تابعنا على

جور نار

تعالوا نتخلّص من “دراكولا” الذي يسكننا !

نشرت

في

La haine, une puissante source de haines | L'Humanité

كنت شاهدا على حالتين موجعتين الأولى حين كنت واقفا في صفّ انتظار داخل صيدلية والثانية عند بائع خضروات…أما الأولى فقد لفت انتباهي من كان أمامي في الصفّ بإحدى الصيدليات… المسكين، حين عرف ما عليه دفعه ثمنا لقائمة الأدوية التي جاء بها من الطبيب، اضطرّ إلى حذف وإلغاء أكثر من نصف القائمة بسبب عدم توفر كامل المبلغ المطلوب لديه… والأغرب هو أن الصيدلاني لم يهتمّ لأمر المسكين وكان سيناوله بمقدار ما توفّر لديه من مال، فقط لو لم يتدخّل البعض لدفع بقية المعلوم الذي كان المسكين مطالبا به لشراء أدوية الوصفة…

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
محمد الأطرش

الحالة الثانية كانت عند بائع الخضروات فإحدى المواطنات طلبت من البائع حبتين من البطاطا صغيرة الحجم، وحبتين من الطماطم، وحبة بصل متوسطة الحجم، وحبتين من البرتقال من الحجم الصغير وسلمته ما كان عندها من مال مقابل ما طلبته، ورغم ذلك أعادت للبائع حبة برتقال لأن مالها لا يكفي…أسأل هل من حقّنا أن نطالب هؤلاء بحبّ وعشق هذا الوطن وهذه الأرض؟ هل من حقّنا ان نطالبهم بالهتاف باسم هذا الوطن وحكام هذا الوطن؟ لا أظنّ انه من حقّنا ذلك ولا من حقّ أي حاكم ممن حكموا ويحكمون الوطن أن يطالبوا أمثال هؤلاء بالاعتراف بجميل هذا الوطن، فلا جميل لوطن على مواطن يعجز عن توفير ثمن قوته ودوائه حين يصاب بالمرض والوهن والعجز والكبر، فماذا فعلنا وفعل الوطن وحكام الوطن لأمثال هؤلاء وهم اليوم بمئات الآلاف حتى يشعروا بدفء حضن هذا الوطن؟

الوطن الذي لا يحمي أبناءه من الجوع والمرض والخصاصة لا حقّ له في مطالبتهم بالاعتراف بجميله عليهم…والوطن الذي لا يمسح دموع أبنائه ليس وطنا يهتف باسمه ويرفع رايته عاليا…الوطن هو الأم التي ترضع أطفالها في الصغر وتحميهم من الجوع عند الكبر… وهنا وجب أن أسأل ماذا فعلنا حقّا حتى لا يتكرّر هذا المشهد الموجع أمامنا يوميا؟ لا شيء…ولنعترف أن أحقادنا ألهتنا عن رسالتنا الحقيقية…وأن عشقنا للثأر ممن حكموا قبلنا فاق عشقنا لخدمة هذا الشعب المسكين…وأن بعض من هم حولنا حوّلوا وجهتنا إلى ما لا ينفع البلاد والعباد وملؤوا صدورنا حقدا على بعض شعبنا ممن نختلف معهم…وأن رغبتنا في ضرب خصومنا انستنا واجبنا مع هذا الشعب، كل هذا الشعب حتى من لم يخترنا ومن لم يقبل بنا حكاما عليه…فالحاكم هو يد الوطن التي تخفّف من أوجاع مواطنيه، كل مواطنيه حتى من يعارضه ومن لا يقبل به حاكما… فإن لم يكن كذلك فما الفائدة منه…

أضيف لأسأل هل من صالح هذا الوطن أن يتضاعف عدد فقرائه وجياعه؟ وهل من صالح هذا الوطن وحكام هذا الوطن أن يتألم بعض شعبه ولا أحد يهتمّ لحاله ولا أحد يواسيه؟ وهل من صالح هذا الوطن وحكام هذا الوطن أن يقع اذلال بعض الناس وتجويعهم وتركهم لمصيرهم فقط لأنهم يعارضونه ولا يعارضون الوطن؟ وهل من صالح هذا الوطن وحكام هذا الوطن أن يبكي مواطن من قلّة ذات اليد ويتحوّل إلى خارج عن القانون؟ وهل من صالح هذا الوطن وحكام هذا الوطن أن ترتفع أصوات الشعب لتقارن بين حكام الأمس وحكام اليوم؟

علينا أولا أن نعترف أن وجود الفقر والفساد والسرقة واستغلال المنصب والظلم والتهميش والتمييز والتفرقة والحرمان للمواطنين في هذا الوطن، حقيقة واضحة للجميع وضاربة في القدم سواء كان ذلك بالأمس أو اليوم أو حتى غدا، وأن القضاء على كل هذه الأوجاع ليس بالبساطة التي يتصورها حكامنا اليوم…فالقضاء عليها يجب أن يكون مرتبطا بما ننجزه وما نقدّمه لشعبنا…فلا يمكن أن نكتفي بمحاربة بعض خصومنا ومعارضينا بحجة الفساد والتآمر والاحتكار، دون أن نوفّر كل مقوّمات العيش الكريم للشعب. فالفقر هو اشرس المعارضين للحكام وانتشار الفقر وتوسع رقعته أخطر على الحكام من كل معارضيه…والظلم هو أيضا أخطر المعارضين لكل الحكام فالحاكم الظالم لا يعمّر طويلا على كرسي الحكم حتى وإن كثر حوله الاتباع والأنصار…والتهميش هو أيضا أحد أكبر المعارضين لكل سلطة حاكمة…فالشعب لن يسعد طويلا بمقاومة الفساد أو بضرب الخصوم والمعارضين وهو يتضوّر جوعا…ولن يصبر كثيرا وطويلا على الظلم والتهميش…”ضرب الخصوم” ومحاربة الفساد وأوجاع البلاد لن ينسينا العاطلين عن العمل منذ عقود…ولن ينسينا أمراضنا التي لم نجد لها الدواء في الصيدليات…ولن ينسينا نقص مخزون البلاد من المواد الأساسية…ولن ينسينا الظلم الذي انتظرنا طويلا ليرفع عن بعضنا…

تعيش البلاد اليوم أخطر مراحل تاريخها…فمواقع التواصل الاجتماعي استحوذت على  دور الإعلام واستوطنت أراضيه، وأغرقت البلاد في إعلام بديل لا هدف له غير خلق الفتنة وهتك أعراض الناس واتهام البعض الآخر بما ليس فيه وكسب ودّ الحاكم لنيل رضاه وقطعة من كعكة الحكم، وتمريغ هيبة الدولة في التراب من خلال نشر وثائق ما كان لها أن تنشر ابدا للعامة…فنشر الآلاف من وثائق مؤسسات الدولة السرية هو اكبر جريمة تعيشها البلاد اليوم وهو اكبر جريمة ترتكب في حقّ هيبتها…فهذه الدولة تبحث اليوم عن التقاط بقايا أنفاسها للخروج مما هي فيه… ولن يكون ذلك متاحا بهذا الإعلام الهدّام والمتصابي…

الإعلام بهذا الشكل وهذه الطريقة يصبح سلاحا خطيرا جدا، ولهذا على من يريد التعامل مع وسائل الإعلام البديل والمتمثّل في مواقع التواصل الاجتماعي أن يكون على دراية بخطورة هذا السلاح على نفسه قبل أن يكون خطرا على غيره، سواء كانوا خصومه او من يحاربهم من فاسدين ومحتكرين وغيرهم ممن أفسدوا في الأرض… وعليه أن يتحلى بالوعي الكافي وبفنون التعامل مع مثل هذه الوسائل التي أصبحت في متناول الجميع دون استثناء، وتزداد خطورة ما يُنشر في هذه المواقع حين يكون من لدن أنصار واتباع الحاكم في مثل هذه الفترة والظروف الراهنة وصعوبة الأوضاع في الوطن…

ما يقع اليوم على ساحة وغَى مواقع التواصل الاجتماعي لا يخدم الدولة ولا من يحكمون هذه الدولة…فالدولة وحكامها ليسوا في حاجة لمثل ما ينشر اليوم على هذه المواقع لدعم وتقوية سلطتهم وإقناع ناخبيهم بأنهم جاؤوا لإنجاز ما وعدوا به…وليسوا في حاجة لمن يخبرهم بمن يكون الفاسد والعميل والمتآمر فهم أدرى بذلك من أنصارهم وأتباعهم…فما ينشر اليوم يظهر وكأن حكام اليوم وعدوا فقط في برنامجهم الانتخابي بالتخلّص من الخصوم وضرب كل مؤسسات الدولة التي بنيت قبل جلوسهم على كراسي الحكم، ولم يعِدوا بإخراج البلاد من أزمتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ومما وصلت إليه من وهن وضعف وانحدار…

لا أظن أن السلطة الحالية في حاجة إلى مثل هذا الإعلام لدعم سلطتها … فهذا الإعلام بما ينشره يسيء إليها ويظهرها في صورة الشامت والباحث عن الانتقام والثأر من خصومها لإبعادهم وقطع الطريق أمامهم… الإساءة والتجريح للأشخاص بسبب اختلاف الرأي مرفوض ولا يخدم السلطة الحالية في ما تريد تحقيقه لهذا الشعب، فما ينشر اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي لا يستثني أحدا من الاتهام بالفساد والتآمر والعمالة، وكأن كل سكان هذه البلاد قطاع طرق وفاسدون ومتآمرون وعملاء لغيرهم…

الشعب اليوم يريد وطنا لكافة المواطنين …وطنا يحمي كافة المواطنين ويتعامل معهم من خلال المواطنة، ويطبق العدالة والحرية والمساواة بين الجميع، وطنا لا يخاف المواطن فيه من التعبير عن رأيه وإن اختلف عن رأي حاكمه، وطنا لا يشتم المواطن فيه ويقذف بالحجر فقط لأنه أنتقد السلطة، وطنا لا يشيطن فيه المئات من النشطاء والحقوقيين وتشوه سمعتهم في وسائل الاعلام، ذنبهم فقط المطالبة بالعدالة والإصلاح وحرية التعبير…وطنا يعاقب ويجرّم كل من يسيء للآخرين ويهتك عرضهم ويتهمهم بما ليس فيهم فقط لأنه يختلف معهم وعنهم…فكم من مواطن اتهم ظلما…ولا أحد رفع عنه المظلمة…وكم من مواطن هتك عرضه ظلما ولم يعتذر منه أحد…

الشعب اليوم لا حاجة له بمعرفة من تمّ إيقافه…أو من كشف فساده…أو من وقع تحجير السفر عنه…فكل هذه من شؤون الأمن والقضاء ولا موجب أن يعلم بها المواطن …الشعب اليوم في حاجة لمن يخفّف عنه وجع الجوع…والفقر…والخصاصة…والعجز والمرض…ويأس الأبناء من العاطلين عن العمل…الشعب اليوم في حاجة الى أن يضحك…أن يفرح…أن يصرخ بأعلى صوته ويغني …فرحا …

كل أخبارنا اليوم سوداء سواد ما في صدورنا من أحقاد…وكل مواقع التواصل الاجتماعي اليوم أصبحت أفلام رعب وقتل ودمار واسالة دماء الأبرياء بهتك أعراضهم…فكل يوم تهتك أعراض أناس لا علم لهم بما يشاع عنهم…وكل ليلة يذبح البعض من الوريد إلى الوريد دون ذنب ارتكبوه فقط لأنهم ليسوا من أتباع الحاكم ويعارضون السلطة…فبالأمس كان بعضنا يكفّر من يخالفهم الرأي …واليوم يهتك عرض كل من يخالفهم الرأي ولا يتبع خطاهم…والأغرب من كل هذا خروج بعضهم وبعضهن ليفاخروا بما أنجزوه وكم من مواطن ذبحوه من الوريد إلى الوريد …فقط لأنه ليس منهم ويخالفهم الرأي…

ختاما أقول…تعالوا معا نتخلّص من “دراكولا” الذي يسكننا …فأيام بعضنا أصبحت رعبا…ولياليهم دماء وهتك أعراض فقط لأن رأيهم غير رأينا وراي البقية…تعالوا فنحن أبناء وطن واحد، وإن اختلفنا… وطن يتسع للجميع، وأسمه يؤنس الجميع، وطن نحبه ونعشقه وندافع عن ترابه…

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار