يُقفل اليوم الإثنين 15 أوت في حدود منتصف الليل مسار التوجيه الجامعي لسنة 2022 من خلال قيام الطلبة الجدد غير الرّاضين عن توجيههم الأوّل، بمحاولة تعديل مسارهم والسعي إلى الحصول عن شعبة جامعية تتلاءم أكثر مع ميولاتهم الدراسية والتكوينية أو مع مشاريعهم المستقبلية أو كذلك مع أوضاعهم الاجتماعية والعائلية…أو كل هذا معًا.
وسأنطلق من وضعيّة واقعية دالّة عشتُها شخصيا في بداية الألفية الجديدة والتي ظلت محفورة في ذاكرتي لطرافتها ودلالاتها، وعلاقتها العضوية بما يحدث اليوم في مجال التوجيه وإعادة التوجيه الجامعيين.
منصف الخميري
راجعني سنة 2001 شابّ يتكلّم العربية بصعوبة، اسمه شهاب المهتلّي، أصيل جهة منزل تميم على ما أعتقد وعرض عليّ وضعيّته المتمثلة في كونه عاش رفقة عائلته بألمانيا إلى غاية سنة اجتياز امتحان الباكالوريا، وقد تابع دراسته الثانوية في شعبة علمية (تُعادل شعبة الرياضيات لدينا) باللغة الألمانية أساسا. بطبيعة الحال. مكّنته وزارة التربية آنذاك ونظرا إلى خصوصية وضعيته من “إجراءات استثنائية” تُراعي عدم حذقه للعربية ولا للفرنسية، فقد تمّ الالتجاء على سبيل المثال إلى أستاذ ألمانية ترجم له موضوع الفلسفة وقدّم شهاب تحريرا باللغة الألمانية ليتولى فيما بعد أستاذ الألمانية ترجمته لأستاذ الفلسفة الذي أسند له عددا بناءً على ما استمع إليه شفويّا من زميله…
وهكذا بالنسبة إلى عديد الاختبارات الأخرى. صُرّح بنجاح شهاب المهتلّي في امتحان الباكالوريا وانطلقت رحلة توجيهه الجامعي المُضنية لأنه بملمحه اللغوي ذلك لا يمكن أن يدرس إلا بشعبة الآداب والحضارة الألمانية التي لم تكن توجد آنذاك إلا بكلية الآداب بمنوبة قبل توسّعها لتُبعث في حي الخضراء والمكنين وقابس ومدنين… لكن مجموع نقاطه لم يسمح له بنيل هذه الشعبة-المُنقذة (بالنظر إلى الصعوبات التي واجهها في امتحان الباكالوريا، وبالتالي حصوله على معدل غير مرتفع وبالنظر أيضا إلى طاقة الاستيعاب المحدودة المفتوحة في شعبة جامعية يتيمة وطنيا… قعُيّن في إحدى الشعب التقنية بالجنوب..
لم تكن تربطني بوزارة التعليم العالي في تلك اللحظة أية علاقة إدارية أو رسمية ولكن وجود شخص أُجلّه وأكنّ له احتراما خاصا على رأس الإدارة العامة للشؤون الطالبية هو أستاذ الانكليزية بالجامعة التونسية السيد بشير الأمين هو الأمر الذي شجّعني على تكوين ملفّ مع عائلة شهاب المهتلّي وعرضه رأسا على سي بشير (متّعه الله بموفور الصحّة والنجاح في تأثيث مدوّنته المتميّزة الباحثة في أصول “كلمات من اللهجة التونسية جاءتنا من ضفاف البحر الأبيض المتوسط وما وراءها“https://qamus-tunsi.blogspot.com) الذي أصغى إلينا جيدا وتصفّح محتوى الملفّ وأبدى امتنانا كبيرا لوزارة التربية التي بذلت مجهودا استثنائيا في التعاطي مع وضعية هذا الشاب التونسي العائد من أوروبا … ووعد بأن يعرض الموضوع على وزير التعليم العالي ساعتئذ ويُراجعنا في الأمر.
بعد أسبوع تقريبا، وقع إعلامنا بأن الشاب المعني تمّ قبوله بشعبة الألمانية بكلية الآداب بمنوبة. كانت فرحتي شخصيا تضاهي أو تفوق فرحة عائلة هذا الطالب الجديد الذي عاد إلى بلاده فوجد إدارة مرِنة ومتفهّمة ومُرحّبة بأبنائها بخصوصياتهم واختلافاتهم وتنوع مساراتهم. لم ألتقِ شهاب المهتلّي بعد تلك اللحظة ولست مطلعا على التفاصيل التي ميّزت مساره الجامعي، ولكنّي متأكّد أنه درس جيدا وتميّز ومضى بعيدا في تحقيق ذاته ونحت مستقبله.
قد يعترض عليّ بعضكم قائلا “ولكن ما قيمة حالة معزولة من جملة عشرات الآلاف من الحالات العادية الأخرى ؟! “
بالنسبة إليّ، وعلى عكس ما يتصوّره بعضنا، عدد مثل هذه الحالات الخاصة جدا يُقدّر بالعشرات إذا لم يكن بالمئات، وبالتالي فهو محمول علينا جميعا وعلى الدولة وأجهزتها بصورة خاصة أن نعتني بها ونُصغي إليها وأن يُكسر أنف القوانين والضوابط والمقاييس والإجراءات المحنّطة والسياسات المُنمّطة في سبيل تعهّدها واجتراح الحلول الملائمة حتى لا تظل على حافة الطريق. ومن ناحية أخرى، فإنه يكفي أن يفشل أي نظام في إنقاذ شخص واحد حتى يحكم على نفسه بالعجز والقصور وانتهاء مشروعية استمراره لأن الفرد في نهاية المطاف هو محور أية سياسة ومنتهاها وغايتها.
وسأعرض عليكم فيما يلي ـ وفي علاقة بموضوع التوجيه بالذات ـ جملة من المفارقات الموجِعة التي نعيشها هذه الأيام بسبب سياسات دولة تحرص بصورة شكلية على تطبيق قوانين تطحن الأفراد وتشمت في خصوصياتهم المُعيقة وتمتنع بصورة إرادية عن بذل أي جهد استثنائي يخدم الناس ويخفّف العبء عن عائلاتهم الرازحة تحت نير معيش يومي ثقيل وماحق :
ماذا يعني أن تحجِب وزارة التعليم العالي جملة من الشعب الجامعية (ودون أدنى إعلام مُسبق للرأي العام الوطني والطلبة الجدد بصورة خاصة، وما عليك إلا أن تكتشف ذلك بنفسك أثناء تعمير بطاقة إعادة التوجيه على الإنترنت عندما تعترضك عبارة “اختيار خاطئ” الطّاردة) ولا تعرضها في إعادة التوجيه أو النقلة ؟ والحال أنه حقّ مشروع ولا نزاع فيه خاصة بالنسبة إلى من يستجيب لشرط مجموع النقاط من ناحية، ومن لديه أوضاع اجتماعية أو عائلية غاية في التعقيد والحدّة من ناحية أخرى ؟
وماذا يعني أن تُحجب الشعب التي تتطلب اختبارات من إعادة التوجيه (حتى مع توفّر شرط مجموع النقاط) بدعوى أن أعضاء اللجان المكلّفة بإجراء الاختبارات أنهوا عملهم في بداية شهر أوت وتقاضوا أجورهم وعادوا إلى شواطئهم ولا يمكن بأي حال أن يعودوا لإجراء الاختبار مجدّدا (هكذا !)…والأغرب من هذا أن وزارة التعليم العالي تفسح المجال لـــ “أصحاب المواهب والمهارات الاستثنائية” ليلتحقوا ينفس هذه الشعب في نهاية شهر أوت (السياحة والصحافة والسينما والموسيقى والمسرح والتصميم…) بعد مواعيد التئام اللجان المذكورة ؟
وماذا يعني أن يوجد تلاميذ متميّزون جدا في الرياضات المختلفة وينتمون إلى جمعيات مدنية جهوية ووطنية ولكنهم أحرزوا شهادة الباكالوريا في غير شعبة الرياضة أو أحرزوها في باكالوريات أخرى ولم يسعفهم شرط مجموع النقاط من الحصول عليها فيحرمون من الالتحاق بالمعاهد العليا للرياضة والتربية البدنية المنتشرة في أربع ولايات ؟
وماذا يعني أن يحصل تلميذ على باكالوريا تقنية وتنقصه نقاط قليلة في اختصاصات تكنولوجية هي في صميم ما تدرّب عليه في المرحلة الثانوية مثل الهندسة الكهربائية والهندسة الميكانيكية والميكاترونيك … ويُزجّ به في شعبة الفرنسية أو التاريخ أو المحافظة على الممتلكات الثقافية وترميمها…بدعوى “الاحتكام الصارم إلى المقاييس الموضوعة في المجال” ؟ والجميع يعلم مُسبقا أن أعداد هؤلاء في اللغة الفرنسية تحديدا تحوم حول مستوى الصفر وأن مصير هؤلاء “التائهين” هو الانقطاع ومواجهة أدغال الحياة الموحشة.
وماذا يعني أن نُرسل طالبة جديدة من تونس الكبرى (ومن أبويين مُربيّين وبالتالي لا يمكن أن يصنف مطلبها ضمن الحالات الاجتماعية) إلى إحدى مدن الجنوب لتدرس اختصاصا يوجد مثله تماما في جهتها الأصلية ولكن مجموعها تنقصه نقطة أو نقطتان ؟ وماذا يعني أن يتمّ التذرّع بالاختلال المحتمل في طاقة استيعاب الشعب المعروضة للتناظر والكل يعرف أنه بعد انطلاق السنة الجامعية، تكون أغلب المؤسسات الجامعية تعمل بنصف طاقتها أو ربعها أو حتى عشرها وأدنى ؟ وماذا يعني أن يتمّ التغافل رسميّا عن احتساب الآلاف من الطلبة الجدد الذين يختارون (لأسباب مختلفة) الالتحاق بالتكوين المهني والتعليم الخاص والدراسة بالخارج، في تعديل طاقة استيعاب التعليم العالي العمومي المحددة وفق مقاييس حديّة صارمة لا تشبه بالمرة عدم التحكّم بهذا التشتّت المريع في المنظومة الوطنية للتعليم والتكوين عموما ؟
وماذا يعني في النهاية إرجاء إصلاح هذه المنظومة التي تآكلت وباتت تتسبّب سنويا في مآس عديدة تُلقي بتداعياتها المدمّرة على مستقبل أجيال وتوازن عائلات وتماسك مجتمع بأسره ؟
يا استاذي العزيز الحالة التعيسة التي يعيشها التعليم عموما وفي كل بلدان العالم حيث الرأسمال يسيطر على كل المفاصل مقصودة لان نتائجها تخدم مصالحهم الانية والمستقبل في خلق أجيال معاقة لا تفكر لا تركز لا تبدع فقط تستهلك في حدود ما يقدم لها
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
سمير الدريدي
15 أغسطس 2022 في 22:46
يا استاذي العزيز الحالة التعيسة التي يعيشها التعليم عموما وفي كل بلدان العالم حيث الرأسمال يسيطر على كل المفاصل مقصودة لان نتائجها تخدم مصالحهم الانية والمستقبل في خلق أجيال معاقة لا تفكر لا تركز لا تبدع فقط تستهلك في حدود ما يقدم لها