كنت شاهدا على حالتين موجعتين الأولى حين كنت واقفا في صفّ انتظار داخل صيدلية والثانية عند بائع خضروات…أما الأولى فقد لفت انتباهي من كان أمامي في الصفّ بإحدى الصيدليات… المسكين، حين عرف ما عليه دفعه ثمنا لقائمة الأدوية التي جاء بها من الطبيب، اضطرّ إلى حذف وإلغاء أكثر من نصف القائمة بسبب عدم توفر كامل المبلغ المطلوب لديه… والأغرب هو أن الصيدلاني لم يهتمّ لأمر المسكين وكان سيناوله بمقدار ما توفّر لديه من مال، فقط لو لم يتدخّل البعض لدفع بقية المعلوم الذي كان المسكين مطالبا به لشراء أدوية الوصفة…
<strong>محمد الأطرش<strong>
الحالة الثانية كانت عند بائع الخضروات فإحدى المواطنات طلبت من البائع حبتين من البطاطا صغيرة الحجم، وحبتين من الطماطم، وحبة بصل متوسطة الحجم، وحبتين من البرتقال من الحجم الصغير وسلمته ما كان عندها من مال مقابل ما طلبته، ورغم ذلك أعادت للبائع حبة برتقال لأن مالها لا يكفي…أسأل هل من حقّنا أن نطالب هؤلاء بحبّ وعشق هذا الوطن وهذه الأرض؟ هل من حقّنا ان نطالبهم بالهتاف باسم هذا الوطن وحكام هذا الوطن؟ لا أظنّ انه من حقّنا ذلك ولا من حقّ أي حاكم ممن حكموا ويحكمون الوطن أن يطالبوا أمثال هؤلاء بالاعتراف بجميل هذا الوطن، فلا جميل لوطن على مواطن يعجز عن توفير ثمن قوته ودوائه حين يصاب بالمرض والوهن والعجز والكبر، فماذا فعلنا وفعل الوطن وحكام الوطن لأمثال هؤلاء وهم اليوم بمئات الآلاف حتى يشعروا بدفء حضن هذا الوطن؟
الوطن الذي لا يحمي أبناءه من الجوع والمرض والخصاصة لا حقّ له في مطالبتهم بالاعتراف بجميله عليهم…والوطن الذي لا يمسح دموع أبنائه ليس وطنا يهتف باسمه ويرفع رايته عاليا…الوطن هو الأم التي ترضع أطفالها في الصغر وتحميهم من الجوع عند الكبر… وهنا وجب أن أسأل ماذا فعلنا حقّا حتى لا يتكرّر هذا المشهد الموجع أمامنا يوميا؟ لا شيء…ولنعترف أن أحقادنا ألهتنا عن رسالتنا الحقيقية…وأن عشقنا للثأر ممن حكموا قبلنا فاق عشقنا لخدمة هذا الشعب المسكين…وأن بعض من هم حولنا حوّلوا وجهتنا إلى ما لا ينفع البلاد والعباد وملؤوا صدورنا حقدا على بعض شعبنا ممن نختلف معهم…وأن رغبتنا في ضرب خصومنا انستنا واجبنا مع هذا الشعب، كل هذا الشعب حتى من لم يخترنا ومن لم يقبل بنا حكاما عليه…فالحاكم هو يد الوطن التي تخفّف من أوجاع مواطنيه، كل مواطنيه حتى من يعارضه ومن لا يقبل به حاكما… فإن لم يكن كذلك فما الفائدة منه…
أضيف لأسأل هل من صالح هذا الوطن أن يتضاعف عدد فقرائه وجياعه؟ وهل من صالح هذا الوطن وحكام هذا الوطن أن يتألم بعض شعبه ولا أحد يهتمّ لحاله ولا أحد يواسيه؟ وهل من صالح هذا الوطن وحكام هذا الوطن أن يقع اذلال بعض الناس وتجويعهم وتركهم لمصيرهم فقط لأنهم يعارضونه ولا يعارضون الوطن؟ وهل من صالح هذا الوطن وحكام هذا الوطن أن يبكي مواطن من قلّة ذات اليد ويتحوّل إلى خارج عن القانون؟ وهل من صالح هذا الوطن وحكام هذا الوطن أن ترتفع أصوات الشعب لتقارن بين حكام الأمس وحكام اليوم؟
علينا أولا أن نعترف أن وجود الفقر والفساد والسرقة واستغلال المنصب والظلم والتهميش والتمييز والتفرقة والحرمان للمواطنين في هذا الوطن، حقيقة واضحة للجميع وضاربة في القدم سواء كان ذلك بالأمس أو اليوم أو حتى غدا، وأن القضاء على كل هذه الأوجاع ليس بالبساطة التي يتصورها حكامنا اليوم…فالقضاء عليها يجب أن يكون مرتبطا بما ننجزه وما نقدّمه لشعبنا…فلا يمكن أن نكتفي بمحاربة بعض خصومنا ومعارضينا بحجة الفساد والتآمر والاحتكار، دون أن نوفّر كل مقوّمات العيش الكريم للشعب. فالفقر هو اشرس المعارضين للحكام وانتشار الفقر وتوسع رقعته أخطر على الحكام من كل معارضيه…والظلم هو أيضا أخطر المعارضين لكل الحكام فالحاكم الظالم لا يعمّر طويلا على كرسي الحكم حتى وإن كثر حوله الاتباع والأنصار…والتهميش هو أيضا أحد أكبر المعارضين لكل سلطة حاكمة…فالشعب لن يسعد طويلا بمقاومة الفساد أو بضرب الخصوم والمعارضين وهو يتضوّر جوعا…ولن يصبر كثيرا وطويلا على الظلم والتهميش…”ضرب الخصوم” ومحاربة الفساد وأوجاع البلاد لن ينسينا العاطلين عن العمل منذ عقود…ولن ينسينا أمراضنا التي لم نجد لها الدواء في الصيدليات…ولن ينسينا نقص مخزون البلاد من المواد الأساسية…ولن ينسينا الظلم الذي انتظرنا طويلا ليرفع عن بعضنا…
تعيش البلاد اليوم أخطر مراحل تاريخها…فمواقع التواصل الاجتماعي استحوذت على دور الإعلام واستوطنت أراضيه، وأغرقت البلاد في إعلام بديل لا هدف له غير خلق الفتنة وهتك أعراض الناس واتهام البعض الآخر بما ليس فيه وكسب ودّ الحاكم لنيل رضاه وقطعة من كعكة الحكم، وتمريغ هيبة الدولة في التراب من خلال نشر وثائق ما كان لها أن تنشر ابدا للعامة…فنشر الآلاف من وثائق مؤسسات الدولة السرية هو اكبر جريمة تعيشها البلاد اليوم وهو اكبر جريمة ترتكب في حقّ هيبتها…فهذه الدولة تبحث اليوم عن التقاط بقايا أنفاسها للخروج مما هي فيه… ولن يكون ذلك متاحا بهذا الإعلام الهدّام والمتصابي…
الإعلام بهذا الشكل وهذه الطريقة يصبح سلاحا خطيرا جدا، ولهذا على من يريد التعامل مع وسائل الإعلام البديل والمتمثّل في مواقع التواصل الاجتماعي أن يكون على دراية بخطورة هذا السلاح على نفسه قبل أن يكون خطرا على غيره، سواء كانوا خصومه او من يحاربهم من فاسدين ومحتكرين وغيرهم ممن أفسدوا في الأرض… وعليه أن يتحلى بالوعي الكافي وبفنون التعامل مع مثل هذه الوسائل التي أصبحت في متناول الجميع دون استثناء، وتزداد خطورة ما يُنشر في هذه المواقع حين يكون من لدن أنصار واتباع الحاكم في مثل هذه الفترة والظروف الراهنة وصعوبة الأوضاع في الوطن…
ما يقع اليوم على ساحة وغَى مواقع التواصل الاجتماعي لا يخدم الدولة ولا من يحكمون هذه الدولة…فالدولة وحكامها ليسوا في حاجة لمثل ما ينشر اليوم على هذه المواقع لدعم وتقوية سلطتهم وإقناع ناخبيهم بأنهم جاؤوا لإنجاز ما وعدوا به…وليسوا في حاجة لمن يخبرهم بمن يكون الفاسد والعميل والمتآمر فهم أدرى بذلك من أنصارهم وأتباعهم…فما ينشر اليوم يظهر وكأن حكام اليوم وعدوا فقط في برنامجهم الانتخابي بالتخلّص من الخصوم وضرب كل مؤسسات الدولة التي بنيت قبل جلوسهم على كراسي الحكم، ولم يعِدوا بإخراج البلاد من أزمتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ومما وصلت إليه من وهن وضعف وانحدار…
لا أظن أن السلطة الحالية في حاجة إلى مثل هذا الإعلام لدعم سلطتها … فهذا الإعلام بما ينشره يسيء إليها ويظهرها في صورة الشامت والباحث عن الانتقام والثأر من خصومها لإبعادهم وقطع الطريق أمامهم… الإساءة والتجريح للأشخاص بسبب اختلاف الرأي مرفوض ولا يخدم السلطة الحالية في ما تريد تحقيقه لهذا الشعب، فما ينشر اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي لا يستثني أحدا من الاتهام بالفساد والتآمر والعمالة، وكأن كل سكان هذه البلاد قطاع طرق وفاسدون ومتآمرون وعملاء لغيرهم…
الشعب اليوم يريد وطنا لكافة المواطنين …وطنا يحمي كافة المواطنين ويتعامل معهم من خلال المواطنة، ويطبق العدالة والحرية والمساواة بين الجميع، وطنا لا يخاف المواطن فيه من التعبير عن رأيه وإن اختلف عن رأي حاكمه، وطنا لا يشتم المواطن فيه ويقذف بالحجر فقط لأنه أنتقد السلطة، وطنا لا يشيطن فيه المئات من النشطاء والحقوقيين وتشوه سمعتهم في وسائل الاعلام، ذنبهم فقط المطالبة بالعدالة والإصلاح وحرية التعبير…وطنا يعاقب ويجرّم كل من يسيء للآخرين ويهتك عرضهم ويتهمهم بما ليس فيهم فقط لأنه يختلف معهم وعنهم…فكم من مواطن اتهم ظلما…ولا أحد رفع عنه المظلمة…وكم من مواطن هتك عرضه ظلما ولم يعتذر منه أحد…
الشعب اليوم لا حاجة له بمعرفة من تمّ إيقافه…أو من كشف فساده…أو من وقع تحجير السفر عنه…فكل هذه من شؤون الأمن والقضاء ولا موجب أن يعلم بها المواطن …الشعب اليوم في حاجة لمن يخفّف عنه وجع الجوع…والفقر…والخصاصة…والعجز والمرض…ويأس الأبناء من العاطلين عن العمل…الشعب اليوم في حاجة الى أن يضحك…أن يفرح…أن يصرخ بأعلى صوته ويغني …فرحا …
كل أخبارنا اليوم سوداء سواد ما في صدورنا من أحقاد…وكل مواقع التواصل الاجتماعي اليوم أصبحت أفلام رعب وقتل ودمار واسالة دماء الأبرياء بهتك أعراضهم…فكل يوم تهتك أعراض أناس لا علم لهم بما يشاع عنهم…وكل ليلة يذبح البعض من الوريد إلى الوريد دون ذنب ارتكبوه فقط لأنهم ليسوا من أتباع الحاكم ويعارضون السلطة…فبالأمس كان بعضنا يكفّر من يخالفهم الرأي …واليوم يهتك عرض كل من يخالفهم الرأي ولا يتبع خطاهم…والأغرب من كل هذا خروج بعضهم وبعضهن ليفاخروا بما أنجزوه وكم من مواطن ذبحوه من الوريد إلى الوريد …فقط لأنه ليس منهم ويخالفهم الرأي…
ختاما أقول…تعالوا معا نتخلّص من “دراكولا” الذي يسكننا …فأيام بعضنا أصبحت رعبا…ولياليهم دماء وهتك أعراض فقط لأن رأيهم غير رأينا وراي البقية…تعالوا فنحن أبناء وطن واحد، وإن اختلفنا… وطن يتسع للجميع، وأسمه يؤنس الجميع، وطن نحبه ونعشقه وندافع عن ترابه…
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.