تابعنا على

سرديار

الشفق

نشرت

في

نحيب محفوظ:

كانت تعتريني في صباي فترات كآبة ثقيلة. أعزف عن الأهل، أعتزل في حجرة، أكره الطعام، وأحيانًا أبكي، بلا سبب واضح على الإطلاق. عُرضت على أكثر من طبيب، جربت عقاقير كثيرة، بلا نتيجة. وقال أحد الأصدقاء لوالدي: اعرضه على خالد جلال الطبيب النفسي.

نجيب محفوظ

وكُنَّا نسمع عن الطب النفسي لأول مرة، فأعلن أبي عن ريبته فقال الصديق: إنه طب معترف به في جميع أنحاء العالم، ولكن مدة العلاج طويلة، ربما امتدت إلى عام أو أكثر، كما إن تكاليفه بالتالي باهظة!

وتفكَّر أبي طويلا ولكنه بإزاء مرض غامض عنيد قرَّر استشارة خالد جلال. ولما كان عمله كتاجر أصواف في أسيوط يمنعه من إقامة طويلة بالقاهرة … فقد قال لي: ستقيم عند عمتك ليسهل عليك التردد على الطبيب، وعلى أي حال كان في نيتي أن أرسلك إليها لتواصل تعليمك.

وزرنا الطبيب. كان في ذلك الوقت شابًّا بهي الطلعة، دمث الأخلاق، جلِيَّ الاعتداد بنفسه وعلمه. وقد أصغى باهتمام بحضور أبي، ثم حدد لي يومين في الأسبوع لزيارته، وقال: المهم المثابرة والصبر، لست طفلًا، والسعادة قيمة لا يجوز الاستهانة بها.

انضممت إلى أسرة عمتي عضوًا جديدًا بها. عضو لاقى ترحيبًا حارًّا لثراء أبي وكرمه. ومضيت أتردد على الطبيب، وأحضر جلساته العجيبة. بدا لي العلاج في أول الأمر فضولًا لا جدية فيه، ثم أخذت أضيق به وأتذمَّر في مرارة متواصلة، حتى قلت يومًا لعمتي: لا أريد أن أذهب.

فقالت عمتي بقلق: والدك؟!

فقال زوج عمتي وكان موظفًا بشركة الكهرباء: لا ذنب للعلاج ولكن حياتك مملة، لماذا لا تشارك في “الشعلة” نادي حيِّنا الرياضي؟

واشتركت في النادي، ورحت أتدرب على الكرة والسباحة، ولم أنقطع عن العلاج.

وبرعت في الكرة كما برعت في السباحة. تحسَّنت صحتي البدنية، واشتدت عضلاتي، وارتفعت روحي المعنوية في المباريات المحلية، وثمل رأسي بالهتاف والإعجاب. وانقطعت عن زيارة خالد جلال، وزايلتني نوبات الكآبة، وصرت ولدًا سعيدًا بكل معنى الكلمة. واستقبلت المرحلة الجديدة من التعليم بفؤاد جديد. ولما كنت قد أدمنت الثناء من خلال تفوقي الرياضي فقد أصررت على التفوق في الدراسة لأنعم بالإعجاب على المدى. وانتقلت من نصرٍ إلى نصر، ومن بهجةٍ إلى بهجة، وتناسيت مرضي، فلم يخطر لي ببال إلا في لحظات نادرة من لحظات الوحدة والفراغ، عند ذاك كان يُخيل إليَّ أنه رابض في مكان ما، وأنه يتحيَّن فرصة للانقضاض، ولكنها كانت لحظات نادرة جدًّا ومتباعدة جدًّا، وسحابة أو سحابتان لا يمكن أن تُعكِّر صفو سماء صافية.

وفي أثناء دراستي بمدرسة التجارة اكتشفت زهيدة ابنة عمتي. أجل كُنَّا نعيش في مسكنٍ واحدٍ، ولكنني نظرت إليها ذات يوم ونحن منفردان فخُيِّل إليَّ أنني أكتشفها من جديد. لمْ أرَ من قبل ذلك تلك النظرة الساجية العذبة، ولا ذلك الجسد الناضج المتناسق، وتبادلنا نظرات جديدة تمامًا فتورَّد وجهها وارتبكت، وانبعث من أعماق شعور متوثب حار وبهيج وطموح إلى غير حد. وُلِدَ الحب في تلك اللحظة في مهده الذهبي فباركه الحياء والمكر الحسن والحلم المبدع، وسرعان ما أُعلِنت خطبتنا.

تخرَّجت في مدرسة التجارة، اشتغلت مساعدًا لأبي في أسيوط، ثم حللت محلَّه عقب وفاته في نهاية العام، ثم خضت تجربتي مع السوق والزواج في عام واحد، والحق لقد أحببت العمل كما أحببت الزواج، وأصررت كعادتي على النجاح، وحذَّرت نفسي دائمًا من الفراغ ومن تذكُّر الماضي، وأنجبت ذرية كثيرة فكنت كل عام أستقبل وليدًا جديدًا، وزخرت حياتي بالتجارة والحب والأبوة.

واندلعت نيران الحرب العظمى فانفتحت أمامي أبواب جديدة للأرباح الأسطورية. انهمكت في عمل لدرجة فاقت كل تقدير. وما لبثت أن أنشأت متجرًا ضخمًا للصوف في القاهرة، وانتقلت أنا وأسرتي إلى العاصمة، ثم شيَّدت قصرًا، ورسَّخت قدماي في دنيا الثراء والجاه، حتى انتُخبت رئيسًا للغرفة التجارية.

وجاءني ذات يوم خالد جلال للشراء، صار كهلًا وقورًا وما زال محافظًا على بهاء طلعته. عرفته ولكنه لم يعرفني. صافحته وأنا أقول: سعادتك لا تذكرني!

وحكيت له تجربتي معه وهو يتابعني مبتسمًا، ثم سألني: وكيف حال الصحة؟

فقلت له بثقة: عال والحمد لله.

فقال لي بهدوء: الشفاء بيد المريض في أغلب الأحوال.

وجعلت نفسي في خدمته حتى غادر المحل راضيًا شاكرًا. ورغمًا عني تسللت إليَّ ذكريات قديمة استقبلتها بنفور، حتى خُيِّل إليَّ لحظة عابرة أن عدوِّي القديم رابض غير بعيد. لم تكن إلا لحظة عابرة بالغة السخف، أما ما كان يضايقني كثيرًا فحملة كاريكاتور الصحافة على أغنياء الحرب وتصويرهم لهم في صورة قُطَّاع الطرق، يا لهم من أوغاد حسودين! وهل ينجح الإنسان إلا بالجهد والعرق؟!

وكان كلما أتم ابن من أبنائي تعليمه أشركته في العمل، ولكنِّي استأثرت بعقد الصفقات الكبيرة، والقيام بالرحلات التجارية الهامة، وكان أبنائي مُثُلًا طيِّبة للبرِّ والحذق، وقدوة تجارية في المثابرة وتقديس العمل والمال.

وبتقدُّم الأيام والعمر أرخيت قبضتي رويدًا عن بعض التبعات، وحمَّلتها الأبناء المجدين. لماذا فعلت ذلك رغم هيامي بالعمل والنشاط؟ ربما لأني أردت ألَّا يُفاجَأ الأبناء يومًا بمسئوليات لمْ يتدربوا على ممارستها، وربما لأنني طرقت أبواب الشيخوخة ولم تعد الطاقة تسعف كما أسعفت في الماضي، وربما لتسرُّب قطرات من الضجر إلى زوايا نفسي. وظفرت بشيء من الفراغ سمح لي بالانطلاق بالسيارة ساعتين كل يوم في الخلوات أو الطريق الصحراوي منفردًا بنفسي أو بصحبة زوجتي. وفي تلك الأوقات المريحة عاودني شعوري القديم بالعدو الرابض فطاردني التوجُّس من جديد.

وذهبت إلى خالد جلال. بات شيخًا مجلل الشعر بالشيب يواري عينيه وراء نظارة طبية كحلية اللون. وذكَّرته بنفسي للمرة الثانية في حياتي، فرفع حاجبيه وهو يبتسم، فبادرته دفعًا لأية شماتة: المسألة من قبيل الاحتياط.

فقال بهدوء: الوقاية خير من العلاج.

– لعله توجد الآن عقاقير للوقاية بدلًا من الجلسات الطويلة.

– لا بد من الجلسات، لا بد من الصبر.

فقلت ضاحكًا: لم يعد في العمر بقية كافية!

– اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا …

– ولكن عملي لا يسمح لي بأن أهرش ظهري!

– آسف، إني على استعداد لأعطيك ما عندي.

فشكرته وقلت وأنا أقوم للانصراف: سأفكر في الأمر.

رجعت وأنا أفكِّر، لا صبر لي على الجلسات ولا وقت. وقد يسيء ترددي على عيادته إلى سمعتي وأنا رجل سمعته في السوق تساوي مليونًا من الجنيهات. وسرعان ما قرَّرت حذف الموضوع من رأسي. ولمَّا اشتد بي الضجر خطرت لي فكرة غاية في الإبداع. قلت لزوجتي: لقد انقضى العمر بين ثلاثة أماكن محدَّدة تفوح منها رائحة الصوف، وقد أتممت رسالتي، وأكرمني الله بأبناء هم زينة السوق، فما رأيكِ في أن تتأبطي ذراعي ونمضي لرحلة طويلة حول العالم؟

أُخِذت زوجتي التي أمضت عمرها بين السراي وبيوت الجيران، القانعة السعيدة بكل ما حولها، وقالت بخوف: حول العالم؟

فقلت بحماس: أجل، أوروبا … أمريكا … الجبال … البحيرات … الناس …

فقالت بفتور: أريد أن أحقق حلمي الصيف القادم بالحج إلى بيت الله.

– ليكن ذلك في العام المقبل!

كلا، إنها لا تريد ولا تحب. ولا داعي لإزعاجها. ولأقم بالرحلة منفردًا. وقمت بالرحلة في أبهة لا تتاح إلا لأصحاب الملايين. وفي مدينة نابلي شعرت بعدوي القديم يتحرك. تمطَّى حتى صار شبحًا ثم تجسَّد وحشًا. ترى هل أعتزل في حجرة وأنشج في البكاء؟! وفي شدة اليأس تعلَّقت بفتاة صغيرة في السابعة عشرة، وكانت شهرتي كمليونير تنتشر من حولي. فتصيَّدني أبوها البستاني وأسرته فوقعت كذبابة في خيط العنكبوت. وتزوَّجت منها، وواصلت الرحلة، ونجوت من المخاوف. غمرتها بالهدايا، أغدقت على أسرتها، سبقتني أنباء مغامرتي إلى مصر، وانقلبت بين يوم وليلة حديث الناس والصحافة؛ عريس في الخامسة والستين عروس في السادسة عشرة. ملكة جمال … مصاصة دماء … ثروة مهددة بالفناء. انكسر قلب زوجتي، وتجمَّع أبنائي في اتحاد مضاد للدفاع عني في الظاهر، ودفاعًا عن الثروة المهددة في الواقع. وجُنَّ جنوني فقررت أن أعصف بهم. وإذا بهم يقيمون دعوى بطلب الحجر عليَّ! وفي المحكمة شُرِّحت تشريحًا بلا رحمة، فارق السن، الأموال التي نثرتها يمينًا وشِمالًا ثم فضحوا مرضي القديم باعتباره نوعًا من المرض النفسي والجنون أُهْمِل حتى استفحل. بت ويا للأسف مسألة عامة تُناقَش، المجالس والمقاهي والغرز والصحافة، تجلَّى الحقد المكبوت من قديم على نجاحي. اتُّهِمت بالسفه. تدهور الشيخوخة، الجنون، اتهمني المتدينون بأنني ألقى جزاء استغلالي للعباد في أيام الحرب، وقال الشيوعيون إنني رجل طبيعي جدًّا ولكنني رأسمالي بلا زيادة ولا نقصان. ودُعي خالد للإدلاء بشهادته فكانت شهادته حاسمة في إدانتي. اعترف بأنني مصاب بمرض نفسي منذ صباي، وأن حياتي لم تكن إلا سلسلة من المحاولات اليائسة للهروب من المرض ومن العلاج. وقد سألته المحكمة: وهل يتيسر نجاحه التجاري لمريض نفسي؟

فأجاب خالد جلال: يتيسر له النجاح في التجارة، بل في العلم، بل في الحكم، إنما العبرة بالنتائج!

وبلغت المأساة ذروتها فصدر حكم بالحجر عليَّ. هكذا انتهت حياة النضال والكفاح والمجد. وسرعان ما ساءت العلاقات بيني وبين زوجتي الصغيرة حتى اضطررت إلى تطليقها، واعتزلت في حجرتي، مُقطَّع الأواصر بأسرتي، أمضغ الكآبة وأبكي كالأطفال. ورغم موجدتي على خالد جلال لم أجد بدًّا من اللجوء إليه. وقد بادرني: معذرة، ما كان يمكن أن أشهد بغير ما شهدت به.

فتجاهلت ملاحظته وقلت: الحال سيئة جدًّا.

– أعلم ذلك ولكن الشفاء مأمول.

فغمغمت: الأمر لله!

فابتسم مشجعًا وقال: لو أذعنت من الأول ما صادفك شيء سيئ، ولعلك لا تتصور أنني كنت سأنصحك بفعل ما فعلت، أنصحك بالرياضة والعمل والزواج.

فقلت بفتور: ولكني فعلت ذلك كله.

– هذا حق، ولكنك تفعله بروح أخرى. هذا هو كل شيء.

(الشيطان يعظ)

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سرديار

انا وبابا والكاط كاط

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر ميغري:

الكاط كاط باشي كسبها بابا بعد الكاطسون تروا، خدم شيفور برشة سنوات وتشارك مع أصدقاء له، منهم الحاج المولدي السالمي يرحمه وينعمه والعم منصور الماني يشد له في الصحة. كان خدام لا يعرف للراحة سبيلا باعتبار بنيته الجسدية القوية وتحمله لمسؤولية سبعة أطفال وأمهم ومساعدته لوالديه وإخوته..

علمنا السياقة مبكرا لأنه أدرك أنها حاجة تفرهدنا وهي في الحقيقة تشيخنا وتخلينا نحسو انه عندنا الـplus على غيرنا واندادنا، خاصة لأن الكراهب كانت قليلة في الجهة ويتعدوا عالصوابع.. عاد أغلبنا بدأ يسوق من عمر اثناش وثلطاشن سنة. بدأ بسيدي الّي فيسع ما تعلم وولّى يبعثه وحده حتى في مسافات كبيرة في ريفنا، وبعده صطوفة الي كان ظريف لكن ماضي. كيف كيف استصين وبعثوا حتى في الليل.. منهم مرة في عرس من اعراسنا تلسع ولد صغير من الاقارب، خطفوا مصطفى لنصرالله وكان متأثر بالسم قالولو عديه للقيروان في الليل وهو ما عندوش برمي وصغير في العمر، ومع ذلك غامر وتعدى بيه ومن حسن الحظ الدوريات قليلة ما عرضوشو الحرس ..

أيا كي تعديت للثانوي وليت نروّح مرة في الجمعة أو الجمعتين وساعات اكثر حتى، وشمّيت صناني وليت الكميونة تحبس وبابا يدخل وانا نبدا ننظف ونبرقش، يخرج يلقاها مريڤلة وهو يرحمه يحب النظافة: “اشنوّة تخدم في روحك؟” ويتبسم اك التبسيمة المزيانة الي ما عمري نسيتها ولا ريت ازين منها، هو ڤدع ومزيان ولبّاس: شاشية وكبوس أحمر وبلوزة موهرة.. نضحك: “موش على حاجة. نعرفك تحب كرهبتنا نظيفة”.. “صحيت يا ڤويدر .. تاو نعلم ولدي .. منو هكة اركب وهي ساكتة واترانى عالفيتاسات والامبرياج، من غير ما تخدّم” ..

وهكاكة بدات الحكاية: كل وين نروح نهرّيه اك الفيتاس، وتلقاني طاير طيران … اما على بلاصتي هههه.. حتى جاء الصيف، بالطبيعة الواحد كبر وما عادش لعبة البيس والزربوط والطبال تخرج عليه، وزيد ولى يلبس لبسة باهية واكتشف الدونتيفريس وكذا وحويجات اخرين ما علينا فيهم ، وزيد الي سابقينو يسوقوا لازم حتى ڤويدر يولي يقعد وراء الكعكة.. قعدت نصطاد في فرصة.. عاد فتكم بالحديث: بابا يرحمه كان ديمة يهزني معاه في سفراته وقت صغير، يستباخت بيّ، كنت نعس كيفاش يبدل الفيتاس، والفران، اما نخزر خاصة للكونتور ونشيخ كيف يدوبل على حد ..

وجات الفرصة: نهار باش يوصّل لوح مرمة لواحد، قتلو: “بابا نمشي معاك”، قال لي“هيا”،، نهزو سبڨ، محضّر الخطة، ونحلّ باب الشيفور ونركب، جاء هو ، تبسمح وتعدى لليمين وقال “هيا، ڤد روحك تره” . خدّمت، وجاب ربي مشني ماش نعمل مارش اريار خاطر ما نعرفش… امبراياج، بروميار ونيالله عزمت، شيّ ما تحركتش. تبسم وقال لي: “ماش تسوقها مكتفة ، ماو نحي الفرامان”. السخانة طلعت لوجهي واحمار ، وانا كنت سمح شوي، نحيت فرامان ودبيت.. دوزيام مسافة طويلة.. تروازيام .. وخلطت لجروالة نقصت من غير فران.. تركزت شوي.. قال لي“ثمة عظمات تحت الكرسي هههه”  وليت نسايس لين وصلنا .. فرّغنا ودوّرنا ..

في الدوار شافوني اولاد عمي ، هبطت من الكرهبة ومشيتلهم ندز  وكأنها حاجة عادية وساهلة .. اما من نهارتها وليت نڤانص ، كل وين تواتي نرمي سميطتي وعمره لا قهرني ولا قال لي لا .. وحتى كي نعمل غلطة في السياقة مستحيل يبخس ولا حتى يلاحظ، يخليك تعرف غلطتك وتصلحها وحدك.. كان مونيتور عظيم وفايت وقتو.. حتى انه مرة من المرات وصّلت اختي لدارها وحبيت ندخل الكميونة للحوش والباب موش واسع برشة، نعمل هكة ونضربها من الجهة اليمين، قام سيدي مزبلني وسمعني ما نكره وبابا كلمة لا .. هذا وانا عمري سُطّاش ،

وساعتها عطلة الصيف كنا نعدوها نخدموا مع بابا وسيدي في التبن والڤرط ، نمشو من المنارة لجندوبة والكاف ، بابا عالكاط كاط ومعاه انا، وسيدي معاه جلول على كميون OM 40 مسمينو الهبهاب. نخرجو ماضي ساعتين متاع الليل. نسوق انا حتى لحفوز بيشون او فايض وبعد ياخذ هو خوفا من الدوريات .. وياما مغامرات صارت .. وبقيت نسوق بلا برمي حتى لين تخرجت وخدمت .. خذيتو عام 95 ، عملت خمسة سوايع سياقة وعديت ..

بعد مدة قصيرة ملي خذيتو قال لي ڤويدر باش تهزني لتونس. انا ساعتها شاري ايسوزو المودال الثاني ، وانا كنت ديمة نشاكسو ونضحكو قتلو “تتدلل ، اما بالكراء”  قال لي“غالي وطلب عالرخيص” .. وسافرنا ، كي دخلنا لشارع قرطاج وين الاسيرونس متاع الكميون قال لي “توة عطيتك البرمي، اما القصان عالتران قبل ما تتحل الثنية. رد بالك تعاودها” وانا نهارتها فعلا قصيت السكة قبل ما يطلع الحاجز في النفيضة .. وكي دخلنا لمقر الاسيرونس نلقو مديرها رفيقي نجيب، فرح بينا. بابا عندو شاك متاع حادث فيه تفتوفة باهية، فوت ما مشى لنيابة القيروان وما عطوهولوش. نهارتها ما خرجنا الا ما جابو نجيب من السياج سوسيال .. خرجنا مروّحين قال لي “مادام هكة اضرب شبعة مشوي في الشڤارنية” خاطر عدنا فرحين مسرورين .

يرحمه ويرحم أيام الكاط .. لاحس لا عياط

* ملاحظة: عندي معاها حكاية أخرى الكاط كاط وقت منعتني من الحاكم وانا طالب محطوط في الروشارش عام تسعين. تاو تواتي ونخصصولها نص…

Motif étoiles

أكمل القراءة

سرديار

عام الباك (3)

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر ميغري:

اليومة باش ناخذلكم الباك ونرتحكم. قلت ويل اي من نفسي لو .. أفسدت حفل الزفاف بالرسوب، وهو ما لم يحدث.

نهارتها قرر الحاج يمشي معايا هو بيدو. لكن خليني نرجع لتالي شوية، لنهار النتيجة الاولى: روحت مع خويا، برشة تعاطف ودعم وكذا من الأسرة. من غدوة نرجع لنصر الله وتتكسم معايا الحاجة بعشرة الاف كاملة، ودبرت راسي منا ومنا. رجعت مفلوس. صار بالإمكان شراء كسكروت من عم خليفة وحتى من بكار. ذلك أن لعم خليفة نوعين من الكسكروتات الأول بخمسين وهو ربع خبزة فيها مغرفتين هريسة بالماء، والثاني بمائة مليم وفيه هريسة وكعبة سردينة. أما بكار فكسكروته بمائة وخمسين وفيه السلاطة والزيتون ويتسمى مشخشخ (على فكرة: إلى حد الآن نشري منه كل وين نروح لنصرالله).

رجعت طول غطست في المراجعة. الظروف أحسن برشة. الكل واثق من نجاحي إلا أنا . ثمة شيء اهتز بداخلي .القادح الأساسي على النجاح هو حفل الزفاف. مرت الأيام ثقالا .كنت متوجسا ومهتزا والأتعس محاصرا بالنظرات. لا أحد يبالي بك، الكل منغمس في العمل أو الاستعداد للعرس، حتى اعتقدت أنني كنت واهما حين تصورت أن رسوبي قد ينغص الفرح…

المهم دعوت يوما:”اللهم بلغنا يوم النتيجة “.

  واستجاب الإله. صحبني الحاج. تحدث قليلا ليواري خوفه. عند وصولنا كانت الساحة أقل اكتظاظا.وبدأ المدير بشعبة الآداب. عندما ذكر اسمي كنت بعيدا عن أبي قليلا. أسرعت اليه وعانقته. كانت بعينه دمعة تكاد تسيل لكنه حاصرها. ضمني وقال :” ڨويدر ،كنت عارفك باش تعملها، هاك . هاي عشرة الاف جيب سروالك من التارزي وهيا ” ..

وصلنا نلقو الدار تملي وترص، يا خال وخالات، يا عمومة يا جيران … وكلها بعيالها. الليلة الجاية العرس. أول واحد قبلني كي سمع تزمير الكميون من بعيد هو خويا الكبير . لتوة نتفكر كيفاش حضنني بقوة ملي هبطت وضمني وقعد هكاكة (بيني وبينكم شدتني الغصة كي كل مرة نتفكر المشهد). ما سيبني كان كي سمع بابا يقول: “اذبحوا لڨويدر علوش” رغم هوما ذابحين، قال :“لا. يستحق فرح وحدو”. وهو ثاني علوش بعد السيزيام عام 80، وما تقولوش كبر عاد.

.أيّا نهاركم نجاحات

ـ تمّت ـ

أكمل القراءة

سرديار

عام الباك (2)

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر ميغري:

ما علينا. كملت ” الباك سبور” وما حصلتش فيها عدد باهي. العائلة لم تكن تعرف غير أن ابنها يدرس. لم أعتبر  ذلك تقصيرا لأنه غير مقصود، بل أكاد أجزم  والاعتماد على الذات.. ولكن قد يكون على حساب الصحة أحيانا.

وتقريبا لم يزرني أحد أيام المراجعة و”لا طلة لا كعبة غلة”. دينار أو اثنان على أقصى تقدير كان يصلني أسبوعيا من والدي، وحتى المرحومة فرجية صرت محروما من “مقروضها اللذيذ” وفريكاسيها البنين” لأن المزودين قصوا بمغادرة التلامذة المعهد. ولّينا شوية هريسة وزيت وخبزة سخونة وديمة يمشي، ما كملت اك المدة كان تهرينا من غادي هههه. المهم وصلنا ليلة الامتحان بعادات سيئة غذائيا وسلوكيا وصحيا وو. جفاني النوم ولم أسترح .ظللت أراجع حتى ساعة متأخرة.

أخيرا جد الجد وانطلق الامتحان . الفلسفة اخترت موضوع الأخلاق ودخلت فرندس: أخلاق القوة وأخلاق الضعف وتخمرت وعطات الإيديولوجيا مفعولها وانتهينا الى أخلاق الطبقات وعفسات ماركسية واضحة.. خرجت شايخ وناقشنا ووو لين جاء وقت العلوم الطبيعية، المادة الاختبارية التي لم أراجعها مطلقا. جات صورة لازم نذكر اسماء مكوناتها.

حسبتها عين. دزيت نكتب في الأسماء .قلت نضمن حتى عشرة. همزت زميلتي (ع) قدامي وهي مهفة في العلوم الطبيعية، طفاتني جملة، وهي الحقيقة كانت صاحبتي وتقصت بيناتنا قبل الباك بشهر ونصف تقريبا (ننبه عليكم حتى واحد ما يسأل في الموضوع هذا، لا في السرّ ولا في العلن ههه) ..الحاصيلو كي خرجنا التصويرة طلعت خصية هههه وأكيد المصحح راو لتوة يلعن فيّ ويتندر بإجابتي..

العربية: جوّي نص من “حدث أبو هريرة قال”.. كان أبو هريرة كالماء يجري… لتوة حافظو.. خدمت. ماشية الامور. ولكن الأمور تعكرت مع الجغرافيا والتربية.. مرت الأيام سراعا. كنا نعدّ زفاف أخي. سهريات وجوّ حتى يوم النتيجة.. صحبني أخي الأكبر إلى المعهد. اليوم أحد على ما أذكر . نفخ في البوق وبدأت تلاوة الأسماء والنتائج. كانت البطحاء أمام المعهد مكتظة بين منتش ومذهول وباكٍ ومولْوِلة.. صاحت امرأة قادمة لحينها سائلة ابنها ؛“اشنهي؟ نزغرط ؟” أجابها غاضبا: “لا لا، عفّطي عفّطي” فانفجر الجميع ضاحكين.. 

وصلنا إلى الآداب وسمعت اسمي وطبعا… لم أرسب. ولكني لم أنجح أيضا. كنت مفاجأة الدورة عامها: كونترول. اختلست النظر إلى أخي. كان مغتاظا ولكنه كتم واكتفى بإشعال سيجارة أخرى. وعاد خائبا أكثر مني. اللعنة على الفلسفة. نلت عددا لا أزال غير مقتنع به. المهم حلت دورة المراقبة وانقضى الامتحان كما أردت. كنت قد فقدت نكهة النجاح. المشكل في ذهني ساعتها هو نظرة الدوّار كله لا أسرتي وحدها كما ذكر الطيب ولد هنية. نفس الموقف وما زاد الطين بلة أن النتيجة يوم الزفاف. وويل لي من نفسي لو ..

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

صن نار