تابعنا على

جور نار

هذا الشعب لن يأكل رغيفه، ويداه مقيّدتان…

نشرت

في

أسئلة عديدة تخامرنا ونحن نعيش أردأ مراحل تاريخنا الحديث…هل سيُسمح لنا بأن نصرخ بكلمة حقّ في زمن أصبح الجور والظلم فيه لعبة يمارسها الساسة والحكام، ومن يلعقون أحذيتهم ومن انضمّوا للقطيع… في زمن انتشرت فيه صناعة الجبن والنذالة…وتميّز فيه بعضهم بهندسة وفبركة الأوغاد…هل حقّا نحن اليوم أفضل مما كنّا عليه كما يزعم بعضهم؟ وهل حقّا نحن اليوم في مشهد جميل لا خوف فيه ومنه؟ هل هذه حقّا بلادنا التي تمنيناها وبحثنا عنها واختلفنا وافترقنا من أجلها؟ أهذه بلادنا التي نريدها للجميع ولو اختلفوا؟ لا أظنّ أننا كنّا نريد هذه النهاية الموجعة…ولا أظنّ أن هذا الشعب يستحق ما هو عليه اليوم من بؤس ووجع…وإحباط…

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
محمد الأطرش

قديما تآمر على هذا الوطن الأصدقاء، والاشقّاء، وغدر بنا الحلفاء والأقرباء، لكننا لم نفرّط يوما في وطننا ولم نترك يوما أرضنا، ولم نختر طريقا خاطئة، ولم نسلك مسالك وعرة لا نعرف نهايتها، ولا يستفيد منها الشعب، ولا ترتقي بها الأمة…ونجحنا بحنكة وحكمة كبارنا سواء كان ذلك في عهد الزعيم بورقيبة أو في عهد الرئيس بن علي، في إفشال كل محاولات قوى التآمر وأدواتها من خونة الداخل والخارج، الذين رهنوا ضمائرهم، وباعوا وطنهم وحاضرهم ومستقبلهم…فهل فعلنا كل ذلك لنسقط حيث سقطنا اليوم؟

هل فعلنا كل ذلك لنصل إلى ما نحن فيه من انقسام وفتنة نطردها من الشباك، لتعود إلينا وتطل برأسها من ثقب الباب؟ هل فعلنا كل ذلك من أجل أن يصبح أعظم وأهمّ أهدافنا “كيلو فارينة” و”قارورة غاز” ورغيف خبز فقد طعمه وخفّت موازينه؟ هل فعلنا كل ذلك من أجل أن يصل بنا الأمر إلى خوف من أن نفشل في توفير مرتبات موظفينا؟ هل فعلنا كل ذلك من أجل أن يكون إنجازنا دستورا جديدا نلغي به دستورا لا يلبي رغباتنا وأطماعنا، قد يرميه من يأتي بعدنا أو ينقلب علينا في أول سلة مهملات تعترضه؟ هل فعلنا كل ذلك لينتحر شبابنا في المتوسط هربا من جحيم صنعناه بإرادتنا؟ هل فعلنا كل ذلك من أجل أن يهجر عشرات الآلاف من كفاءاتنا أرض الوطن ليصنعوا ربيع أوطان أخرى؟ هل فعلنا كل ذلك من أجل تنفيذ بعض نزوات حكامنا في فرض نظام حكم أعرج ابتر، لا هدف له ولا برامج غير تصفية الخصوم وإفراغ الساحة لصالحهم وتوسيع صلاحياتهم ليصبحوا ملوكا وسلاطين؟

هل يستحق هذا الشعب حقّا ما يقع معه… وله… وبه؟ هل يستحق هذا الشعب ساسة يحكمونه بالإشاعة والايهام والإلهاء وتحويل الوجهة، ساسة يقلبون فشلهم وهزائمهم إلى انتصارات وإنجازات، لا أثر لها في واقع الحال؟ هل يستحق هذا الشعب ان يعيش على أوهام يصنعها حكامه ويروجونها بحماسة في خطبهم؟ هل يستحق هذا الشعب المنكوب المكلوم حكاما لا يبحثون عن انقاذ ما يمكن إنقاذه، همّهم الوحيد البقاء على كراسيهم إلى أجل يحددونه ويقررونه هم؟ هل يستحق هذا الشعب حاكما لم يحدثهم يوما عن مشاغلهم وأوجاعهم دون أن يلصق بخصومه كل مؤامرات الدنيا، وكل أشكال الخيانة والعمالة؟ فهل كتب على هذا الشعب أن يعيش فقط على أمجاد الماضي…وأن يحنّ إلى نجاحات الماضي وإخفاقات الماضي وأوجاع الماضي، دون أن يسعد بحاضره ودون أن يصنع مستقبلا أفضل لأبنائه؟ وهل كتب على هذا الشعب أن يعيش على ثقافة الخوف والرعب من حاكمه…وهوس الاستبداد والقهر؟

هل حقّا حافظنا على الدولة أم لم يبق لنا غير بعض بقاياها؟ فحين نرى اليوم كثرة المنافقين والدجالين نشعر وكأننا نجسّد صورة رسمها لنا ابن خلدون منذ ستّة قرون خلت حين قال:”عندما تنهار الدول والاوطان يكثر المنجمون والمتسولون والمنافقون والمدّعون… والكتبة والقوّالون… والمغنون النشاز والشعراء النظّامون… والمتصعلكون وضاربو المندل… وقارعو الطبول والمتفيهقون (أدعياء المعرفة)… وقارئو الكفّ والطالع والنازل… والمتسيّسون والمدّاحون والهجّاؤون وعابرو السبيل والانتهازيون…تتكشف الأقنعة ويختلط ما لا يختلط… يضيع التقدير ويسوء التدبير… وتختلط المعاني والكلام… ويختلط الصدق بالكذب والجهاد بالقتل.. ” فهل صدق كل ما قاله ابن خلدون عنا وفينا؟ هل انهارت الدولة التي بنيناها وشيدناها بأيدينا؟ فنحن في زمن المداحين…وزمن الهجائين… وزمن قارعي الطبول… فهل بالتطبيل والنفاق سنعيد للدولة هيبتها …وللبلاد مكانتها …وللأمة كرامتها وعزّتها؟ وهل بالمتصعلكين وعابري السبيل سننجح في خلاص ديوننا؟ وهل بالانتهازيين سننجح في درء العجز عن ميزانيتنا؟

هل بهذه الأقلام وأصوات الدعارة الإعلامية سنعيد الأمل المفقود لشبابنا ومن أوجعناهم بما فعلناه بهم منذ أكثر من احدى عشرة سنة؟ هل نحتاج حقّا إلى كل هذه الأصوات التي تحترف التطبيل والنفاق؟ هل نحن في حاجة إلى من يعملون ليلا نهارا على توسيع الهوّة بين أفراد هذا الشعب، بين الحاكم والمحكوم؟ هل نحن في حاجة إلى من يخططون فقط لتوسيع الشرخ بين مكونات النسيج السياسي والمجتمعي؟ هل نحن حقّا في حاجة إلى من باعوا ضمائرهم واحترفوا التغطية والتزييف وخيّروا الصمت أمام ما يقع بالبلاد منذ أكثر من احدى عشرة سنة؟

لا … لسنا في حاجة إلى هؤلاء وامثالهم، ولن نكون في حاجة إليهم ابدا فنحن من صنع تاريخ هذه الأمة وبنى مجدها، وأجدادنا هم من كتبوا تاريخها بأحرف من دمهم ومعاناتهم ونضالاتهم …نحن اليوم في حاجة إلى حاكم لا يفرّق… حاكم يجمع الجميع حول طاولة الوطن وإن اختلفوا… حاكم يحب الجميع وإن لم يتفقوا… حاكم لا يتمسك بالكرسي بقدر تمسكه بوحدة هذا الشعب رغم اختلافه …نحن في حاجة إلى حاكم يتقن إدارة احتياجات هذا الشعب وهذه البلاد …فلا مبرر لوجود من لا يفقه كيف يدير احتياجات شعبه وأمته ويخرجهما من أزمتهما…ولا مبرر لبقائهم جالسين على كراسيهم حين يفشلون في القيام بواجبهم…نحن في حاجة إلى حاكم يخفّض من مستوى الاحتقان بين مكونات مشهدنا السياسي والمجتمعي بخطاب يوحّد… خطاب يجمّع… خطاب حب… لا حقد فيه… ولا تهم ولا شتيمة…ولا محاكمات على الهواء لا إثبات فيها غير بعض الهراء…نحن في حاجة إلى حاكم نبكيه يوم يغادرنا…ونتمسّك به يوم يترك الكرسي… ولا حاجة لنا بحاكم يرفع مستوى الاحتقان  ولا يقرأ حسابا لمخاطر الفتنة…فهذا الشعب الذي صبر أكثر من عشر سنوات لن يصبر أكثر… ولا أظنّه يرضى بمثل ما عاشه…وهذا الشعب لن ترهبه السجون ولا التهم الباطلة، ولا القضايا الملفّقة، ولا الاقامات الجبرية، ولن تسكته أبواق السلطان وإن كثر صراخها وعلا صوتها…وتناثر بصاق افواه أقلامها ومادحيها في منابر قنواتها…

نحن في حاجة إلى حاكم يدرك ان رغيف الخبز لا يعوّض الحرية ابدا…وأن “كيلو فارينة” لن ينسينا كرامتنا…هذا الشعب لن يقبل بأن يأكل رغيفه ويداه مقيّدتان… ومحكوم عليه بالصمت… فالصمت جريمة وخيانة لمن لم يسكتوا يوما عن الحق…فإن كنتم يا حكام اليوم تحبون وطنكم مائة مرّة… فهذا الشعب يحبّ وطنه مليون وألف مرّة ومرة…ومرّة أخرى…

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار