تابعنا على

منبـ ... نار

قراءة في مبادرة الاتحاد … ماذا يريد الاتحاد فعلا بمبادرته ؟؟

نشرت

في

بماذا جاءت مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل و لماذا في هذا الوقت؟؟ هل جاءت لغاية المساهمة في إخراج البلاد من الأزمة التي تعيشها أم جاءت فقط لإنقاذ الاتحاد من تبعات هذه الأزمة؟؟ و لماذا يصرّ الاتحاد على أن يكون طرفا في مبادرة حوار تهدف إلى إخراج البلاد مما هي فيه، و الحال أنه أحد أكبر أسباب ما هي فيه؟؟

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
محمد الأطرش

و لسائل أن يسأل هل ناضل الاتحاد طيلة العشر سنوات التي أوصلت البلاد إلى حافة الإفلاس من أجل تحقيق مطالب حراك 2010/2011 الذي نجح في ايهام الجميع أنه من قاده و أطّره؟؟ هنا وجب أن نتحلى بالشجاعة التي تسمح لنا بكشف ما وقع خلال العشر سنوات التي مرّت…فالاتحاد لم يعمل  و منذ جانفي 2011 على تحقيق ما كان يصرخ عاليا أنه يناضل من أجله، فهو المسؤول الأول أمام التاريخ على انتفاخ كتلة الأجور و وصولها إلى أضعاف ما كانت عليه يوم غادر بن علي البلاد، و هو المسؤول الأول عن ارتفاع نسبة البطالة في البلاد فالتشغيل لم يكن هدفه الأول بعد خروج بن علي، بل انساق وراء المطلبية المشطّة و الفوضوية للزيادة في الأجور و تسوية الوضعيات و بحث عن قضم جزء كبير من سلطة الدولة لصالحه.

دور الاتحاد في ما عانته البلاد..

الاتحاد لم يعمل على تجميد الأسعار و لم يحارب من أجل ذلك، كما لم يفكّر في تجميد الأجور، و العمل على هذه المعادلة لفسح المجال أمام تشغيل مئات الآلاف من العاطلين، بل خرج داعما و مساندا لكل الحراك المطلبي من شمال البلاد إلى جنوبها، فالاتحاد تبنّى كل مطالب الزيادة في الأجور و تسوية الوضعيات، و ساند و بشكل كامل إعادة المطرودين و العفو التشريعي العام…كما خرج في كل الجهات من أجل تعميم بعض المنح الخصوصية أيام رئاسة الباجي رحمه الله للحكومة، كما أن الاتحاد كان المؤطّر الأول و الحاضن و الداعم الأكبر لرابطات حماية الثورة التي عاثت في البلاد فسادا من شمالها إلى جنوبها، فحملات “ارحل” أو “ديقاج” التي هاجمت كل المسؤولين على مؤسسات الدولة كانت بتأطير و رعاية من الاتحاد، و علينا أن نعود إلى كل ما وقع خلال سنة جلوس قائد السبسي على كرسي القصبة لندرك حجم الخراب الذي فتك بالبلاد و بالدولة، فالباجي رحمه الله اختار سياسة مهادنة الخارجين على الدولة و تلبية كل مطالبهم درءا للدخول في مواجهات قد تعيدنا إلى مربع العنف الذي عاشت البلاد أحداثه بين شهري ديسمبر 2010 و جانفي 2011…فالبلاد عاشت خلال عهدة الباجي خروجا واسعا على الدولة و قطعا للطرقات و إغلاقا لمواقع الإنتاج برعاية الاتحاد و تواصل الأمر حتى يومنا هذا…

تواصلت سياسة لي ذراع الدولة مع وصول حكومات الترويكا للسلطة، فهذه الأخيرة اختارت نفس منهجية قائد السبسي في درء الأسوأ، فلم تلتفت للتشغيل و تحقيق مطالب من خرجوا في الحراك الذي كان شعاره الأول و الأهمّ  “شغل حرية كرامة وطنية”، بل اكتفت بإسكات الخارجين عليها بمساندة و دعم كامل من الاتحاد الذي أغرقت قياداته المشهد الإعلامي بخطابها الانفعالي و التأليبي المتواصل على مدى سنوات…فالانتدابات القليلة التي تمّت عبر العديد من المناظرات كانت تحت رعاية الاتحاد أيضا و وصل الأمر ببعضها إلى صدور قائمة الناجحين من مقرّات الاتحاد الجهوية حسب مشيئة الاتحاد، فنصف من وقع انتدابهم كانوا بتدخلات مباشرة من الاتحادات الجهوية للشغل…و من القيادات المركزية لهذه المنظمة.

خلاصة ما وقع منذ عشر سنوات، الاتحاد لم يهادن الدولة و حكوماتها و لم يعمل على تحقيق مطالب من خرجوا على المنظومة السابقة، فالشعارات التي مات من أجل تحقيقها العشرات و ذهب ضحيتها العشرات من رجال المؤسسة الأمنية تُرفع إلى يومنا هذا، و لم يسكت أصحابها عن المطالبة بها، فماذا نسمي ما يقع اليوم في العديد من الولايات من إضرابات عامة برعاية و تأطير من الاتحاد العام التونسي للشغل و بحضور قياداته العليا؟؟ مبادرة الاتحاد هي تعبير واضح عن فشل الاتحاد و من يسانده في تحقيق مطالب حراك 2011 فهو من أوهمنا أنه الحاضن لكل ما وقع، فهو المسؤول الأول إذن عن تحقيق كل تلك المطالب…و لأنه لا يريد أن يتحمّل تبعات هذا الفشل خرج علينا بمبادرة سيكون شريكا فيها لإنقاذ نفسه قبل إنقاذ البلاد…و الخوف من استبداد هذه المنظمة هو الذي جعل كل القارئين للمشهد و المتابعين لا يغامرون بتحميل الاتحاد تبعات كل ما وقع بالبلاد، فالاتحاد هو الجزء الثابت من المشهد السياسي العام خلال العشر سنوات التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه، في ظلّ وصول تسع حكومات إلى القصبة، فهل صاحب الفشل كل هذه الحكومات دون سبب ودون أطراف حادت عن أهدافها الأساسية، تريد إرباك المشهد و فرض خياراتها لضمان وجودها و الحفاظ على موقعها.

الاتحاد يريد موقعا سياسيا…

و السؤال الخطير الذي يطرح نفسه مع تسارع وتيرة الاعتصامات و التحركات في العديد من الجهات هل يريد الاتحاد بافتعاله و تأطيره لكل هذه التحركات فرض مبادرته على ساكن قرطاج و فرض وجود فاعل في هيئة الحكماء التي سترعى هذه المبادرة و لا أظنّ أن الطبوبي سيقبل بأن يكون خارج هذه الهيئة هذا إن لم يطالب بأن يكون رئيسا لها، و هل شعر الاتحاد بانحسار دوره في ظلّ ما تعيشه البلاد و أراد أن يلتفّ على ما تبقى من الدولة بطريقة أو بأخرى حفاظا على موقعه، فهو يعلم جيدا أنه غير قادر اليوم على تحقيق أي مطلب من مطالب قواعده بعد أن أوصل خزينة الدولة إلى ما هي عليه اليوم، و الجميع أيضا يعلم اليوم أن الاتحاد يعيش أزمة داخلية قبل مؤتمره و أن الانقسام شقّ صفوف قياداته رغم محاولاتها الكبيرة للتعتيم على الأمر. فحين يقول نصّ المبادرة “… فإنّ الاتحاد العام التونسي للشغل، و هو يؤكّد على وجوب عقلنة إدارة الشأن العام و معالجة القضايا بدرجة عالية من المسؤولية و الوطنية و من منطلق الحرص على تجنيب البلاد مخاطر الانزلاق نحو الفوضى، يتقدّم بمبادرة سياسية… ” فهذا يعني أن الاتحاد انقلب على دوره الأساسي و أصبح يبحث عن لعب دور سياسي في الأزمة التي تعيشها البلاد، و بذلك يخرج من أزمته و يوجّه أنظار المتابعين لشأنه الداخلي إلى أزمة أعمق تمسّ البلاد بصفة اشمل…و حين يقول نصّ المبادرة ” …و هي مبادرة مفتوحة على كلّ القوى الوطنية التي تؤمن بالدّولة المدنية الديمقراطية الاجتماعية و تنبذ العنف و ترفض الإرهاب و تدافع عن السيادة الوطنية و لا تصطفّ مع الأحلاف الخارجية مهما كان عنوانها…” فهذا يعني أن الاتحاد اختار ضمنيا الأطراف التي يريد أن تكون معه جنبا إلى جنب في هذه المبادرة أو في الحوار التي سيولد من رحم هذه المبادرة…و حين يقول نصّ المبادرة ” …و عليه يتوجّه الاتحاد العام التونسي للشغل في هذا الصدد إلى السيد رئيس الجمهورية، باعتباره الضامن لتطبيق الدستور و لوحدة البلاد والسّاهر على أمنها و سلامة شعبها و أرضها، أن يحتضن هذه المبادرة و يقوم على الإشراف عليها و على توفير شروط نجاحها...فهذا يعني أن الاتحاد اختار الطرف الدي سيتحالف معه في المدّة القادمة و سيكون ضمنيا رافضا للحزام السياسي الحالي لحكومة المشيشي كلّيا أو جزئيا، و هذا يؤكّد أيضا أن الاتحاد خطّط للأمر صحبة بعض الأطراف السياسية الأخرى و هي نفس الأطراف التي تدعو إلى حكومة الرئيس فمبادرة الاتحاد هي أيضا مبادرة حركة الشعب، و ربما التيار الديمقراطي، مع إمكانية ضمّ بعض الأطراف الأخرى إليها، و خلاصة الأمر سيكون الإقصاء شعار هذه المبادرة و لن يجمع الحوار إن كتب له أن يكون بعض الأطراف التي لن يرضى عنها ساكن ساحة محمد علي…و ساكن قرطاج.

و يواصل نصّ مبادرة ساحة محمد علي حين يقول “…و يدعو الاتحاد العام التونسي للشغل كلّ الفاعلين السياسيين المعنيين بإنقاذ تونس و باقي المنظمات الوطنية و قوى المجتمع المدني و كلّ الكفاءات في الداخل و الخارج من شخصيات وطنية و قامات أكاديمية و علمية إلى الانخراط في حوار جدّي… ” ليؤكّد أن أصحاب المبادرة يريدون تجميع الجميع حول طاولتهم و ليس حول طاولة الوطن كما يزعمون، فالنجاح الذي حققه العباسي و من معه و حصولهم على جائزة نوبل للسلام حرّك بعض الغيرة و الحسد في قلوب بعض قيادات الاتحاد الحاليين، كيف لا و هم قد يخرجون دون تحقيق أي نجاح يذكر ففي عهدتهم وصلت البلاد حافة الإفلاس، و في عهدتهم نجحت بعض الأطراف التي لا تعترف بمفهوم الدولة في الوصول إلى مجلس النواب، و في عهدتهم أصاب الشلل كل مفاصل الدولة تقريبا، فالطبوبي و من معه يريدون من خلال هذه المبادرة اعترافا واسعا من جميع أطياف المشهد السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي و الفكري بدورهم في إنقاذ البلاد مما هي فيه…لكن هل هي من سينقذ البلاد حقّا؟؟

الاتحاد و آليات التموقع…

ثلاثة محاور أساسية في مبادرة ساكن ساحة محمد علي و من معه، و أولها المحور السياسي و هو ما يؤكّد أن الاتحاد يريد فعلا لعب دور سياسي في المرحلة القادمة، فالاتحاد يريد تقييم قانُونَي الأحزاب و الجمعيات و مراجعتهما، و الثابت أن الغاية إقصائية لا جدال فيها و لا أظنّ انها بالبراءة التي يحاول الترويج لها بعض قيادات الاتحاد و من يدور معهم في فلك المبادرة… كما يريد من خلال مبادرته تقييم القانون الانتخابي و تعديله بما يحقّق تماسك الحياة السياسية و هنا أيضا تشتم رائحة إقصاء بعض مكونات المشهد الحالي… و ربما يكون مطلب تحييد المرفق القضائي المطلب الوحيد في هذه المبادرة الذي لا تشوبه بعض الشكوك في مضمونه غير المعلن والخفي …أما تقييم أداء الهيئات الدستورية و استكمال تركيزها و تقييم تجربة الحكم المحلي و مراجعة قانون الجماعات المحليّة فهذه مطالب تؤكّد بأن الاتحاد خرج فعلا بهذه المبادرة عن دوره الأساسي، و أنه أصبح يعتبر نفسه فاعلا أساسيا في المشهد السياسي عموما و قد يكون هذا هو الدور الجديد الذي يبحث عنه ساكن ساحة محمد علي حفاظا على موقعه في المشهد العام للدولة، فالطبوبي لا يريد أن يخرج من المشهد بخفي حنين كما خرج السحباني و جراد بل يبحث عن مكان تحت شمس تاريخ البلاد كما فعل حشاد و عاشور و العباسي…

في المحورين الاقتصادي والاجتماعي لا جديد يذكر فما جاء في نصّ المبادرة هو نفس الخطاب الذي يرفعه الاتحاد في كل تحركاته سواء كان جهويا أو وطنيا…و هو نفس الخطاب الدي نستمع إليه من كل من اعتصموا ببهو بعض الوزارات…و كل من أقدموا على غلق مواقع الإنتاج الحساسة بالبلاد…

الاتحاد…مكره أخاك…

يقول المثل “إذا أردت أن تضيع شعبا أشغله بغياب الأنبوبة و غياب البنزين ثم غيب عقله و اخلط السياسة بالاقتصاد بالدين بالرياضة..”.و تونس اليوم تعيش كل هذا و منذ سنوات طويلة، فالاتحاد كما هو الحال بالنسبة لساكن قرطاج عليهما اليوم إثبات أنهما يريدان حقّا إخراج البلاد مما وصلت إليه،  فبعض أصابع الاتهام اتجهت نحو ساكن قرطاج إثر موجة الاعتصامات و التحركات في العديد من الجهات فشعارات بعض التحركات تدور في فلك شعارات “الشعب يريد” و هو الشعار الذي يرفعه ساكن قرطاج و من معه في حملته الانتخابية، و هو الأمر الذي نفاه باتهام أطراف خارجية لا يعلمها غيره و الله جل جلاله…كما أن بعض الإضرابات العامة تبناها الاتحاد و خرجت بعض قياداته للإعلان عن ذلك إعلاميا… فمجرّد طرح مبادرة و تقديمها لرئيس الجمهورية تلزم جميع الأطراف بالانضباط لما جاء فيها، و الاتحاد يدرك جيدا أنه لن ينجح في تحقيق أي مطلب من مطالب قواعده القطاعية خلال هذه السنة والسنوات القادمة و أن كل تحرّك أو اعتصام أو إضراب بالقطاعات الحيوية سيعود عليه وعلى قياداته بالضرر و سيجلب له موجة واسعة من السخط، فمجرّد تقديم المبادرة و البدء في مناقشة تفاصيلها و حيثياتها، يلزم الاتحاد و قواعد ساكن قرطاج بالتحلى بروح المسؤولية و إعلان هدنة تامة تسمح للدولة بالتقاط أنفاسها، و أي خرق لهذه الهدنة سيفسّر بأنه محاولة لخلط الأوراق و ضرب التحالف السياسي القائم حول حكومة المشيشي، فالمبادرة هي الوسيلة الوحيدة المتبقية بحوزة الاتحاد و ساكن قرطاج للعب دور في المشهد السياسي الحالي، فساكن قرطاج يدرك أنه خرج من دائرة القصبة رغم اختياره لبعض أسماء حكومة المشيشي، و يدرك أن البقاء بعيدا عمّا يجري بالبلاد سيوسع الهوة بينه و بين مخزونه الانتخابي الذي بدأ ينفضّ من حوله، فالبقاء على مشارف القصبة قد يحقّق من خلاله بعض المكاسب لمن انتخبوه من خلال مبادرات تشريعية تدعمها حكومة المشيشي و الحزام السياسي الداعم له، وقد يستغل ساكن قرطاج مبادرة الاتحاد لخلط الأوراق لصالحه من جديد بشكل أو بآخر…أما الاتحاد فإنه سيبحث عن دور و لو بسيط ليكون ضمن مكونات المشهد السياسي العام بالبلاد في ظلّ تأكده من استحالة النجاح في تحقيق بعض المكاسب لقواعده خلال هذه العهدة، خاصة أنه على بيّنة من تصاعد و ارتفاع موجة الغضب ضدّه،  و قد يختار العودة إلى لعب دوره الاجتماعي الحقيقي في صورة النجاح في جمع الجميع حول مبادرته … لكنه قد يلجأ أيضا إلى تحريك الشارع وبعض القطاعات الحيوية في صورة رفض أغلب مكونات المشهد لمبادرته و لدوره الجديد في المشهد السياسي.

الاتحاد و المبادرة….و البقية..

عبّرت بعض الأطراف السياسية عن دعمها للمبادرة التي أهداها الاتحاد لساكن قرطاج على أمل أن يعيدها ساكن قرطاج إليه من خلال اختيار الطبوبي رئيسا لهيئة حكمائها، و عبّرت بعض الأطراف الأخرى عن تخوفها من إمكانية إقصاء بعض الأطراف منها، لكن هل ستقبل بعض الأحزاب بأن يكون الاتحاد قاطرة البحث عن حلّ لأزمة البلاد و هي تعلم أنه أحد أهمّ أسبابها؟؟ فقلب تونس يدرك أنه غير مرغوب فيه من طرف ساكن قرطاج…و ائتلاف الكرامة يعلم أنه غير مرغوب فيه من الاتحاد….و النهضة تعلم أيضا أنها غير مرغوب فيها من التيار و حركة الشعب…وتحيا تونس يدرك أيضا أنه غير مرغوب فيه من طرف قلب تونس…و كتلة الإصلاح تعلم أن التيار و حركة الشعب و البعض الآخر يرفضون وجودها معهم…كل هذا النفور من البعض للبعض الآخر يخدم في الأخير ساكن القصبة، فهذا الأخير يعوّل على عامل الوقت للبقاء في القصبة، و يدعمه في ذلك مالك القناة و حركة النهضة و ائتلاف الكرامة و كتلة الإصلاح فهؤلاء جميعا يدركون خطورة الانخراط في مبادرة ساكن قرطاج و ساكن ساحة محمد علي، فهم يعلمون أن الحرب لم تنته و أن المبادرة قد تكون عبوة ناسفة في طريقهم و أنها قد تنفجر في وجوهم في كل وقت، لذلك فمن المنتظر أن تطول مدّة الحديث و النقاش عن تفاصيل المبادرة و طريقة صياغتها على أرض الواقع، كما يمكن أن يبحث البعض عن تحوير بعض ما جاء فيها …

خلاصة ما يحدث…جاءت المبادرة لتنقذ الاتحاد من أزمته الداخلية و تنقذ بعض قياداته من الخروج من هذه العهدة بخفي حنين…و جاءت ليحافظ بها ساكن ساحة محمد علي على موقع متقدّم في المشهد الحالي….كما جاءت المبادرة لإطالة مدّة بقاء المشيشي بالقصبة….و جاءت أيضا لحفظ ماء وجه ساكن قرطاج أمام مخزونه الانتخابي…كما جاءت لتنقذ بعض مكونات حزام المشيشي من مصيدة ساكن قرطاج و من يدورون في محوره…لكنها لن تفيد الشعب في شيء…لأن معاناته ستكون أكبر خلال قادم السنوات…

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

منبـ ... نار

التوجيه الجامعي في العصر الرقمي: لماذا أصبح حسن الاختيار أكثر صعوبة؟

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. مصطفى الشيخ الزوالي:

منذ أواخر تسعينات القرن الماضي، وعلى امتداد ما يقارب ثلاثين سنة من متابعة عمليات التوجيه الجامعي في تونس ومرافقة الناجحين الجدد في الباكالوريا، كشفت لنا التجربة الميدانية أن المشكلات لا تختفي بقدر ما تُغيّر أشكالها.

Mustapha Cheikh Zaoueli مصطفى الشيخ الزوال

فالقلق الذي يرافق لحظة الاختيار بقي حاضرًا، لكن مصدره انتقل من ندرة المعلومة إلى وفرتها : ففي الماضي كان التحدّي الأكبر هو الوصول إلى المعلومة، أما اليوم، في زمن المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، فأصبح حسن الاختيار هو التحدي الحقيقي وسط فيض غير مسبوق من المعلومات والآراء.

وما يزال الناجح الجديد يقف أمام أول قرار يرسم ملامح مساره الدراسي والمهني، غير أن الحيرة التي ترافق هذا القرار لم تعد ناتجة عن نقص المعطيات، وإنما عن صعوبة فرزها وتحويلها إلى اختيار واعٍ. ومن هنا يبرز سؤال يستحق إعادة التفكير: لماذا لم تجعل وفرة المعلومات حسن الاختيار أكثر يُسرا ؟ ولماذا ازدادت الحاجة إلى خدمات الإعلام والتوجيه في الوقت الذي أصبحت فيه المعرفة أقرب إلى الجميع؟

أولاً: هشاشة الاختيار… تسبق العصر الرقمي قد يبدو أن الحيرة التي يعيشها الناجح الجديد في الباكالوريا مرتبطة بضيق الوقت أو بتعقّد إجراءات التوجيه، لكنها في حقيقتها أعمق من ذلك. فالتوجيه الجامعي ليس مجرد ترتيب للرغبات أو مقارنة بين معدلات القبول، وإنما عملية لاتخاذ قرار تتداخل فيها الأبعاد المعرفية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية. ويؤكد علم نفس التوجيه أن الاختيار ليس حدثًا عابرًا، بل مهارة تُبنى تدريجيًا من خلال التربية على الاختيار: تعلّم معرفة الذات، واستكشاف الميول والقدرات، وموازنتها بالفرص المتاحة، وتحمل مسؤولية القرار. وحين لا تُبنى هذه المهارة، يميل الإنسان في المواقف المعقدة إلى الاحتماء بالأحكام الجاهزة أو تفويض القرار للآخرين، خاصة عندما يتعلق الأمر بمستقبل قد يرسم مساره الدراسي والمهني. لذلك ليس مستغربًا أن ينجذب كثير من الناجحين، في الأيامالأولى بعد إعلان النتائج، إلى الآراء القاطعة والوعود السريعة أكثر من انجذابهم إلى التحليل المتأني.

وتتضاعف هذه الهشاشة بفعل عوامل اجتماعية وثقافية لا تزال حاضرة إلى اليوم: اختيارات الأسرة، وتأثير الأصدقاء، وضعف ثقافة التخطيط المبكّر للمستقبل، تجعل كثيرًا من التلاميذ يؤجلون التفكير الجدّي في التوجيه الجامعي إلى ما بعد صدور نتائج الباكالوريا ، فلا يبقى أمامهم سوى أسابيع قليلة لاتخاذ قرار سيمتد أثره سنوات طويلة، في لحظة انتقالية بين المعهد والجامعة يشتد فيها الارتباك وتتزايد الحاجة إلى المرافقة.

ثانيًا: مفارقة العصر، وفرة المعلومة وندرة القدرة على الاختيار

انتقلت المشكلة إذن من سؤال الوصول إلى المعلومة إلى سؤال حسن الاختيار. ففي التجربة التونسية، وخلال العقود الأخيرة، كان دليل التوجيه الجامعي المرجع الأول، وظلت مصادر الاستشارة محدودة. أما اليوم فقد انقلب المشهد: صار التحدي الأكبر هو الإفلات من فائض المعلومة لا البحث عنها، فهي تلاحق المترشح أينما اتجه، عبر المنصات الرقمية وشبكات التواصل ومقاطع الفيديو وأدوات الذكاء الاصطناعي، والتجارب الشخصية التي تُقدَّم أحيانًا وكأنها قواعد عامة.

وقد يبدو هذا التحول مكسبًا لا جدال فيه، لأنه وسّع إمكانات الوصول إلى المعرفة، لكنه كشف في الوقت نفسه عن مفارقة جديدة: وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة حسن الاختيار. فكلما تعددت الخيارات وتزاحمت الآراء، ازدادت الحاجة إلى القدرة على الفرز وربط المعطيات بخصوصية كل مترشح، وهي مهارة لا توفرها التكنولوجيا في حد ذاتها.

ويرتبط ذلك بتحول أعمق في مصادر التأثير داخل المجتمع الرقمي. ففي زمن الندرة، كانت المعرفة تستمد مشروعيتها أساسًا من المؤسسات العلمية والتربوية، أما اليوم فقد أصبح الانتشار نفسه يمنح المحتوى سلطة قد تسبق التحقق من خبرة صاحبه أو كفاءته. فعدد المتابعين وسرعة الانتشار لا يكفيان لإثبات الكفاءة، لكنهما قد يمنحان صاحبهما سلطة رمزية تؤثر في قرارات آلاف المترشحين.

وهنا تبرز أهمية التمييز بين من يقدّم معلومات دقيقة، ومن يخلط بين الوقائع والانطباعات، وبين من يمتلك الكفاءة التربوية لمساعدة المترشح على بناء قراره؛ فحتى المعلومة الدقيقة لا تكفي وحدها لإنتاج اختيار صحيح، لأن الاختيار عملية تربوية قبل أن يكون عملية إعلامية.ثالثًا: حين تهيمن الدعاية على حساب التربية على الاختيارفي هذا السياق، لم تعد المنافسة بين مصادر مختلفة للمعلومة فحسب، وإنما بين منطقين مختلفين في بناء القرار. فمن جهة، تقوم التربية على الاختيار على معرفة الذات والتفكير المتأني وتحمل مسؤولية القرار بعد موازنة الإمكانات والفرص. ومن جهة أخرى، يقوم الخطاب الترويجي على المنطق المعاكس: الوعود السريعة، والأحكام الجاهزة، وتقديم التجارب الفردية وكأنها تصلح للجميع.

ولذلك لا يكمن الخطر الحقيقي في وجود معلومات غير دقيقة فحسب، وإنما في اعتياد المترشح البحث عن إجابات جاهزة بدل أن يتعلم كيف يبني اختياره بنفسه. فكلما اشتد القلق، ازداد الإغراء بالحلول السهلة، بينما يحتاج الاختيار الرشيد إلى وقت للتفكير، وإلى معرفة بالذات، وإلى مرافقة مهنية تساعد على قراءة المعطيات في سياقها.

ويتضح عندئذٍ الفرق الجوهري بين الإعلام والتوجيه: فالإعلام يقتصر على توفير المعلومة، من الشعب المفتوحة وشروط القبول ومعدلات السنوات السابقة، أما التوجيه فيساعد التلميذ على تحويل هذه المعلومات إلى قرار يناسبه. ولذلك، فإن سؤال: «أيّ هذه المسارات يناسبني أنا؟» لا تجيب عنه قاعدة بيانات، ولا مقطع فيديو، ولا تجربة طالب آخر، بل يستفيد من حوار تربوي يساعد المترشح على وضع المعلومات في سياقها، وقراءتها في ضوء شخصيته وقدراته وظروفه، والتمييز بين المعرفة الموثوقة والخطاب الترويجي.

رابعًا: من وفرة المعلومة إلى أخطاء الاختيار

ولعل أوضح تجليات هذه المفارقة ما يتكرر كل سنة من أخطاء في بناء الاختيارات الجامعية. فمن المترشحين من يتعامل مع مجموع نقاط “آخر موجَّه” في السنة السابقة وكأنه حاجز لا يمكن تجاوزه، فيحرم نفسه من طلب اختصاص كان في متناول معدله. ومنهم من يعتقد أن ترتيب الرغبات يمنحه أفضلية في القبول، أو يغفل الامتيازات التي يوفرها التنفيل الجغرافي، أو يخلط بين اختصاصات متقاربة في الاسم مختلفة في المحتوى، أو يبني اختياراته على ما يُتداول حول “الشعب الأكثر تشغيلًا” و”الاختصاصات المضمونة”، دون التثبت من واقعها أو من انسجامها مع قدراته وميوله.

ولا تعكس هذه الأخطاء نقصًا في ذكاء التلاميذ أو اجتهادهم، بقدر ما تعكس هشاشة اللحظة التي يُتخذ فيها القرار، وما يحيط بها من معلومات متضاربة وضغط نفسي واستعجال. فحين لا يجد المترشح من يساعده على قراءة هذه المعطيات في سياقها، قد تتحول معلومة غير دقيقة، أو تجربة فردية، أو خطاب ترويجي، إلى اختيار يؤثر في مساره الدراسي والمهني لسنوات طويلة.خامسًا: الذكاء الاصطناعي… حين تزداد الحاجة إلى المرافقة الإنسانية

إذا كانت المنصات الرقمية قد ضاعفت حجم المعلومات المتاحة، فإن أدوات الذكاء الاصطناعي مرشحة لأن تضاعفها مرة أخرى. ففي ثوانٍ معدودة، أصبح بإمكان المترشح أن يحصل على مقارنات بين الاختصاصات، وتحليلات لمعدلات القبول، واقتراحات لمسارات دراسية، بل وحتى إجابات تبدو شخصية ومقنعة.

غير أن هذا التطور، على أهميته، لا يلغي المشكلة التي يناقشها هذا المقال، وإنما يعيد طرحها في مستوى جديد. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يجمع المعلومات وينظمها ويقترح بدائل متعددة، لكنه لا يستطيع أن يحسم السؤال الأكثر خصوصية: أيّ هذه المسارات يناسب هذا المترشح بالذات؟ فهذا القرار لا يُبنى على المعطيات وحدها، بل على معرفة الذات، وفهم الظروف الشخصية، وتحمل مسؤولية الاختيار.

وهذا ما يجعل وظيفة الإعلام والتوجيه مرشحة للتطور لا للتراجع. فإذا كان توفير المعلومة وتفسيرها يمثلان أحد الأبعاد الأساسية لعمل مستشار الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي، فإن قيمتها اليوم، وفي المستقبل أكثر من أي وقت مضى، تتجلى في مرافقة التلميذ أثناء بناء قراره، وتنمية قدرته على الاختيار الواعي في عالم تتزايد فيه المعلومات بوتيرة أسرع من القدرة على فرزها واستيعابها.

فالمفارقة الحقيقية إذن ليست في تغيّر وظيفة المستشار، وإنما في تزايد الحاجة إلى أبعادها التربوية والإنسانية؛ ذلك أن التكنولوجيا، مهما وفّرت من معلومات، تبقى عاجزة عن أن تحل محل العلاقة التربوية القائمة على الإنصات، والحوار، وفهم خصوصية كل متعلم، ومرافقته في بناء قرار يتحمل مسؤوليته.

لكن الاستجابة لهذا التحدي لا يمكن أن تقوم على مستشار الإعلام والتوجيه وحده، ولا أن تظل حكرًا على المؤسسة التعليمية. فالتربية على حسن الاختيار مسؤولية مجتمعية تتقاسمها الأسرة، والمؤسسات التربوية، ووسائل الإعلام، والمنصات الرقمية، وسائر الفاعلين المعنيين بمرافقة الشباب. وفي هذا الإطار، تظل المؤسسة التعليمية الحلقة المركزية بحكم رسالتها التربوية، ويكتسي دور الأستاذ المكلّف بالإعلام والتوجيه بالمعاهد أهمية خاصة باعتباره حلقة وصل بين المستشار والتلاميذ، بما يساهم في تقريب خدمات الإعلام والتوجيه، ومتابعة المتعلمين في مرحلة الاختيار، وتعزيز ثقافة التربية على حسن الاختيار.ومن ثم، فإن تطوير خدمات الإعلام والتوجيه، وتنمية كفايات مختلف الفاعلين التربويين في مجال المرافقة والتربية على الاختيار، يمثل استثمارًا في قدرة المتعلم على اتخاذ القرار في عصر تتسارع فيه وتيرة المعلومات.

خلاصة: حسن الاختيار… الكفاية التي لا تعوّضها التكنولوجيا

ما يكشفه هذا المسار من الملاحظة الميدانية، عبر ثلاثين سنة من مرافقة الناجحين الجدد، هو أن جوهر الأزمة لم يتغيّر بقدر ما تغيّر موضعها. فقد انتقل مركز الصعوبة من “الحصول على المعلومة” إلى “تحويل المعلومة إلى قرار”، وهذا انتقال نوعي لا كمي: فبينما كانت ندرة المعطيات تُنتج حيرة قابلة للحل بمزيد من البحث، فإن وفرتها اليوم تُنتج حيرة لا يحلها إلا الفرز والتمييز، وهما مهارتان لا تمنحهما التكنولوجيا بذاتها مهما تطورت أدواتها.

من هذه الزاوية، لا يُقاس نجاح أي أداة رقمية أو ذكاء اصطناعي بكمية ما تقترحه من مسارات أو مقارنات، بل بقدرتها على أن تُفسح المجال لسؤال لا تستطيع هي أن تجيب عنه: من أنا، وماذا يناسبني؟ وهذا يُبقي العلاقة التربوية القائمة على الإصغاء والحوار الفردي في موقع لا تُزاحمه فيه الخوارزميات، لا لأنها متخلفة عن العصر، بل لأن طبيعة السؤال نفسه إنسانية لا معلوماتية.

ولذلك فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في مضاعفة المحتوى التوجيهي، بل في بناء كفاية “حسن الاختيار” لدى المتعلم ذاته، بوصفها استثمارًا يسبق لحظة الحيرة ولا ينتظرها. فكل تقدم تقني لا يواكبه استثمار مواز في بناء هذه الكفاية الإنسانية لن يحل أزمة القرار، بل سيكتفي بتبديل شكلها.

أكمل القراءة

منبـ ... نار

المهدية والذاكرة والمواطنة… تأملات، انطلاقًا من ندوة “المهدية وَجِهَتُها عبر العصور”

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. مصطفى الشيخ الزوالي:

بين 16 و17 ماي 2026، احتضنت مدينة المهدية ندوةً علمية حول «المهدية وجهتها عبر العصور: العمارة، واستغلال المجال، وتحولات المشهد الحضري»، وذلك بفضاء متحف دار البحار، في إطار اختتام شهر التراث تحت شعار «التراث وفن العمارة».

د. مصطفى الشيخ الزوّالي

وقد انتظمت هذه التظاهرة بمبادرة من المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية، بالشراكة مع المعهد الوطني للتراث، ووكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية، وعدد من الجمعيات المعنية بالتراث والذاكرة المتوسطية.

غير أنّ القيمة الأعمق للندوة تمثّلت في ذلك الإحساس بأن المهدية كانت، طوال يومين، تستعيد حقّها في أن تُروى؛ لا كمدينةٍ تُزار، بل كذاكرةٍ حيّة تتداخل فيها طبقات التاريخ والعمران والبحر والثقافة.

أشغال الندوة: المهدية من زوايا متعددة… وحكاية مدينة عبر العصور

توزّعت المداخلات على محاور متعددة، غير أنها جميعها نُسجت على خيط ناظم واحد: العلاقة العضوية بين المكان والذاكرة والهوية. تناول أحمد قضوم مساهمة الموارد الساحلية في تشييد المنشآت البحرية عبر التاريخ، وقدّمت منال الخذيري قراءةً في البنية الجيومورفولوجية للمهدية ومنطقتها. واستجلى عماد الجربي سياقات تأسيس برج خديجة ومنارة بطرية، فيما أبرز محمد حسن طبيعة العلاقة التي جمعت المهدية وصقلية في العصر الوسيط. وقدّمت سلمى حمزة مقاربة حول المهدية بوصفها «مدينة مزدوجة»، قبل أن يتناول رياض المرابط مصادر إلهام العمارة الإسلامية متخذًا من المهدية نموذجًا تحليليًا، ويكشف علي العجمي تجلياتها الفنية والعقدية، حيث الجمال ليس زينةً طارئة بل تعبير عن رؤية كونية متكاملة.

وأضاءت مداخلة عاطف سالم حضور الجاليات الأوروبية بين القرنين التاسع عشر والعشرين، في حين عاد سفيان بن موسى إلى ما قبل التاريخ المكتوب مستعرضًا الاستيطان البشري الأول في المنطقة. وكشف الحبيب بن يونس كيف أن الموتى أيضًا جزء من نسيج ذاكرة المدينة من خلال قراءته للعمارة الجنائزية البونية، فيما أضاء جهاد الصويد جانبًا مجهولاً من تاريخ منزل قديد، وحدّد ياسين الأكحل معالم الحضور الإسلامي في المهدية في العصر الوسيط الأول.

وكانت من أكثر المداخلات إثارةً للتأمل، بل هي الدافع المباشر لكتابة هذا المقال، تلك التي قدّمها أحمد الباهي في دراسته الطوبونيمية «للمهدية عدة أسماء»، إذ بيّن أن الأسماء آثار مكثفة للتاريخ، تختزن تعاقب الحضارات وتحولات السلطة وتقلّب صور المجتمع عن نفسه. فحين تمتلك مدينة أسماء متعددة فإنها تمتلك في العمق طبقات متعددة من الذاكرة والهوية. والمهدية في هذا السياق نموذج استثنائي، إذ تتصدر المدن التونسية بل المغاربية في عدد تسمياتها متقدمةً على القيروان وتونس نفسيهما، وهو ما يجعل دراستها الطوبونيمية مدخلاً متميزًا لفهم تحولات المنطقة عبر العصور.

وتكشف هذه الدراسة عن ثراء لافت في تسميات المدينة؛ إذ لم تكن هذه الأسماء مجرد تعيينات جغرافية، بل كانت في كل مرة مرايا للسلطة التي أطلقتها وللرؤية التي حملتها. فبينما احتفت المصادر الفاطمية بالمدينة بوصفها مركز الخلافة ومنبع الشرعية فأسبغت عليها ألقابًا من قبيل «المرضيّة» و«الحضرة العالية» و«دار الملك» و«البيضاء»، نزعت المصادر المالكية نحو التسمية التقريرية فأطلقت عليها «مدينة عبيد الله» و«مدينة السلطان»، بل لم تتحرّج من وسمها بـ«المهدومة» تعبيرًا عن تحوّلاتها البنيوية، وبـ«المردية» في إشارة إلى ما نُسب إليها من خروج عن الإسلام في نظر خصومها العقديين. وهنا لا تعود التسمية أداة تعريف بالمكان، بل تتحول إلى فضاء للصراع على المعنى، تُمارَس فيه السلطة الرمزية عبر اللغة، وتُرسم من خلاله الحدود بين الشرعية والانحراف، وبين الانتماء والإقصاء.

أما المصادر الإباضية فقد اختارت «القاسمية» نسبة إلى القائم بأمر الله، في حين آثرت المصادر الموحدية ربط المدينة بسلالتها التأسيسية عبر «مهدية بني عبيد» و«مدينة العبيدي». وظلّت المصادر الأوروبية وفيّة للبعد الجغرافي الأوسع، فواصلت إطلاق «إفريقية» أو «Africa» على المدينة ومنطقتها، شاهدةً على مكانتها الاستراتيجية والرمزية في الفضاء المتوسطي.

وهذا الصراع على التسمية ليس خاصيةً تاريخية غابرة؛ فقد كشفت محاور الندوة الأخرى أن المدينة تواصل حضورها في الوعي الجماعي عبر مسالك متعددة، لا تقل عن التسمية في قدرتها على استعادة الذاكرة وإعادة إنتاجها. ففي المحور الإبداعي والتثميني، تناولت عواطف منصور الحدود بين توثيق التراث المعماري والخلق الفني، وأهدى محمد الدلاّل الحضور نصوصًا إبداعية من وحي المدينة. وقدّمت ليلى بوبكر مقاربة مندمجة لإعادة تثمين «المدينة الفاطمية»، بينما جمع المولدي فروج بين الأدب والأنثروبولوجيا في مداخلة جعلت الذاكرة الشفهية امتدادًا للذاكرة المعمارية.

وقد بدا جليًا من خلال هذا التنوع أن المدينة حصيلة تراكب طويل بين الطبيعة والتاريخ والسلطة والثقافة والذاكرة الجماعية، لا يمكن اختزالها في بعدها العمراني أو الجغرافي وحده.

من الطوبونيميا إلى المواطنة: حين تصنع الأسماء الانتماء

وقد فتحت مداخلة الأستاذ الباهي أمامي أفقًا تأمليًا يتجاوز حدود الطوبونيميا التاريخية إلى أسئلة أعمق تتعلق بالهوية والانتماء وعلاقة الإنسان بالمكان الذي يحمل اسمه. ومن هنا بالذات بدأت تتشكّل لديّ ملاحظة أراها جديرة بالنقاش التربوي والثقافي: كيف يمكن لأجيال كاملة أن تبني علاقة حية مع وطنها إذا كانت تعرف أحيانًا تاريخ إمبراطوريات بعيدة أكثر مما تعرف تاريخ مدنها وأحيائها وجهاتها؟ فبرامج التاريخ المدرسية، رغم أهميتها في بناء سردية وطنية جامعة، ما تزال تُدار ، في الغالب، بمنطق مركزي يُقصي الذاكرة المحلية أو يجعلها هامشًا ثانويًا، والحال أن المواطنة لا تُبنى فقط عبر القصص الوطنية الكبرى، بل أيضًا عبر شعور الفرد بأن المكان الذي نشأ فيه حاضر داخل السردية الجماعية للبلاد. فالطفل الذي يكتشف أن مدينته كانت ميناءً متوسطيًا مؤثرًا، أو فضاءً لعبور الحضارات، أو موطنًا لتحولات عمرانية وثقافية معقدة، لن ينظر إلى محيطه باعتباره مجرد فضاء يومي عادي، بل سيبدأ في بناء علاقة مختلفة مع المكان، علاقة قوامها المعنى والانتماء والمسؤولية.

وقد روى صديقي المنصف الخميري كيف قضى طفولته بمدرسة ميتول (Muthul) التي تأسست على أنقاض محطة سكة حديدية كان المستعمر الفرنسي يستعملها لنقل الرصاص من مناجم الطويرف، وهو اسم ظلّ مجهول الدلالة لديه لعقود، إلى أن اكتشف بعد نصف قرن في مجلة تونسية قديمة أنه يحيل إلى ساحة معركة انتصر فيها الرومان بقيادة Metellus على جيش يوغرطة سنة 111 قبل الميلاد. ورغم مجاورة مدرسته لموقعي شمتو وبلاريجيا الأثريين، لم يشرح له أحد هذه الطبقات التاريخية، وكأن المدرسة كانت تعبر فوق محيط التلميذ بدل أن تجعله مدخلاً إلى التاريخ والانتماء. وقد خلص الخميري إلى أن المفاهيم النظرية الكبرى تُبنى في أذهان الطفولة من خلال مشاريع ميدانية بسيطة، وهو ما يقتضي تمكين التلاميذ من اكتشاف خصوصيات محيطهم المباشر، تعزيزًا لشعورهم بالانتماء (المنصف الخميري، «بعض آخر من قصص الطفولة المدرسية»، جلنار، 31 جانفي 2022).

فضلاً عن ذلك، فإن من شأن مثل هذا التوجه ، إن أخذ به في إصلاح تربوي قادم،  أن يعالج ظاهرة باتت واضحة ومقلقة، وهي الملل المتنامي والعزوف عن المعرفة المدرسية. إذ حين يرى التلميذ تاريخه وَجِهته ومجاله داخل ما يتعلمه، تتحول المعرفة من علاقة أداتية باردة لا تتجاوز الإعداد للامتحانات، إلى صلة انخراط حقيقية تغذّي الفضول وتُعمّق الانتماء.

ولا يعني هذا الدعوة إلى تفكيك السردية الوطنية المشتركة أو استبدالها بسرديات جهوية متنافرة، بل المقصود توسيع معنى التاريخ الوطني نفسه ليغدو قادرًا على استيعاب التنوع المحلي في داخله. فالوطن لا يعيش في العاصمة وحدها، ولا تُختزل ذاكرته في الأحداث السياسية الكبرى فقط، بل يتشكّل أيضًا من ذاكرة المدن الصغيرة، ومن تفاصيل العمران، ومن أسماء الأماكن، ومن القصص التي بقيت طويلاً خارج الكتب المدرسية.

الذاكرة، الاعتراف، والمواطنة: مثال من فرنسا

ولعل بعض التجارب العالمية تكشف بجلاء كيف يمكن لاستعادة الذاكرة المنسية أن تتحول إلى فعل اعترافٍ سياسي وأخلاقي. فعقب عرض فيلم Indigènes  للمخرج رشيد بوشارب، عاد إلى الواجهة في فرنسا النقاش حول ما يقارب 233 ألف جندي من بلدان المغرب العربي، الجزائر والمغرب وتونس، جُنِّدوا عام 1943 للمشاركة في تحرير فرنسا من الاحتلال الألماني. قُتل الآلاف منهم، وعاش كثيرون بعد الحرب على هامش الاعتراف، فيما جُمِّدت معاشاتهم التقاعدية لعقود طويلة عقب استقلال بلدانهم. ولم يكن أثر الفيلم رمزيًا فحسب، إذ أسهم في إعادة فتح هذا الملف داخل الفضاء العام الفرنسي، مما دفع السلطات إلى مراجعة تلك المعاشات وإعادة صرفها.

وتكشف هذه الحادثة أن الذاكرة ليست ترفًا ثقافيًا أو حنينًا إلى الماضي، بل قد تتحول إلى قضية عدالة واعتراف ومواطنة. ومن هنا برزت داخل فرنسا نفسها أصوات أكاديمية وتربوية نادت بإدراج هذه الصفحات ضمن البرامج التعليمية، ليس فقط لتصحيح السردية التاريخية، بل لأن بناء الانتماء المشترك يقتضي أن يشعر أبناء المهاجرين وامتداداتهم الثقافية بأن تاريخهم حاضر داخل الذاكرة الوطنية لا خارجها. فالمواطنة تصبح أكثر هشاشة حين يشعر جزء من المجتمع أن تضحيات أسلافه غير مرئية، وأن قصته الجماعية لا تجد مكانًا داخل الرواية الرسمية للأمة.

خاتمة: من توثيق المباني إلى حماية الذاكرة

لهذا كله خرجتُ من ندوة المهدية بانطباع يتجاوز حدود الحدث العلمي ذاته. فالقضية ليست فقط صون المباني القديمة وتوثيق المعالم التاريخية ، رغم أهمية ذلك طبعا، بل تتعلق أيضًا بحماية الذاكرة من الاختزال والنسيان. لا يمكن بناء مواطنة متوازنة إذا شعر الناس أن تاريخهم المحلي غير مرئي، وأن أمكنتهم لا تظهر إلا في الهوامش.

وربما يكون من الضروري اليوم أن نعيد التفكير في الطريقة التي نكتب بها التاريخ المدرسي: تاريخٌ يحافظ على المشترك الوطني نعم، لكنه يفسح في الوقت ذاته مكانًا للتنوع، وللذاكرات المحلية، وللأصوات التي بقيت طويلاً خارج السردية الرسمية. فكما يحتاج المواطن إلى قصص مشتركة توحّده، يحتاج أيضًا إلى أن يرى نفسه، ومجاله، وذاكرته، داخل تلك القصص لا على هامشها.

وفي ختام أشغال الندوة، وفي سياق مأسسة هذا الحدث العلمي الذي سبق أن انعقد في صورة أولى سنة 2016، رفع المشاركون جملةً من التوصيات تعكس طموحًا حقيقيًا في تحويل هذا اللقاء من مبادرة متقطعة إلى تقليد علمي راسخ، إذ أوصوا بجعل الندوة موعدًا دوريًا يُعقد كل سنة أو سنتين، وبتأسيس لجنة علمية قارة تضمن الاستمرارية والتراكم المعرفي، والعمل على تأمين التمويل اللازم لما سيتأسس ملتقىً دوريًا متخصصًا.

أكمل القراءة

منبـ ... نار

لنُشعِلْ شمعة الإنصات: كلنا مسؤولون لتحصين المدرسة من العنف

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. مصطفى الشيخ الزوالي

Mustapha Cheikh Zaoueli مصطفى الشيخ الزوال

“خيرٌ لك أن تُشعل شمعة، من أن تلعن الظلام”؛ في هذا السياق، شهدت الأكاديمية الدبلوماسية بالعاصمة تونس، يومي 3 و4 فيفري 2026، انعقاد الندوة الوطنية لإطلاق “الخطة الوطنية لتحصين المؤسسة التربوية من العنف”. وهي خطوة استراتيجية انتظمت تحت إشراف وزارة التربية وبمشاركة وازنة لممثلين عن 13 وزارة وهياكل وطنية، وبدعم من منظمة اليونيسيف. ورغم مناخ التذمر العام وحالة “الانتظارية” التي تُخيم على المشهد الاجتماعي العام، يظل الرهان معقوداً على وعينا الجماعي بضرورة الكف عن “لعن الظلام”. إن البديل الحقيقي يكمن في اجتراح “سياسة الانتصارات الصغيرة” عبر مساهمات ميدانية ملموسة، عوض الارتهان لانتظار حلول كبرى قد يطول أمدها.

الهدف هو تجديد تربوي حقيقي، يستند إلى جذور في التاريخ ويتجه نحو التحدّي، مع التزام عملي بالمسؤولية الأخلاقية: «هنا والآن»، كما يعبّر عنه شعار الخطّة: “كلنا مسؤولون”.

ولعل التجلي الأبرز لعمق هذا الرهان هي تلك المشاركة النوعية للتلاميذ؛ وهي سُنّة حميدة يجب تثمينها ومأسستها، فالتلميذ هو صاحب الحق الأول والمعنيّ المباشر بكل مسارات الإصلاح. لقد حضرت تلميذتان من المعهد النموذجي بنابل ثلاث ساعات كاملة من النقاش الحماسي والمتوقد داخل إحدى الورشات التي كنت مُيسّرها. ولم يكن وجودهما مجرد حضورٍ بروتوكولي، بل بلورت إحداهما جوهر المسألة في صرخةٍ مدوية وجّهتها للحاضرين: “أنصِتوا إلينا.. ثم أنصتوا.. ثم أنصتوا…”

فيما حرصت التلميذة الثانية، حين تعذر حضورها في اليوم التالي، على تكرار نفس المطالبة الجوهرية عبر رسالة تضمنت قراءتها لواقع المدرسة والمربين، محمّلةً إياي أمانة تبليغ صوتها إلى المسؤولين وعلى رأسهم السيد وزير التربية.. إن هذا “الإنصات” يبقى هو المقاربة الحقيقية التي تفتقدها مدارسنا؛ فالعنف المدرسي ليس قدراً حتمياً، بل هو نتاج طبيعي لغياب “الاحتضان”. وكما يقول المثل الإفريقي العميق: الطفل الذي لا يجد من يحتضنه، سيحرق القرية لكي يشعر بالدفء” [1]

أرقام تدق ناقوس الخطر: نحو “أنسنة” الفضاء المدرسي

إن الحاجة لإيقاد شمعة الإنصات تفرضها لغة الأرقام الصادمة التي كشفت عنها الدراسة الميدانية؛ التي تم عرضها خلال الندوة، فحين يشير التشخيص إلى أن المعدل العام لتعرض التلاميذ للعنف الجسدي بلغ 28.4%، وأن 61.4% منهم يعانون من السخرية أو الإهانة، فنحن أمام حقيقة تؤكد ما وصفته تلميذة السنة الثالثة ثانوي في رسالتها بـ “عصر مادي يفتقر للتعاطف“. إن وقوع  57% من حالات العنف داخل أسوار المؤسسة التربوية، ليس إلا وجهاً من وجوه المدرسة المشحونة بالأجواء المتوترة التي يغيب عنها الدفء الإنساني.

هذه الأرقام تضعنا أمام ضرورة تجاوز الحلول الزجرية نحو “أنسنة الفضاء المدرسي”؛ فالمدرسة التي تتحول إلى فضاء طارد يفتقر للتفهم، تدفع التلميذ للبحث عن كيانه عبر العنف. الرهان اليوم هو الانتقال من منطق “التسلط باسم التربية” إلى “السلطة التربوية” القائمة على الاحتضان والحوار؛ فالمؤسسة لا تحصنها الأسوار، بل يحصنها شعور التلميذ بأنه أثمن الأشياء في قلب العملية التربوية”، وهي القيمة الجوهرية التي دافعت عنها التلميذة في مراسلتها للمسؤولين.

مدرسة خارج الزمن:  التقادم البيداغوجي واغتراب المتعلّم في العصر الرقمي تصطدم حاجتنا للإصغاء بمدونة تربوية تعاني “اغتراباً زمنياً” حاداً؛ فأغلب الكتب المدرسية المعتمدة حالياً، والتي صدرت طبعاتها الرسمية بين عامي 2003 و2005، لا تزال رهينة نصوص وتصورات تعود في أصولها إلى حقب أقدم بكثير من تاريخ صدورها. وهنا يبرز تحذير بيان اليونسكو 2023 الذي أشار إلى أن“الكتب المدرسية التي عفا عليها الزمن تضع التنمية المستدامة في خطر”. [2]

بمنطق لافوازييه: “لا شيء يفنى، ولا شيء يُستحدث، بل كل شيء يتحول”، (Rien ne se perd, rien ne se crée, tout se transforme) فإن طاقة التلميذ لا تتبخر بل تتحول إلى عنف حين تصطدم بوساطة بيداغوجية متقادمة. فمن المفارقات أن نطلب الاحتضان من “مواطن رقمي“، يعيش في عام  2026بينما يقدّم له كتاب الجغرافيا للثامنة أساسي، طبعة  2003المعتمدة حاليا، الصين كدولة نامية، في حين يراها هو عملاقاً يغزو العالم! إن المتعلم اليوم يواجه ‘عتبة تقادم بيداغوجي مزدوجة’ تجمعه بكتاب مدرسي متجاوز ونصوص تعود في أصولها إلى حقب ما قبل الثورة الرقمية. هذا الاغتراب الزمني يطرد المتعلم قسراً من منطقة التعلم النشط ويضعه في قطيعة معرفية ومجتمعية مع مؤسسته. [3]

من “المأسسة الشكلية” إلى “المأسسة الاجتماعية

لا تكمن المعضلة في غياب الأطر المرجعية؛ فبالعودة إلى “القانون التوجيهي” (2002) و”الأمر المنظم للحياة المدرسية” (2004)، نجد نصوصاً جعلت التلميذ محور العملية التربوية. ورغم وجاهتها، إلا أنها بقيت رهينة “المأسسة الشكلية”، وتعثر تحويلها إلى مأسسة اجتماعية تتغلغل في “الهابيتوس” (Habitus) المهني اليومي. الحاجة اليوم ليست في تشريعات جديدة، بل في تفعيل وتطوير المرجعية لتحرير القوانين من الرفوف البيروقراطية وتحويلها إلى سلوك يومي.

مكاتب الإصغاء والإرشاد: نحو مأسسة العمل التشاركي المتعدد الاختصاصات [4]

كان محور مداخلتنا في الندوة هو العمل التشاركي حول مكاتب الإصغاء والإرشاد، مستنداً إلى تجربتنا المهنية كمستشار في الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي (من 1998 إلى 2014 على المستوى الميداني).

لقد عايشنا نجاعة هذه المكاتب في تقديم الدعم المبكر، رغم حيّزها الميداني المحدود وغياب السند التحفيزي الكافي؛ حيث لم يتجاوز عددها 108 مكتباً سنة 1999، ليتطور تدريجياً ويصل إلى 183 مكتباً سنة 2001. ومع ذلك، فقد استطاعت هذه التجربة أن تشكل حجر الزاوية لديناميةٍ متعددة الاختصاصات، صهرت جهود المستشار والطبيب المدرسي والأخصائي الاجتماعي في بوصلة واحدة. وقد تدعمت هذه النواة الهيكلية بتجربة ‘مجموعات الحوار الإقليمية(2001- 2006 ). وبالنسبة إلينا، كانت هذه المحطات مختبراً ميدانياً تعلمنا منه آليات تحليل الممارسات المهنية’ والكتابة حولها؛ مما أتاح لنا تحويل الخبرة اليومية إلى تراكم معرفي يخدم الإصلاح التربوي. لقد مكنت هذه الدينامية من ترسيخ ‘إحالة متبادلة’ ناجعة، حمت الكثير من التلاميذ من الانزلاق نحو العنف أو الفشل الدراسي.

مقترح عملي: مأسسة مبادرات الإصغاء المسبق

تفرضُ الخبرة المتراكمة اليوم ضرورةَ تحويل «الإصغاء المسبق» من ممارسةٍ اختيارية إلى إجراءٍ مؤسساتي قار. والغاية أن يعمل هذا الإجراء صمّامَ أمانٍ تربويًا، فلا يُفتح ملفّ التلميذ أمام مجلس التربية إلا بعد استنفاد مسارات الإسناد النفسي والاجتماعي الموثّقة بتقرير مختص. فالمقصود نقل الإصغاء من «فعلٍ تطوّعي» إلى مسارٍ قانوني منظّم يتيح فهم الدوافع السلوكية قبل ترتيب الجزاءات. غير أنّ ترسيخ ثقافة الإصغاء لا يُلغي الحاجة إلى الانضباط، بل يُعيد تأطيرها على قاعدة الفهم والإنصاف؛ إذ إنّ التحصين الحقيقي لا يتأتّى بالانغلاق أو بالاكتفاء بإجراءات زجرية، ولا بممارسة التسلّط باسم التربية، وإنما بجعل الإصغاء كفايةً مهنية ومؤسساتية تُذيب الجليد بين الأجيال داخل فضاءٍ تربوي يحتاج إلى التفهّم بقدر حاجته إلى قواعد واضحة تضبط السلوك وتضمن مناخًا تعلّميًا آمنًا.

ختاماً، لن يجدي نفعاً الاستمرار في لعن سنوات الخطط المعطلة. المسؤولية اليوم جماعية أفقية وتشاركية. لنبدأْ بإنصات حقيقي لصغارنا، ولنجعلْ من هذه الخطة بداية زمن “الفعل الميداني” الذي يحوّل المؤسسة التربوية إلى حصن منيع بالإنسانية، لا ساحة للانتظار أو التذمر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش:

[1] كانت صرخة التلميذة الأولى ورسالة التلميذة الثانية (من السنة الثالثة ثانوية بالمعهد النموذجي بنابل) هما القادح الأساسي لكتابة هذه السطور؛ حيث يهدف هذا المقال إلى استكمال تبليغ صوتيهما إلى فضاء الرأي العام. كما تناولتُ هذه الرسالة أيضا في الحوار الإذاعي يوم 5 فيفري 2026  والذي يمكن متابعته عبر هذا الرابط:”https://youtu.be/l5nOShz-C4s

[2]  اليونسكو(2023): “الكتب المدرسية التي عفا عليها الزمن تضع التنمية المستدامة في خطر”، تقرير الرصد العالمي للتعليم (GEM)، بيان صحفي صادر بتاريخ 15 ديسمبر 2016 (وآخر تحيين: أفريل 2023). https://www.unesco.org/en/articles/out-date-textbooks-put-sustainable-development-risk?

[3]  يتجلّى أثر هذا التقادم بوضوح في تمثيل التكنولوجيا والواقع المهني داخل الكتب المعتمدة؛ كقصيدة الراديو، وجهاز الفاكس (نص ص170 من “مسالك القراءة”، السنة الخامسة، يعود أصله إلى 1993)، ومهن آيلة للاندثار كـ “الساعاتي” (نص ص13 من “مسالك القراءة”، يعود أصله إلى 1983).

[4] إن المراوحة بين مصطلحي الإنصات والإصغاء مقصودة؛ ففي حين نلتزم بلفظ “الإنصات” وفاءً لخطاب التلميذتين، نعتمد “الإصغاء” باعتباره المصطلح التقني المرجعي في الممارسة الميدانية والمؤسساتية.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار