كنت مارا أمام مقهى شعبي حين لفت نظري أحد الأصدقاء من الشباب العاطل جالسا في وضعية المهموم والمحبط…اقتربت من كرسيه وسألته “ما بك يا صديقي؟ ولم كل هذا الإحباط والتفكير؟ لم كل هذا اليأس الذي توحي به جلستك هذه واصفرار وجهك…وكأنك تعاني كل أوجاع الأمة والعالم وأنت في هذه السنّ؟”…
محمد الأطرش
نظر إلي وقال بصوت خافت يؤكّد الوجع الذي يعانيه “امرأتي حامل في شهرها الثاني بعد أكثر من خمس سنوات انتظارا، كنت أمني النفس بطفل يعيش سعيدا معي ويهنأ بهذه الحياة وفي هذه الدنيا وفي هذا البلد، لكن وأنت أدرى منّي بحال البلاد والعباد هل سأكون أبا صالحا لهذا الطفل الذي سيأتي بعد سبعة أشهر؟ هل سأنجح في اسعاده وفي توفير كل ضروريات الحياة الكريمة…لا أظنّ أنني سأكون كذلك ولا أظنّ أنني قادر على اسعاد ابني في هذا الذي تعيشه البلاد يا صديقي” نظرت إليه وقلت: وماذا عساك أن تفعل؟ لا شيء… هل أنت قادر على تغيير قدره والتحكّم في مسار حياته؟ لا أظنّ أنك قادر على ذلك… وهل ستضطرّ إلى إجهاض واسقاط من كنت تنتظره لسنوات خوفا عليه من مستقبل مجهول وخوفا من ألاّ تكون قادرا على اسعاده؟
استغرب قولي وعقب بصوت مرتفع “ومن قال إني أريد قتل ابني قبل ولادته…؟ لا أنا لن أفعل ذلك ابدا ولن أفكّر فيه حتى”…أجبته قائلا ” إذن ما الذي ستفعله لإبعاد كل هذا اليأس والإحباط عن نفسك وضمان حياة كريمة لابنك القادم يا صديقي؟” قال مبتسما “كتبت له رسالة اعلمه فيها بكل ما ينتظره”… “نعم! ماذا قلت رسالة وكيف أرسلتها؟ هل تمزح أم ماذا؟” قال بصوت خافت “لا، لا أمزح، فعلا كتبت رسالة وأوصيت زوجتي بأن تقرأها له كل ليلة قبل نومها؟” ضحكت وقلت “ومن أدراك انه سيستمع لأمه وهي تبلغه رسالتك يا هذا أجننت؟؟” قال مستغربا “ومن أدراك أنه لا يستمع وهو في بطن أمه؟”…
لم أصدّق ما قاله صديقي المحبط اليائس فأضفت “وباية لغة كتبت رسالتك وابنك لا يعرف القراءة ولا الكتابة ولن يفهم ما ستبلغه أمه مما كتبت في رسالتك؟” قال “كتبتها بلهجتنا وبلغتنا حتى يفهمها …أعلم أنه لم يقرا ولم يكتب ولم يسمع قبل رسالتي أية رسالة أخرى لذلك كتبتها بالدارجة “.
نظرت إلى صديقي وقلت “هل لي بنسخة من الرسالة إن سمحت طبعا؟” قال وهو يبحث في جيبه الايسر”طبعا عندي نسخة في جيبي أحتفظ بها ليوم آخر” … أخرج صديقي ورقة أنهكها وجودها في جيبه فتغيّر لونها وغلب عليها الاصفرار وأصبحت كأنها مخطوط من الدولة الفاطمية…أخذت الورقة وفتحتها لأجد عشرات الأسطر مبعثرة وغير منظّمة وكأنها رؤوس أقلام خطاب أحد ساسة هذه الأيام …وبدأت أقرأ ما جاء في رسالة صديقي إلى ابنه الذي لم يولد بعد:
” ولدي الغالي…استنيناك أنا وأمك عندنا سنوات…وتعبنا باش وصلنا للي انت فيه اليوم…مشينا للعزّامات…ومشينا للطُبّة…ودُرْنا بلاد كاملة باش من بعد كتب وحَبْلت بيك أمك طبعا بعد مجهود إضافي من باباك اللي هو أنا…وليدي الغالي…باش نجيك مللخر…راني بطّال مللّي تخرجت…جت هاك مكبوبة السعد الثورة وقفت معاها وخرجت نعيّط ونصيح مع أولاد الحومة ومشينا قدّام الولاية وعيطنا… شغل …حرية …كرامة وطنية…وفي الاخر طلعت كذبة وما صورنا شيء…مات جدّك وأنا بطّال ما عمري شريتله حتى كبوس…وماتت جداك وأنا بطّال ما لقيتش حتى دينار باش نفرحها بحاجة…وليدي باش نجيك مللخر…تو يقولولك انت في وطن غالي وباش يقولولك هاك الكلمة المشهورة حب الوطن من الايمان…ونسوا أن حب الشعب زادة من الايمان …وباش يقولولك انت في وطن حرّ وعندو سيادة وفي خدمة الشعب…ومستحيل تجوع …ومستحيل تحتاج…راهم يكذبوا عليك…ما عندهمش فلوس والازمة “مستفحلة”…كلمة “مستفحلة” تو تفسرهالك أمك وليدي…ما ثمّة شيء وليدي…لا باش يخدموك…لا باش يكبروك…لا باش يوكلوك…لا باش يداووك كي تمرض…هاك تشوف في باباك قريت …قريت …قريت وبعد هاني ملوح نطلب في سيڨارو من عمّك حسن ولد خالي التومي…عارفك ما تعرفهمش وليدي لكن تو تتولد وتعرفهم …
وليدي الغالي …مانيش باش نطوّل عليك …ونعرف أمك باش تقرالك الجواب هذا قبل ما ترقد كل ليلة…لكن هاهو الصحيح…راني بطّال …وما عندي حتى فرنك فوقي…والامراض الكل راكبتني…عندي الحجر في الكلاوي…وعندي شوية سكر…وعندي الدم طالعلي…وعندي دقة زايدة في القلب…وعندي المصرانة الخشينة… وساقي تكسرت وما جبستهاش برات معوجة…والحوانتي يسالني…والفحّام يسالني…والدخاخني يسالني…والطبيب يسالني…والفرملي اللي يدق في الزريقة لامك كي حبلت بيك يسالني…والصيدلية تسالني…والتاكسيسيت يسالني…والجزار يسالني عندو عامين…والحجام يسالني…وعمك سعيد يسالني…وعمك الكوني يسالني…وفتحي بوطحش يسالني…وعلي الأعور يسالني…وحمادي باتينده يسالني…وعمر كرفة يسالني…ومولى الدار يسالني كراء ثلاث سنين…وخالتك تسالني…وحتى صندوق النكد الدولي يسالني ما دام يسال الدولة…
الوحيد اللي ما يسالنيش مات أول امس، نهار اللي انا قررت باش نمشي نتسلف منه عشرة دينارات باش نخلص بيهم التاكسيست اللي هزّ أمك للسبيطار…وما نخبيش عليك انت ولدي وما عندي علاش نحشم منك…عندي سروال دجين نحُكْ فيه عندو خمس سنين…جابلي خالك سروال من إيطاليا بعته باش داويت أمك…وجابلي عمك الكوني صباط وتريكو من السعودية كي مشى عمل عمرة صرفتهم كي جداك ماتت…وكل ستة شهور نمشي انا وامك للفريب ساعات نروحوا بسروال بزوز دينارات وسورية بالفين… انت والبالة…المهمّ وليدي نحب نعلمك بالوضع اللي عايشوا أنا وأمك وانت دليلك ملك…تحب تجينا مرحبا نقسموا اللي نلقوه…وتحب تتراجع وليدي انت حرّ…
نزيد نعلمك…صعيب باش نخدم قبل عشرة والا عشرين عام اخرين…وقتها نولي معادش قادر باش نخدم…وليدي…نسيت ما قتلكش …راهو الخبز بالصف…والزيت والله لا ريته من عام التالي نقصد زيت الحاكم باقي زيت الزيتونة عندي اربع سنوات ما ذقتوش … اخر مرّة ذقت زيت زيتونة في صحفة بسيسة كليتها عند الحاج خليفة ولد عمي عمّار…أما الفرينة تحضر وتغيب كي الشمس في شتاء الدانمارك…ما تعرفهاش الدانمارك تو تعرفها نهار آخر كان كتب… والأكيد في بالك بالحرب بين روسيا وأوكرانيا هي اللي خلت الفارينة موش متوفرة؟ …وهاهم قالوا اللي راسبوتين …لا…لا بوتين موش راس بوتين…وعد باش يعطينا برشة طرانط قمح وشعير صدقة…وان شاء الله صدقة بالغة ويلقاه في صغاره ان شاء الله…والسكر وليدي ساعات ندبّر كيلو نقسْطه على شهر وانا بطبيعتي عندي السكر نشرب القهوة مرة تولي حلوة في كرشي …
الحاصيلوا الأمور متأزمة…ما نتصورش اني نلقالك نهار آخر الحليب كان طلعت أمك ما عندهاش حليب…وليدي مللخر…كانك قابل باش تعيش معانا الازمة اللي عايشينها مرحبا بيك…وكانك وليدي تسخايلها جنة وباش تتفرهد نقلك الله غالب كذبوا عليك…ننصحك باش تقنع امك باش تحرق بيك وتولدك في فرانسا عندها زيتونتين وقطعة ارض مع اخواتها تنجم تبيعهم وتدبّر حرقة وبعد نخلط أنا…وغادي نتهنى عليك…وحقّ ربي كيف ما حكيتلك…وهوكه أمك اسألها نهار آخر اش نعاني وقداش تعبت…
نسيت وليدي راهو الانترنات ما عندناش في الدار…وما عندناش باش نشرولك بلاي ستايشن نهار آخر…وانت دليلك ملك يا غالي…ما تقولش نهار آخر بابا عداها عليّ وكذب عليّ كيف جماعة الثورة وكيف الحكومات الكل اللي جات بعد الثورة…نبوسك ولدي وسلملي على…تي لا ما تسلملي على حدّ …ايّا ربّي يوصلك بالسالم…وليدي”…
أوجعتني الرسالة …وخرجت مسرعا من المقهى …بعد أكثر من شهرين علمت أن زوجة صديقي سقطت من على ظهر حمار أحد اخوتها عند زيارتها له في أحد ارياف البلاد للحديث عن بيع قطعة الأرض والزيتونتين… ولم ينج الجنين فمات قبل أن يولد…ولا أحد يعلم هل بلغته رسالة والده أم لا…
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟