تابعنا على

جور نار

رسالة إلى جنين في بطن أمه…

نشرت

في

Lettre De Dessin Animé En Poste Clip Art Libres De Droits Svg Vecteurs Et Illustration Image 32208637

كنت مارا أمام مقهى شعبي حين لفت نظري أحد الأصدقاء من الشباب العاطل جالسا في وضعية المهموم والمحبط…اقتربت من كرسيه وسألته “ما بك يا صديقي؟ ولم كل هذا الإحباط والتفكير؟ لم كل هذا اليأس الذي توحي به جلستك هذه واصفرار وجهك…وكأنك تعاني كل أوجاع الأمة والعالم وأنت في هذه السنّ؟”…

محمد الأطرش
<strong>محمد الأطرش<strong>

 نظر إلي وقال بصوت خافت يؤكّد الوجع الذي يعانيه “امرأتي حامل في شهرها الثاني بعد أكثر من خمس سنوات انتظارا، كنت أمني النفس بطفل يعيش سعيدا معي ويهنأ بهذه الحياة وفي هذه الدنيا وفي هذا البلد، لكن وأنت أدرى منّي بحال البلاد والعباد هل سأكون أبا صالحا لهذا الطفل الذي سيأتي بعد سبعة أشهر؟ هل سأنجح في اسعاده وفي توفير كل ضروريات الحياة الكريمة…لا أظنّ أنني سأكون كذلك ولا أظنّ أنني قادر على اسعاد ابني في هذا الذي تعيشه البلاد يا صديقي” نظرت إليه وقلت: وماذا عساك أن تفعل؟ لا شيء… هل أنت قادر على تغيير قدره والتحكّم في مسار حياته؟ لا أظنّ أنك قادر على ذلك… وهل ستضطرّ إلى إجهاض واسقاط من كنت تنتظره لسنوات خوفا عليه من مستقبل مجهول وخوفا من ألاّ تكون قادرا على اسعاده؟

استغرب قولي وعقب بصوت مرتفع “ومن قال إني أريد قتل ابني قبل ولادته…؟ لا أنا لن أفعل ذلك ابدا ولن أفكّر فيه حتى”…أجبته قائلا ” إذن ما الذي ستفعله لإبعاد كل هذا اليأس والإحباط عن نفسك وضمان حياة كريمة لابنك القادم يا صديقي؟” قال مبتسما “كتبت له رسالة اعلمه فيها بكل ما ينتظره”… “نعم! ماذا قلت رسالة وكيف أرسلتها؟ هل تمزح أم ماذا؟” قال بصوت خافت “لا، لا أمزح، فعلا كتبت رسالة وأوصيت زوجتي بأن تقرأها له كل ليلة قبل نومها؟” ضحكت وقلت “ومن أدراك انه سيستمع لأمه وهي تبلغه رسالتك يا هذا أجننت؟؟” قال مستغربا “ومن أدراك أنه لا يستمع وهو في بطن أمه؟”…

لم أصدّق ما قاله صديقي المحبط اليائس فأضفت “وباية لغة كتبت رسالتك وابنك لا يعرف القراءة ولا الكتابة ولن يفهم ما ستبلغه أمه مما كتبت في رسالتك؟” قال “كتبتها بلهجتنا وبلغتنا حتى يفهمها …أعلم أنه لم يقرا ولم يكتب ولم يسمع قبل رسالتي أية رسالة أخرى لذلك كتبتها بالدارجة “.

نظرت إلى صديقي وقلت “هل لي بنسخة من الرسالة إن سمحت طبعا؟” قال وهو يبحث في جيبه الايسر”طبعا عندي نسخة في جيبي أحتفظ بها ليوم آخر” … أخرج صديقي ورقة أنهكها وجودها في جيبه فتغيّر لونها وغلب عليها الاصفرار وأصبحت كأنها مخطوط من الدولة الفاطمية…أخذت الورقة وفتحتها لأجد عشرات الأسطر مبعثرة وغير منظّمة وكأنها رؤوس أقلام خطاب أحد ساسة هذه الأيام …وبدأت أقرأ ما جاء في رسالة صديقي إلى ابنه الذي لم يولد بعد:

” ولدي الغالي…استنيناك أنا وأمك عندنا سنوات…وتعبنا باش وصلنا للي انت فيه اليوم…مشينا للعزّامات…ومشينا للطُبّة…ودُرْنا بلاد كاملة باش من بعد كتب وحَبْلت بيك أمك طبعا بعد مجهود إضافي من باباك اللي هو أنا…وليدي الغالي…باش نجيك مللخر…راني بطّال مللّي تخرجت…جت هاك مكبوبة السعد الثورة وقفت معاها وخرجت نعيّط ونصيح مع أولاد الحومة ومشينا قدّام الولاية وعيطنا… شغل …حرية …كرامة وطنية…وفي الاخر طلعت كذبة وما صورنا شيء…مات جدّك وأنا بطّال ما عمري شريتله حتى كبوس…وماتت جداك وأنا بطّال ما لقيتش حتى دينار باش نفرحها بحاجة…وليدي باش نجيك مللخر…تو يقولولك انت في وطن غالي وباش يقولولك هاك الكلمة المشهورة حب الوطن من الايمان…ونسوا أن حب الشعب زادة من الايمان …وباش يقولولك انت في وطن حرّ وعندو سيادة وفي خدمة الشعب…ومستحيل تجوع …ومستحيل تحتاج…راهم يكذبوا عليك…ما عندهمش فلوس والازمة “مستفحلة”…كلمة “مستفحلة” تو تفسرهالك أمك وليدي…ما ثمّة شيء وليدي…لا باش يخدموك…لا باش يكبروك…لا باش يوكلوك…لا باش يداووك كي تمرض…هاك تشوف في باباك قريت …قريت …قريت وبعد هاني ملوح نطلب في سيڨارو من عمّك حسن ولد خالي التومي…عارفك ما تعرفهمش وليدي لكن تو تتولد وتعرفهم …

وليدي الغالي …مانيش باش نطوّل عليك …ونعرف أمك باش تقرالك الجواب هذا قبل ما ترقد كل ليلة…لكن هاهو الصحيح…راني بطّال …وما عندي حتى فرنك فوقي…والامراض الكل راكبتني…عندي الحجر في الكلاوي…وعندي شوية سكر…وعندي الدم طالعلي…وعندي دقة زايدة في القلب…وعندي المصرانة الخشينة… وساقي تكسرت وما جبستهاش برات معوجة…والحوانتي يسالني…والفحّام يسالني…والدخاخني يسالني…والطبيب يسالني…والفرملي اللي يدق في الزريقة لامك كي حبلت بيك يسالني…والصيدلية تسالني…والتاكسيسيت يسالني…والجزار يسالني عندو عامين…والحجام يسالني…وعمك سعيد يسالني…وعمك الكوني يسالني…وفتحي بوطحش يسالني…وعلي الأعور يسالني…وحمادي باتينده يسالني…وعمر كرفة يسالني…ومولى الدار يسالني كراء ثلاث سنين…وخالتك تسالني…وحتى صندوق النكد الدولي يسالني ما دام يسال الدولة…

الوحيد اللي ما يسالنيش مات أول امس، نهار اللي انا قررت باش نمشي نتسلف منه عشرة دينارات باش نخلص بيهم التاكسيست اللي هزّ أمك للسبيطار…وما نخبيش عليك انت ولدي وما عندي علاش نحشم منك…عندي سروال دجين نحُكْ فيه عندو خمس سنين…جابلي خالك سروال من إيطاليا بعته باش داويت أمك…وجابلي عمك الكوني صباط وتريكو من السعودية كي مشى عمل عمرة صرفتهم كي جداك ماتت…وكل ستة شهور نمشي انا وامك للفريب ساعات نروحوا بسروال بزوز دينارات وسورية بالفين… انت والبالة…المهمّ وليدي نحب نعلمك بالوضع اللي عايشوا أنا وأمك وانت دليلك ملك…تحب تجينا مرحبا نقسموا اللي نلقوه…وتحب تتراجع وليدي انت حرّ…

نزيد نعلمك…صعيب باش نخدم قبل عشرة والا عشرين عام اخرين…وقتها نولي معادش قادر باش نخدم…وليدي…نسيت ما قتلكش …راهو الخبز بالصف…والزيت والله لا ريته من عام التالي نقصد زيت الحاكم باقي زيت الزيتونة عندي اربع سنوات ما ذقتوش … اخر مرّة ذقت زيت زيتونة في صحفة بسيسة كليتها عند الحاج خليفة ولد عمي عمّار…أما الفرينة تحضر وتغيب كي الشمس في شتاء  الدانمارك…ما تعرفهاش الدانمارك تو تعرفها نهار آخر كان كتب… والأكيد في بالك بالحرب بين روسيا وأوكرانيا هي اللي خلت الفارينة موش متوفرة؟ …وهاهم قالوا اللي راسبوتين …لا…لا بوتين موش راس بوتين…وعد باش يعطينا برشة طرانط قمح وشعير صدقة…وان شاء الله صدقة بالغة ويلقاه في صغاره ان شاء الله…والسكر وليدي ساعات ندبّر كيلو نقسْطه على شهر وانا بطبيعتي عندي السكر نشرب القهوة مرة تولي حلوة في كرشي …

الحاصيلوا الأمور متأزمة…ما نتصورش اني نلقالك نهار آخر الحليب كان طلعت أمك ما عندهاش حليب…وليدي مللخر…كانك قابل باش تعيش معانا الازمة اللي عايشينها مرحبا بيك…وكانك وليدي تسخايلها جنة وباش تتفرهد نقلك الله غالب كذبوا عليك…ننصحك باش تقنع امك باش تحرق بيك وتولدك في فرانسا عندها زيتونتين وقطعة ارض مع اخواتها تنجم تبيعهم وتدبّر حرقة وبعد نخلط أنا…وغادي نتهنى عليك…وحقّ ربي كيف ما حكيتلك…وهوكه أمك اسألها نهار آخر اش نعاني وقداش تعبت…

نسيت وليدي راهو الانترنات ما عندناش في الدار…وما عندناش باش نشرولك بلاي ستايشن نهار آخر…وانت دليلك ملك يا غالي…ما تقولش نهار آخر بابا عداها عليّ وكذب عليّ كيف جماعة الثورة وكيف الحكومات الكل اللي جات بعد الثورة…نبوسك ولدي وسلملي على…تي لا ما تسلملي على حدّ …ايّا ربّي يوصلك بالسالم…وليدي”…

أوجعتني الرسالة …وخرجت مسرعا من المقهى …بعد أكثر من شهرين علمت أن زوجة صديقي سقطت من على ظهر حمار أحد اخوتها عند زيارتها له في أحد ارياف البلاد للحديث عن بيع قطعة الأرض والزيتونتين… ولم ينج الجنين فمات قبل أن يولد…ولا أحد يعلم هل بلغته رسالة والده أم لا…

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 115

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…

عبد الكريم قطاطة

عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟

في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…

مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…

تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…

اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…

إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…

قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…

الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟

موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…

قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

لا تخرّبوا سور وسقف الوطن… فنحن غدا من سيدفع الثمن!

نشرت

في

محمد الأطرش:

كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.

تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.

سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.

الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.

هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟

أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…

ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟

يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.

أكمل القراءة

صن نار