يُقفل اليوم الإثنين 15 أوت في حدود منتصف الليل مسار التوجيه الجامعي لسنة 2022 من خلال قيام الطلبة الجدد غير الرّاضين عن توجيههم الأوّل، بمحاولة تعديل مسارهم والسعي إلى الحصول عن شعبة جامعية تتلاءم أكثر مع ميولاتهم الدراسية والتكوينية أو مع مشاريعهم المستقبلية أو كذلك مع أوضاعهم الاجتماعية والعائلية…أو كل هذا معًا.
وسأنطلق من وضعيّة واقعية دالّة عشتُها شخصيا في بداية الألفية الجديدة والتي ظلت محفورة في ذاكرتي لطرافتها ودلالاتها، وعلاقتها العضوية بما يحدث اليوم في مجال التوجيه وإعادة التوجيه الجامعيين.
منصف الخميري
راجعني سنة 2001 شابّ يتكلّم العربية بصعوبة، اسمه شهاب المهتلّي، أصيل جهة منزل تميم على ما أعتقد وعرض عليّ وضعيّته المتمثلة في كونه عاش رفقة عائلته بألمانيا إلى غاية سنة اجتياز امتحان الباكالوريا، وقد تابع دراسته الثانوية في شعبة علمية (تُعادل شعبة الرياضيات لدينا) باللغة الألمانية أساسا. بطبيعة الحال. مكّنته وزارة التربية آنذاك ونظرا إلى خصوصية وضعيته من “إجراءات استثنائية” تُراعي عدم حذقه للعربية ولا للفرنسية، فقد تمّ الالتجاء على سبيل المثال إلى أستاذ ألمانية ترجم له موضوع الفلسفة وقدّم شهاب تحريرا باللغة الألمانية ليتولى فيما بعد أستاذ الألمانية ترجمته لأستاذ الفلسفة الذي أسند له عددا بناءً على ما استمع إليه شفويّا من زميله…
وهكذا بالنسبة إلى عديد الاختبارات الأخرى. صُرّح بنجاح شهاب المهتلّي في امتحان الباكالوريا وانطلقت رحلة توجيهه الجامعي المُضنية لأنه بملمحه اللغوي ذلك لا يمكن أن يدرس إلا بشعبة الآداب والحضارة الألمانية التي لم تكن توجد آنذاك إلا بكلية الآداب بمنوبة قبل توسّعها لتُبعث في حي الخضراء والمكنين وقابس ومدنين… لكن مجموع نقاطه لم يسمح له بنيل هذه الشعبة-المُنقذة (بالنظر إلى الصعوبات التي واجهها في امتحان الباكالوريا، وبالتالي حصوله على معدل غير مرتفع وبالنظر أيضا إلى طاقة الاستيعاب المحدودة المفتوحة في شعبة جامعية يتيمة وطنيا… قعُيّن في إحدى الشعب التقنية بالجنوب..
لم تكن تربطني بوزارة التعليم العالي في تلك اللحظة أية علاقة إدارية أو رسمية ولكن وجود شخص أُجلّه وأكنّ له احتراما خاصا على رأس الإدارة العامة للشؤون الطالبية هو أستاذ الانكليزية بالجامعة التونسية السيد بشير الأمين هو الأمر الذي شجّعني على تكوين ملفّ مع عائلة شهاب المهتلّي وعرضه رأسا على سي بشير (متّعه الله بموفور الصحّة والنجاح في تأثيث مدوّنته المتميّزة الباحثة في أصول “كلمات من اللهجة التونسية جاءتنا من ضفاف البحر الأبيض المتوسط وما وراءها“https://qamus-tunsi.blogspot.com) الذي أصغى إلينا جيدا وتصفّح محتوى الملفّ وأبدى امتنانا كبيرا لوزارة التربية التي بذلت مجهودا استثنائيا في التعاطي مع وضعية هذا الشاب التونسي العائد من أوروبا … ووعد بأن يعرض الموضوع على وزير التعليم العالي ساعتئذ ويُراجعنا في الأمر.
بعد أسبوع تقريبا، وقع إعلامنا بأن الشاب المعني تمّ قبوله بشعبة الألمانية بكلية الآداب بمنوبة. كانت فرحتي شخصيا تضاهي أو تفوق فرحة عائلة هذا الطالب الجديد الذي عاد إلى بلاده فوجد إدارة مرِنة ومتفهّمة ومُرحّبة بأبنائها بخصوصياتهم واختلافاتهم وتنوع مساراتهم. لم ألتقِ شهاب المهتلّي بعد تلك اللحظة ولست مطلعا على التفاصيل التي ميّزت مساره الجامعي، ولكنّي متأكّد أنه درس جيدا وتميّز ومضى بعيدا في تحقيق ذاته ونحت مستقبله.
قد يعترض عليّ بعضكم قائلا “ولكن ما قيمة حالة معزولة من جملة عشرات الآلاف من الحالات العادية الأخرى ؟! “
بالنسبة إليّ، وعلى عكس ما يتصوّره بعضنا، عدد مثل هذه الحالات الخاصة جدا يُقدّر بالعشرات إذا لم يكن بالمئات، وبالتالي فهو محمول علينا جميعا وعلى الدولة وأجهزتها بصورة خاصة أن نعتني بها ونُصغي إليها وأن يُكسر أنف القوانين والضوابط والمقاييس والإجراءات المحنّطة والسياسات المُنمّطة في سبيل تعهّدها واجتراح الحلول الملائمة حتى لا تظل على حافة الطريق. ومن ناحية أخرى، فإنه يكفي أن يفشل أي نظام في إنقاذ شخص واحد حتى يحكم على نفسه بالعجز والقصور وانتهاء مشروعية استمراره لأن الفرد في نهاية المطاف هو محور أية سياسة ومنتهاها وغايتها.
وسأعرض عليكم فيما يلي ـ وفي علاقة بموضوع التوجيه بالذات ـ جملة من المفارقات الموجِعة التي نعيشها هذه الأيام بسبب سياسات دولة تحرص بصورة شكلية على تطبيق قوانين تطحن الأفراد وتشمت في خصوصياتهم المُعيقة وتمتنع بصورة إرادية عن بذل أي جهد استثنائي يخدم الناس ويخفّف العبء عن عائلاتهم الرازحة تحت نير معيش يومي ثقيل وماحق :
ماذا يعني أن تحجِب وزارة التعليم العالي جملة من الشعب الجامعية (ودون أدنى إعلام مُسبق للرأي العام الوطني والطلبة الجدد بصورة خاصة، وما عليك إلا أن تكتشف ذلك بنفسك أثناء تعمير بطاقة إعادة التوجيه على الإنترنت عندما تعترضك عبارة “اختيار خاطئ” الطّاردة) ولا تعرضها في إعادة التوجيه أو النقلة ؟ والحال أنه حقّ مشروع ولا نزاع فيه خاصة بالنسبة إلى من يستجيب لشرط مجموع النقاط من ناحية، ومن لديه أوضاع اجتماعية أو عائلية غاية في التعقيد والحدّة من ناحية أخرى ؟
وماذا يعني أن تُحجب الشعب التي تتطلب اختبارات من إعادة التوجيه (حتى مع توفّر شرط مجموع النقاط) بدعوى أن أعضاء اللجان المكلّفة بإجراء الاختبارات أنهوا عملهم في بداية شهر أوت وتقاضوا أجورهم وعادوا إلى شواطئهم ولا يمكن بأي حال أن يعودوا لإجراء الاختبار مجدّدا (هكذا !)…والأغرب من هذا أن وزارة التعليم العالي تفسح المجال لـــ “أصحاب المواهب والمهارات الاستثنائية” ليلتحقوا ينفس هذه الشعب في نهاية شهر أوت (السياحة والصحافة والسينما والموسيقى والمسرح والتصميم…) بعد مواعيد التئام اللجان المذكورة ؟
وماذا يعني أن يوجد تلاميذ متميّزون جدا في الرياضات المختلفة وينتمون إلى جمعيات مدنية جهوية ووطنية ولكنهم أحرزوا شهادة الباكالوريا في غير شعبة الرياضة أو أحرزوها في باكالوريات أخرى ولم يسعفهم شرط مجموع النقاط من الحصول عليها فيحرمون من الالتحاق بالمعاهد العليا للرياضة والتربية البدنية المنتشرة في أربع ولايات ؟
وماذا يعني أن يحصل تلميذ على باكالوريا تقنية وتنقصه نقاط قليلة في اختصاصات تكنولوجية هي في صميم ما تدرّب عليه في المرحلة الثانوية مثل الهندسة الكهربائية والهندسة الميكانيكية والميكاترونيك … ويُزجّ به في شعبة الفرنسية أو التاريخ أو المحافظة على الممتلكات الثقافية وترميمها…بدعوى “الاحتكام الصارم إلى المقاييس الموضوعة في المجال” ؟ والجميع يعلم مُسبقا أن أعداد هؤلاء في اللغة الفرنسية تحديدا تحوم حول مستوى الصفر وأن مصير هؤلاء “التائهين” هو الانقطاع ومواجهة أدغال الحياة الموحشة.
وماذا يعني أن نُرسل طالبة جديدة من تونس الكبرى (ومن أبويين مُربيّين وبالتالي لا يمكن أن يصنف مطلبها ضمن الحالات الاجتماعية) إلى إحدى مدن الجنوب لتدرس اختصاصا يوجد مثله تماما في جهتها الأصلية ولكن مجموعها تنقصه نقطة أو نقطتان ؟ وماذا يعني أن يتمّ التذرّع بالاختلال المحتمل في طاقة استيعاب الشعب المعروضة للتناظر والكل يعرف أنه بعد انطلاق السنة الجامعية، تكون أغلب المؤسسات الجامعية تعمل بنصف طاقتها أو ربعها أو حتى عشرها وأدنى ؟ وماذا يعني أن يتمّ التغافل رسميّا عن احتساب الآلاف من الطلبة الجدد الذين يختارون (لأسباب مختلفة) الالتحاق بالتكوين المهني والتعليم الخاص والدراسة بالخارج، في تعديل طاقة استيعاب التعليم العالي العمومي المحددة وفق مقاييس حديّة صارمة لا تشبه بالمرة عدم التحكّم بهذا التشتّت المريع في المنظومة الوطنية للتعليم والتكوين عموما ؟
وماذا يعني في النهاية إرجاء إصلاح هذه المنظومة التي تآكلت وباتت تتسبّب سنويا في مآس عديدة تُلقي بتداعياتها المدمّرة على مستقبل أجيال وتوازن عائلات وتماسك مجتمع بأسره ؟
يا استاذي العزيز الحالة التعيسة التي يعيشها التعليم عموما وفي كل بلدان العالم حيث الرأسمال يسيطر على كل المفاصل مقصودة لان نتائجها تخدم مصالحهم الانية والمستقبل في خلق أجيال معاقة لا تفكر لا تركز لا تبدع فقط تستهلك في حدود ما يقدم لها
سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…
هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…
فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟
وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟
فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟
هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…
عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…
سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…
جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…
نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”
ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”
نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”
هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”
نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”
همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…
نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….
شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…
التقيت صديقا من مشاكسي أيام زمان فاقترح علي مجالسته لبعض الوقت في أحد مقاهي المدينة فقبلت بالأمر… جلس وأشعل سيجارته وقال “حين تسأل اليوم من يعترضك من المارة أو أحد الأصدقاء كيف حالك؟؟ غالبا ما تكون الإجابة (الأمور ليست كما هي… جميعنا نعيش تحت غطاء الخوف)… تسأله مم الخوف؟ يجيبك (لا نعلم…)
هكذا جميعنا اليوم أو أغلبنا، هل ورثنا ثقافة الخوف عن أبائنا أم هي ثقافة كسبناها مما عشناه ونعيشه، ما رأيك يا صديقي في هذا الأمر؟؟” قلت: “في العهود التي مرّت بها البلاد وعشناها كنّا نخاف كل شيء، فحين كنّا صغارا كان خوفنا كبيرا من أمّنا ومن إخوتنا الكبار، وكنّا نعيش الرعب مع والدنا خوفا من عقاب شديد لا نعلم لماذا ومن فرضه علينا وبأي قانون وقع فرضه…ثم حين كبرنا وكان ذلك في عهد بورقيبة رحمه الله أصبح الخوف أوسع واشمل…وأخذ طابعا آخر فعشنا الخوف من مكاتب الشُعب ومن يعمل فيها ومن رئيسها فكان أغلبنا يمرّ أمام مكتب الشعبة مطأطئ الرأس صامتا يلقي التحيّة دون أن يلتفت إلى على من ألقى التحية… وقد يصل الخوف ببعضنا بأن يرفع عقيرته بالصراخ (نموت نموت ويحيا الوطن…) وقد يرفع عقيرته بالنشيد الوطني وكأنه في تحية العلم الصباحية،
كبرنا وبدأنا نفاخر ببعض الشعيرات التي غزت ذقوننا ولم يغادرنا الخوف بل أقسم أن لا يفارقنا ويتركنا في حالنا، فاصبحنا نخاف عون الأمن وأقاربه واصهاره ومن يجالسه…ثم عرفنا دور العمدة ومدى قربه من السلطة والحكم فأصبحنا نخافه ونخاف من يعمل معه ومن يجالسه ومن يرافقه ونخاف أهله وأصهاره وحتى أصدقاء صغاره…ولم تسلم المدرسة ومن يعمل فيها من خوفنا… فكنّا نخاف حين نمرّ أمام بوّاب المدرسة من وشاية تسبقنا إلى مدير المدرسة… معلمنا أيضا لم يسلم من خوفنا…فكنّا أيضا نخاف من وشاة القسم، فبعض من هم أقرب منّا إلى المعلم ويلاطفهم بتوصية من زميل له يعمل بالمدرسة التي لا تبعد عن مدرستنا كثيرا، كانوا يقرؤون في حصة القرآن “قل أعوذ برب الناس” ثم يذهبون ليوسوسوا في أذن المعلم عمّا يفعله بعضنا خارج القسم والمدرسة، فتنزل ببعضنا أشدّ العقوبات فيغلق في وجهنا مضيق هرمز… عفوا باب القسم فنمنع من الدخول…
هكذا كان لكل من مرّوا بحياتنا وشاة ينشرون الرعب والخوف… فمدير المدرسة وحارس المدرسة وبوابها… والأستاذ… وابن الأستاذ وابن أخت الأستاذ… والعمدة وجار العمدة وقوّاد العمدة… ومخبر قوّاد العمدة… والمعتمد وابن المعتمد… وصديقة ابن العمدة وابن المعتمد وابن شقيق الوالي وحارس الولاية وقوّاد الوالي ومن يجالسهم ومن يتعاملون معه في السرّ والعلن… جميعهم أذاقونا وجع الشكّ في القوادة فكنّا نخافهم بسبب ودون سبب ولا نعرف حتى لِمَ وجب علينا أن نخافهم ونخاف وشاتهم …ث
م كبرنا…وحين أصبحنا في عمر يسمح لنا بالوقوع في حبّ ابنة جارتنا فتحية أو زميلتنا في القسم كنّا نخاف أبناء الحي والأحياء المجاورة… فالوقوع في الحبّ ليس في متناول الجميع في أيامنا تلك… وابن الفقير لا يسمح له بالتقرّب من ابنة العمدة أو رئيس الشعبة أو ابنة مدير المدرسة وقد يعيش الرعب لو عاكس ابنة المعتمد أو ابنة رئيس مركز الشرطة، ففي أيامنا تلك حتى الوقوع في الحبّ بالأكتاف…فـــ”مها” لا يمكن لــ”خليفة” ان يقترب منها ويعاكسها… و”الشعلاء” أيضا فليس لها الحق في أن تعشق أو تعجب بــ”نوفل” و”كمال”… فـــ”نوفل” هو ابن المعتمد و”كمال” هو صاحبه ابن العمدة… لـ”خليفة” لالحقّ كاملا في معاكسة “برنية” و”أم الخير” لكن لا حقّ له في الاقتراب من “ابتسام”…فالاقتراب حينها يصبح سامّا وقد يعرّضه لعقوبات وتتبعات ومضايقات وملاحقات و”شفطات” وويل وثبور وعظائم أمور…
وهكذا كان أيضا عهد بن علي رحمه الله… فتواصلت معنا لعنة أو لنقل ثقافة الخوف … الخوف مما سبق الى ما لحق… فكنّا نخاف بن علي رحمه الله ومدير ديوانه وأعضاء ديوانه وأقاربهم وعائلاتهم وأصهارهم ومعارفهم ومن يجالسهم من له أرقام هواتفهم… كما عرفنا الخوف من كل الوزارات ومن يعمل فيها ومن يديرها ومن يدخلها ومن يجالس من فيها وعائلاتهم وأصهارهم وأبناء عمومتهم… ودبّ الخوف أيضا في قلوبنا من أعضاء مجلس النواب واللجنة المركزية والديوان السياسي وكل من له علاقة أو صلة بهم وبأحد أقاربهم وأتباعهم ومن يجالسهم ومن يصاهرهم ومن يعرف أرقام هواتفهم … دون أن ننسى خوفنا الدائم من الوالي والمعتمد الأول والمعتمد والعمدة وصديق العمدة وعمّ العمدة وخال زوجة العمدة وابن أخت العمدة وسائق الوالي والمعتمد والخ الخ الخ….
ثم وقع إضافة بند آخر في قائمة الرعب، فتوسعت القائمة لتشمل ليلى وأخواتها ومن يجالسها ومن يصاهرها ومن يعرف رقمها ورقم إخوتها… ثم سافر بن علي رحمه الله لأداء مناسك الحج والعمرة والموت في البقاع المقدسة… واستوطن التتار والمغول والفيكينغ أرضنا وجاء جنكيز خان على حصانه المخطط رافعا سيف العدالة والديمقراطية والحرية فلا خوف بعد اليوم لا من ليلى ولا من فتحية ولا حتى من “مولاة الخلة الخمرية”…فأصبح الخوف الديمقراطي أكبر واستوطنت الأحزاب التي خرجت علينا كالفقاقيع كل مقرّات المغفور له التجمّع الدستوري الديمقراطي… فأصبح الخوف ديمقراطيا شموليا… فالولد يخاف من أمه ومن والده ومن إخوته ومن جاره وأصهاره وأبناء عمومته ومن كلبه ومن قطته…
فخرج علينا اليسار يهددنا بالويل والثبور والكثير من الجاوي والبخور… وخرج علينا شيوخ الدين يولولون ويكفّرون ويهددون بجهنم وبئس المصير والمسير… ثم جاء بعض من هم في الاتحاد فأصبحنا جميعا في نظرهم من الأوغاد فخرّبوا الكثير من البناء وأرهقوا البلاد والعباد…فحلّ الرعب والخوف والاستبداد… وحكم بعض رجال الاتحاد البلاد … فأصبحنا جميعا نخاف الأمين العام والكاتب العام ورفيق الأمين العام وصديق الأمين العام وجار الأمين العام وابن عم الأمين العام ومن يجالس الأمين العام ومن يصاهر الكاتب العام وقوّاد الأمين العام… فقط السؤال اليوم هل لخوفنا هذا ما يبرره؟؟؟”
ثم نظرت إلى ساعتي فضحكت وسكتُّ…فقال صديقي لِم ضحكت ولم سكتَّ أكمل؟ قلتُ: الساعة الآن منتصف الليل يعني الساعة صفر وبلغتك أنت صديقي الساعة الصفر هي ذاتها الساعة الرابعة والعشرون وأنا وعدت زوجتي ألا أكون خارج المنزل بعد الساعة صفر… ضحك وقال: “الخوف يدير الجوف يا صاحبي …”
سمير الدريدي
15 أغسطس 2022 في 22:46
يا استاذي العزيز الحالة التعيسة التي يعيشها التعليم عموما وفي كل بلدان العالم حيث الرأسمال يسيطر على كل المفاصل مقصودة لان نتائجها تخدم مصالحهم الانية والمستقبل في خلق أجيال معاقة لا تفكر لا تركز لا تبدع فقط تستهلك في حدود ما يقدم لها