سؤال يطرح نفسه بعد ما قرره أخيرا قيس سعيد، منذ متى بدأ ساكن قرطاج في التخطيط لما قام به؟ فالعقل لا يقبل أبدا بالرواية التي تقول إن ساكن قرطاج أتى ما أتاه بحثا عن حلّ لمشكلات البلاد، وبهدف انقاذ تونس من الوضع المأسوي الذي أوصلوها إليه منذ عشر سنوات ويزيد…فقيس سعيد أحببنا أم كرهنا هو جزء من منظومة “فاسدة” وإن لم يكن فاسدا، أليس هو رئيس البلاد منذ قرابة السنتين؟ أليس هو من اختاره الشعب لقيادة البلاد؟ إذن هو جزء هام وربّما هو أهمّ جزء من منظومة فشلت في تسيير دواليب الدولة وزادت وضعها الاقتصادي والاجتماعي علاوة على السياسي تأزما…
محمد الأطرش
يقول المنطق إن قيس سعيد وهو رئيس البلاد، والضلع الأهم في ثلاثي الحكم، مسؤول كالبقية عمّا وقع بالبلاد، وعمّا آلت إليه الأوضاع بالبلاد منذ جلوسه على كرسي قرطاج، فهو إذن الشريك الأكبر في ما آلت إليه الأزمة، و وجب منطقيا أن يلقى نفس مصير بقية شركاء الحكم فكيف استثنى نفسه من العقاب وأنقذ نفسه من الحساب…فهل استبق غضب الشعب وخروجه على حكامه ليقفز من مركب الفشل إلى ضفّة تجعله في مأمن من محاسبة الشعب؟
تسلسل الأحداث يؤكّد أن مسؤولية قيس سعيد في مثل حجم مسؤولية بقية أطراف الحكم وربّما أكثر، فهو من اختار الفخفاخ رئيسا للحكومة بعد سقوط حكومة الجملي في امتحان مجلس النواب، وهو من اختار المشيشي رئيسا للحكومة بعد استقالة الفخفاخ اثر اتهامه بشبهة تضارب المصالح، وهو أيضا من عرقل نصف حكومة المشيشي بعد التحوير الذي أجراه هذا الأخير على حكومته وابعاده لكل وزراء القصر، ومن اختارتهم ساكنة قرطاج نادية عكاشة، فقيس سعيد ساهم “عن قصد” في وصول البلاد إلى ما هي عليه، ولم يحرّك ساكنا أصلا أمام ما يقع في مجلس النواب، ولم يقف وقفة حازمة لإيقاف مهزلة المجلس وما يجري تحت قبّته بل كان يعرّج على الأمر في كل خطبه بشكل شيطنة لخصومه داخل وخارج قبّة باردو… فلماذا ترك إذن قيس سعيد البناء ينهار على رؤوس الجميع؟ هل فعل ذلك من أجل إيجاد مبررات لتفعيل الفصل 80 من الدستور؟ أم كان شريكا بنصيب كامل في صنع الخطر الداهم الذي يخوّل له تفعيل ذلك الفصل؟ فهل خطّط قيس سعيد لكل ذلك من أجل الاستيلاء على جميع مفاصل الحكم أم كانت الصدفة التي اعترضت طريقه ليصبح الحاكم بأمره في البلاد والعباد؟
المتابع للأحداث وتسلسلها منذ تقديم قيس سعيد لترشحه لكرسي قرطاج يدرك ومن خلال برنامج هذا الأخير أن قيس سعيد كان يبحث منذ يومه الأول عن رئاسة كاملة الأوصاف والصلاحيات ويريد أن يكون صاحب القرار الأول والأخير رغم علمه بتواضع صلاحيات الرئيس في دستورنا الحالي…فالرجل جاء كرسي قرطاج ليكون ملكا على البلاد دون تاج ودون عرش…فهل بحث قيس ومنذ وصوله كرسي قرطاج عن الاستحواذ على جميع السلطات، وهل وفر كل الظروف تدريجيا لذلك؟ فالرجل لم يكن بذلك الحزم الكبير في تعامله مع بقية أطراف الحكم ولم يقترب من بقية أطراف المشهد، بل كان منغلقا على مجموعة داعمة له، ولم يُشعر الشعب ولا المتابعين للمشهد بأنه شريك في ما يقع بالبلاد وجزء من المنظومة، بل روّج من خلال كل ما يـأتيه بأنه خارج السرب، ولا شيء يربطه بمنظومة الحكم الحالي، وكأني به يريد الإيقاع بهم جميعا والتسويق جماهيريا بأنه غير مسؤول عن الأزمات التي تعيشها البلاد سواء كانت الأزمة الصحية أو الاقتصادية والاجتماعية، فالرجل لم يساهم ولو بالنصيحة أو بالاقتراح في حلحلة الأمور، رافضا كل حوار مع أي طرف اجتماعي أو سياسي عرض عليه الأمر، وجلس يشاهد سقوط المنظومة وتصاعد وتيرة غضب الشارع عنها، وتضاعف عدد الرافضين لها، وتراجع شعبية كل الجالسين أمامه من شركاء الحكم، والأغرب أنه لم يحرّك ساكنا ولم يُولِ أهميّة كبيرة للملفات التي هي تحت سلطته وبحوزته، خاصة تلك التي تتعلّق بالتعاون الدولي والعلاقات الديبلوماسية.
كأني بقيس سعيد استشعر ما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع وما يمكن أن يقع بالبلاد فاختار توقيت وضع يده على حكم البلاد بعد أن عشنا معه خطبا نارية اتهم فيها كل خصومه وكل من يشاركونه الحكم بالفساد، وهددهم بالويل والثبور وعظائم الأمور لمدّة فاقت السنة ونصف السنة، فالرجل هدّد بالضغط على زر إطلاق صواريخه الدستورية التي كانت تنتظر إشارة واحدة منه لتنطلق من منصاتها، ماذا يعني كل هذا يا ترى؟ هل كان قيس سعيد ينتظر اكتمال مبررات انقلابه على بقية شركاء الحكم؟ وهل ترك الحبل على الغارب ليزيد من غضب الشارع والشعب ويكتمل بذلك شحن الشعب نفسيا ضدّ من يحكمه؟ وهل كان إعلانه للحرب ضدّ المشيشي ومن حوله فقط لإيهام الشعب وأتباعه بأنه ليس منهم وليس شريكا في ما يقع بالبلاد وأن خروج الشعب على هؤلاء أصبح ضرورة مؤكّدة؟ وهل وضع نفسه من خلال قطيعته مع شركاء الحكم في مأمن من غضب الشعب وردّة فعله؟
لاحظ بعض المتابعين للمشهد السياسي بتونس أن ارتفاع حدّة توتّر ساكن قرطاج أصبحت واضحة للعيان مباشرة بعد انقلاب المشيشي عليه وعلى خياراته، وزادت حدّتها بعد ارتماء المشيشي في حضن حزام سياسي وبرلماني تتزعمه حركة النهضة ويضمّ ائتلاف الكرامة وقلب تونس وكتلة الإصلاح في المقام الأول وحركة تحيا تونس وبعض الكتل الداعمة الأخرى في مقام ثان، وتأكّد حينها قيس سعيد أنه لن ينجح في الوفاء بوعوده لمن انتخبوه وأوصلوه إلى كرسي قرطاج من العمود الفقري لقواعده وأتباعه، فهُم من صوّتوا له في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، وأدرك أن فرصة إعادة انتخابه لولاية ثانية أصبحت تتلاشى تدريجيا، وكان عليه أن يجد حلاّ ينقذ به مسيرته في قصر قرطاج فالرجل لم يقم بشيء يذكر خلال سنة وأكثر من وجوده بقصر قرطاج، وهذا سيكون وصمة عار لن تمّحي من ذاكرته، وهو الجالس على كرسي جلس عليه الزعيم بورقيبة رحمه الله لحوالي الثلاثين سنة وبن علي رحمه الله لأكثر من عقدين وقاما بكثير من الأعمال وتركا أثرا سيذكره التاريخ بعد مئات السنين. فكيف ينقذ نفسه وتاريخه من ورقة بيضاء لا شيء فيها تجعله مجرّد اسم عابر في سطر يتيم ببعض كتب التاريخ؟
والغريب في أمر ساكن قرطاج هو تحرّكه السريع والكبير بعد 25 جويلية لجلب وتوفير التلاقيح واستجداء المساعدات والهبات والعطايا، فالرجل كان يعلم قبل ذلك الوقت بكثير بما آلت إليه الأمور الصحية بالبلاد، وكان يعلم بعدد من ماتوا بسبب الكوفيد لكنه لم يكن حازما بالشكل الذي كان يجب أن يكون عليه وأوعز لأتباعه بإغراق المشهد الإعلامي بأخبار نفاد الاوكسيجين وعدم توفير التلاقيح، وصدفة تغيّر كل شيء وصمت الجميع عن الاوكسيجين والتلاقيح…وأصبح كل شيء على ما يرام… وقرّر الرئيس أيام التلقيح الجماعي لتتحرّك “ماكينته” الإعلامية وتجعل من اليوم الأول للتلقيح الجماعي حدثا لم يشهده العالم أبدا…فماذا لو تدخّل قبل الانقلاب بأشهر ليقترح ما فعله وليتحرك دوليا من أجل توفير التلاقيح وأجهزة التنفس وشحنات الأوكسيجين؟ فهل وضع قيس سعيد مخططا لكل ما وقع في البلاد من أجل إيجاد مبررات انقلابه على خصومه؟
ماذا كان يريد حقّا قيس سعيد بما قد يكون خطّط له ونفّذه يوم 25 جويلية الماضي وأكمل صياغته القانونية هذا الأسبوع؟ هل كان يريد فقط إصلاح شأن وحال البلاد وانقاذها من الإفلاس والخراب والدمار التي تسببت فيهم كل منظومات حكم ما بعد 14 جانفي، أم كان يبحث عن أمر أكبر من ذلك بكثير؟ لسائل أن يسأل كيف يمكن لقيس سعيد أن يغيّر حال البلاد وهو في سنته الثانية على كرسي قرطاج؟ هل ستكفي ثلاث سنوات ليصلح حال البلاد ويطهّرها من الفساد كما يزعم ويصرخ بذلك في كل خطاب؟ كل عاقل سيجيبنا عن هذا السؤال بــ”لا” فقيس سعيد لن يكون قادرا على فعل ذلك في ثلاث سنوات فقط وفي ظلّ ظروف اجتماعية واقتصادية كالتي تعيشها البلاد اليوم…فماذا يريد إذن؟
الإجابة واضحة للعيان من خلال ما أتاه هذا الأسبوع فما قرره ونشره بالرائد الرسمي للبلاد التونسية يؤكّد بما لا يدع مجالا للشكّ، أن الرجل يبحث عن إطالة مدّة إقامته بقصر قرطاج ويريدها مصحوبة بكل مقاليد الحكم كما كان الشأن بالنسبة لبن علي رحمه الله…فلا أحد سيصدّق أن الرجل فعل كل هذا الذي فعله ليسلّم البلاد إلى غيره أو أحد خصومه بعد أن ينهي تنفيذ ما قرره…فشيطنة خصومه…وإبادتهم الجماعية سياسيا كان مخطّطا لها فهو يدرك أن أكثر من ثُلُثي الشعب التونسي لا يريدون بقاء حركة النهضة في الحكم، ولا حتى عودتها للسلطة وسيسعدون بإبعادها عن الحكم، فاختار أن تكون هي أولى ضحاياه وبذلك كسب تعاطفا واسعا، ومساندة كبيرة من كل من يكرهها وأصبح عند بعضهم “بطل” معركة التحرير من آخر فصائل إخوان الربيع العربي، وتعاطف معه حتى بعض من هم منها ومعها، كما أنه أوجد مشروعية شعبية لحلّ مجلس النواب من خلال تركه الحبل على الغارب وشيطنته اليومية لفساد بعض من هم تحت قبّة باردو دون أدلة وإثباتات تسمح له بوضعهم في السجون…
فالشارع التونسي وبعد أن تمّ شحنه ضدّ كل الأحزاب لم يعُد مهتما بمن يكون قيس سعيد أو بما يريده قيس، أو بخطر وإمكانية تحوله إلى مستبد أو دكتاتور غدا، وسيقول لك لو سألته عن سبب مساندته الكبيرة لقيس سعيد بقوله “ما خَرِّجْ النهضة كَان هُوَ”…وهو نفس ما وقع مع التجمّع بعد 14 جانفي 2011…فالحكاية ليست أكثر من انتقام مكوّنات سياسية من بعضها البعض، ومن انتقام رئيس جمهورية ممن حوّلوا وجهة من اختاره وزيرا أول ومن حرموه من سلطة تامة بدستور وقعت صياغته على مقاس من صاغه…وهذه الرغبة في الانتقام هي من أوجدت الرغبة الجامحة لساكن قرطاج في البقاء أكثر ما يمكن في قصر قرطاج…فكل قراراته التي نشرت في الرائد الرسمي تصبّ في نتيجة واحدة وهدف واحد…انتخابات تشريعية سابقة لأوانها يكون فيها لــ”الشعب يريد” النصيب الأكبر من المقاعد، بعد صياغة قانون انتخابي جديد يسمح للأحزاب بكسب الأغلبية المطلقة التي تسمح لحزب واحد بحكم البلاد، خاصة أنه نجح في تفتيت كل الأحزاب التي يمكن أن تنافسه جدّيا في المحطّة الانتخابية السابقة لأوانها بما أتاه يوم 25 جويلية الماضي، فحتى الدستوري الحرّ سيفقد بريقه بعد أفول نجم النهضة وشيخها وبعد ظهور حزب الرئيس للعلن…ومن خلال “الشعب يريد” يمكن لقيس سعيد أن يواصل الجلوس على كرسي قرطاج بعد انتخابات 2024…فالرجل سيصبح خطابه وخطاب “الشعب يريد” واحدا وبرنامجهما واحدا، سيضمن بذلك ولاية ثانية تسمح له بتغيير كل ما يريد تغييره دستوريا وقانونيا وسياسيا…وسيضمن بأغلبية برلمانية تمرير كل تعديل دستوري دون الحاجة إلى استفتاء شعبي…
لكن هل قرأ قيس سعيد حسابا للأوضاع الاقتصادية للبلاد؟ وهل قرأ حسابا لما ينتظره في السنة المالية القادمة وفي ما تبقى من هذه السنة؟ وهل قرأ حسابا لانتهاء مفعول الخمرة في رؤوس أتباعه؟ فغدا ينتهي مفعول قراراته وما أتاه…وسيعود الشعب وأتباعه إلى شؤونهم وحياتهم وأوجاعهم وما ينتظرونه من وعود قيس سعيد…و سيخرجون ليطالبوه بالدفع على الحساب…فمئات الآلاف سيطلبون تفعيل القانون 38 لسنة 2020…ومئات الآلاف سيطالبون بمورد رزق…وعشرات الآلاف سيطالبونه بتسوية وضعياتهم ورفع المظالم عنهم…ولن يفعل من أجلهم شيئا غير قوله “أصبروا علينا شوية”….حينها قد يقول الشعب “يبطى شوية”…
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.