لا يزال لقاء رئيس الدولة بمديرة التلفزة الوطنية يثير حبرا ونقاشا ولغطا من كل الجهات تقريبا وكيف لا يفعل ذلك؟ … فالكلام الذي قيل فيه ـ ومن جانب واحد ـ له أكثر من معنى، وربما يؤشر لسياسة رسمية سواء في التعامل مع الإعلام أو في تناول تاريخ البلاد …
<strong>عبد القادر المقري<strong>
في البداية، لا بد من التوضيح أننا لسنا مع شيطنة كل ما يقوله أو يصنعه الرئيس، ولا يعنينا كثيرا هذا الصراع بينه وبين جبهة مّا، بل ونسخر طولا وعرضا ممن كذبوا مرتين … مرة حين مدحوه حتى التخمة، ومرة ثانية حين انخرطوا في ذمّه حتى التخمة أيضا … أقول هذا الكلام عن قيس سعيّد مثلما أقوله عن الخمسةرؤساء الذين سبقوه، وعن الذين سيأتون بعده … فلا شيطنة لأحد، ولا قدسية لأحد، خاصة إذا نظرنا إلى بلاد يمتد عمرها على ثلاثين قرنا وأكثر، عرفت خلالها زعماء وقادة وملوكا وأباطرة فيهم حتى من غزا شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، وفيهم من امتلك البحر المتوسط، وفيهم من اقتسم العالم بالتساوي مع قوى أخرى … وفيهم أيضا من خان وباع وانبطح ووضعنا تحت كلكل هذه القوة الأجنبية أو تلك …
كلهم الآن راحوا في ذمة التاريخ أو في ذمّة خالقهم، ولكن الباقي هو هذه الرقعة المباركة من الأرض، وشعبها المديد الذي يختصره الأغبياء في البضعة ملايين بائس المحيطة بنا … والتي قصارى أملها أن تعبر البحر ولو سباحة إلى إيطاليا وتشتغل هناك حتى في جمع القوارير البلاستيكية … هذا شعب مرحلة، مثلما أولئك مسؤولو مرحلة لا أحد يعلم كيف سيكون ويكونون في المستقبل مع تقلبات الزمن …
انتهى التوضيح الطويل … إذن استقبل الرئيس السيدة عواطف الصغروني مديرة التلفزة ووجه إليها خطابا بل “مونولوغا” (كعادته) كانت تقابله بوجه جامد وعينين ثابتتين ثبات من يتلقى توبيخا أو إنذارا أو حكم محكمة … و لاغرابة في ذلك، فالكلام كان تعبيرا عن عدم رضى بل عن سخط شديد على أداء مؤسسة التلفزة … وفيه تلميحات قريبة جدا من التصريح، واتهامات مباشرة تمس المؤسسة ومديرتها والعاملين بها… وفيه أيضا تعريض وتشهير بمن حكموا البلاد قبل هذه اللحظة، كلهم لا استثناء، مع أوصاف هجومية ونعوت لم يسلم منها تقريبا أحد مهما كبر أو صغر … وتَعمّم ذلك بشكل يجعلك تقول كانت تونس طول عمرها تعيش في الظلم والظلمات … ولم يزرها العدل والنور إلا هذا اليوم …
كثير، كثير … فرغم أننا لا نؤمن بقدسية من حكمونا، إلا أن الإنصاف يقتضي أن نميّز بين الخطإ والإنجاز، بين الخسارة والمكسب، بين الهدم والبناء، بين القرار السيّء والقرار الصائب الذي ترك لنا إرثا جيّدا … يا سيدي بداية من تأسيس التلفزة نفسها، كوسيلة إعلام رافقت الرئيس في حملته الانتخابية التي صعد بها، وأعطته الفرصة كمنافسيه لكي يقدم نفسه للناخبين، وعرّفت به وقبلها لم يكن أحد يسمع باسمه … هذه التلفزة التي بعثها للوجود رئيس أسبق، ودعّم وجودها رئيس سابق، والآن يطعن في كيانها وعملها وعامليها رئيس حالي …
توضيح ثان … لم أكن راضيا طول عمرى رضى كاملا عن أداء تلفزتنا الوطنية وبرامجها، وقد أخذ مني ذلك قرابة الأربعين سنة ولكن … ولكن النقد شيء والنسف شيء آخر … أخطأت تلفزتنا كثيرا ولكنها في المقابل أمتعتنا وأفادتنا كثيرا أيضا، وخاصة في المرات التي تُركت فيه لشأنها دون تدخل أو ضغط أو ضرب أو حرمان … وآية ذلك ما حدث مباشرة بعد جانفي 2011، حيث اجتمع الصحفيون وراجعوا الخط التحريري بمهنية بعيدا عن حشر السياسة أنفها في عملهم … وأصبح المواطن همّهم الأوّل قبل رجال الحكم واستقبالات الحكومة … كانت فترة مزدهرة صالحت المشاهد مع إعلامه العمومي ودامت بضعة أشهر … قبل أن يهجم عليها برابرة لطفي زيتون، ويحاصروها حصار المغول، ويفرضوا عليها ما يشبه معاهدة باردو …
<strong>عندما تُقهَر صحفية تونسية على مسافة أيام من عيد المرأة<strong>
ها أننا رجعنا للتاريخ … غضب الرئيس على ما يبدو كان من برنامج عنوانه “أولاد التلفزة” يتعرض لذاكرة المؤسسة إنتاجا وأشخاصا وظروفا وغير ذلك مما يتم عرضه في مثل هذه البرامج … وليلتها كان الضيف المدير السابق عبد الحفيظ الهرقام، أما الفترة فكانت بين سنتي 1991 و1997 حين تولى مهامه على رأسها … هي والإذاعة … شهدت الفترة تأسيس القناة الثانية، وإذاعة الشباب، وإذاعتين جهويتين بالكاف وقفصة … كما شهدت إنتاج أعمال بقيت بصمة خالدة في تاريخنا السمعي البصري، وأعطت الفرصة لوجوه شابة صارت اليوم من النجوم وفيهم من يحتل الشاشات العربية الكبرى … فأين الخلل، وأين “اللصوص” الذين تطرق لهم الرئيس؟
هل اللصوص مثلا هم ضيوف البرنامج ليلتها؟ هل اللصوص هم عبد الحفيظ الهرقام أم حمادي عرافة أم مختار المستيسر أم مختار العبيدي أم محمد أحمد القابسي؟ أم مقدمة البرنامج بسر الصحراوي؟ … هل اللصوص هم صالح جغام أم الصادق بوعبان أم دنيا الشاوش أم محمد عبد الكافي أم صلاح معاوية أم عبد العزيز قاسم أم رؤوف يعيش أم محمد الغنوشي أم صدّيق القطاري أم غيرهم من الأسماء التي ذُكرت ليلتها، موتى وأحياء؟
ثم ودون دفاع عن أحد … هل اللصوص هم من أنتجوا ملحمة تونسية بالغة الروعة مثل “الخطاب ع الباب” بميزانية تنفقها بعض قنوات الخليج على نشرتها الجوية اليوم؟ هل اللصوص من يحشرون قناتين تلفزيتين وثلاث إذاعات (وقتها) ومصلحة تيليتكست وآلاف العاملين … في بناية لا يزيد حجمها عن حجم مصحة من مصحات المركز العمراني الشمالي … المرخص لها والمدعومة بعد 2011 على حساب مستشفياتنا ومؤسساتنا العمومية؟
وقد شطح بي الخيال قليلا فرأيت في ما يرى المتخيّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يستدعي إلى مكتبه مديرة مؤسسة “فرانس تليفزيون” (التلفزة العمومية هناك) ليحاسبها على برنامج شبيه بـ “أولاد التلفزة” (بل هو الأصل) يبثونه هناك … وإذا كان برنامجنا لا يتجاوز البضعة أشهر، فالنسخة الأصلية الفرنسية تذاع منذ 1994 وتغطي رحلة التلفزيون الفرنسي طيلة 74 سنة … وهنا، تصوّرت الأخ ماكرون ينهال على المديرة السيدة “إيرنوت” (هذا اسمها) بوابل من التوبيخات لا على العودة إلى عهد رئيسين يتيمين، بل إلى ما لايقل عن تسعة بالتمام والكمال بين الجمهوريتين الرابعة والخامسة … مع العلم بأن في هؤلاء من حدثت في عصره جرائم، بل مجازر، وفضائح جُلّى، وأزمات خانقة، وانتفاضات، وهزائم، بل وحتى قضايا فساد وأحكام باتة بالسحن …
ولكن الخيال لا يجنح بعيدا … فمجرد التفكير في فعل كهذا لا أظنه يراود ذهن ساكن الإليزيه الراهن … لأنه بقطع النظر عن الطامّة التي ستحدث من صحفيي المؤسسة تضامنا مع رئيستهم وحمية على مهنتهم، ومن جمهرة وسائل الإعلام يمينها ووسطها ويسارها، ومن مجتمع مدني حقيقي، ومن مجتمع سياسي أنزه مليون مرة رغم هناته، ومن برلمان هو الأكثر تمرّدا في العالم منذ 250 سنة … بغضّ النظر عن هذا، فإن السيد ماكرون يجد أمامه على الدوام قرارا قصيرا ولكنه حاسم أصدره الجنرال ديغول ذات ثورة عليه: “لا يمكن إيقاف فولتير” …
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.