كله في لحظة … على العمل الإذاعي طبعا … ورحنا في الإعداد لما يمكن أن يكون عليه مشروعنا، مشروع إعادة نجمة مظلومة، إلى دائرة الضوء التي أقصيت منها ظلما …

وانطلقنا بعد أسيوع أو اثنين … كانت البداية حافلة بنا الخمسة … وبعد مدة انسحب اثنان وأضيف واحد مكانهما … واستمررنا 22 شهرا بالصيف والشتاء، برمضان والإفطار، بموعد شبه يومي، بمواضيع لا حصر لها … وغاب أناس وحضر أناس، ولكن أكثر من حضر وقبل الأوقات وبعدها، بقيت أنا والمولدي الذي كنت أقضي ساعات الإعداد والانتظار بمكتبه نتحدث في كل شيء تقريبا … أخبرته عما فاته من سيرتي منذ تخرّجنا ووجدته متابعا وفيا لما كتبت، وعرفت منه ما فاتني من أحواله وتطوراته في تلك العهود والعقود … منذ دخوله متدربا في بداية الثمانينات، إلى مروره بمرحلة رئيس جمهوريتنا الأول ورئيسنا الثاني، إلى هجرته في ألمانيا الغربية، إلى تحمله المسؤوليات من أدنى درجة إلى أرفعها، وصولا إلى الثورة وتنكيلاتها وقد عانى منها هو أيضا …

ورغم ما زخرت به هذه الفترات من أفراح وأتراح، فقد كانت للمولدي طريقته الخاصة في التعليق والتعبير … كان يسخر من كل شيء ويجد زاوية تنكيت في أية حادثة … ويروى لي كمّا من النوادر التي تخللت وجوده في أهم مصادر الخبر، في غرفة الأخبار، في مكاتب المديرين، في دواوين الوزراء، في منائي السفراء، في محافل العرب والعالم، في القصر الرئاسي حيث كان مثلا شاهدا على مقابلة الزعيم بورقيبة العاصفة مع سفير أمريكا غداة عدوان حمام الشاطئ 1985 … مع طائفة من الطرائف حول جميع هؤلاء الساسة، وحول أكبر نجوم الإذاعة والتلفزة الذين لحق بمعايشتهم، وحول كواكب الفن زمن كانوا يملؤون ردهات الإذاعة ومقهاها وشوارعها الجانبية وكامل حي “لافاييت” مرحا وصخبا ومناوشات ومواقف …

حصصنا الإذاعية المشتركة كانت بمثابة العيد بما تحمله الكلمة من معان تونسية … فيها الأصوات المتقاطعة التي لا تخلو منها لمّة من لمّات بلدنا، فيها الإفادات كل بما جاد علمه أو تخيل ذلك، وفيها المراوحة بين الجد والهزل، وفيها الهراش بين من يكتسي رداء المسؤولية (هو) وبين من يرفض المنظومة برمّتها (العبد لله) … ويتطوّر ذلك في “الأوف” فأتهمه بأنه من أبواق السلطة، فيردّ عليّ بأنني يساري متخلّف … وفجأة يعلو من القاعة الفنية نغم إيقاعي مما يختاره لنا مخرج البرنامج، فيترك المولدي كل شيء وينغمس في رقصة شعبية متخمّرة، تحت قهقهاتنا وتصفيقنا الحار …

اختلفنا طويلا واتفقنا آخرا وفي كل مرة … ولكن أبدا أن حصل بيننا جرح أو شرخ … كان دائما يجد الكلمة المناسبة لكي يقول إنك على حق في مكان ما، أو إنه قصد خيرا ويعيد صياغة رأيه، أو يبعثني أقضي إذا لم يعجبني العجب … فلا نتمالك من الانفجار ضحكا … كان هكذا مع كل الذين تعامل معهم أيضا … رؤساء ومرؤوسين … ولطالما وجدت في مكتبه أو أثناء تجوالنا بين المعابر والطوابق، وجوها وقامات من تلك الدار تثني عليه وتعانقه معانقة الخلان رغم ابتعاده عن كل منصب تلك المدة حتى تقاعده … أجواء المرح والصراحة والعمل الكثيف هي نفسها وهم يشهدون ويمتنّون … أسس في الإذاعة وأنجز وكانت لفترات حكمه إضافات ووقفات مجد كم حدثوني عنها، وكم رأيت منها … حاول إعادة وهج الأغنية الإذاعية وجهّز استوديو من أحدث ما يكون وقد زرته منبهرا … ولكننا نعرف أن الخلف لا يبقي شيئا كثيرا مما يبنيه السلف …

كان ذانك العامان (2014 ـ 2016) من أخصب المدد التي عشتها بمرافقة العشير الذي غاب عني سابقا وحضر بقوة أيامها وفي ما بعد إلى حد البارحة … طاف بي في مجاهل مبنى الإذاعة السحيق، الخاوي في معظمه والعابق بألف تاريخ، من الباب المهيب الذي يفتح مرة ويغلق مرات على شارع الحرية وحلاق المذيعين الراحل، إلى البهو الملكي وتلك اللوحة الخزفية من روائع زبير التركي، إلى البيانو العتيق الذي ما زال صامدا ويجلس إليه صاحبنا و ينقر عليه نقرات عازف هاو، إلى الطوابق العليا ومكاتب مجلة الإذاعة المهجورة حيث استذكرت أيامي الشابة مع صالح جغام رئيسا للتحرير وأسطورة حظيتُ بصحبتها … هنا كان مكتب صالح … هنا كان بوراوي بن عبد العزيز … هنا كان فريد بالقايد، هنا كان المصور إلياس والكاتبتان الرقيقتان سميرة ومامية … كنت أتنهد مع ركامات الأنقاض والعلب الملقاة أرضا وبقايا أوراق قد يكون لي منها شيء … وكان يسخر كعادته ويجد في هذا الخراب ما يسلّي وما يستدعي لمحة جذلى وخاطرة ظريفة …

ورغم انتهاء المكتوب بشكل درامي مع برنامج كلثوم الناجح، فقد بقيت الصلة مع مولدي مستمرة ويومية تقريبا، بالحضور أحيانا، وبالتلفونات المطولة في غالب الوقت … وحين جاءت ولادة “جلنار” كان المولدي من أول المؤسسين والمحررين … وانتظمت كتابته الخبيرة شهورا وأمتعت قراءنا بصفحات من عمر الإذاعة وعمر صديقنا الطريف وألأستاذ في آن … كنت أتعلم منه ومن تجاربه الطامية، وكان رغم فذلكته الأبدية حصيفا ناصحا موزون المواقف عارفا بقدره محترَما ومحترِما … وكانت مكالماتنا غذاء روح لي، رغم أن آخر السنوات حملت لرفيقي عذابات لا أدري كيف احتملها … من وفاة والدته وأخيه أيام كوفيد، إلى أوجاع هذا المرض الذي تعب أولا في تشخيصه الصعب، ثم في اكتشافه وعلاجه، ثم في نُذر النهاية التي يبدو أنه استشعرها ولم نشعر …

لروحك ألف صلاة وألف زكاة وألف قبلة طاهرة … وها أني أقول لك أخيرا ما لم أقله في حياتك، ولو قلته لضحكت مني وشتمتني كما أعرفك … الله كم أحببتك أيها الصافي الذي لا يعكّر مراياه حدث مهما جلّ … ولكنك دون أن تدري كسرت بعضا من فؤاد لا أظنه سينجبر قريبا …

رحمك الله عشيري …

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار