<em>مولدي الهمامي مع ابنة بلده الفيحاء زهيرة رحمهما الله<em>
كان القلب واجفا، ولكن كانت الحواس متوقعة مستسلمة، حين هاتفني الصديق مصطفى الشارني في الصباح الباكر على غير العادة … ومباشرة سألته عن جديد مولدي الهمامي، فكان جوابه: لقد توفي منذ قليل …
<strong>عبد القادر المقري<strong>
ورغم توقع هذا النبإ المحزن، فقد اعتراني ما يشبه عدم التصديق … وغالبا ما يحدث لنا هذا مع الموت، خاصة إذا طال واحدا أو واحدة ممن يشغلون حيزا مهما في حياتنا… وصديقي مولدي الهمامي أخذ مكانه في وجداننا جميعا، منذ كم من وقت؟ … غيري ربما عرفه من زمن الطفولة، أما أنا فلقائي به يعود “فقط” إلى 47 سنة، أي مذ كنا في طفولتنا الثانية، طفولة الجامعة ومعهدنا القديم بمونفلوري زنقة البشروش … كان هو ومصطفى الشارني يمثلان ثنائيا كوميديا من الدرجة العليا … أحدهما (مصطفى) كان يكتب مقالات هزلية صمّاء في جريدة موروثة عن زمن تحت السور اسمها “القنفود” … فيما كان مولدي يرافقه برسوم الكاريكاتور … وكانت للحق موفقة موهوبة هازلة، في زمن علي عبيد وبالخامسة نعم، ولكن قبل كثيرين ممن صاروا أعلام هذا الفن بعد ذلك …
وتمضي عقارب الساعة وخطى الأيام والأعوام و”ينحرف” الثنائي الفكه نحو آفاق أكثر صلابة … الهمامي انتهج طريق الإذاعة والتلفزة التي بالتدريج أصبح من كبار مدرائها … أما مصطفى فقد استغرقته هموم إدارية ونقابية شتى (مثل حالي تقريبا) وابتعد نهائيا عن صناعة الهزل، ولعله أوكل ذلك وأورثه إلى ابنه (الفنان جهاد الشارني) الكوميديان الشاب الناجح في السنين الأخيرة … وقد بقيت على صلة شبه دائمة بمصطفى طوال هذا النصف قرن، فيما قلّت مناسباتي مع مولدي واقتصرت أحيانا على مكالمة من هنا ومعايدة من هناك، ولكنه لبث دائما حاضرا في مجال ذاكرتي، وأعتقد أني كنت حاضرا لديه أيضا …
وتأتي سنة 2014 … كنت خارجا من تجربة إذاعية مُرّة في محطة خاصة مع منشطة جحود، مقررا أن مكاني النهائي في الصحافة المكتوبة ولا مجال مستقبلا للجلوس وراء ميكروفون … حين طلبتني الصديقة كلثوم السعيدي ذات عصر وأنا في خرجة عائلية بضاحية قرطاج … كانت كلثوم بصوتها الماسي ولغتها المباشرة الجذابة على الطرف الثاني من الخط تقول لي باختصار: “محتاجة إليك يا فلان، ولو كنت صديقي فعلا فتعال حالا، أنا بمكتبي مع نخبة منكم، وقد أودعت اسمك في لوج الإذاعة” …
أمر الحسناوات لا يُردّ … خصوصا إذا كنّ في جدية كلثوم وحرفيتها العالية، وضمّت زوجتي رجاءها إلى رجاء كلثوم وكانت من المعحبات بها … وهكذا قطعنا خرجتنا وحوّلنا وجهة عائلة بكاملها ـ زوجتي وليال وأنا ـ من قرطاج بيرسا إلى شارع الحرية، وصعدت إلى مكتب أختنا السعيدي في ركن بلوري من الإذاعة الدولية … كانت الحجرة الصغيرة تضيق بأفراد من النخبة حقا … علي سعيدان الشاعر والفنان، شكري الباصومي الشاعر والصحفي، مولدي الهمامي بتاريخه الإذاعي ووجهه البشوش وضحكته التي تملأ المكان، وكلثوم طبعا بوجهها الطليق ولباسها شيه العسكري الذي تعلوه قبعة كوماندوس …
بعد النقديم قالت كلثوم إنها كانت في فترة تجميد بثلاثة أعوام من “بركات” ثورة 14، وإنهم أخيرا فتحوا أمامها الضوء الأخضر … وهي تريد أن تكون عودتها غير عادية … “تولك شو” فيه أسماء هي تراها رنانة وذات شأن، تحيط بها إحاطة المجموعة الشمسية بقرص الشمس … ووافقناها دون كبير تردد … أما أنا ورغم قراري الجازم أعلاه، فما أن رأيت هؤلاء وسمعت من هؤلاء، حتى نسيت حقدي كله في لحظة … على العمل الإذاعي طبعا … ورحنا في الإعداد لما يمكن أن يكون عليه مشروعنا، مشروع إعادة نجمة مظلومة، إلى دائرة الضوء التي أقصيت منها ظلما …
وانطلقنا بعد أسيوع أو اثنين … كانت البداية حافلة بنا الخمسة … وبعد مدة انسحب اثنان وأضيف واحد مكانهما … واستمررنا 22 شهرا بالصيف والشتاء، برمضان والإفطار، بموعد شبه يومي، بمواضيع لا حصر لها … وغاب أناس وحضر أناس، ولكن أكثر من حضر وقبل الأوقات وبعدها، بقيت أنا والمولدي الذي كنت أقضي ساعات الإعداد والانتظار بمكتبه نتحدث في كل شيء تقريبا … أخبرته عما فاته من سيرتي منذ تخرّجنا ووجدته متابعا وفيا لما كتبت، وعرفت منه ما فاتني من أحواله وتطوراته في تلك العهود والعقود … منذ دخوله متدربا في بداية الثمانينات، إلى مروره بمرحلة رئيس جمهوريتنا الأول ورئيسنا الثاني، إلى هجرته في ألمانيا الغربية، إلى تحمله المسؤوليات من أدنى درجة إلى أرفعها، وصولا إلى الثورة وتنكيلاتها وقد عانى منها هو أيضا …
ورغم ما زخرت به هذه الفترات من أفراح وأتراح، فقد كانت للمولدي طريقته الخاصة في التعليق والتعبير … كان يسخر من كل شيء ويجد زاوية تنكيت في أية حادثة … ويروى لي كمّا من النوادر التي تخللت وجوده في أهم مصادر الخبر، في غرفة الأخبار، في مكاتب المديرين، في دواوين الوزراء، في منائي السفراء، في محافل العرب والعالم، في القصر الرئاسي حيث كان مثلا شاهدا على مقابلة الزعيم بورقيبة العاصفة مع سفير أمريكا غداة عدوان حمام الشاطئ 1985 … مع طائفة من الطرائف حول جميع هؤلاء الساسة، وحول أكبر نجوم الإذاعة والتلفزة الذين لحق بمعايشتهم، وحول كواكب الفن زمن كانوا يملؤون ردهات الإذاعة ومقهاها وشوارعها الجانبية وكامل حي “لافاييت” مرحا وصخبا ومناوشات ومواقف …
حصصنا الإذاعية المشتركة كانت بمثابة العيد بما تحمله الكلمة من معان تونسية … فيها الأصوات المتقاطعة التي لا تخلو منها لمّة من لمّات بلدنا، فيها الإفادات كل بما جاد علمه أو تخيل ذلك، وفيها المراوحة بين الجد والهزل، وفيها الهراش بين من يكتسي رداء المسؤولية (هو) وبين من يرفض المنظومة برمّتها (العبد لله) … ويتطوّر ذلك في “الأوف” فأتهمه بأنه من أبواق السلطة، فيردّ عليّ بأنني يساري متخلّف … وفجأة يعلو من القاعة الفنية نغم إيقاعي مما يختاره لنا مخرج البرنامج، فيترك المولدي كل شيء وينغمس في رقصة شعبية متخمّرة، تحت قهقهاتنا وتصفيقنا الحار …
اختلفنا طويلا واتفقنا آخرا وفي كل مرة … ولكن أبدا أن حصل بيننا جرح أو شرخ … كان دائما يجد الكلمة المناسبة لكي يقول إنك على حق في مكان ما، أو إنه قصد خيرا ويعيد صياغة رأيه، أو يبعثني أقضي إذا لم يعجبني العجب … فلا نتمالك من الانفجار ضحكا … كان هكذا مع كل الذين تعامل معهم أيضا … رؤساء ومرؤوسين … ولطالما وجدت في مكتبه أو أثناء تجوالنا بين المعابر والطوابق، وجوها وقامات من تلك الدار تثني عليه وتعانقه معانقة الخلان رغم ابتعاده عن كل منصب تلك المدة حتى تقاعده … أجواء المرح والصراحة والعمل الكثيف هي نفسها وهم يشهدون ويمتنّون … أسس في الإذاعة وأنجز وكانت لفترات حكمه إضافات ووقفات مجد كم حدثوني عنها، وكم رأيت منها … حاول إعادة وهج الأغنية الإذاعية وجهّز استوديو من أحدث ما يكون وقد زرته منبهرا … ولكننا نعرف أن الخلف لا يبقي شيئا كثيرا مما يبنيه السلف …
كان ذانك العامان (2014 ـ 2016) من أخصب المدد التي عشتها بمرافقة العشير الذي غاب عني سابقا وحضر بقوة أيامها وفي ما بعد إلى حد البارحة … طاف بي في مجاهل مبنى الإذاعة السحيق، الخاوي في معظمه والعابق بألف تاريخ، من الباب المهيب الذي يفتح مرة ويغلق مرات على شارع الحرية وحلاق المذيعين الراحل، إلى البهو الملكي وتلك اللوحة الخزفية من روائع زبير التركي، إلى البيانو العتيق الذي ما زال صامدا ويجلس إليه صاحبنا و ينقر عليه نقرات عازف هاو، إلى الطوابق العليا ومكاتب مجلة الإذاعة المهجورة حيث استذكرت أيامي الشابة مع صالح جغام رئيسا للتحرير وأسطورة حظيتُ بصحبتها … هنا كان مكتب صالح … هنا كان بوراوي بن عبد العزيز … هنا كان فريد بالقايد، هنا كان المصور إلياس والكاتبتان الرقيقتان سميرة ومامية … كنت أتنهد مع ركامات الأنقاض والعلب الملقاة أرضا وبقايا أوراق قد يكون لي منها شيء … وكان يسخر كعادته ويجد في هذا الخراب ما يسلّي وما يستدعي لمحة جذلى وخاطرة ظريفة …
ورغم انتهاء المكتوب بشكل درامي مع برنامج كلثوم الناجح، فقد بقيت الصلة مع مولدي مستمرة ويومية تقريبا، بالحضور أحيانا، وبالتلفونات المطولة في غالب الوقت … وحين جاءت ولادة “جلنار” كان المولدي من أول المؤسسين والمحررين … وانتظمت كتابته الخبيرة شهورا وأمتعت قراءنا بصفحات من عمر الإذاعة وعمر صديقنا الطريف وألأستاذ في آن … كنت أتعلم منه ومن تجاربه الطامية، وكان رغم فذلكته الأبدية حصيفا ناصحا موزون المواقف عارفا بقدره محترَما ومحترِما … وكانت مكالماتنا غذاء روح لي، رغم أن آخر السنوات حملت لرفيقي عذابات لا أدري كيف احتملها … من وفاة والدته وأخيه أيام كوفيد، إلى أوجاع هذا المرض الذي تعب أولا في تشخيصه الصعب، ثم في اكتشافه وعلاجه، ثم في نُذر النهاية التي يبدو أنه استشعرها ولم نشعر …
لروحك ألف صلاة وألف زكاة وألف قبلة طاهرة … وها أني أقول لك أخيرا ما لم أقله في حياتك، ولو قلته لضحكت مني وشتمتني كما أعرفك … الله كم أحببتك أيها الصافي الذي لا يعكّر مراياه حدث مهما جلّ … ولكنك دون أن تدري كسرت بعضا من فؤاد لا أظنه سينجبر قريبا …
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.