تابعنا على

جور نار

الغش والمخاتلة في الجامعة التونسية !

نشرت

في

شدّ انتباهي طلب للعروض تقدّمت به إحدى جامعاتنا التونسية العمومية المرموقة في الآونة الأخيرة (جوان 2022) وتبحث من خلاله عن اقتناء “منظومة إعلامية لمقاومة الغشّ لفائدة مؤسسات التعليم العالي الراجعة إليها بالنظر : استشارة عدد 105/2022″، وهي أول مرّة حسب رأيي تخرج فيها ظاهرة الغشّ والسرقة العلمية في الوسط الجامعي من دائرة الأحاديث الخاصة المُتداولة بين الجامعيين وسائر المهتمّين بالشؤون الطالبية في حلقات مُغلقة، إلى مربّع التداول العمومي وانتشار الظاهرة على نطاق واسع ممّا دفع بالمؤسسات المشرفة على حظوظ تعليمنا العالي إلى البحث عن حلول آلية لمقاومتها والحدّ منها وردع المخالفين.

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

وكان من الطبيعي أن تظلّ ظاهرة الغش والمخاتلة من المواضيع “المحظور تناولها” لأنها مُسيئة إلى صورة جامعاتنا ومستوى الشهائد الجامعية التي تُسندها، إلى جانب كونها ظاهرة كونيّة تعاني منها أغلب المؤسسات التعليمية والتكوينية في العالم (تذكر بعض التقارير الجدية في هذا الخصوص أن نسبة تتراوح بين الثلث والرّبع في الولايات المتحدة الأمريكية من الطلبة ينقُلون مقاطع تكبر أو تصغر حسب الحالات من الإنترنت دون ذكر المصدر، وتصل هذه النسبة في فرنسا إلى 34.5 % من المتعلّمين الذين ينقلون نصوصا مُقتطعة بصفة كلية أو جزئية من مصادر متنوعة ويقدمونها على أنها أعمال شخصية).

هنالك حسب رأيي ثلاثة عوامل أســاسيّة تدفع الطلبة إلى خرق أخلاقيـــات البحث والإبداع في الوسط الجـــــامعي :

أولا : الغشّ ظاهرة مُجتمعية مستفحلة

تزخر لغتنا العربية الطاهرة والورِعة بكمّ هائل من المصطلحات التي تدور على معنى الغشّ والاحتيال مثل الدهاء والمكر والنفاق والخداع والدّجل والكذب والمخاتلة والتلاعب والسرقة والنّصب والمراوغة و”التمسكية” و”التفسكية” و”الترسكية” الخ… بما يؤكّد أننا نعيش في مجتمع تتأصّل فيه قيم المُواربة و”إخدم جوّك” أكثر بكثير من قيم الصدق والثقة والأمانة التي تدّعيها ثقافتنا. فكيف نطلب من شاب أو شابّة تتعامل يوميا مع بائع يُقسم بأغلظ الأيمان ويبيع الزيت خلسة، وهاتف جوّال لا يرطن إلا بالآيات البيّنات ويسكن خلفه إنسان كذوب ومتذاك، ومع جزار يبيع لحم الحمير على أنه لحم عجول، ومع جار يعمل في شركة الكهرباء ويتمتّع بمجانية التنوير لكنّه يوزّع الأسلاك المجانية على كل أبناء عمومته، ومُزارعين يشفطون الماء الصالح للشراب لصالح حقولهم ويحكُمون على باقي المتساكنين الواقعة بيوتهم بعد ذلك المستوى بالعطش وتجفيف حلوقهم… كيف نطلب منهم أن يتحلّوا بالاستقامة والأمانة.  

وعلى هذا النحو، أينما ولّيت وجهك، عليك أن تكون شديد الحذر والانتباه حتى لا تقع في شِباك المتصيّدين وكل الذين جعلوا من “الفهلوة” وسيلة للارتزاق في تثبيت مُريع للغشّ الذي أصبح ملتصقا بجميع تصرفاتنا وعلاقاتنا ومعاملاتنا.

ثانيا : مكتبة بحجم الكوْن في متناول الجميع

من المؤكد أن الطرقات السيّارة للمعارف والمعلومات ومحركات البحث العملاقة والمصادر الإلكترونية والمجلات الرقمية على الويب ساهمت بشكل كبير في تيسير الحصول على كل المعلومات التي يستحقها الباحثون الشبّان في مشاريعهم البحثيّة، ومن المؤكد أيضا أن مستوى جودة واكتمال ما يُنشر في المواقع الجادّة على الشبكة العنكبوتية يُغري المُطالعين ويجعلهم يشعرون أنهم مهما فعلوا واجتهدوا لن يتيسّر لهم تأليف نصّ في نفس مستوى التماسك والبناء المنهجي وطرافة الأفكار… فينقلونه بحشيشه وريشه حتى يبدو على درجة كبيرة من الانزياح المُخيف بالنسبة إلى ما يحاولون هم كتابته أو إضافته.

ثالثا : الكتابة دُربة وتكوين ووجدان

هنالك ضعف هيكلي عام لدى أبنائنا وبناتنا في اللغات جميعها (عدا قلّة قليلة من المتفوّقين في كل الشعب الدراسية) لأن مدرستنا لم تُكابد في ترسيخ المطالعة كقيمة مركزية في التعلّم، حتى باتت المكتبات المدرسية أشبه ما تكون بمخازن لترصيف كتب بالية منقطعة تماما عما يُكتب ويُنشر حديثا في الرواية والقصة والخيال العلمي والنقد وعلم النفس وعلم الاجتماع والفلسفة وشتى أنواع العلوم، ولأن عائلتنا تُفضّل عادة شراء مكتبات لعرض تشكيلات الصّحون على إبراز دُرر الكتب والمُتون. (79 % من التونسيين لا يمتلكون كتابا واحدا داخل بيوتهم مقابل معدّل 70 كتابا يقرؤه الفرنسيون سنويّا على سبيل المثال). فالقدرة على الكتابة والتأليف والتحليل تتأتّى من هذا المخزون الذي يتراكم عبر القراءات والمطالعات الشيّقة والمُضنية في آن.

طلبة اليوم هم جامعيّو الغد

فوجئتُ شخصيا وعند إصلاح بعض الأعمال البحثية لطلبة الماجستير بإحدى المؤسسات الجامعية، أن عديد الطلبة يُخيّرون التحرير باللغة العربية رغم ضعف مستواهم في هذه اللغة ورغم طبيعة الاختصاص المكتوب فيه أساسا باللغات الأجنبية،  والسّبب في ذلك يعود (حسب رواية الطلبة المعنيين أنفسهم) إلى إستراتيجية الإفلات من رقابة التطبيقات الإعلامية المتخصصة في رصد الغشّ والنّقل الموصوف لنصوص أو فقرات لا تتضمّن إحالة على مراجعها الأصلية عندما لا يكون النص الخاضع للتقييم باللغة الفرنسية .

والموجِع في انتشار هذه الظاهرة خاصة في صفوف من يتهيّؤون لاستكمال شهادة الماجستير وشهادة الدكتوراه بعد سنوات قليلة، هو أن هؤلاء هم من سيتولّون مهمة التدريس في الجامعات وتأطير الطلبة وإقدارهم على ممارسة البحث العلمي بضوابطه المنهجية الصارمة وموانعه الأخلاقية العارمة. ويحضرني في علاقة بهذا، الكتاب الجريء لفقيد الجامعة التونسية الأستاذ محمّد الطاهر المنصوري “صمت المدرّجات” والذي يحاول فيه كسْر الصمت المريب الذي يُخيّم على عديد الممارسات غير السويّة في جامعاتنا ومنها ظاهرة “النّشل الأكاديمي” والسرقات البحثية المفضوحة في صفوف زملائه الذين يُقضّون عمرا جامعيا كاملا بالنسبة إلى عدد كبير جدا منهم دون إنتاج مقال علمي واحد رغم تأسّس أجورهم في جزء منها على مُكافأة مجهود البحث والتأطير.

لكن أحد أوجه الحقيقة أيضا أن الذين يختارون مواصلة دراستهم الجامعية بعد المستوى الأول أي مستوى الإجازة هو أنهم يُقبلون على ذلك لا لرغبة حقيقية في تعميق معارفهم أو هوْس بيّن باكتساب قدرات بحثية صلبة، بقدر ما يُدفعون إلى ذلك دفعا نتيجة انسِداد آفاق التشغيل أمامهم وبالتالي الرغبة في إطالة أمد البقاء على قيد “مزاولة التعليم” وتأجيل الاصطدام بجدار البطالة، أكثر  ما يمكن… وعليه فهم موجودون في حقل البحث بشكل عرضي لا يمتّ بصلة لمعنى المشروع والمسار الواعي والنتائجي.

المسألة في تقديري مسألة بناء قاعدي نتولاّه مجتمعيا وسياسيا ويمتد على أجيال بكاملها، بناء إنسان جديد يتربّى منذ طفولته على القطع مع الهاتف الجوّال (كهدية ملغومة يُكافأ بها أطفالنا) والإقبال المحموم على الكتب والتدرّب على التحرير كتابيا والتكلّم شفاهيا والمحاجّة ذهنيا.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الوضع الحالي (ج 2): الساحة الوطنية… مقترحات لدرء الخطر

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.

كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أو بعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.

هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:

أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،

ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.

ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.

ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.

المقنترحات العاجلة:

ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.

واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:

أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.

ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.

ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.

رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.

خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.

خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.

كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.

أكمل القراءة

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار