تابعنا على

وهْجُ نار

ثلاث سنوات من عمر “جلنار” … ولم تفطم بعد !

نشرت

في

حين هاتفني الصديق الزميل عبد القادر المقري ثم محمد الهادي البديري وسالم حمزة قبل ثلاث سنوات ويزيد وفاتحوني في أمر جريدة الكترونية تجمع قدماء الأيام ومن جاورها من صحف ذلك الجيل الذي كان ذهبيا بكل ما تعنيه الكلمة، أقول حين هاتفوني عارضين علي أن أرافقهم في بناء هذا المشروع الجديد، قلت هل يمكن النجاح لجيلنا وسط هذا الحشد من الأصوات التي تحترف الصراخ والعويل منذ 14 جانفي 2011؟

محمد الأطرش
<strong>محمد الأطرش<strong>

هل يمكن أن نعيش بأقلامنا وحرفيتنا ومهنيتنا وصدقنا ومثابرتنا التي عشنا بها وتألقنا وتميزنا في زمن كان الأصعب من زماننا هذا على مستوى حرية الراي والتعبير مع أصوات تسبب الغثيان، فالأقلام لم يعد لها وجود في زماننا هذا؟ قلت، هل يمكن ان نزاحم وننافس منشطي “طشطرق طربق” والراقصين على أنغام “حوماني” في إدارة رقاب القارئين والمتابعين نحو مشروع جاد لا يحترف البصاق على المشاهدين والقراء؟ قلت، وبماذا يمكن ان نتميّز وسط هذا الحشد من “المتزلفين” (لا أقصد الجميع طبعا) الهاتكين لجميع الاعراض والبائعين للذمم بأبخس الاثمان والمتلونين كالحرباء والكافرين بالنعم؟ قلت، كيف سننجح واليوم الغلبة لمن يشتم الآخر أكثر…ولمن يفضح الآخر أكثر…ولمن يختلق الروايات والأكاذيب عن الآخر أكثر…ولمن يدمن سماع اغنية الشادلي الحاجي “ميحي مع الارياح وين تميحي…”…

كيف سننجح واليوم الغلبة لمن يتلوّن أكثر…ولمن يبيع ذمّته أكثر…ولمن يتماهى مع مزاج الشارع السياسي والثقافي فيقبل ما لا يقبل ويرفض ما لا يرفض ويكتفي برقصة البطن مع كل مزاج أغلبي في البلاد، فاليوم يعشق لحية الغنوشي ويقبّل رأسه ويقسم به على زوجته إن أخطأت يوما في أمر ما، ويحسبه من الصالحين والانبياء…وغدا يكفر بالغنوشي ولحية الغنوشي ويقسم انه منه براء ويعود ليقسم برأس لينين ويقرر الحجّ إلى قبر ستالين وويل لكل من ينعتهم بالسفاحين…إلى حين… فنحن اليوم نعيش على أنغام جيل مراهق من الصحافيين اغلبهم لم يكتب سطرا واحدا في يومية او أسبوعية، جيل يباع ويشترى دون حاجة إلى سمسرة أو مزاد علني ( طبعا لا اقصد الجميع)، جيل وجد ضالته في مواقع التواصل الاجتماعي دون رقيب ولا حسيب، جيل أكل من كل الصحون…وبصق فيها ولم يحمد الربّ …

 قلت كل ذلك…وأنا الذي أتعامل مع بعض الصحف العربية وغيرها بمقال اسبوعي وقد لا اجد الوقت الكافي لأكتب شيئا يليق بمقام ذلك الجيل الذي لا يزال بعض الذين فاق عمرهم الخمسين يذكرونه جيدا ويذكرون الكثير من الأسماء التي اثثت مؤسساته الإعلامية وبنت مجده ويذكرون حتى أركانه… ووافقت…نعم وافقت على أن أكون أحد الذين يرفعون بناء “جلنار” إلى أن تبلغ سنّ الفطام… وسنّ الفطام تعني بالنسبة لي أكثر من مائة الف متابع وقارئ جاد…

وكان مقالي الأول بأكثر من مائة سطر ليبلغ عدد المقالات (افتتاحيات ومقالات) طيلة الثلاث سنوات الأولى من عمر “جلنار” الـــ272 مقالا أقصرها بمائة سطر دون هذا الذي تقرؤون مما يجعل مجموع الاسطر التي كتبت في ثلاث سنوات بحساب المائة سطر فقط لكل مقال يناهز الـــ27200 سطرا لو وضعناها في كتاب من حجم أ4 وببنط 16 لأصبحت كتابا من 777 صفحة لم أجامل فيها أحدا…ولم اهتك فيها عرض أي ممن كتبت عنهم وذكرتهم في مقالاتي، لكن أيضا لم أعاد أي من الذين يؤثثون مشهدنا العام سياسيا وثقافيا واجتماعيا…رغم ما قد يذهب إلى ظنّ البعض من مجرّد قراءة العناوين …

من عناوين ما كتبت خلال السنوات الثلاث من عمر “جلنار”: “لا تصدّقوا الرئيس…و لا تصدّقوا الحكومة” و “هل قيس يسكن قرطاج…أم الحجاج…؟؟” و “كم نحن في حاجة إلى لفافة زطلة”!” و”نظامنا متّهم بانتحال صفة… (ديمقراطي) …” و”اتركوهم … إنهم يعيشون ورطة الحكم!” و”حرب القصور تصيب مفاصل الدولة بالقصور…” و“الرئيس يريد إسقاط النظام! …” و “رسالة من عاطل مؤبد إلى أمير المؤمنين وغيرهم … قيس بن المنصف بن محمد سعيّد” و” لا تتركوا قابيل يقتل هابيل … مرّة أخرى!” و”حدثني ابليس قال…” و “يا ساكن قرطاج لا تقل قول أبي العباس: (استعدّوا فأنا السفاح الهائج، والثائر المبيد!)” و “هشتكنا وبشتكنا يا ريّس … ده انت رئيس والنعمة كويّس!” و “منذ متى كان هولاكو ديمقراطيا؟” و “هل أصبح المشيشي خطرا على تونس؟؟”…وهنا نصل إلى السؤال الذي قد يسأله العديد من القراء والمتابعين للمشهد الإعلامي منذ الاستقلال لماذا يتميّزون علينا إعلاميا وصحفيا في الشرق العربي وبالذات في مصر؟

الأمر في غاية البساطة أولا ليس كل بلاد الشرق العربي من تتميّز علينا إعلاميا وصحفيا، هي فقط مصر ولبنان وربما سوريا سابقا وبعض الأسماء من بعض الدول العربية الأخرى، ففي مصر لهم تقاليد منذ بداية القرن الماضي وقبله في صناعة الكتاب فكل صحفي يصبح كاتبا بعد سنة او أكثر صحافة، فنسبة كبيرة من الكتب الصادرة في مصر خلال القرن الماضي هي لأقلام وأسماء كبيرة بدأت حياتها المهنية في الإعلام والصحافة سواء كان ذلك في مصر أو في بقية البلدان التي ذكرت…

هذه الأسماء الكبيرة عادة ما تكون أو كانت قريبة من السلطة، فعلي أمين ومصطفى امين هما أبناء ابنة أخت سعد زغلول وعاشا في بيت سعد وصفية أم المصريين…أما محمد التابعي أستاذ علي ومصطفى أمين وأستاذ محمد حسنين هيكل وغيره من كبار الأسماء الصحفية فقد بدأ حياته صحفيا باسم مستعار في الأهرام ثم كتب في روز اليوسف دون توقيع لأنه كان حينها موظفا في البرلمان المصري، نجح التابعي بمقالاته السياسية في احداث عديد الازمات بين الدستوريين والسعديين، وكان ذلك وراء زيادة توزيع المجلة واستقالته من الوظيفة للعمل بروز اليوسف كمحرر قار، وفي سنة 1937 وبعد أن أسس مجلة آخر ساعة وساهم في تأسيس جريدة المصري اختاره الملك فاروق ليكون الصحفي المصري الوحيد الذي يرافق العائلة الملكية في رحلة طويلة إلى أوروبا ومن هناك انطلق محمد التابعي في مسيرة صحفية جعلت منه أكبر صحفي عصره قبل الثورة وبعدها…

وهنا أسأل هل سمحت لبعضنا الظروف لنكون مثل هؤلاء في تونس؟ هل من يؤثثون منابر الصراخ اليوم يرتقون لمراتب محمد التابعي أو ناصر الدين النشاشيبي وهو صحفي فلسطيني اشتهر كثيرا حين عيّن رئيسا لتحرير جريدة الجمهورية المصرية؟ هل يمكن اعتبارهم من الصحفيين والمحررين الكبار أو من كتاب الافتتاحيات أومن المحللين الاستراتيجيين، أليس من المعيب لتونس أن نأتي ببعض هواة الصراخ من “لاعقي الأحذية” لبعض الساسة (لا اقصد كل من نراهم طبعا) ونصنع منهم جهابذة في التحليل واستشراف المشهد السياسي سواء كان ذلك بتونس او بالعالم؟…أليس من المخجل أن نسمع بعضهم ولن أذكر الأسماء يتحدثون عما يقع اليوم بغزّة وهم لا يفقهون ما يقولون وإن أعدت عليهم كلامهم سيسالونك ما هذا لم نفهم شيئا؟؟ لذلك لا تجوز المقارنة بين صحفيين عاشروا كبار الساسة في بعض الدول العربية ومكنتهم الدولة من محاورة كبار ساسة العالم، وبين اختيار مجموعة من الأسماء التي لم تكتب يوما سطرا واحدا في جريدة لتقف أمام مئات الآلاف من المشاهدين تصرخ في وجوههم وتقلب الحقائق وتزيف الأحداث لصالح مشغّلها ومن اختارها لذلك المكان…أيخدم هذا الأمر إعلامنا وصحافتنا؟ أيخدم هذا الأمر ساستنا ودولتنا؟ لا…

لنعد إلى مصر مثلا فمحمد حسنين هيكل الذي كان تلميذا لمحمد التابعي وعلي أمين وحتى مصطفى أمين كان قريبا من عبد الناصر ومن حكومات الثورة كما كان فكري أباظة قبلها…وكان شريكا في العديد من القرارات التي قررها عبد الناصر…وكما كان وراء العديد من القرارات الصائبة كان أيضا سببا في النكسة التي كان هو من اسماها كذلك…كما كان وراء سجن مصطفى أمين…وحين طلب منه أنور السادات بعد موت عبد الناصر ان يتعاون معه كما سبق وتعاون مع عبد الناصر كان ردّه كما رواه صديقه ناصر الدين النشاشيبي: حاضر … انا مستعد … ولكن على نفس الشروط والاسس التي كنت اتعاون من خلالها مع جمال عبد الناصر! وسأله السادات: ما هي هذه الشروط يا هيكل؟ واجاب هيكل: (مشاركة في الحكم وفي المسؤولية وفي السلطات وفي الحقوق!) وهنا يضرب انور السادات كفا على كف ويصيح: انت مجنون؟ انت بتقول ايه يا هيكل انا رئيس جمهورية وعايزني اتنازل عن سلطاتي علشان اشركك في الحكم؟!

وافترق الرجلان الصديقان القديمان اللدودان…واحد ذهب لكي يوقع اتفاقية كامب دايفيد..وواحد ذهب لكي يدق على ابواب دور النشر العالمية ويصبح اشهر كاتب ومؤلف سياسي وصحافي في الشرق الاوسط كان يكتب العربية بأسلوب الف ليلة وليلة ويكتب الانكليزية … اأو يكتب له الكاتب الانكليزي (تيدي هوتشكين) الذي كان كاتبا في مجلة “ايفنتس” وصاحبها سليم اللوزي في السبعينات… هكذا تحدث ناصر الدين النشاشيبي الذي اكتوى أيضا بنار محمد حسنين هيكل وحلمي سلام وغيرهما ويضيف النشاشيبي: “دخل هيكل السجن بأمر من انور السادات وخرج من السجن بطلا مصريا وتحداه مصطفى امين ثم موسى صبري شنودة ثم جماعات السادات بألف مقال والف تهديد والف منشور والف كتاب ضده وضد زعيمه عبد الناصر واستطاع ان يصمد امامها كلها وأن يرد عليها كلها وأن يجد وقتا كافيا يقضي فيه اجازة أيام الجمعة وعطلة الصيف في الاسكندرية وفي العزبة وزيارات متكررة الى ايران ولبنان والمجيء الى الاردن للبحث في موضوع زواج احد اقربائه من فتاة اردنية فلسطينية تعيش في عمان”…

هل عاش بعضنا في تونس سواء كان مع بورقيبة أو مع بن علي او مع من تداولوا على حكم البلاد بعد من يسمونها “ثورة” هذا الذي يعيشه كبار الصحفيين في مصر وفي لبنان وسوريا؟ لا…لو أتيحت له هذه الفرصة لكان وضع الإعلام أفضل بكثير مما هو عليه اليوم… فنصف السياسة صحافة… وكل الصحافة سياسة…كبار الساسة يصنعون كبار الإعلاميين والصحفيين…وكبار الصحفيين يكتبون مجد كبار الساسة…

لا غرابة إن نجح الساسة بما يقترحه وينصحهم به رؤساء تحرير بعض الصحف الكبرى…هذا يمكن أن يكون في مصر وفي لبنان …لكن هل لنا في تونس اليوم صحف كبرى…فالكاتب الكبير يولد من عنوان أكبر…والعنوان الكبير يكبر بمن يكتب فيه؟ لا، في تونس اليوم نعيش آخر أيام عمر ما بقي لنا من الجرائد الورقية …كل الحكومات التي تداولت على حكم البلاد بعد من يسمونها “الثورة” ساهمت في الدمار الذي طال الصحافة الورقية المكتوبة في تونس…في فرنسا مثلا تساهم الدولة سنويا بــ 130 مليون يورو لمساعدة الصحف اليومية الكبرى وحتى الصغرى في مجابهة مصاريف الطباعة وخلاص أجور من يكتب فيها…وفي تونس اليوم تُلوَى ذراع بعض الصحف لتنصاع إلى سياساتنا وإن لم تفعل تُحرم من نصيبها من الإشهار الحكومي…لو حافظت حكوماتنا على ما كان عندنا من عناوين وأسماء لكان حالنا السياسي والإعلامي والصحفي أفضل بكثير مما نحن عليه اليوم…ففي تونس هناك الكثير من الأقلام التي تقاعدت دون أن تأخذ حظها كاملا من الظهور في المشهد الإعلامي رغم قدراتها وكفاءاتها…جميعهم احيلوا على التقاعد وكان يمكن أن يكونوا من الذين شهدوا على العصر في العديد من الأحداث …فبعضهم كان قريبا من السلطة وعلى دراية ببعض كواليس الحكم…وكان يمكن أن يساهموا في كتابة العديد من السيناريوهات لأحداث عاشتها البلاد ولا يعلمها العامة…

أعود لما جاء على لسان وقلم ناصر الدين النشاشيبي الذي يقول:

” ليس همي أن أعود إلى الوراء وأكتب عن الأقلام المصرية “المعروفة” التي تطاولت على كل مسؤول عربي في خارج مصر، وجرحت أعراض عائلات عربية كثيرة في بغداد وبيروت ودمشق وعمان إرضاء للاستخبارات المصرية بالذات. ان كل همي أن أترك للقارئ العربي معرفة السر الذي أطاح بالصحافة المصرية وأصابها بالعفن وأدخل السوس والجراثيم إلى هيكلها وروحها! لقد استيقظ المشير عبد الحكيم عامر ذات صباح، وقرر ان يعثر لنفسه على صحافي مصري معروف يوظفه لحسابه ويحارب به عبد الناصر! واذا كان “هيكل” هو سلاح عبد الناصر في “الأهرام”، فلماذا لا يصبح “حلمي سلام” ـ الصحافي القادم من مجلة «الفن والاذاعة والتلفزيون» ـ هو سلاح المشير عامر في جريدة “الجمهورية”! وفعلاً، اصبح حلمي سلام رئيساً لدار التحرير، ولجريدة “الجمهورية” لسان حال الثورة المصرية..!! وشطب أسماء جميع رؤساء التحرير من “الترويسة” المنشورة على الصفحة الأولى، ووضع مكانها اسمه الغالي بالحرف البارز! يعني شطب أسماء طه حسين والشناوي وكاتب هذه السطور، واستبدلها باسم واحد ووحيد واستدعى معظم زملائه في مجلة “الاذاعة والتلفزيون” وأغدق عليهم المرتبات والسيارات وعينهم في دار “الجمهورية”.

وأدرك الناس ان عبد الحكيم عامر قرر ان يحارب رئيسه عبد الناصر، بأسلوب الصحافة والاعلام بالرغم من سوء الاختيار…

وكان ذلك في نهاية عام 1965 وبداية عام 1966. وعندما ذهب حلمي سلام وعرض اسماء الصحافيين المطلوب التخلص منهم من دار “الجمهورية”، أراد المشير أن يعالج الأمر بالدبلوماسية وقال لحلمي سلام:

ـ أنا موافق على هذه الاسماء ولكن لا بد من عرضها على الرئيس عبد الناصر.

وباعتراف حلمي سلام، نفسه، اعترض الرئيس عبد الناصر على نقل اسم واحد من دار “الجمهورية” وهو اسم ناصر الدين النشاشيبي..

وطالب حلمي سلام بحل مجلس إدارة دار “التحرير”، وتركيز السلطات كلها في يده مع حل جميع وحدات الاتحاد الاشتراكي الاربع الموجودة في دار التحرير والاستعانة ببعض الصحافيين العاملين بدار “الهلال” للعمل بدار “الجمهورية”..

ورفض عبد الناصر معظم هذه المطالب…ودخل حلمي سلام دار “الجمهورية” وهي مدينة بمبلغ 360 ألف جنيه وتركها وقد ارتفعت الديون إلى مبلغ 860 ألف جنيه! وهل عجز المشير عن العثور على صحافي مصري آخر يعهد له بـ “الجمهورية” بدلاً من حلمي سلام؟

لا أظن! ولكن المشير الذي كان غارقاً حتى أذنيه في حب الفنانة برلنتي عبد الحميد أراد أن يضمن سكوت حلمي سلام، القادم من مجلة “الاذاعة والتلفزيون”، والشاهد على الكثير من جوانب تلك العلاقة السرية بين المشير من جهة والفنانة برلنتي من جهة اخرى! وكان هذا كله وبكل فصوله المضحكة المبكية، يجري في شهور عام واحد فقط قبل أن تقع حرب عام 1967 ويصاب الجيش المصري بأكبر هزيمة في تاريخه… الحديث! أليس مما يدعو إلى العجب… وإلى الضحك معاً، ان يشغل عبد الحكيم عامر ورؤساؤه انفسهم في التفكير بمشاكل الصحافة المصرية وكيف يتولى احسان عبد القدوس تحرير “أخبار اليوم” ويرأس السباعي تحرير “آخر ساعة” ويرأس بهاء الدين مجلس إدارة “دار الهلال” وينتقل علي ومصطفى أمين من “أخبار اليوم” إلى “المصور”.. وكل هذا واسرائيل تستعد للحرب وتستدعي الاحتياط وتبني وتستورد السلاح وتنتظر ساعة المعركة! “

هذا ما حصل سابقا مع كبار الصحفيين والأسماء في مصر المحروسة التي مجرد ذكرها يجلب الاحترام ورفع القبّعة بشهادة أحد اكبر صحفيي القرن الماضي الفلسطيني ناصر الدين النشاشيبي رحمه الله…هل بمن نراهم اليوم في منابرنا التلفزية وهم من أدار رقاب القراء وابعدهم وحوّل وجهتهم عن قراءة الصحف الورقية للاكتفاء بمنابر كتبت سيناريوهاتها وحواراتها خارج استوديوهات بثها…أبتلك الأسماء التي تعرفون ولست في حاجة إلى ذكرها يمكن كتابة تاريخ جميل قادر على أن يتحوّل إلى صناعة تلفزيونية أو سينمائية تخلد ما عاشته بلادنا …أم أنكم تريدون تاريخا ساخرا كبعض الصور المتحركة لتضحك منه وعنه أجيالنا القادمة وأحفادنا؟؟

تونسنا اليوم في حاجة إلى الصحافي الوطني العنيد والنزيه الذي يحمي أنيابه من الكسر وتفكيره من البتر وعقله من الحجر…ولا حاجة لها بأقلام وأصوات إنكشارية مغسولة الدماغ ومقطوعة اللسان …وهذا ما نحاول أن نكون عليه في “جلنار” …يقول زكريا ثامر الكاتب والأديب والصحفي السوري…”من يعامل الكلمة على أنها بغيّ تستسلم لمن يدفع أكثر يحق له أن يحظى بشرف الانتساب إلى النقابة السرية للقوادين…”…وكل عام و”جلنار” تفوح برائحة الحرفية والمهنية والنزاهة …وعطرها عطر الحياد …لا تعادي ولا تجامل…ولا تتلون بكل ألوان الطيف….السياسي… لغاية في نفس يعقوب…واسحاق …والبعض الآخر…وغدا نحتفل بفطامها بإذن الله…

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

وهْجُ نار

خليفة ولد عمّي والانتخابات المحليّة … وحمار سعد زغلول (2)

نشرت

في

كانت الساعة تشير إلى الرابعة فجرا حين تمّ قصف باب منزلي طرقا من مجهول …فالطرق كان أشبه بالقصف الذي نسمع صوته في نشرات أخبار القنوات العربية الإخبارية التي تنقل إلينا مباشرة مشاهد الخراب والموت والدمار في جنوب فلسطين…الحمد لله أني لم أكن نائما في تلك الساعة فأنا تعودت على ترك الفراش باكرا جدّا لإعداد فطور صباح قططي والقطط الصديقة والشقيقة واللاجئة من الأنهج المجاورة الباحثة عن بقايا أكل لإطفاء جوعها…

محمد الأطرش
<strong>محمد الأطرش<strong>

خرجت مسرعا إلى الباب الخارجي لأرى من الطارق، فكان خليفة صاحب الحمار… لم يفاجئني حضوره في تلك الساعة فنحن في ليلة فرز أصوات الانتخابات المحليّة والأكيد أن “خلفون” لم ينم إلى حدّ الساعة وجاءني مباشرة من مركز فرز الأصوات ليبشرني…

ارتمى عليّ خليفة صاحب الحمار واحتضنني أقصد عصرني يمنة ويسرة حتى كاد يكتم أنفاسي فصرخت بأعلى صوتي وقلت: “سيبني قتلتني يا منجوه…” …فردّ: “ربحت يا ولد عمّي ربحت…جبت أكثر من خمسين بالمائة مالاصوات…صرفڨتهم وهردتهم جبتهم يدورو وخليت الكوني والشعلاء يلعبوا في الزربوط والبتشي…وينها الحاجة باش نعلمها …؟؟” أجبت على عجل: “لا لا الحاجة؟؟؟ لا تحضنها لا تمدلها ايدك يا جلف… تحب تكسرلها ضلوعها…قوللها من بعيد راني ربحت وسكر جلغتك…”…

نظرت إليه وسألته أين الحمار يا صاحب الحمار؟؟ فقال كالعادة خلف شجرة “الكلاتوس” يتنفس الصعداء بعد حملة انتخابية أرهقته وكسرت ظهره من كثرة ما جاب بي كل أرجاء الدشرة …قلت لحظة أذهب إلى الحمار أهنئه بهذا الفوز الساحق وأعود…نظر إلي وقال “اشنوة تهني الحمار …تي شكون ربح انا والا هو…؟؟؟ مخيبك ولد عمّي” قلت: “هو من كان سببا في فوزك اليوم لو لم يكن هو إلى جانبك وسندك الأكبر وداعمك الوحيد المصاحب في كل أيام الحملة لما فزت بهذه النتيجة الساحقة؟؟”…

 جاءت الحاجة مسرعة وهي تقول: “اش ثمّة شنهي هالحس يا ولد عمي…وشكون ها البغل اللي يدق في الباب هكاكه يعطيه مدفع ان شاء الله…” سمعها السيد النائب وأقصد خليفة فقال: “أنا يا حاجة …سامحيني جيت طاير مالفرحة حبيت نعلمكم انتو الاولانين لأنكم انتم الاولانين اللي ما شككتوش في قدرتي على الفوز بالأغلبية المطلقة…توه أنا بغل يا حاجة حرام عليك…؟؟ وعلاه يا حاجة تدعي علي بمدفع…؟؟” نظرت إليه المرأة ضاحكة وقالت: “سامحني خلفون نائبنا التحفون …نسخايله واحد آخر…ايا امالا نضربلها زغراطة بالقوي خلي الدشرة الكل يفيقوا يا خلفون..” قاطعتها وقلت: ” لا..لا…تزغرط توّه فاش قام الناس راقدة وانت تزغرط…اش يقولوا علينا الناس؟؟؟” 

اختنقت الزغروطة في حلق الحاجة ونظرت إلى النائب صاحب الحمار وقالت: ” تي وينه البهيم يا خلفون…خليني نهنيه مسكين اش عانى منك وهزّك على ظهره…؟؟” نظر إليها غاضبا وقال: ” اشبيكم انتو الكل عالبهيم …تهنوه يخي قولولي أنا والا هو النائب؟؟”…نظرت إليه ضاحكا وقلت:” اشنوة خلفون تغير مالبهيم…يخي موش هو السند متاعك وأكبر داعم لحملتك…يخي ما هزكش على ظهره ايامات وليالي…شبيك اليوم باش تنكر فضل البهيم عليك…موش حرام عليك راهو بكمة…؟؟” فرك خليفة ذقنه بيده اليسرى وقال: “صحيح هو اللي عانى معايا وهزني على ظهره…وما ننكرش فضل البهيم واش خصّ لوكان عندنا برشة بهايم كيفو…لكن موش لدرجة تنسوني جملة…راني جيتكم نحب نتفاهم معاكم كيفاش باش نعمل زردة واحتفال وحفل استقبال على شرف هذا الفوز العظيم يا أولاد عمّي..”.

اقتربت من الحاجة وطلبت منها إعداد فطور صباح “قمقوم” للنائب صاحب الحمار فالرجل متعب من سهرة فرز الأصوات ثم توجهت لخليفة وقلت: “تعال رتّح فخّار ربي…ونقعدوا نبرمجوا الحفل وشكون تستدعاله؟؟” جلس خليفة إلى جانبي مرهقا شارد الذهن وكأنه في مكان آخر ليس بيننا …وكأنه يحمل أوزار كل الدنيا…قلت له: “شبيك تخمّم لاباس أمورك فسفس هاك وليت نائب…وتوه عاد باش تاخذلنا كرهبة تطنطن وتولي اجتماعات وسفرات للعاصمة ولقاءات مع المسهولين الكبار…” ضحك وقال: “لا…كرهبة لا…بهيمي هو نصف ديني …هو اللي هزني وقت اللي ركايبي فرغوا …بهيمي عشيري ما نبدلاش بخردة حديد لوكان يعطوني مال الدنيا…” ضحكت وتمتمت خوفا من أن يسمعني النائب صاحب الحمار “وعلاه انت اش تسوى من غير البهيم…يا بهيم..” نظر إلي خليفة وقال ” اش اتمتم…بربي؟؟” قلت: ” لا لا لا شيء …”.

جاءت الحاجة بفطور الصباح فنظرت إليها قائلا: “ما تنسيش فطور البهيم يا حاجة؟؟” أجابتني: “اشنوة حتى هو قهوة وحليب زادة…؟؟” قلت: لا لا لكن شوية ڨرط هوكه شريت على ما يواتي بالة ڨرط محطوطة وراء الڨاراج مساهمة مني ودعم استراتيجي ولوجستي لخلفون…وصُبيلَه شوية ماء راهو عطشان مسكين اش عانى من بلاء”…أنهى خليفة فطور صباحه النيابي فبالأمس كان خليفة مولى البهيم واليوم أصبح النائب صاحب الحمار…ونظر إلي وقال: “اعطيني فكرة على البرنامج ولد عمّي تعرفني جهلوت ما فاهم حتى كعبة ولوكان موش البهيم هزّ معايا ثقل الحملة كاملة راني توّه نجر في أذيال الخيبة…”.

فكرت قليلا وقلت: “اسمعني جيدّا…أولا يلزمك تكتب كلمة ترحيبية بالحضور باهي…وتنادي العمدة يحضر وكان لزم المعتمد…باهي…(كان خليفة يهزّ راسه كلما سمع كلمة باهي …فيعيدها محركا رأسه خلفا وأماما…ويضيف: حاضر..)…ثانيا يلزمنا نعرفوا قداه من واحد صوتوا في الدشرة الكل…باهي…ونعرفوا نسبتهم من عدد الناخبين …ويلزمنا نعرفوا اشكون صوتولك انت والبهيم بالذات…باهي”…هنا قاطعني خليفة في حالة غضب وقال: “اشنوة صوتولي انا والبهيم.. بصراحة كثرتولها ولد عمّي…أنا المترشح راهو…والبهيم مساند رسمي وداعم…وعضدي الأيمن…اكهو…” نظرت إليه وقلـت: “يا خليفة بربي قلّي موش الناس الكل في الشارع وعندهم مدّة يقولوا شوفوا النائب خليفة والبهيم متاعه يخي انتو قاسمين…انت وليت معروف ببهيمك…نهار اللي يشوفوك وحدك باش يسالوك عالبهيم وينه…ونهار اللي يشوفوا البهيم وحده ما نتصورش باش يسألوه عليك…خاطر هو ولى اشهر منّك بصراحة…باهي…وخليني نكمل البرنامج حسب وجهة نظري باهي..”

نظر إليّ خليفة وقال: “باهي ولد عمّي كمّل …كملّ…” وهنا تدخلت الحاجة لتقول: ” يا خلفون خلّي ولد عمّك يكمّل راهو طيارة في تنظيم الاستقبالات وحفلات التوسيم والانْتِخَيْبَات…” ضحكت وقلت للحاجة “انتخابات…انتخابات يا حاجة موش انتِخَيْبَاتْ…باهي” حركت رأسها كالنائب وقالت: أوكي…وضحكت… نظرت مرّة أخرى إلى النائب صاحب الحمار وقلت “نسألك وتجاوبني أوكي خلفون..” قال نعم …

قلت: كم عدد الناخبين المسجلين الكلّ في الدشرة حسب ما أعلموكم هناك في مركز الفرز؟

خليفة: 112 ناخب…البقية ثمة اللي ماتوا وثمة اللي حرقوا العام اللي فات وثمة اللي ما حبوش يسجلوا…

أضفت: كم صوّتوا ؟؟

خليفة: 10 صوّتوا…والبقية ثمّة اللي ما فيبالهمش…وثمة اللي ممتنعين…وثمّة اللي نسوا…

قلت: كم صوّتوا لك وللبقيّة…

خليفة: 8 صوّتوا لي …علي ولد حفصية…واحمد ولد مغلية…وحمّه ولد العمياء…ومرت عمر ولد الحفيانة…وسعد ولد شوشانة…وأنا صوتت لروحي …وأنت والحاجة…

قلت: كيفاش عرفت اللي هما صوتولك انت؟؟

خليفة: ماني اتفقت معاكم اللي يصوتلي يدخل صبعه للأخر في المحبرة…

قلت: يا مهف… وضحكت وضحكنا معا…

قلـت: هذوما نسموهم “المنعوتون بالصبع”…هوكه صوابعهم فيها الحبار لتوّه باهي…وشكون صوت للكوني وللشعلاء؟؟

خليفة: كل واحد صوّت لروحه…

قلت: اذن موش مشكل حتى هما يجوا في الحفل باهي…باش الناس الكل تتوافق وتتصالح بالمناسبة باهي خلفون…

خليفة: باهي ولد عمّي…والكلمة شكون باش يكتبها؟؟

قلت: انت النائب وانت المعني الأول بكتابة نصّ الكلمة برّه ارتاح شوية وبعد قوم حضر أمور الحفل…واشري اش لازمو الكل…حلو ومشروبات…واعمل عشاء خاص بــ”المنعوتين بالصبع”…أذبح فيه كان تحب علوش والا حتى جدي باهي…

خليفة: بااااااهي ولد عمي اما انت مهف في البرمجة…

قلت: استناني أولا انت اش ناوي حفل استقبل على شرف الكل والا كان على شرف “المنعوتين بالصبع”؟؟

خليفة: لا لا الكل أنا مع المصالحة الشاملة…أما “المنعوتون بالصبع” نقَعْدُوهُمْ في بقعة باهية ومع بعضهم…خاطر ناوي نعطيهم قفيفة فيها حثيويلة صغيرة مللي كتبه ربي…شوية فارينة وسكر وقهوة وروز وزيت زيتونة وزيت الحكومة…ودبيبزة كونوليا جابهملي ولد خوي من سوق ليبيا …باهي…انت فاهمني …تي من كل زوجين اثنين…باهي…

قلت: أيا امالا برّه روّح وبعد طل عليّ نقروا كلمة الترحيب ونصلحهالك وتحفظها من راسك خير مالورقة باهي خلفون…وبالله ما تنساش ترتّح شوية البهيم راهو تاعب مسكين…وحتى هو راهو فرحان بالنتيجة خاصة وهو أكثر واحد تعب عليها…هنا نظر لي خليفة معاتبا بعيونه…وقال اَيَّه بَهْنَاكُمْ…

خرج خليفة مسرعا نحو الحمار وغادر المنزل إلى مقرّ سكناه لإعداد مراسم الحفل وكتابة كلمة الترحيب…فنادتني الحاجة وقالت: “برّه شوف تلقاش هدية باش نهزوها معانا لخلفون راهو نائب محلي محطوط على كريمة…(قاطعتها وقلت: شنوّه…) ثم واصلت الحاجة لتقول…لا لا نفدلك…وبالنسبة للبهيم تو نهزوله شوية من بالة الڨرط اللي جبتها كمساهمة في الحملة الانتخابية لخلفون التحفون…

خرجت مسرعا بعد ان ارتديت معطفا فالطقس بارد بعض الشيء…وقصدت السوق، وأنا في طريقي اعترضني الحاج أحمد ابن خالتي فاحتضنني قائلا: “مبروك على خلفون…وربي يخليله البهيم ..” ضحكت وقلت: “يبارك فيك يا حاج…أما البهيم امشي هنيه وحدك…” ورويت له كيف أن حمار خلفون كان الأكثر حماسا والأكثر دعما لخليفة فلولاه لما نجح خليفة في تجاوز خصومه…

واصلت طريقي وتركت الحاج أحمد صحبة رفقة طيبة من أهالي الدشرة …وكنت كلما اقتربت من مجموعة في مقهى أو في الشارع يتحدثون …أقول كلما اقتربت من مجموعة أسمعهم يتحدثون عن “بهيم النائب” وفطنته ورؤيته السياسية ونجاحه في لمّ شمل سكان الدشرة…اقتربت من بعضهم وسألتهم ما الأمر يا جماعة فقال أحدهم: “هاتفنا منذ قليل السيد النائب خليفة ودعانا إلى حفل استقبال الليلة ولم يستثن أحدا من أهالي وسكان الدشرة حتى أولئك الذين لم ينتخبوه ولم يذهبوا لمكتب الاقتراع…وسنذهب جميعنا صراحة إلى منزل السيّد النائب وكلنا شوق لرؤيته ورؤية الحمار الذي أوصله إلى نيابتنا في المجلس المحلّي…وعلينا جميعا أن نفاخر بما أتاه هذا الحمار وصبره خلال شهر كامل من الحملة الانتخابية، كيف لا ونحن عشنا معه كامل مدّة الحملة ورأيناه يجوب الدشرة طولا وعرضا دون أن يشتكي مما يحمله على ظهره ودون ان يطالب بأجر أو بامتيازات كبيرة…هذا ما يمكن اعتباره صراحة نضالا…فحمار النائب ناضل من أجل إيصال صاحبه إلى المجلس المحلّي وقد يناضل من أجل إيصاله إلى مراتب اكبر وأعلى …فنعم الحمار هذا…إنه البهيم الوطني الذي وجب أن نفاخر به”

نظرت إليه وقلت: أنا الآن هنا لأشتري هدية صغيرة للحمار أو للبهيم كما نسميه…وهدية أخرى لصاحب الحمار نائبنا العزيز خلفون التحفون…واخترت أن تكون الهدية ربطة عنق ما رأيكم؟؟” نظر إلي جميع من بساحة السوق وقالوا “نحن أيضا سنفعل مثلك يا ابن عم صاحب الحمار…” قلت متمتما…”حتى أنا وصلني اللقب واصبح يتذيّل اسمي…يا لبخت هذا البهيم وصاحبه..” فكّرت في ما يمكن أن أهديه آخر لخليفة فقلت لا شيء يحتاجه اليوم غير ربطة عنق جميلة من مغازة عمّ الجيلاني قشّابية…وكان الأمر كذلك ثم مررت بأحد باعة العلف واشتريت “بالة” ڨرط لبهيمنا المناضل والمساند الرسمي لنائبنا المحلّي…على أن أسدّد ثمنها على قسطين…

عدت إلى المنزل بعد أكثر من ساعتين بالسوق فوجدت النائب في انتظاري وهو يمسك ورقة بيضاء وليست بالبيضاء وكأنه ذلك الورق الذي عند الجزار الخاص بلفّ اللحم…اقتربت منه وقلت: “هل كتبت شيئا للترحيب؟” قال: “لا، صراحة لم أجد الكلمات…” قلت: “هات الورقة سأكتب الكلمة، فقط عليك حفظها…” وكتبت…

إخوتي الحضور…أهالي دشرتنا الكرام…

أتوجّه إليكم أنتم يا من انتخبتموني وأقصدكم أنتم “المنعوتين بالصبع” …أقول أتوجه إليكم وأنتم بقية من جاؤوا ليشرفونني في هذا الحفل الكريم وهم لم يكونوا هناك في مكاتب الاقتراع، بالشكر والثناء على دعمكم ومساندتكم طيلة أيام الحملة الانتخابية…كما لا يفوتني أن أنوّه بدعمكم ومحبتكم لي ولحماري العزيز وسندي الأكبر في هذه المعركة…فلولا مساندتكم لما أمكن لي ولحماري العزيز والمناضل مواصلة مشوار الحملة…فهو الذي كان يسجل في ذاكرته كل المنازل التي زرناها وكان يرفض الذهاب إلى منازل زرناها سابقا…فحماري هو ذاكرتي وذاكرة سكان الدشرة الكرام وهو سندي وملهمي في هذه الرحلة السياسية الشاقة…وهو الذي وجب أن أفاخر بما أتاه وما فعله من أجل أن أكون انا هنا …وبهذه المناسبة أجدّد تمسكي بالشرعية الدولية في ما يخصّ ما يقع الآن في جنوب فلسطين المحتلة…وأندّد بالإبادة التي يتعرّض إليها الشعب الفلسطيني…وأندّد أيضا بالقتل الممنهج للصحفيين…كما لا يفوتني أن أندّد بما تتعرّض له الحيوانات الأليفة وخاصة الحمير من قتل وتهجير في العديد من الأماكن في العالم العربي وبعض الدول الأخرى…أخاطبكم نائبا عنكم في مجلسنا المحلّي الموقّر…

عاشت دشرتنا…عاش سكان دشرتنا

وعاش حماري سندي وأخي في الكفاح…

والسلام عليكم

نظر إلي خليفة وقال: ” لماذا أتيت على ذكر الحمار في الكلمة الترحيبية؟” قلت: “أنا كنت في السوق وسمعتهم يتحدثون بإطناب عن الحمار ونضاله معك لإيصالك حيث انت يا خليفة فذكر الحمار في الكلمة الترحيبية أصبح ضروريا حتى لا تُنعت بناكر الجميل…أليس كذلك؟؟” ضحك صاحب الحمار وقال: “لست ناكرا للجميل…سألقي الكلمة على الحضور بعد حفظها عن ظهر قلب…”

تناولنا طعام الغداء ثم قلت للنائب لنذهب إلى منزلك فمراسم الحفل تبدأ بعد ساعتين، وصلنا إلى منزل النائب المحترم، ربط خليفة حماره بشجرة وراء المنزل بمكان يبعد عنه قرابة العشرين مترا ثم دخلنا المنزل لنعدّ العدة وليحفظ خليفة كلمته الترحيبية ليلقيها على ضيوفه في حفل الاستقبال…

خرجنا أمام المنزل حين حانت ساعة استقبال الضيوف…بدأ “المنعوتون بالصبع” يتوافدون على منزل خليفة…وصلوا جميعهم وأدخلهم السيّد النائب إلى بهو المنزل الذي فرش بأجمل الزرابي يتجاذب معهم أطراف الحديث…ونوّه جميعهم بالحمار ونضالاته وحرصه الشديد على إنجاح صاحبه وإيصاله إلى حيث ترشح، ووصل الأمر بأحدهم إلى اقتراح تمثال تخليدا لموقعة الحمار أمام مغازة عمّ الجيلاني قشّابية لتكون في واجهة الساحة مدخل الدشرة ولتكون شاهدا على العصر وعلى “التوافق” والتعايش اللذين تعيشهما دشرتنا…فجأة سمعنا تصفيقا حارا لا أحد منّا يعلم مصدره…قلت للحاجة “بره شوف منين هالحس ووين التصفيق هذا…”

أسرعت الحاجة وراء منزل خليفة لتجد حشدا من أكثر من مائة شخص من نساء ورجال الدشرة حول حمار النائب يصفقون ويتغنون بنضالاته…عادت الحاجة إلينا وهي في حالة من الذهول وقالت “يريدونكم هناك حول الحمار …يريدون الاحتفال هناك…” التفتّ إلى خليفة وقلت…تعال إلى حيث الحمار ألم أقل لك إن الحمار هو الذي أدار رقاب كل سكان الدشرة…ذهبنا إلى حيث ينتظرنا أغلب سكان الدشرة…هناك وجدنا أغلب السكان بهواتفهم النقالة يخلّدون الذكرى في صورة “سلفي” مع الحمار المناضل…ولا أحد منهم فكّر في أخذ صورة مع النائب المحتفى به…نظرت إلى يمين الحمار فرأيت يا لهول ما رأيت، رأيت سورا مبنيا ببالات الڨرط التي أتى بها سكان الدشرة لحمار النائب…وقلت في خاطري: يا بختك يا حمار…

اقتربنا من الحشد الكبير من ضيوف الحمار…عفوا ضيوف النائب… رفع خليفة يده طالبا بعض الهدوء وقال هل تسمحون لي بإلقاء كلمة ترحيبية بهذا الحضور الكريم…وبدأ خلفون في إلقاء كلمته وكان كلما ذكر الحمار صفّق كل من هم هناك وزغردت كل النسوة الحاضرات …ووصل الأمر ببعضهم بالهتاف بالحياة للحمار وصاحب الحمار…وطالب أحدهم الآخر بأن يرفع الحمار على الاعناق…حينها وفي تلك اللحظة وكأني بالحمار يفهم ما يقال حوله نهق نهقتين بأعلى صوته فتفاعل الجمهور معه بالتصفيق والهتاف والتفت إليه مصفقا داعيا له بطول العمر …وأسرع بعض الشباب من الموجودين بين الحضور إلى الحمار ورفعوه على الأعناق وسط تصفيق حار من جميع من جاؤوا لهذا الحفل…

التفتّ يمنة أبحث عن خليفة وجدته حزينا باكيا يتمتم كلاما لم افهمه…مسكته من يده وقلت: “ما بك يا ابن العمّ…شبيك تبكي؟؟” قال: “من جاؤوا لتكريم الحمار أكثر ممن ذهبوا لانتخابي…وفي الأخير رفعوا الحمار على الاعناق وأنا أخطب فيهم…أتريدني ان اصرخ معهم “يعيش الحمار… يعيش الحمار…فمن النائب ومن الحمار هو أم أنا؟؟”…

غادرت منزل النائب أنا والحاجة بعد انتهاء الحفل وبعد أن ودعت ابن عمّي وضيوفه الكرام …في الصباح قصدت السوق باحثا عن بعض احتياجات المنزل ثم قصدت سوق الدواب للسؤال عن ثمن خروف فوجدته…من؟…أي نعم وجدته…ابن عمّي متنكرا في لباس فلاّح عارضا حماره المناضل للبيع…ومعه كمية الڨرط التي غنمها من سكان الدشرة في غزوة الانتخابات المحلية… فصرخت في ابن عمّي قائلا:” تهون عليك العشرة؟؟؟…”…

أكمل القراءة

وهْجُ نار

أتأتون اليوم ما كنتم تنهون بالأمس عنه؟؟

نشرت

في

الإقرار بتزوير الانتخابات في الأردن - سواليف

غريب أمر هذه البلاد وبعض شعب هذه البلاد وخاصة بعض من جعلوا من هذا الفضاء وسيلة لتصفية حساباتهم والانتقام ممن لا يتفقون معهم…

محمد الأطرش
<strong>محمد الأطرش<strong>

فمجرّد ألاّ تكتب مادحا لما يسمونها “ثورة” بمناسبة حلول ذكراها يقذفك بعضهم بأقبح الكلام…دون أن يبدأ حديثه بالسلام…أسأل ألستم أنتم من يشتكي اليوم من اسقاطات ما تعتبرونها ثورة وتبعات كل من جلسوا على كراسي الحكم بعدها…ألستم أنتم اليوم من تنعتون سنواتها بسنوات الخراب؟؟ إذن…ما ذنبي إن لم يكتب قلمي حرفا واحد يمجّد فيه ما يسمونها “ثورة” فكيف تريدون منّي أن اشكر الخراب ومن أتى بالخراب ومن صنع الخراب؟؟ ألم تكتبوا في أوراقكم أن “ثورة” تونس كما تقولون هي من صُنع الغرب وعرّابها تعرفونه وأهدافها تعلمونها…فلم تريدون منّي أن أحتفل بذكرى حلول سنوات الخراب وما أتاه العرّاب؟؟ ألم ترفعوا أصواتكم كثيرا وطويلا منادين بالديمقراطية؟؟ أليست الديمقراطية هي أن يسمح لي بأن أصفق لمن أريد وأمدح من أريد وأن أرفض ما اريد وأختلف مع من أريد وأختار من أريد ليحكمني؟؟ فهل عدتم يا جماعة الديمقراطية عمّا كنتم تصرخون وتطالبون به وتدعون إليه؟؟ وهل أصبحت الديمقراطية عيبا ومن الكبائر وستعاقبون عليها يوم الحشر؟؟

 يا عجبي على نسبة الغباء المرتفعة في رؤوس بعض أغبياء الوطن من الذين يركضون أحيانا على “حافرين” ويصفّقون دون وعي منهم…في تونس بعد حادثة “صاحب البرويطة” إن التحيت سيقولون عنك “نهضاوي”…إن استمعت لمدح الرسول سيقولون إخواني…إن سكرت يقولون عنك ماركسي ملحد…إن شكرت القديم يقولون عنك “زلم” ويهجرونك…إن شتمت القديم سيقول البعض عنك خائن وعميل ومتلون كالحرباء…إن كتبت يوما عن مآثر الماضي سيقولون عنك مستبد وتعشق الجلاد وسياط الجلاّد…إن كتبت سوءا عن منظومات ما بعد من يسمونها “ثورة” سينعتونك بالعمالة لفرنسا وبعض الدول الشقيقة والصديقة…وإن انتقدت رئيس البلاد أو حكومة رئيس البلاد سيصرخون في وجهك ويقولون أنت ضدّ الحكومة وأنت من دعاة إسقاط الحكومة ووجب جلدك إن لزم الأمر، فانتقاد الحكومة ومن يرأس الحكومة ومن يعمل بالحكومة من الذنوب التي لن يغفرها لك الاتباع …

ألم يفعلوا هم ذلك سابقا ولا أحد رفع صوته ليقول لهم ما أنتم “فاعلون”؟؟ اليوم إن التقيت أحد خصومهم وأقصد من يرون أنهم أرفع منك درجة وأقرب منك إلى الصواب وأنهم على حقّ وأنت على باطل…و”باطل يا حمّة باطل”…سيقولون عنك لست منا فأغرب عنّا…إن شكرت أحد من يكرهون سيقولون عنك “مرتزق وبائع لذمته” وربما يتهمونك بالخيانة والتآمر…إن انتقدت أحد من يشيطنون سيقولون عنك كل موبقات الدنيا ولن تسلم من القصص الخيالية…إن انتقدت الاتحاد سيقولون عنك ما لم يقله مالك في الخمر…وإن شكرت الاتحاد سيقولون عنك ما لم يقله مالك في الخمر أيضا…فلن تسلم إن شكرت مما عاناه مالك…ولن تسلم إن انتقدت مما تكبده مالك…هم يتعاملون معك بسياسة “ڨاتلك … ڨاتلك”…وفي تونس أيضا إن شاهدوك كئيبا سيقولون “من عمايله”…وإن شاهدوك ضاحكا سيقولون “يضحك وحده هبل”….وإن شاهدوك تعرج سيقولون “محلاها فيه”…وإن شاهدوك سعيدا سيقولون “الأكيد تحيّل على احدهم”….في تونس لن تسلم من ألسنتهم أبدا حتى وأنت تحت التراب…

في تونس اليوم إن تأففت من عدم توفر السكر سيقولون عنك معارض ووجب ردعك…وإن تألمت لغياب الحليب سيقولون عنك تبحث عن خرابها…وإن قلت أين الزيت يا أصحاب الزيت فسينعتونك بالخائن الذي لا يحب البلاد كما لا يحب البلاد أحد…لذلك لم أعد أستغرب كل الضجيج الذي يقوم به بعض من لم يعوا إلى يومنا هذا ما تعنيه حقّا كلمة “ديمقراطية”…ولن أستغرب حجم الاستهبال والاستحمار والاستغباء الذي يعتري المشهد ….فالاستغباء والاستحمار في أيامنا هذه طغى على كل مفاصل…وتفاصيل الحياة، فظلال بعض من يؤثثون المشهد الاتصالي والتواصلي اليوم أولئك الذين خرجوا علينا رافعين لواء الديمقراطية وهم اليوم يرفضونها…وأولئك الذين خرجوا علينا رافعين لواء الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ويرفضون ما كانوا عليه… ويأتون اليوم مثله ويمنعونك من رفض ما كانوا هم يرفضونه…

هؤلاء ومن معهم وزبانيتهم وبعض من يحسبون على الإعلام والبعض من فصيل “الخرونيكارات” والبعض من رجال الإعلام وغيرهم من الذين يسبحون في فضاءات التواصل، أقول ظلال هؤلاء جميعا أصبحت ظلاًلا طويلة الأذنين… هؤلاء “المستحمرون” في الأرض… “الملهمون” في هتك أعراض الناس حسب الطلب وبعد دراسة الجدوى… سيخلدون في ذاكرة التاريخ “بغالا وحميرا”…فلكل تاريخ بهائمه ولكل مرحلة بغالها… وفي تونسنا العزيزة سجّل لنا التاريخ الكثير منهم…منهم من قضى نحبه ومنهم من لا يزال ينهق…هؤلاء هم رموز الجهل والنهيق النشاز…هؤلاء هم رموز الكذب والخداع…هؤلاء لا ينطقون صدقا…بل ينهقون كذبا…

لأمثال هؤلاء أقول… إن البدلة “المشحوطة” لن تظهر أناقتك بل ستظهر تلك التي يقال عنها “وحدة توزن ووحدة تقرطس” وأقصد المصون “المؤخرة”…وربطة العنق لا تصنع من كل من يلبسها رجلاً …بل قد تصنع حمارا بربطة عنق وسروال يثقبه ذيل يتدلى…وأضيف أنا لست من جيل الأغبياء والمغفلين…أولئك الذين باعوا ملابسهم الداخلية…مقابل كأس نبيذ في خمارة شارع الحريّة او شارع قرطاج…أنا ممن يحبون البلاد كل أيام الأسبوع…وحتى يوم الاحد كما قال شاعرنا رحمه الله “أولاد أحمد”…أنا ممن يحبونها اليوم…وغدا وبعد غد…أنا لست من الذين يتسلقون السلم …نحو الأسفل…أنا من الذين يؤمنون ان تونس قادرة أن تعود تؤنس كما كانت لو فقط نزعنا من صدورنا ما علق بها من أدران الحقد والكراهية…نحن شعب واحد وسنبقى…وإن حاول بعض “الذرّي” الإيقاع بيننا وبين بعضنا…بنشرهم لثقافة الحقد والفتنة…تعالوا نعِشْ معا…ونختلف معا…في وطن واحد يجمعنا في الخير وللخير معا… تعالوا ففي اختلافنا حاضر أجمل…ومستقبل لأحفادنا أفضل…

فلم كنتم تصرّون على النهي عن شيء…وتأتون اليوم مثله؟؟ أتأتون اليوم ما كنتم تنهون بالأمس عنه؟؟

أكمل القراءة

وهْجُ نار

بلقاسم بوطحش… والديمقراطية… والقضية الفلسطينية…

نشرت

في

أحلام مستحيلة» كاريكاتير بريشة «سحر عيسي»

استضافني أحد الأصدقاء إلى سهرة كروية في أحد مقاهي المدينة لمشاهدة دربي برشلونة وجيرونا، وافقت وأنا المتيّم بالبارسا والعاشق لطريقة لعبها منذ أيام كرويف رحمه الله ورزق أهله وذويه وابنه جوردي وزوجته جميل الصبر والسلوان…والمال الوفير…وكما يعلم الجميع خسرت البارسا وخسرت انا رهاني مع صديقي العاشق للريال…غادرت المقهى في وضع نفسي غير مريح، كيف لا وأنا الذي كان يتمنى اقتراب البارسا من الريال وجيرونا في انتظار الانقضاض على صدارة الترتيب…

محمد الأطرش
<strong>محمد الأطرش<strong>

وأنا أقترب من منزلي في ليلة باردة كبرد صحراء سيبيريا فاجأني بلقاسم بوطحش أحد أصدقاء السوء من الذين يمارسون يوميا لعبة الغياب عن الوعي مع سابقية الاضمار والترصّد، واقسم كعادته حين يحاصرني ان أقبل منه سيجارة ناسفة وأقاسمه الغياب عن الوعي…رفضت…وتمنعت…لكنه وقف منتصبا وهو الذي لا يقوى على الوقوف واقسم برأس غالية بنت أحمد …قلت “ومن تكون غالية هذه يا ابن الحرام؟” قال: “صديقتي في غيبتي عن الوعي البارحة…” ضحكت وقلت صديقة في الحلم يا لغرابتك يا ابن الحرام…لا أستغرب إن قلت لي يوما أنك وغالية تزوجتما وأنجبتما أبناء افتراضيين في الحلال …تنازلت عن رفضي أخذا بخاطر غالية بنت أحمد واحتضنت شفتاي سيجارته الملغومة المحشوة سُمّا لا أعرف اين سيأخذني هذه المرّة…ونطقت بالشهادتين فقد أتجاوز مجرّد الغياب عن الوعي إلى حيث لا يمكن العودة قبل يوم الحشر…

لم تدم فترة الانتظار طويلا حتى غبت عن الوعي ودخلت عالما آخر…وفجأة ودون تخطيط مسبق أجد نفسي مع حشد بعشرات الآلاف في ساحة القصبة نصفّق ونصرخ بأعلى اصواتنا “الله واحد الله واحد حكومتنا ما كيفها حدّ”… نظرت يمنة ويسرة وأسفل واعلى والتفتّ خلفي…حشد رهيب لم أر مثله في حياتي قط… سألت أحدهم وكان مرفوعا على الأعناق من قبل شابين يصرخان عاليا كالجميع…ويرددان في تناسق كبير وتام وبنغمة جميلة ورائعة “الله واحد الله واحد…” أقول سألت أحدهم وكان مرفوعا على الأعناق “ما الذي يحدث …أش ثمّة صاحبي”…التفت إلي ضاحكا وقال: “ألم تسمع بما قاله رئيس الحكومة؟ ألم تبلغك قرارات الدولة؟؟” قلت “لا، وماذا قررت الحكومة ونحن في ساحتها؟؟”

نظر في اتجاهي نظرة استغراب وقال: ” وين عايش انت…قررت الحكومة تشغيل 666 ألف عاطل عن العمل… والتعويض لعائلات كل من ماتوا دون أن يشتغلوا يوما واحدا وهم من أصحاب الشهائد” وماذا أيضا؟ قال: ” تمتيع كل سكان البلاد بالتغطية الاجتماعية وتمكين أصحاب الأمراض المزمنة من العلاج مجانا في كل المؤسسات الصحية حتى الخاصة منها…” لم أتمالك نفسي وانطلقت في نوبة تصفيق وصراخ بأعلى صوتي في تناسق تام مع من هم حولي “الله واحد الله واحد…اش اسمه ما كيفو حدّ…الخ…الخ…” ثم نظرت إلى صديقي سائلا:” هو اش اسمه سيدنا رئيس الحكومة…” أجابني “تي بره هكاكه بره هكاكه…من غير ذكر الأسماء…”

 ثم واصلت وقلت: “وماذا آخر يا صديقي؟؟؟” قال: “الزيادة في الأجور بنسبة أكثر من 66 في المائة من قيمة الأجور الحالية…ورفع قيمة منحة الإنتاج إلى أكثر من ستة آلاف دينار لكل الشغالين في جميع القطاعات…” نظرت إليه مستغربا…وقلت: “هاهي جنّة …يا دين الزكش…” فقال ” لا لا انتظر البقية…قرض لكل عائلة دون فوائض لشراء سيارة بـــ 9 خيول ونصف يقع تسديده على عشرات السنين…” كاد الخبر يغيبني عن الوعي وقلت “تسعة خيول ونصف يا دين الزكش…معناها تسعة خيول وبهيّم صغير…وزززززز في ساعة نكون في العاصمة…

وماذا آخر يا صاحبي؟؟؟” فنظر إلي صديقه الذي يحمله على الأعناق وقال: “تمكين كل من لا يملك مسكنا من منزل بثلاث غرف وقاعة جلوس يدفع ثمنه على 66 سنة وإن مات يدفع ورثته ما تبقى من المبلغ …” قلت: “رائع وجميل وهل تقع مساعدة من يريدون اكمال نصف دينهم؟؟” قال: “نعم طبعا ستتكفل الدولة بكل مصاريف الزواج…وتتكفل في ما بعد بمصاريف ولادة الأبناء وختان الذكور منهم ودراستهم حتى تخرجهم من الجامعة مع إمكانية ارسالهم إلى دولة أوروبية لمواصلة الدراسة لمن يتفوقون في الامتحانات النهائية…”

وهنا سألته: ” هل وفرت الحكومة الزيت…والحليب والفارينة والسكر والخبز…وهل جمدّت الأسعار ؟؟” أجاب: ” اللي فاتك اغرب…عملت برنامج القفّة العائلية توزعها شركة حكومية على كل سكان البلاد مرتين في الأسبوع…وتكون مليئة بالخضر والغلال وكل ما تحتاجه العائلة لثلاثة أيام ومجانا…” نظرت إليه وأنا أكاد أفقد عقلي مما اسمعه عن قرارات الحكومة أطال الله عمرها وملأ خزائنها تفاحا ومالا وخضروات وفارينة…أقول نظرت إليه وقلت: “وتوكّل فينا زادة…ملاّ حكومة وملاّ هي… هل أنا أحلم أم هي الحقيقة يا صديقي؟؟؟ بالله عليك أجبني واصدقني القول؟؟؟” قال: “أتكذبني يا هذا؟؟” قلت: “حاشى أن افعل ذلك…فقط أنا مستغرب من كل هذا الذي يقع في البلاد؟؟؟” قال لي وهو يبتسم: “انتظر لتسمع بقية القرارات والإجراءات…” قلت: “وماذا أيضا؟؟؟” قال:” إطلاق سراح كل المساجين دون استثناء وإفراغ كل السجون في كامل أنحاء الجمهورية باستثناء المحكومين في جرائم قتل…”

جلست أرضا من هول حجم ما سمعت وقلت: “ماذا…حتى الكوني ولد الحولاء مرت خليفة الاعوج اللي عطى طريحة لعمّ الرتيمي بياع اللاڨمي وغشّه في بيدون قيشم في رمضان اللي فات؟؟؟” قال: “الجميع ما لم يقتلوا أحدا…” قاطعته لأقول” الكوني ڨتل نخلة راهو والنخلة متاع عمّي الصحبي شراها من عمّي الصادق من 66 عام التالي…” وهنا أضاف:” وقد أعلنت الدولة المصالحة الشاملة بين جميع فئات ومكونات المشهد السياسي والاجتماعي وبدء مرحلة جديدة من الديمقراطية الشاملة وإعادة هيكلة المشهد السياسي وتنظيم انتخابات سابقة لأوانها يشارك فيها الجميع دون استثناء…” نظرت إليه وقلت “احلف…براس أمك…”

نظر إلي ورفع يده ليضربني…صارخا تكذّب فيّا يا اش اسمك…” فأسرعت بالاعتذار وقلت: “والله لا يا صاحبي…أما شيء كبير تحكي فيه…تي انا عندي سنين نطالب بالمصالحة الشاملة لأنها المخرج الوحيد والاسلم لما وصلنا اليه من 14 جانفي…وراس أمي وأمك وامهات المسلمين والمسلمات…والمؤمنين والمؤمنات لا نكذّب فيك يا صلاح…” ضحك وقال: ” ما اسميش صلاح يعطك ضربة بمفتاح…ولا تنس قرار الحجّ لكل كبير في العائلة والذي تجاوز عقده السابع على كاهل الدولة والحكومة…”

هنا وقفت وقفزت عاليا…وأنا اصرخ “جو …صبيّح باش يحجّ بعد سنوات الخمر والسلتيا…وعمّ الهادي الراجل الطيب كيف كيف…جو …نكلمهم توّه نبشرهم زعمة والا من بعد …” أضفت وسألته: ” هل تدفن الدولة من يموت من شعبها…؟؟ أجاب: “نعم وتعمل دعوة للجميع لحضور الجنازة حسب قيمة الميت…وتتكفل بمن يقول آمين عند الدعاء” قلت: ” هاهي دولة حلال هذه يا دين الزكش…خليني نكلّم عمّ الهادي وصبيّح على الحجّ مجانا ودون عناء…” نظر إلى صديقي وقال: “خلي من بعد كمّل مسيرة التوحيد…والله واحد الله واحد…حكومتنا ما كيفها حدّ…” نظرت اليه مبتسما ضاحكا في حالة ازبهلال قصوى وقلت: “حكومة ترسلنا إلى مناسك الحج على كاهلها هذه حكومة مسلمة حكومة يجب أن تبقى مدى الحياة…وصرخت … الله واحد عليك يا سيدنا…ويا تاج راسنا…يا زميمنا…الله يطول في عمرك وعمر العائلة…والصغار…وبقية أفراد العائلة …وأنسابك زادة كان لزم طبعا يا سيدنا…”…

استرجعت بعض الأنفاس بعد ساعة كاملة من الصراخ والتوحيد…ونظرت إلى صاحبي وقلت: “تنجمش تقلي منين جابت حكومتنا ودولتنا الفلوس هذه الكلّ يا خوي الغالي…؟؟” وضع يده اليمنى على كتفي وقال:” اسمعني مليح يا صاحبي…بعد اللي صار في غزّة فيبالك بالقمّة العربية…أكيد…العرب ومن تحالف معهم قرروا قرارات ثورية وقرروا مهاجمة إسرائيل …الأردن من الجهة الشرقية بمساعدة العراق وايران ودعم جوي من الباكستان…وسوريا مدعومة بحزب الله والجيش اللبناني من الشمال…والسعودية ومصر وبقية الدول العربية من الجنوب والبحر غربا…ايران استهدفت المستوطنات بصواريخ بعيدة المدى…مع دخول الاستشهاديين من جنوب لبنان ومن هضبة الجولان…المغرب أغلقت مضيق جبل طارق بــ”الياجور” واليمن أغلقت كل مداخل خليج عدن بالالغام بمساعدة دجيبوتي والاسطول السادس السوداني…ثم اخترقت الجيوش العربية كل الخنادق وحقول الألغام التي زرعتها إسرائيل وحاصروا كل المدن الكبرى وصولا إلى العاصمة تل ابيب…

طالبت الولايات المتحدة بوقف اطلاق النار ودعت إلى التهدئة وعقد جلسة في مجلس الأمن لدراسة تدهور الوضع في الشرق الأوسط…وطالبت بعدم قصف المدنيين والالتزام بمعاهدات جينيف وحقوق الانسان…وطالبت بفتح المعابر لإدخال المساعدات الغذائية والأدوية للـ “شعب” الإسرائيلي…كما طالبت بإطلاق سراح طاقم السفينة الإيريترية التي احتجزته قوات اليمن الحوثي الموحّد وجيش الصومال الشعبي بعد اكتشاف شحنة من الذخيرة موجهة إلى القوات الاسرائيلية…رفضت الدول العربية التهدئة وقالت لا للتسوية…وتقدمت نحو القدس مع دعم جوي من القوات المصرية والسعودية والاماراتية وقصف مدفعي وصاروخي متواصل لكل مطارات إسرائيل من الجانب الإيراني على مدى شهر ونصف الشهر…تمّ على إثره القبض على أغلب القيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية… وتمّ اعلان وقف الحرب بعد استعادة كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة…”

 استمعت الى صاحبي وأنا مشدوه وفي حالة غريبة لم أحرك جفنا…ولم أغيّر نسق تنفسي مرّة واحدة، هي فقط دقات قلبي التي أصبحت اسرع كثيرا مما كانت عليه وأسرع من سيارة التسعة خيول التي ستوفرها الحكومة للشعب ونظرت إلى صاحبي وقلت: وأنا أتمتم “بالياجور؟ أبَيْ…احلف…” كنت على يقين ان “الكفّ” سيأتيني وسيحيلني إلى حالة أخرى من اللاوعي…وكان الامر كذلك، قصفني صديقي الذي لا أعرفه بــ”شلبوق” عنقودي قاصم فجّر خدّي الأيمن واسقطني أرضا… استفقت من الغيبوبة والسقطة واعتذرت من صديقي الذي لا اعرفه…نظرت إلى صاحبي وسألته: لم تقل لي من اين جاءت الحكومة بكل هذا المال الذي تغدقه علينا…؟؟ ضحك وقال: “هو كغنيمة حرب حكومتنا أطال الله مقامها هناك حيث هي كان دورها سياسيا في هذه الحرب فكان التخطيط الديبلوماسي من حكومتنا ومفاوضات مجلس الأمن أيضا…بفضل ذكاء كفاءاتنا وخبرتهم في معالجة القضايا والنزاعات الإقليمية” واضفت: “وليبيا والجزائر وبقية الدول ماذا كان دورهم في هذه الحرب؟؟؟” قال: “ليبيا والجزائر كانتا هما جيش الاحتياط والإمدادات بالمحروقات…أما الكويت وعمان والبحرين فكان دورهما لوجستيا (كسكروتات) و(كراب) و(بيتزا) للجنود العرب”…وهنا سألته: “ويعملوا مقلوب وملاوي زعمة…؟؟؟” ضحك وواصل حديثه: “وقطر كان دورها إعلاميا وكلفت (الجزيرة) بإيهام العالم بما ليس موجودا…”..

في تلك اللحظة مرّ بجانبي تاجر متجوّل يجرّ عربته ويبيع موزا سألته “بكم الصبع يا حاج؟؟” قال الموزة بــ100 مليم يا كبدي…” صعقت من إجابته وقلت: “بمائة مليم …يا دين …درا شنوة…هات عشرة يا بوقلب…وبربي منين الموز هذا؟؟ ” أجاب “هذا من الشيلي …تشري والا لا خوي؟؟” قلت: “طبعا هات خلي نتذكروا بينوشيه صديقنا الله يرحمه وينعمه ويبارك فيه…حتى الموز عندهم بلاش غادي…” حين عرفت ثمن الموزة تأكدت من صدق كل ما قاله لي الصديق الغريب الذي “شلبقني” بضربة لن أنساها…وعرفت أن حكومتنا حكومة حلال أطال الله عمرها…”

التفتّ إلى حيث محطة الحافلات وبدأت أدندن أغنية “حكومتنا تشبه القمر..انشاء الله بطول العمر…حكومتننننننننا…” وفي تلك اللحظة شعرت وكأن راسي ينفجر من شدّة ارتطام جسم صلب بمؤخرته…وسمعت صوت زوجتي وهي تسألني “حكومتنا تشبه القمر…علاه عندك حكومة أخرى غيري…يا اش اسمك..؟؟؟” رفعت رأسي نحوها وقلت “أين أنا؟؟؟ شبيك يا حكومة يا قمقومة ودمدومة”…( زوجتي اسميها كأغلب أبناء هذا الشعب “الحكومة”…وذلك بسبب استحالة تغييرها مهما أخطأت وتقاعست في خدمة الشعب والشعب هو أنا وبقية العائلة)…قالت:” اشبيك راقد في العتبة وتغني حكومتنا….موش وصيتك البارح تعمل دورة كبيرة تلقاش سكر والا فارينة والا زيت والا قهوة توه عندي جمعة ما دخلوش الدار…يخي وين مشيت تتطلفح حتى الصبح؟؟؟”

نظرت إليها ورأسي يكاد ينفجر من الارتطام…ورويت لها كل الحكاية…فأطلقت عقيرتها بالدعاء “برّه الله يهلكك يا بلقاسم يا بوطحش…حررت فلسطين…وعملت مصالحة شاملة…وأوهمتنا بالديمقراطية…الله يهلكك…” نظرت إليها وانا أتوجع من الارتطام…وقلت “آمين…آمين…يا حكومتي …”…فأضافت “ادخل نصبلك شوية سبيريتو على هاك الكردوغة خلي تتفشّ…” حينها عرفت حجم الكارثة …واثار العدوان…يا حليلي نا…كردوغة…

أكمل القراءة

صن نار