تقدِمة: في مطلع هذا العام الشبيه بكل مطلع و كل عام من حياتنا العاصفة، هممت بالكتابة عن حالنا وحال حكّامنا معنا، و حالهم أيضا مع رياضتهم المفضلة و هي اللعب بالكراسي و فوق الكراسي و الطاولات، تاركيننا تحت الأرجل كقطط المطاعم أو بعوض السباخ، نلتمس الرزق أو نُركل أن نُنشّ أو نموت لا يهمّ … غير أن أحد الأصدقاء القرّاء عنّ له أن ينشر مقالا لي سبق أن نُشر ضمن صفحة قديمة من “عيدان الكبريت” … أعدت القراءة على مضض ففي اعتقادي أنه ما فات فات … و لكنني وجدت أنني لن أكون اليوم أصدق من البارحة، و أنّ أولياء أمرنا يخرجون لنا بنفس الوجه، و لا يستحقون منّا سوى نفس المرآة … لهذا، ها أنا أستسمح من بقي وفيّا رحب الصدر من القارئين، و أعيد نشر هذا الكلام الذي قلته منذ ثلاث سنوات يوما بيوم تقريبا، و بالحرف …
ياااااااااااااااااااااا حسرة !
منذ يومين، مرت ثلاث و ثلاثون سنة على انتفاضة الخبز … و هي للتذكير كانت ردة فعل منطقية على زيادة سعر مشتقات الحبوب … و خاصة الخبز الذي قفز سعره فجأة في أواخر 1983 من 80 إلى 170 مليما … رقم يبدو زهيدا اليوم و لكنه كان لكمة عنيفة إلى وجوهنا في ذلك الوقت، و الأجر الأدنى كان لا يتجاوز الستين دينارا في حين أنه الآن في حدود 340 دينارا … يعني كأنْ يصبح سعر الخبزة اليوم 1400 مليم مثلا، مع ما يرافق ذلك على مستوى الدقيق و العجين الغذائي إلخ … و بالتبعية كل المواد الاستهلاكية الأخرى، غذائية كانت أم غير غذائية، عملا بقاعدة تداعي الأسعار … و هذا ما كانت ترمي إليه نصيحة صندوق النقد الدولي التي أذعنت لها حكومتنا، و هذا أيضا ما فهمه المواطن التونسي في طرفة عين … و انطلقت شرارة الأحداث في أقصى الجنوب التونسي (دوز تحديدا) لتشمل فيما بعد كل ولايات البلاد وصولا إلى العاصمة ...
عندما كانت الانتفاضات … كلمة حق يُراد بها حقّ
عبد القادر المقري
و بعد واحد و عشرين يوما من لحظتنا هذه، ستعود بنا الذاكرة قرابة الأربعة عقود إلى اندلاع أدْمَى مواجهة رأيناها بين مطالب شعبنا و سلطة النظام المسلحة … انتفاضة الخميس الأسود أو الأحمر، 26 جانفي الأليم العظيم، معركة استقلال اتحاد الشغل عن الحزب الحاكم و كل الأحزاب الحاكمة التي جثمت وتجثم على بلادنا … كانت أقرب إلى معركة تحرير وطني منها إلى مواجهة اجتماعية قِوامها أجور و أسعار و ظروف عمل … هكذا ظهرت الحقيقة بعد أن تطور نزاع الاتحاد وحكومة نويرة، و هكذا تعاملت عصا الحكم مع المحتجين بكل ما تملك من حديد ونار و آلة دعائية و حزبية … بل تجاوزت رغبة الاستقلال اتحاد الشغل لتشمل كل بلادنا التي أحست أنها كانت تعيش تحت وطأة استعمار من نوع آخر … استعمار محلي متضـامن مع الاستعمار الخارجي، استعمار وكلاء و سماسرة و عملاء، استعمار جديد …
و بين هذين التاريخين، أي يوم السبت القادم، تمرّ 6 سنوات على ما اصطلح على تسميته بالثورة التونسية … حدث هائل زلزل كامل المنطقة و وصلت موجاته إلى أبعد نقطة في الأرض … كنا ـ و لا نخفي ذلك ـ من المبتهجين لهذا الحدث و كان الأمل كبيرا … سقط نظام كقصر من ورق و لكننا تشبثنا بالدولة ومرافقها ومؤسساتها … و كان الاعتقاد أن تونس ستصبح أنقى و أصحّ و أقدر على دخول القرن الجديد … و نسينا أن لنا بالخارج رصيدا من أعداء الاحتياط سيحطّون الرحال بدل الذي سافر … و أننا تخلّصنا من قطرة ظلم لنقع تحت مزراب إبادة … و أن آمالنا و أحلامنا و عواطفنا الرقيقة لم تكن في قوة هذه الجحافل الجرّارة و عيونها الحانقة و عضلاتها المدججة … فضُرِّسْنا بأنياب و وُطِئْنا بمَنْسم، و تعاون على تشريحنا جلاّدون من كل الجنسيات، و استبيحت حدودنا و ضاع الفُـتات من أمننا و انتُهكت سوقنا و زدنا فقرا على فقر … و تكاثر بيننا الآسفون و النادمون حتى على الطاغية الذي سقط في بداية 2011 …
عندما يطلع النهار
جانفي، يناير، كانون الثاني و باقي التسميات … شهر تونسي عصبيّ فوّار بامتيـــاز، و موعد فصلي تستيقظ فيه جوارح بني شعبك يوم تكون كل الكائنات في حالة بَيات شتوي … الشعوب الأخرى تثور في الربيع أو في الصيف أو في خريف الغضب، و الأمثلة تتراوح من ثورة 14 جويلية الفرنسية إلى ثورة 25 أكتوبر الروسية وبينهما ثورات ربيع الشعوب … أما في تونس، فلا يكاد النوم يعانق سكان قصريْ قرطاج و القصبة منذ نصف قرن و كلما اقترب هذا الشهر العاصف … و ليس للمسألة من تفسير بيولوجي أو حتى ثقافي، بل كل الحكاية أن حياتنا مرهونة بجيوبنا، و أن جيوبنا عطاؤها و شحّها مرتبط بصلاح أو فساد ميزانية الدولة … وميزانية بلادنا يبدأ تنفيذها في أول جانفي من كل سنة، و هناك بالضبط تُكرم حكوماتنا أو تهان … صحيح أن النخب تكون مطّلعة على أطوار إعداد الميزانية و مناقشتها منذ أشهر … و هي عليمة بما يُحاك في الأروقة وجولات الذهاب و الإياب مع الصناديق الدولية، و ما يميل إليه نظام الحكم من سياسات و توزيع للثروة بين أهل غنائم و أهل ضرائب و ضرب … و لكن لا أحد تقريبا يسمعهم، و لا يفيق مواطنك الغافل إلا حين تقع الواقعة … و الواقعة طبعا هي إجراءات يبدأ تنفيذها القاسي مع أول السنة …
و هكذا توالت إجراءات التعسف سنة بعد سنة، و جانفي بعد جانفي، و انتفاضة بعد انتفاضة … و لكن نظامنا السيـــاسي بدل أن يتغير بالشكل الذي لا يصطدم فيه مع الشعب، و بدرجة تجعل منه خادما مؤتمنا على مصير ملايين الرقاب … بدل كل هذا، كان نظامنا ضليعا في التأقلم مع الأحداث و مداورة المصاعب دون حلها، و مراوغة أصحاب الحق بعد أن يكون استنفد كل حلول القوة و البطش التي يبادر إليها كلما ثار الناس عليه … و هكذا تفرّجنا طول عمرنا على ما يشبه مسرحية الممثل الواحد بمائة شخصية … و تلعب أكسسوارات التمثيل دورها كما لم يسبق لها أن لعبت … فمن هنا أكداس من الفريب، و من هنا أضواء بكل ألوان الطيف، و من هنا أقنعة بجميع صنوف الحيوان و الطير، و من هناك أصوات تتراوح من القرار إلى الجواب، و من تلك الجهة آلاف من حركات اليد و تعابير الوجه و حتى دمعات العين و الحنجرة المتهدجة حين تقتضي الحال …
يرتدي نظامنا في الأول ملابس المناضل محرر البلاد القائد الظافر القاهر الطارد للمحتل الأجنبي … تنطلي اللعبة بضع سنوات يغرف خلالها لنفسه و لقوى الاستعمار المنسحبة ما تم الاتفاق عليه بعيدا عن العيون و الآذان … يعاني الناس من فقرهم الجديد و تبدأ أولى مشاعر الخيبة، فيخرج النظام ورقة الجلاء العسكري ويتخلص في الأثناء من بعض أصوات النشاز … تهدأ الحال سنتين أو ثلاثا ثم يلحّ الفقر و يعود التململ، فتخرج للعامة ورقة الجلاء الزراعي و إيهامهم بأن الثروة ستتوزع بالعدل على الجميع مواكبة لموضة الاشتراكية … و بالمناسبة، يتغير اسم الحزب الحاكم ليأخذ من أنظمة أوروبا الشرقية شعاراتها و منظومتها الشمولية البوليسية … حزب واحد، قائد واحد، شعب واحد … و لا بأس في الأثناء من حشر العشرات داخل معتقلات موروثة عن زمن الاستعمار و يرتع فيها الظلام الدامس و رفيقته الرطوبة الخانقة، تحت موسيقى من صليل السلاسل و قرع السيــــاط …
نظام واحد … بمائة قناع
و عندما تنفد هذه الجعبة بعد سنوات أخرى، و يتبيّن الحمل الكاذب و الاشتراكية المزوّرة … وقتها، يتمارض الزعيم أو يتماوت و يصيح أنصاره مشفقين لقد خانوا ثقتك يا قائد … و تخرج في الحال ورقة الزعيم الطاهر المطعون من خلّف، و يُقاد إلى الخشبة أول كباش الفداء … قد يكون من ممثلي الصف الثاني، أو من الكومبارس، أو حتى من دهماء الجمهور … المهمّ أنه يتمّ تلبيس هذا الممثل قناع التيس المرسل، بالاستعارة من كتب التوراة، و تحميله أوزار كل المرحلة، و تخريج نظامنا في ديكور المعبد الذي تخلّص من مدنّسيه … و هكذا، راحت اشتراكية البلّوط في خبر كان، و جيء بمنقذ آخر (من الكومبارس هو الآخر) ليلعب دور التحرر الاقتصادي و صنع الثروة و تشجيع صــــانعيها و زارعيها الخواص … محليين و أجانب … و نسيت العامة أناشيد العدالة الاجتمـــــــاعية و المساواة بين الجهات، و بين العامل و العامل، و بين المنتج و المنتج، و بين المتعاضد و المتعاضد … و باقي القاموس السائد في الستينــــــــات و الذي ألقى به الزعيم و الحزب و الهادي نويرة والإعلام الرسمي، في أقرب مصب بلدي …
و لن نكرر الكلام عن تكرار تجربة المناورة و ربح الوقت ثم الفشل المحتوم في النهاية … فتلك كانت ضريبتها 26 جانفي، و كانت أيضا ضريبتها انتفاضة أخرى و لكن مسلحة في جانفي آخر و لكن سنة 1980، ولعب الجماعة وقتها لعبة التفتح و التعددية و جاؤوا برئيس اتحاد الكتّاب لكي يلبس دور تيّاس الثمانينات … ولم يطل حبل الكذبة، فوقعوا في مطبّ جانفي 84 و قصة رفع الدعم، و بعدها بسنة غزوْا دار الاتحاد، و بعد ذلك بـثلاثة عقود (4 ديسمبر 2013) أعادوا الغزوة نفسها … و في أثناء كل هذا العمر، لعبوا و غيّروا و تغيّروا و مرّت على المسرح أطنان من الملابس و أكيــــــاس من الأقنعة المستوردة … و لكننا لو دققنا النظر واخترقنا كل هذه الحُجب و لعبات الشخصيات، و انتقال النص من الاشتراكية إلى الليبيرالية إلى التعددية إلى الديمقراطية إلى الخطاب الديني … و تداول الآليات بين التحوير الوزاري، و تغيير رؤساء الحكومات، و تبديل حتى رؤســـــاء الدولة، و الوصول بالانقلاب، و الوصول بصناديق الاقتراع …
لو أمعنّا النظر بعيدا عن أخاديع حواة السلطة التونسية و عرّابيهم في الخارج، لرأينا أننا لم نبارح موقعنا الذي نحن فيه منذ 61 سنة … أي نظام أكول سمين مسترسل الأجيـــــال، و شعب مأكول هزيل مبعثر الصفوف تقوده نُخب من التجّار و الشطّار … و معارضة هي في المحصلة جيش احتياط منتظر في غرفة مجاورة، و جاهز عند كل مناداة و في مطلع كل مرحلة … لا أكثر و لا أقلّ …
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟