المتتبّع للحياة السياسية في تونس يلاحظ إيقاع المفاجآت التي تلي أي حدث أو قرار سياسي و كأنّ المفاجآت أعدّت مسبقا و وضعت في حالة انتظار و تحت الطلب في بنك المفاجآت للاستعمال عند الحاجة. و ما أطلق عليه اسم المفاجآت تجاوزا هو في الأصل “مفاجعات” حملتنا في عدّة مناسبات من الإيقافات الأمنية إلى الاغتيالات السياسية وصولا إلى الرسائل المسمومة.
رضا عزيز
و الغريب أن هذه الألعاب القذرة لم تحقّق إلى الآن أيّا من أهداف أصحابها بل العكس تماما إذ هم لم يجنوا إلا التراجع في الشعبية إن كانت لهم شعبية و ضرب مصداقيتهم إن كانت لهم مصداقية … أما الشيء الثابت الوحيد أن هذه الأفعال ضربت هيبة الدولة و مكانتها بين الدول. هذه الأفعال جمّدت الدولة و همّشتها و جعلت نخبها السياسية تعيش حربا ضروسا مدارها الوحيد هو ضرب الآخر ونفيه و تقزيمه على حساب مشاريع التنمية و التربية و الصحّة و كل قطاعات الحياة التي تعني المواطن في حياته اليومية…
أصبح الجميع يستعملون نفس الأسلوب المتخلّف للقضاء على المنافسين من أجل تحقيق انتصارات وهمية لا نفع من ورائها بل أصبحت كل الأحزاب تستغل وجودها في السلطة للدخول في حملة انتخابية قبل الأوان من أجل الفوز بسلطة هم يملكونها الآن ولم يحقّقوا من خلالها أي شيء. وتناسوا أنّ فاشل اليوم لا يمكن أن ينجح غدا إلا بالعمل والاجتهاد وليس برسالة مسمومة أرسلت مضمونة الوصول إلى هرم السلطة لإيذائه وإدخال البلاد في فوضى عارمة من الشك والخوف وعدم الاستقرار.
سيناريو بدائي متخلّف وضع لضرب مؤسسة الرئاسة وقد نجح في ذلك بالنظر إلى كم التعاليق المستهزئة بقرطاج وساكنها وحماتها ونجح أيضا بمزيد كشف الخلاف القائم بين الرئاسات الثلاث ولا أحد ينكر أن هذا الخلاف الثلاثي من أهم أسباب عجزنا على التقدّم خطوة واحدة إلى الأمام. الرسالة أو البريّة أو الجواب السحري بين شيئا واحدا وهو أن التركيبة المحيطة برئيس الجمهورية في حاجة إلى مراجعة عاجلة وأكيدة حتى نجنّب البلاد مزيدا من المطبّات ..
وإن كنتم عازمين على مواصلة هذه الخزعبلات فعلى الأقل عودوا إلى نصيحتي التي قدّمتها لكم منذ مدّة على نفس هذا الفضاء وهي أن تعجّلوا بانتداب سيناريست محترف على الأقل ينتج لكم حكايات وأفلام يقبلها العقل البشري.
تشهد البلدان الأوروبية عددا متزايدا من الاحتجاجات وأعمال العنف سواء من الجماهير أو من أعوان الأمن، وقد كانت التحركات الاجتماعية من حين لآخر تعد في القارة العجوز أمرا معتادا ومحتملا، وأيضا خاضعا لمربعات من القوانين وحماية الأمن الذي يتدخل لدى أي انفلات أو انحراف عن بروتوكول هذا الشكل من التعبير.
لكن مظاهرات هذه المرة تجاوزت كل حدود الانضباط المعهود وتجاوزت أيضا عصا البوليس وقنابله المسيلة للدموع، لتخترقها العمليات الهمجية والاعتداءات إلى حدود غير عادية بالمرة تذكرنا بعنف مظاهرات ماي 68، إذن ماذا تغيّر ولماذا هذه العدوى التي طالت جل الفضاء الأوروبي من ألبانيا إلى فرنسا خاصة وإلى بلجيكا وإسبانيا و إيطاليا وربما ألمانيا اعتمادا على بعض التسريبات؟.
هذا من جهة أما من جهة أخرى فإن توسع المظاهرات كالنار في الهشيم وخروجها عن السيطرة بما في ذلك من تخريب ونهب واعتداءات جسدية وانتقام من عصا البوليس التي تكسرت أمام المد الكبير. وقد كانت مظاهرات ألبانيا أعلنت عن مناداة أصحابها بإبعاد نظام لم يوفق في تحقيق الرفاه لسكان ذلك البلد الذي كان في سنوات سابقة رائدا من رواد الفكر الشيوعي، ثم تراجع عن ذلك وانحرط في موجة الترحيب بالمنظومة الرأسمالية عسى أن يجد فيها الجنة الموعودة، غير أنه اليوم وبعد ما يقرب من أربعة عقود ها أننا نرى الشعب الألباني يقلب الطاولة على سلطة لم تفلح إلا في دعم جرائم الصهيونية.
إن الشعب الالباني الذي عايش المد اليساري و تربى على ثقافة سياسية ملتزمة كجل اليساريين في العالم لم يحتمل سلطة داعمة للصهيونية نازية اليوم والأمس، وطبيعي أن لا يكون هذا السبب الوحيد لثورة الألبانيين بل أحد الأسباب التي أوقدت نار الثورة الحالية، فهناك أيضا وخاصة غلاء المعيشة مقارنة مع الدخل الفردي وعدم توفر الحاجات الأساسية للمواطنين. أما على المستوى السياسي فإن روتين الحكم الذي تداول على تيرانا زاد في دفع هذه الثورة المشتعلة التي لا يمكن تحديد مدى نجاحها أو تراجعها.
هذا عن ألبانيا أما بخصوص فرنسا فقد سبق أن وقع اشتكاء من غلاء المعيشة منذ أكثر من سنة وشهدت البلاد مظاهرات رعاة الأبقار وسواق العربات وإضراب القطارات والمطارات، كما شاهد الشعب الفرنسي في ظل اقتراب الانتخابات الرئاسية تسخينا متواصلا من جانب اليسار واليمين على حد سواء وانزلق الرئيس ماكرون في ورطة “زعامة” فرنسية لمواقف البلدان الاوروبية خاصة عبر دعمه الكبير لأوكرانيا ومشاكسته الخطرة والمتهورة للدب الأبيض “بوتين”.
الشعب البلجيكي لحق بالحراك الفرنسي فيما تظاهر الإيطاليون أيضا ضد غلاء المعيشة المحسوسة وكذلك الإسبان بشكل أخف حاليا.
.كل هذه التحركات لاسيما بفرنسا قد تدفع ماكرون إلى مناوشة الروس قبل أن ينهي عهدته الرئاسية مع الانتخابات القادمة في 2027.
. قد يبدو لبعض المحللين أو العامة أن المشكلة بين مصر والسودان من جهة، وإثيوبيا من جهة أخرى، تتمثل في فرض سد النهضة رغم معارضة مصرية حادة تراوحت بين الأمل في إيجاد حلول عادلة مع إثيوبيا والتلويح بمواجهة الاعتداء السافر على أحد أركان وجود مصر.
القضية بين مصر و إثيوبيا تتجاوز الخلافات “الجزئية” المتعلقة بهذا السد رغم أهميتها، إلى مسائل أخرى لاتقل أهمية استراتيجية ومخاطر لا على مصر فقط بل يشمل منطقة كاملة، إذ بدأت بتقارب ملحوظ بين سلطة “ابي احمد” و الكيان الصهيوني منذ اعتلائه الحكم في إثيوبيا، وتحول إلى دعم متواصل ليس حبا في الشعب الإثيوبي بل خدمة لخطط عسكرية واقتصادية واستخباراتية من مظاهرها دفع أديس أبابا إلى بعث سد النهضة لتحقيق هدفين صهيونيين:
الأول محاصرة مصر مائيا وضرب شريان حياتها ومصدر رئيسي من مصادر اقتصادها التاريخي الأبدي في ظل معاناة الشعب المصري من الفقر و تدهور قدرته الشرائية وأمنه الغذائي، دون نسيان الإجهاز على السودان أيضا الذي نجحت القوى المعادية في تفكيكه وتقسيمه إلى دولتين تتواتر في علاقتهما النزاعات المسلحة والتقاربات الظرفية. وها هي نفس القوى تفرض على الجزء الباقي (أي الشمالي) من السودان حربا داخلية لعل أهم محرض عليها وداعم لأحد طرفيها دولة الإمارات كيد منفذة للمخططات الصهيونية.
أما الجزء الذي لايقل خطرا فهو تصعيد الخلاف حول سد النهضة إلى مستوى الحرب والمواجهة الدامية بين مصر و إثيوبيا، لتفتح الأخيرة باب استنزاف بالوكالة ضد الجيش المصري الذي يعتبره الكيان أكبر خطر داهم لوجود اسرائيل اذا ما أعادت القاهرة يوما النظر في اتفاقاتها الموروثة مع اسرائيل.
لقد عزز “أبي احمد” تعاونه مع العدو عبر إرسال آلاف الفلاشا اليهود لدعم استيطان الأراضي الفلسطينية، كما برز ذلك خلال حرب الإبادة على غزة، و هناك أخبار مؤكدة عن إرسال آلاف من الجنود للاندماج مع الجيش الصهيوني انحرطوا في عمليات تقتيل الأطفال وضرب المستشفيات.
وقد فككت السلطات المصرية بؤرة الأهداف الصهيونية عبر سد النهضة وقامت مصر بمحاولة الوصول إلى حلول بالطرق العقلانية و الصبر رغم تصميم الطرف الإثيوبي على رفض أية مقترحات عادلة تقي الطرفين من المواجهات وذلك تنفيذا لأجندا إسرائيلية.
أما المسألة التي لا تقل خطرا عن ضرب جزء من مياه النيل فهي مشكلة ميناء “عصب” بإريتريا. ولا يمكننا أن نمر قبل تقديم لمحة عن التاريخ المتعلق بين إثيوبيا و إريتيريا قبل السبعينات حيث كانت أطماع إثيوبيا تمتد لاحتلال ارتيريا غير أنها لاقت صدا مستميتا من الشعب الإريتري رغم دعم الكيان لوجستيا وعسكريا واقتصاديا لاثيوبيا. وانتهت الحرب بفرض استقلال ارتيريا بفضل نضالاتها المستمرة لكن إثيوبيا لم تتخلّ عن أهداف تراها مصيرية وهي ضرورة فتح ممرات و الاستحواذ على ميناء “عصب” الاستراتيجي وقد تحول هذا الميناء اليوم إلى هدف صهيوني إماراتي استراتيجيا وعسكريا واستخباراتيا واقتصاديا للكيان.
و الأكيد أن دور مصر اليوم هو قطع الطريق على أطماع إثيوبيا في هذا الميناء ودعم سلطة إيريتريا عسكريا و لوجستيا و استخباراتيا للدفاع عن أرضها ومينائها الذي يسيل لعاب اسرائيل وعضوها المتحرك الإمارات، ولا يمكن التكهن بمآل الحرب الحالية في إثيوبيا بالذات بين سلطة ابي احمد و الثوار الذين نجحوا هذه المرة في تجميع فصائلهم وسلوك حرب مختلفة عن سابقتها التي انتهت باتفاقيات أمام نقص الأسلحة وقواعد التنظيم العسكري و اللوجستي وتدخل الإمارات لكبح جماح الثوار.
أما اليوم فإن الفصائل قد وصلت إلى اكتساح نقاط ومدن استراتيجية وتهديد سلطة “ابي احمد” ركيزة الكيان الصهيوني ومنفذ خططها. ومن الضروري اليوم أن تسعى مصر و حتى السودان (رغم وضعها الصعب) إلى دعم الثوار لاسقاط حكومة “ابي احمد” استخباراتيا و لوجستيكا وربما عسكريا، ثم إن دعم السلطة الإريترية ينتصب في هرم الأولويات أمام مصر خاصة لضرب أحلام الكيان الهادفة إلى الاستيلاء على إحدى اهم النقاط الاستراتيجية بمداخل الخليج.
لاشك أن المخابرات المصرية قد أبلت البلاء الحسن في مساعدة ثوار “تيغري” وكذلك تحريك بعض البؤر الإضافية لاستنزاف إثيوبيا لكن تبقى ضرورة الوقوف مع الشعب الاريتري مطلوبة واحتضان أية سلطة مفترضة بعد سقوط “ابي احمد” لفتح علاقات جديدة تحتضنها مصر وليس الكيان الغاصب المتآمر.
بعد قطع الماء والكهرباء وبعض المواد والتهديدات المتلاحقة بالإضرابات العامة والمهنية، جاء دور النقل العمومي ومعاناة سكان الأحواز الجنوبية الأمرّين من تأخر سفرات القطار الرابط بين تونس والرياض (برج السدرية)، والمعروف تاريخيا باسم قطار حمام الأنف.
فمنذ يومين بدأت المشكلة بتأخر مواعيد نقل المسافرين إمعانا في خلق فوضى وإنهاك الدورة الاجتماعية (من شغل ودروس وقضاء حاجات المواطن وعلاجه ومواعيده) لتتولى إنزال كل مسافري الضاحية الجنوبية في محطة جبل الجلود ويصل الوقت الأدنى الذي استنزفه التأخر فضلا عن ساعات انتظار قطار أخر، إلى أكثر من ثلاث ساعات بين انتظار وصول هذا القطار والمرور من محطة جبل الجلود إلى محطة تونس الرئيسية بساحة برشلونة…
لقد حاولت بداية الأمر عدم إيلاء هذا الموضوع أكثر مما يستوجبه الأمر، لكن أمام طول العبث بأوقات الناس ومتاعبهم جراء الوقوف لساعات وتذمراتهم المتعددة، التقطت صورا عن الوضعية المؤسفة ولا شيء في نظري يبرر تعطيل مصالح المواطنين منذ صباح يوم الاثنين إلى يوم الثلاثاء، حيث وصل التذمر والهرج حتى محطة برشلونة، وكأن الأمر جاء تكملة لما عاناه الشعب من انقطاع الماء والكهرباء في عز الصيف…
حالما أنهيت أخذ بعض الصور بادرني شاب في الأربعين تقريبا ليذكرني بأن “التصوير ممنوع” ولما سألته عن صفته أعلمني بأنه ينتمي لسلك الأمن، فشككت في ذلك وطلبت منه الاستظهار ببطاقته فأجابني بأنه ينتمي إلى مصلحة تمنعه من كشف البطاقة، وفيما نحن هكذا تقدم نحوي أخر في حالة هستيرية بائنة، وهنا تجمع المسافرون حوله من نساء ورجال. وأعلمتني إحدى النساء لاحقا بأنها سجلت فيديو يوثّق تدخل الشخص الذي يبدو أنه من شركة النقل الحديدي.
ويوم الأربعاء تواصلت المعضلة وتجرّع المسافرون نفس عذابات التأخير في كل محطات الأحواز الجنوبية ذهابا وإيابا.
إن المطلوب في قطاع حساس مثل قطاع النقل وكل قطاعاتىا الاخرى إيلاء مزيد من المراقبة ومتابعة كل الإخلالات بسرعةن وهذه المهام مناطة بمسؤولية شركة السكك الحديدية ابتداء من الرئيس المدير العام إلى المنظف أو العامل أدنى صنف، إذ كفانا استنزافا لأوقات المواطنين بسبب أي عطب فني أو حادث. إنه لمن المهازل أن يدفع المواطنون من أوقاتهم ومصالحهم وحتى صحتهم، ثمن أي إهمال او تباطؤ لمدة يومين لحد الأن (الثلاثاء و الأربعاء) ولا ندري إن ستتواصل هذه المأساة أكثر.
المطلوب من السلطات العليا إجراء تدقيق في أسباب هذه الإخلالات المتكررة ومن يقف وراءها عن حسن أو سوء نية أو إهمال، ثم لماذا لا تقوم السلطات بالتحقيق في انتدابات الشركة سنوات 2012/ 2013، زمن حشرها بالانتدابات الحزبية للإخوان، إذ تحوم الشكوك حول قانونية التشغيل وقيمة التكوين ومستوى الأعوان والكوادر المنتدبة. نقول هذا بعد أن عاينّا حوادث عديدة وإخلالات متعددة بعيدة عن مستوى خدمات شركة النقل الحديدي ومصلحة المواطنين وسلامتهم.