تقدِمة: في مطلع هذا العام الشبيه بكل مطلع و كل عام من حياتنا العاصفة، هممت بالكتابة عن حالنا وحال حكّامنا معنا، و حالهم أيضا مع رياضتهم المفضلة و هي اللعب بالكراسي و فوق الكراسي و الطاولات، تاركيننا تحت الأرجل كقطط المطاعم أو بعوض السباخ، نلتمس الرزق أو نُركل أن نُنشّ أو نموت لا يهمّ … غير أن أحد الأصدقاء القرّاء عنّ له أن ينشر مقالا لي سبق أن نُشر ضمن صفحة قديمة من “عيدان الكبريت” … أعدت القراءة على مضض ففي اعتقادي أنه ما فات فات … و لكنني وجدت أنني لن أكون اليوم أصدق من البارحة، و أنّ أولياء أمرنا يخرجون لنا بنفس الوجه، و لا يستحقون منّا سوى نفس المرآة … لهذا، ها أنا أستسمح من بقي وفيّا رحب الصدر من القارئين، و أعيد نشر هذا الكلام الذي قلته منذ ثلاث سنوات يوما بيوم تقريبا، و بالحرف …
ياااااااااااااااااااااا حسرة
منذ يومين، مرت ثلاث و ثلاثون سنة على انتفاضة الخبز … و هي للتذكير كانت ردة فعل منطقية على زيادة سعر مشتقات الحبوب … و خاصة الخبز الذي قفز سعره فجأة في أواخر 1983 من 80 إلى 170 مليما … رقم يبدو زهيدا اليوم و لكنه كان لكمة عنيفة إلى وجوهنا في ذلك الوقت، و الأجر الأدنى كان لا يتجاوز الستين دينارا في حين أنه الآن في حدود 340 دينارا … يعني كأنْ يصبح سعر الخبزة اليوم 1400 مليم مثلا، مع ما يرافق ذلك على مستوى الدقيق و العجين الغذائي إلخ … و بالتبعية كل المواد الاستهلاكية الأخرى، غذائية كانت أم غير غذائية، عملا بقاعدة تداعي الأسعار … و هذا ما كانت ترمي إليه نصيحة صندوق النقد الدولي التي أذعنت لها حكومتنا، و هذا أيضا ما فهمه المواطن التونسي في طرفة عين … و انطلقت شرارة الأحداث في أقصى الجنوب التونسي (دوز تحديدا) لتشمل فيما بعد كل ولايات البلاد وصولا إلى العاصمة ...
عندما كانت الانتفاضات … كلمة حق يُراد بها حقّ
<strong>عبد القادر المقري<strong>
و بعد واحد و عشرين يوما من لحظتنا هذه، ستعود بنا الذاكرة قرابة الأربعة عقود إلى اندلاع أدْمَى مواجهة رأيناها بين مطالب شعبنا و سلطة النظام المسلحة … انتفاضة الخميس الأسود أو الأحمر، 26 جانفي الأليم العظيم، معركة استقلال اتحاد الشغل عن الحزب الحاكم و كل الأحزاب الحاكمة التي جثمت وتجثم على بلادنا … كانت أقرب إلى معركة تحرير وطني منها إلى مواجهة اجتماعية قِوامها أجور و أسعار و ظروف عمل … هكذا ظهرت الحقيقة بعد أن تطور نزاع الاتحاد وحكومة نويرة، و هكذا تعاملت عصا الحكم مع المحتجين بكل ما تملك من حديد ونار و آلة دعائية و حزبية … بل تجاوزت رغبة الاستقلال اتحاد الشغل لتشمل كل بلادنا التي أحست أنها كانت تعيش تحت وطأة استعمار من نوع آخر … استعمار محلي متضـامن مع الاستعمار الخارجي، استعمار وكلاء و سماسرة و عملاء، استعمار جديد …
و بين هذين التاريخين، أي يوم السبت القادم، تمرّ 6 سنوات على ما اصطلح على تسميته بالثورة التونسية … حدث هائل زلزل كامل المنطقة و وصلت موجاته إلى أبعد نقطة في الأرض … كنا ـ و لا نخفي ذلك ـ من المبتهجين لهذا الحدث و كان الأمل كبيرا … سقط نظام كقصر من ورق و لكننا تشبثنا بالدولة ومرافقها ومؤسساتها … و كان الاعتقاد أن تونس ستصبح أنقى و أصحّ و أقدر على دخول القرن الجديد … و نسينا أن لنا بالخارج رصيدا من أعداء الاحتياط سيحطّون الرحال بدل الذي سافر … و أننا تخلّصنا من قطرة ظلم لنقع تحت مزراب إبادة … و أن آمالنا و أحلامنا و عواطفنا الرقيقة لم تكن في قوة هذه الجحافل الجرّارة و عيونها الحانقة و عضلاتها المدججة … فضُرِّسْنا بأنياب و وُطِئْنا بمَنْسم، و تعاون على تشريحنا جلاّدون من كل الجنسيات، و استبيحت حدودنا و ضاع الفُـتات من أمننا و انتُهكت سوقنا و زدنا فقرا على فقر … و تكاثر بيننا الآسفون و النادمون حتى على الطاغية الذي سقط في بداية 2011 …
عندما يطلع النهار
جانفي، يناير، كانون الثاني و باقي التسميات … شهر تونسي عصبيّ فوّار بامتيـــاز، و موعد فصلي تستيقظ فيه جوارح بني شعبك يوم تكون كل الكائنات في حالة بَيات شتوي … الشعوب الأخرى تثور في الربيع أو في الصيف أو في خريف الغضب، و الأمثلة تتراوح من ثورة 14 جويلية الفرنسية إلى ثورة 25 أكتوبر الروسية وبينهما ثورات ربيع الشعوب … أما في تونس، فلا يكاد النوم يعانق سكان قصريْ قرطاج و القصبة منذ نصف قرن و كلما اقترب هذا الشهر العاصف … و ليس للمسألة من تفسير بيولوجي أو حتى ثقافي، بل كل الحكاية أن حياتنا مرهونة بجيوبنا، و أن جيوبنا عطاؤها و شحّها مرتبط بصلاح أو فساد ميزانية الدولة … وميزانية بلادنا يبدأ تنفيذها في أول جانفي من كل سنة، و هناك بالضبط تُكرم حكوماتنا أو تهان … صحيح أن النخب تكون مطّلعة على أطوار إعداد الميزانية و مناقشتها منذ أشهر … و هي عليمة بما يُحاك في الأروقة وجولات الذهاب و الإياب مع الصناديق الدولية، و ما يميل إليه نظام الحكم من سياسات و توزيع للثروة بين أهل غنائم و أهل ضرائب و ضرب … و لكن لا أحد تقريبا يسمعهم، و لا يفيق مواطنك الغافل إلا حين تقع الواقعة … و الواقعة طبعا هي إجراءات يبدأ تنفيذها القاسي مع أول السنة …
و هكذا توالت إجراءات التعسف سنة بعد سنة، و جانفي بعد جانفي، و انتفاضة بعد انتفاضة … و لكن نظامنا السيـــاسي بدل أن يتغير بالشكل الذي لا يصطدم فيه مع الشعب، و بدرجة تجعل منه خادما مؤتمنا على مصير ملايين الرقاب … بدل كل هذا، كان نظامنا ضليعا في التأقلم مع الأحداث و مداورة المصاعب دون حلها، و مراوغة أصحاب الحق بعد أن يكون استنفد كل حلول القوة و البطش التي يبادر إليها كلما ثار الناس عليه … و هكذا تفرّجنا طول عمرنا على ما يشبه مسرحية الممثل الواحد بمائة شخصية … و تلعب أكسسوارات التمثيل دورها كما لم يسبق لها أن لعبت … فمن هنا أكداس من الفريب، و من هنا أضواء بكل ألوان الطيف، و من هنا أقنعة بجميع صنوف الحيوان و الطير، و من هناك أصوات تتراوح من القرار إلى الجواب، و من تلك الجهة آلاف من حركات اليد و تعابير الوجه و حتى دمعات العين و الحنجرة المتهدجة حين تقتضي الحال …
يرتدي نظامنا في الأول ملابس المناضل محرر البلاد القائد الظافر القاهر الطارد للمحتل الأجنبي … تنطلي اللعبة بضع سنوات يغرف خلالها لنفسه و لقوى الاستعمار المنسحبة ما تم الاتفاق عليه بعيدا عن العيون و الآذان … يعاني الناس من فقرهم الجديد و تبدأ أولى مشاعر الخيبة، فيخرج النظام ورقة الجلاء العسكري ويتخلص في الأثناء من بعض أصوات النشاز … تهدأ الحال سنتين أو ثلاثا ثم يلحّ الفقر و يعود التململ، فتخرج للعامة ورقة الجلاء الزراعي و إيهامهم بأن الثروة ستتوزع بالعدل على الجميع مواكبة لموضة الاشتراكية … و بالمناسبة، يتغير اسم الحزب الحاكم ليأخذ من أنظمة أوروبا الشرقية شعاراتها و منظومتها الشمولية البوليسية … حزب واحد، قائد واحد، شعب واحد … و لا بأس في الأثناء من حشر العشرات داخل معتقلات موروثة عن زمن الاستعمار و يرتع فيها الظلام الدامس و رفيقته الرطوبة الخانقة، تحت موسيقى من صليل السلاسل و قرع السيــــاط …
نظام واحد … بمائة قناع
و عندما تنفد هذه الجعبة بعد سنوات أخرى، و يتبيّن الحمل الكاذب و الاشتراكية المزوّرة … وقتها، يتمارض الزعيم أو يتماوت و يصيح أنصاره مشفقين لقد خانوا ثقتك يا قائد … و تخرج في الحال ورقة الزعيم الطاهر المطعون من خلّف، و يُقاد إلى الخشبة أول كباش الفداء … قد يكون من ممثلي الصف الثاني، أو من الكومبارس، أو حتى من دهماء الجمهور … المهمّ أنه يتمّ تلبيس هذا الممثل قناع التيس المرسل، بالاستعارة من كتب التوراة، و تحميله أوزار كل المرحلة، و تخريج نظامنا في ديكور المعبد الذي تخلّص من مدنّسيه … و هكذا، راحت اشتراكية البلّوط في خبر كان، و جيء بمنقذ آخر (من الكومبارس هو الآخر) ليلعب دور التحرر الاقتصادي و صنع الثروة و تشجيع صــــانعيها و زارعيها الخواص … محليين و أجانب … و نسيت العامة أناشيد العدالة الاجتمـــــــاعية و المساواة بين الجهات، و بين العامل و العامل، و بين المنتج و المنتج، و بين المتعاضد و المتعاضد … و باقي القاموس السائد في الستينــــــــات و الذي ألقى به الزعيم و الحزب و الهادي نويرة والإعلام الرسمي، في أقرب مصب بلدي …
و لن نكرر الكلام عن تكرار تجربة المناورة و ربح الوقت ثم الفشل المحتوم في النهاية … فتلك كانت ضريبتها 26 جانفي، و كانت أيضا ضريبتها انتفاضة أخرى و لكن مسلحة في جانفي آخر و لكن سنة 1980، ولعب الجماعة وقتها لعبة التفتح و التعددية و جاؤوا برئيس اتحاد الكتّاب لكي يلبس دور تيّاس الثمانينات … ولم يطل حبل الكذبة، فوقعوا في مطبّ جانفي 84 و قصة رفع الدعم، و بعدها بسنة غزوْا دار الاتحاد، و بعد ذلك بـثلاثة عقود (4 ديسمبر 2013) أعادوا الغزوة نفسها … و في أثناء كل هذا العمر، لعبوا و غيّروا و تغيّروا و مرّت على المسرح أطنان من الملابس و أكيــــــاس من الأقنعة المستوردة … و لكننا لو دققنا النظر واخترقنا كل هذه الحُجب و لعبات الشخصيات، و انتقال النص من الاشتراكية إلى الليبيرالية إلى التعددية إلى الديمقراطية إلى الخطاب الديني … و تداول الآليات بين التحوير الوزاري، و تغيير رؤساء الحكومات، و تبديل حتى رؤســـــاء الدولة، و الوصول بالانقلاب، و الوصول بصناديق الاقتراع …
لو أمعنّا النظر بعيدا عن أخاديع حواة السلطة التونسية و عرّابيهم في الخارج، لرأينا أننا لم نبارح موقعنا الذي نحن فيه منذ 61 سنة … أي نظام أكول سمين مسترسل الأجيـــــال، و شعب مأكول هزيل مبعثر الصفوف تقوده نُخب من التجّار و الشطّار … و معارضة هي في المحصلة جيش احتياط منتظر في غرفة مجاورة، و جاهز عند كل مناداة و في مطلع كل مرحلة … لا أكثر و لا أقلّ …
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.