أسأل نفسي هذه الأيام بعد ثلاث سنوات من “الهزّان والنفضان” السياسي للقائمين على شؤون البلاد ولا أستثني أحدا…أقول أسأل نفسي هل حقّا رئيس البلاد يحب هذا الشعب؟ هل يمكن اعتبار ما يفعله بنا وبالبلاد حبّا ورغبة في خدمة البلاد والعباد؟ فما يفعله الرئيس وأعي ما أقول منذ جلوسه على كرسي قرطاج لا يمتّ بصلة لأي نوع من الحبّ لهذا الشعب الموجوع…فالرجل لم يظهر إلى يومنا هذا ذرّة واحدة من حبّه لشعب كان ينتظر منه الخلاص والخروج من الورطة التي غرقت فيها البلاد فأغرقنا معه في ورطة أشدّ وأخطر لا يمكن الخروج منها ببساطة…
محمد الأطرش
بعد ثلاث سنوات من حكم مولانا حاكم قرطاج وساكنها، وبعد سنة ونصف من الجلوس على عرشها ملكا لا أحد يشاركه الحكم بدأ نصف سكان البلاد في البحث عن مضادات للاكتئاب…فهذا الشعب أصبح يتنفسحقدا… الحقد اصبحدستورنا وشريعتنا…كيف لا ورئيسنا لم يخطب يوما دون أن “يشتم” بعضنا ودون أن “يتهم” بعضنا الآخر…ودون أن يقول ما لم يقله مالك ورفاقه في بعض الخمور المعتّقة…
رئيسنا لم يبتسم يوما في وجه الشعب…فكيف تريدون من الشعب أن يسعد بكلمته ويهنأ بها ويتمنى أن تطول…كيف لا تريدونه أن يغيّر القناة حين يخطب الرئيس صارخا مهددا مولولا متوعدا…كيف تريدون منه أن يحبه وهو لا يبادله هذا الحبّ…وهنا أتحدى الجميع أن تأتوا لي بخطاب واحد لا وعيد فيه ولا تهديد وأن تأتوا لي بخطاب من جملة ثلاثة خطب لا يحتوي كلمة “احتكار”…فيا رئيس البلاد هل حقّا جئت لتوحدّنا وتصلح حالنا وتصلح ذات بيننا…أم جئت لتشتّت شملنا وتعيدنا إلى عهد العشائر والقبائل والعروش وغزوات النهب والسلب والغنائم والسبايا…
الرئيس الذي يريد خدمة شعبه لا يتّهم بعضه بما ليس فيه، وحتى وإن كان في بعضه بعض ما قيل فيه… القضاء هو الذي يتهم، وهو الذي يفصل فيه بما فيه وما ليس فيه…الرئيس الذي يريد حقّا خدمة شعبه لا يفرّق بين بعضه وبعض بعضه، حتى وإن امتلأ صدره حقدا على بعض بعضه…الرئيس الذي يريد حقّا خدمة شعبه لا فرق عنده بين من هم معه ومن هم ضدّه… ومن هم ضدّ من هم معه…ومن هم معه ضدّ من هم ضدّه…الرئيس الذي يريد خدمة شعبه يبحث عن وبكل الطرق كيف يُصلح بين مكوّنات هذا الشعب…كيف يجمع بينهم …كيف يوحّد أهدافهم لتكون في صالح الوطن… كيف يوحّد وجهتهم… نحو مستقبل أفضل لهذا الوطن ولأبناء هذا الوطن…
فالرئيس الذي ليس له في برنامجه من مفردات غير معاقبة…ومحاسبة… والملاحقة أرضا، وجوا وبحرا، وتحت الأرض وفوق فوق الأرض…وتحجير السفر…والوضع في الإقامة الجبرية…والإعفاء والطرد لكل من حكموا قبله … لن ينجح في إصلاح حال البلاد والعباد، ولن يجدّ الوقت للتفكير في ما يصلح بالبلاد…الرئيس الذي يأتي لهدف واحد محاكمة التاريخ لن ينجح في صناعة حاضره، فمن يحاكم ماضيه يفشل في مسايرة حاضره وسيحاكمه مستقبله…فهل فكّرت يا رئيس البلاد كيف تصلح حاضر البلاد والعباد دون أن تسيء لتاريخها ورجالات تاريخها؟ لا … لم تفكّر في ذلك لأن من هم حولك هم أيضا يريدون الثأر والانتقام من الماضي لأنهم لم يكونوا فيه ولم يكونوا من صانعيه…
أسألك يا رئيس البلاد هل فكّرت يوما واحدا في مصالحة شاملة بين مكونات الحاضر، وبين الحاضر والماضي كما فعل مانديلا؟ لا لم تفعل…أتستصغر ما فعله مانديلا يا رئيس البلاد؟ ألم يفعل مانديلا الزعيم ما يصلح بالبلاد والعباد؟ ألا تريد أن يكتب في كتب التاريخ الزعيم قيس سعيد؟ أيضيرك في شيء أن يحبك الشعب كل الشعب إن أحببته طبعا؟ هل انتقم مانديلا يوما ممن نكّلوا بشعبه ونكّلوا به؟ لا…هل ثأر لنفسه؟ لا … مانديلا يا رئيس البلاد احتضن من اساء إليه…وأجلسه إلى جانبه في خدمة البلاد وإصلاح حال العباد…فهل فكّرت انت في المصالحة بين الحاضر والماضي …وبين بعض الحاضر وبعض الماضي…وبين بعض الحاضر وبعضه الآخر…هل تدار شؤون البلاد بالأحقاد…يا رئيس البلاد؟
عمّاذا بحثت وتبحث منذ وصولك قرطاج؟ لا شيء…بحثت فقط كيف تخلّص البلاد ممن حكموها قبلك ومن كانوا شركاء لك في الحكم؟ فكرت كيف تواصل الجلوس على كرسي بورقيبة لعهدة أخرى؟ فهل بالأحقاد ستنجح في ذلك؟ فكّرت فقط كيف تمسح تاريخ كل من بنوا البلاد وحكموها قبلك من ذاكرة الشعب لتبقى أنت في ذاكرته الزعيم الاوحد الذي قسّم البلاد وشتّت العباد ولم يحافظ على إرث الآباء والأجداد؟ كيف تعاقب من نجح قبلك؟ كيف تريد أن تُنسي الشعب من كتبوا تاريخ البلاد قبلك؟ كيف تشكّك في من حكموا البلاد قبلك؟ كيف تطعن في كل ما أنجزوه قبلك، فماذا أنجزت أنت حتى تطعن في ما أنجزوه قبلك؟ أتقبل أنت أن يفعلوا معك هذا بعد خروجك من الحكم؟
سيّدي الرئيس، أنت لم تنجز شيئا واحدا يحسب لك، بل أنجزت فقط ما يحسب عليك… فهل بهذا سيصلح حال البلاد؟ خرجت علينا بشعار لم نر منه شيئا…فنحن لا نريد ما تريد…ومن قال لك أننا نريد ما أنت تريد؟ فنحن لا نريد أبدا ما أنت قلت إن الشعب يريد…يا رئيس البلاد، هذا الشعب ملّ الثأر…وملّ الانتقام…ومل العراك والخصام…هذا الشعب يريد أن يسعد بحياته… يريد أن يسعد بأبنائه…يريد أن يسعد غدا بأحفاده…فهل فعلت شيئا واحدا من أجل كل هذا؟ لا …لا شيء فعلت…بل فشلت في كل ما فعلت…أسأل …لم لا تستمع لمن يقولون لك أخطأت…لم لا تستمع لمن يريدون بك وبالبلاد خيرا…لم لا تستمع لمن لملم شجاعته وجاهر بمعارضتك…وجاهر بفشلك…أتدري أن من يجاهرك المعارضة والنقد اليوم يحبّك أكثر ممن يقولون لك أحسنت…هم يبتسمون لك…ويصفقون…ويزغردون كالنسوة فقط لأنهم ينتظرون نصيبهم ولو بعض الفتات من غنائم حكمك…والغنائم قد تكون جاها …وقد تكون سلطة…وقد تكون قربا منك فقط…وقد تكون كرسيا في أعلى كراسي مجلس النواب…وقد تكون مجرّد تفاخر بالصداقة معك…
سيدي الرئيس، من يجاهرك النقد لا يريد منك شيئا غير إصلاح حال البلاد والعباد…أتدري يا صاحب النفوذ والمراسيم وكاتب الدستور أنك لن تُسكت المعارضة بحقدك عليها…بل بما تنجزه لهذا الشعب…بحبك الحقيقي لهذا الشعب…كل الشعب وليس ذلك الذي تقول انه “يريد ما تريد”…وحبّك لهذا الشعب لا يعني انتقامك له ممن يكرهه…الشعب أنا، وأنت…والبقية…أنا الذي أعارضك لأني أتمنى أن تكون غير ما أظهرت وغير ما أبديت…والشعب أنت…وكل من يعارضك …وكل من يخدعك طمعا في غنائمك…الشعب هو أيضا ذلك الذي يعارضك ليسقطك يوم تفشل ولا تنجز وعدا مما وعدت…وذلك الذي يعارضك ليصلحك…وذلك الذي يعارضك لأنك فشلت ولم تنجز شيئا لأنه يريد أن يأخذ مكانك ليخدم البلاد والعباد أحسن مما فعلت وأتيت… وهو حقّ لا أحد يمنعه عنه ومنه …وأنت فشلت…نعم فشلت في كل ما أتيت وما لم تأت…
أخيرا سيدي الرئيس نسيت أن أواسيك بهروب بعض المئات من الآلاف من أتباعك وأنصارك ومسانديك…فأنت من وفّر للشعب فرصة اختبار شرعيتك ومشروعيتك…فمن يخدعك اليوم بأن هذه النسبة من الإقبال لا تعني شيئا ولا تمس من شعبيتك بشيء لا يريد لك وبك خيرا…فهذه النسبة مخجلة لا تليق بما نريده لك وما نتمناه…فمن خرجوا لم يخرجوا جميعهم من أجلك…فأكثر من نصفهم خرجوا حفاظا على صلة الرحم بمن صوتوا لهم…خرجوا من أجل أبناء وبنات عمومتهم…فكل مترشح وأغلبهم لا صلة لهم بحراكك ولا بفلسفتك السياسية استنجد بعرشه…في الدور الأول…وسيفعل ذلك في الدور الثاني لكن بكل مكونات قبيلته…وأغلبهم لم يذهبوا إلى مكاتب الاقتراع وهم يضعون قيس سعيد نصب أعينهم …هم حرّكتهم النخوة الدموية وصلة الرحم والقرابة …فذهبوا لمؤازرة ابنهم أو ابنتهم ليفاخروا به أو بها أمام بقية القبائل…فلا تستمع لمن يقول لك أن كل من خرجوا لمكاتب الاقتراع خرجوا “يولولون” باسمك…
وهْم 25 جويلية انتهى كما انتهى قبله وهم 17 ديسمبر وكذبة 14 جانفي، فأنت من أختار أن تكون نهاية 25 جويلية على يدّ 17 ديسمبر، فلا يخدعنك هتاف البعض وصراخهم ودعواتهم لك بطول العمر والبقاء على كرسي قرطاج… إنهم يخدعونك وسيواصلون…لأنك الوحيد الذي مكّنهم من فرصة الاقتراب من سدّة الحكم والسلطة…إذن، فنسبة من خرجوا رافعين شعاراتك ومتأبطين منهجك هم نسبة بسيطة ممن خرجوا يوم السابع عشر من شهر قانون المالية…فلا تستمع إليهم…لا تستمع إليهم…إنهم يوقعون بينك وبين الشعب…ويوم ينجحون في إبعادك عن قرطاج سيقولون لك…جربناك ففشلت…وسيضحكون…أنت لا تعرفهم سيدي الرئيس….نحن…نعم نحن بعض الشعب نعرفهم…واكتوينا بنار حقدهم…
فانزع عنك أحقادك…واحتضن شعبك …فالحقد وقود الأزمات…والشعب الذي تقول دائما أنه يريد قال لك يوم 17 ديسمبر انه لا يريد…فأنت سيدي اليوم…الرئيس الذي لا يحبه شعبه…ولا يريد…
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.