تابعنا على

جور نار

لا أحد يملك الحقيقة … ولا أحد يملك التاريخ !

“إذا أردت أن تهدم دولة، أن تهدم حضارة، فقل سأقطع مع الماضي وأبدأ” (محمد أحمد القابسي ـ برنامج أولاد التلفزة ـ حلقة ملعونة)

نشرت

في

رئيس الجمهورية لعواطف الدالي : هذا زمن قبيح - Tunisie Telegraph

لا يزال لقاء رئيس الدولة بمديرة التلفزة الوطنية يثير حبرا ونقاشا ولغطا من كل الجهات تقريبا وكيف لا يفعل ذلك؟ … فالكلام الذي قيل فيه ـ ومن جانب واحد ـ له أكثر من معنى، وربما يؤشر لسياسة رسمية سواء في التعامل مع الإعلام أو في تناول تاريخ البلاد …

عبد القادر المقري Makri Abdelkader
عبد القادر المقري

في البداية، لا بد من التوضيح أننا لسنا مع شيطنة كل ما يقوله أو يصنعه الرئيس، ولا يعنينا كثيرا هذا الصراع بينه وبين جبهة مّا، بل ونسخر طولا وعرضا ممن كذبوا مرتين … مرة حين مدحوه حتى التخمة، ومرة ثانية حين انخرطوا في ذمّه حتى التخمة أيضا … أقول هذا الكلام عن قيس سعيّد مثلما أقوله عن الخمسة رؤساء الذين سبقوه، وعن الذين سيأتون بعده … فلا شيطنة لأحد، ولا قدسية لأحد، خاصة إذا نظرنا إلى بلاد يمتد عمرها على ثلاثين قرنا وأكثر، عرفت خلالها زعماء وقادة وملوكا وأباطرة فيهم حتى من غزا شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، وفيهم من امتلك البحر المتوسط، وفيهم من اقتسم العالم بالتساوي مع قوى أخرى … وفيهم أيضا من خان وباع وانبطح ووضعنا تحت كلكل هذه القوة الأجنبية أو تلك …

كلهم الآن راحوا في ذمة التاريخ أو في ذمّة خالقهم، ولكن الباقي هو هذه الرقعة المباركة من الأرض، وشعبها المديد الذي يختصره الأغبياء في البضعة ملايين بائس المحيطة بنا … والتي قصارى أملها أن تعبر البحر ولو سباحة إلى إيطاليا وتشتغل هناك حتى في جمع القوارير البلاستيكية … هذا شعب مرحلة، مثلما أولئك مسؤولو مرحلة لا أحد يعلم كيف سيكون ويكونون في المستقبل مع تقلبات الزمن …

انتهى التوضيح الطويل … إذن استقبل الرئيس السيدة عواطف الصغروني مديرة التلفزة ووجه إليها خطابا بل “مونولوغا” (كعادته) كانت تقابله بوجه جامد وعينين ثابتتين ثبات من يتلقى توبيخا أو إنذارا أو حكم محكمة … و لاغرابة في ذلك، فالكلام كان تعبيرا عن عدم رضى بل عن سخط شديد على أداء مؤسسة التلفزة … وفيه تلميحات قريبة جدا من التصريح، واتهامات مباشرة تمس المؤسسة ومديرتها والعاملين بها… وفيه أيضا تعريض وتشهير بمن حكموا البلاد قبل هذه اللحظة، كلهم لا استثناء، مع أوصاف هجومية ونعوت لم يسلم منها تقريبا أحد مهما كبر أو صغر … وتَعمّم ذلك بشكل يجعلك تقول كانت تونس طول عمرها تعيش في الظلم والظلمات … ولم يزرها العدل والنور إلا هذا اليوم …

كثير، كثير … فرغم أننا لا نؤمن بقدسية من حكمونا، إلا أن الإنصاف يقتضي أن نميّز بين الخطإ والإنجاز، بين الخسارة والمكسب، بين الهدم والبناء، بين القرار السيّء والقرار الصائب الذي ترك لنا إرثا جيّدا … يا سيدي بداية من تأسيس التلفزة نفسها، كوسيلة إعلام رافقت الرئيس في حملته الانتخابية التي صعد بها، وأعطته الفرصة كمنافسيه لكي يقدم نفسه للناخبين، وعرّفت به وقبلها لم يكن أحد يسمع باسمه … هذه التلفزة التي بعثها للوجود رئيس أسبق، ودعّم وجودها رئيس سابق، والآن يطعن في كيانها وعملها وعامليها رئيس حالي …

توضيح ثان … لم أكن راضيا طول عمرى رضى كاملا عن أداء تلفزتنا الوطنية وبرامجها، وقد أخذ مني ذلك قرابة الأربعين سنة ولكن … ولكن النقد شيء والنسف شيء آخر … أخطأت تلفزتنا كثيرا ولكنها في المقابل أمتعتنا وأفادتنا كثيرا أيضا، وخاصة في المرات التي تُركت فيه لشأنها دون تدخل أو ضغط أو ضرب أو حرمان … وآية ذلك ما حدث مباشرة بعد جانفي 2011، حيث اجتمع الصحفيون وراجعوا الخط التحريري بمهنية بعيدا عن حشر السياسة أنفها في عملهم … وأصبح المواطن همّهم الأوّل قبل رجال الحكم واستقبالات الحكومة … كانت فترة مزدهرة صالحت المشاهد مع إعلامه العمومي ودامت بضعة أشهر … قبل أن يهجم عليها برابرة لطفي زيتون، ويحاصروها حصار المغول، ويفرضوا عليها ما يشبه معاهدة باردو …

لقاء رئيس الجمهورية قيس سعيد مع السيدة عواطف الدالي الرئيسة المديرة العامة  للتلفزة التونسية - YouTube
عندما تُقهَر صحفية تونسية … على مسافة أيام من عيد المرأة

ها أننا رجعنا للتاريخ … غضب الرئيس على ما يبدو كان من برنامج عنوانه “أولاد التلفزة” يتعرض لذاكرة المؤسسة إنتاجا وأشخاصا وظروفا وغير ذلك مما يتم عرضه في مثل هذه البرامج … وليلتها كان الضيف المدير السابق عبد الحفيظ الهرقام، أما الفترة فكانت بين سنتي 1991 و1997 حين تولى مهامه على رأسها … هي والإذاعة … شهدت الفترة تأسيس القناة الثانية، وإذاعة الشباب، وإذاعتين جهويتين بالكاف وقفصة … كما شهدت إنتاج أعمال بقيت بصمة خالدة في تاريخنا السمعي البصري، وأعطت الفرصة لوجوه شابة صارت اليوم من النجوم وفيهم من يحتل الشاشات العربية الكبرى … فأين الخلل، وأين “اللصوص” الذين تطرق لهم الرئيس؟

هل اللصوص مثلا هم ضيوف البرنامج ليلتها؟ هل اللصوص هم عبد الحفيظ الهرقام أم حمادي عرافة أم مختار المستيسر أم مختار العبيدي أم محمد أحمد القابسي؟ أم مقدمة البرنامج بسر الصحراوي؟ … هل اللصوص هم صالح جغام أم الصادق بوعبان أم دنيا الشاوش أم محمد عبد الكافي أم صلاح معاوية أم عبد العزيز قاسم أم رؤوف يعيش أم محمد الغنوشي أم صدّيق القطاري أم غيرهم من الأسماء التي ذُكرت ليلتها، موتى وأحياء؟

ثم ودون دفاع عن أحد … هل اللصوص هم من أنتجوا ملحمة تونسية بالغة الروعة مثل “الخطاب ع الباب” بميزانية تنفقها بعض قنوات الخليج على نشرتها الجوية اليوم؟ هل اللصوص من يحشرون قناتين تلفزيتين وثلاث إذاعات (وقتها) ومصلحة تيليتكست وآلاف العاملين … في بناية لا يزيد حجمها عن حجم مصحة من مصحات المركز العمراني الشمالي … المرخص لها والمدعومة بعد 2011 على حساب مستشفياتنا ومؤسساتنا العمومية؟

وقد شطح بي الخيال قليلا فرأيت في ما يرى المتخيّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يستدعي إلى مكتبه مديرة مؤسسة “فرانس تليفزيون” (التلفزة العمومية هناك) ليحاسبها على برنامج شبيه بـ “أولاد التلفزة” (بل هو الأصل) يبثونه هناك … وإذا كان برنامجنا لا يتجاوز البضعة أشهر، فالنسخة الأصلية الفرنسية تذاع منذ 1994 وتغطي رحلة التلفزيون الفرنسي طيلة 74 سنة … وهنا، تصوّرت الأخ ماكرون ينهال على المديرة السيدة “إيرنوت” (هذا اسمها) بوابل من التوبيخات لا على العودة إلى عهد رئيسين يتيمين، بل إلى ما لايقل عن تسعة بالتمام والكمال بين الجمهوريتين الرابعة والخامسة … مع العلم بأن في هؤلاء من حدثت في عصره جرائم، بل مجازر، وفضائح جُلّى، وأزمات خانقة، وانتفاضات، وهزائم، بل وحتى قضايا فساد وأحكام باتة بالسحن …

ولكن الخيال لا يجنح بعيدا … فمجرد التفكير في فعل كهذا لا أظنه يراود ذهن ساكن الإليزيه الراهن … لأنه بقطع النظر عن الطامّة التي ستحدث من صحفيي المؤسسة تضامنا مع رئيستهم وحمية على مهنتهم، ومن جمهرة وسائل الإعلام يمينها ووسطها ويسارها، ومن مجتمع مدني حقيقي، ومن مجتمع سياسي أنزه مليون مرة رغم هناته، ومن برلمان هو الأكثر تمرّدا في العالم منذ 250 سنة … بغضّ النظر عن هذا، فإن السيد ماكرون يجد أمامه على الدوام قرارا قصيرا ولكنه حاسم أصدره الجنرال ديغول ذات ثورة عليه: “لا يمكن إيقاف فولتير” …

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار