منذ احدى عشرة سنة ودول ما يسمونه بــ”الربيع العربي” تعيش مخاضا عسيرا مؤلما مُفَقِّرًا مهمِّشًا…فما يجري ليس حتما بمخاض ديمقراطي كما يتصوّر البعض أو كما يروّج له من وجدوا مكانا تحت الشمس بعد 14 جانفي…فهؤلاء يطلقون “ديمقراطية” على كل الأنظمة التي يمسكون بعصاها…فحرية الرأي…وتضخيم دور المجتمع المدني وغيرها من آليات “دمقرطة” دول ما يسمى بــ”الربيع العربي”، لم تكن في حقيقة الأمر إلا أداة تطويع للشعب بشكل آخر…واستنباطا لنمط جديد من الدكتاتورية…
محمد الأطرش
ما تعيشه أغلب الدول ضحايا ما يسمى بـ”الربيع العربي” لا يقل بؤسا ولا مأساة ولا تعاسة عن الأنظمة التي يروّج “حكام اليوم” أنها كانت قمعية ودكتاتورية وربما يفوقها في بعضها…فــ”شرعنة” الاستحواذ على السلطة مرّت في بدايات ما يُسمى بــ”الربيع العربي” عبر تغييب المفهوم الحقيقي والشامل للمواطنة … فعصا السلطة والقمع تحوّلت من يد السلطة الحاكمة إلى يدِ من لا سلطة له “في الأصل” فأصبحت المنظمات، ومكونات المجتمع المدني، هي الحاكم بأمره، وهي الماسك بعصا الطغيان والاستبداد بشكل أفظع مما كانت عليه الأنظمة التي وقع الانقلاب عليها…فما عاشته بلدان ما يسمى بـــ”الربيع العربي” هو عملية غسل دماغ واسعة النطاق نُفذت بطريقة قذرة… فخلال الأشهر الأولى وقع استغلال الغرائز لتمرير خطاب حقدي غريب وجديد على هذه المجتمعات عبر آليات ديمقراطية لا تجد لها شبهة ولا إثباتا… ثم وقع استعمال مفردات كاليأس والإحباط والاستبداد والتجويع والتفقير والتهميش متبوعة بخطاب ديني مشبوه وقع تقديمه في شكل أداة من أدوات الديمقراطية لفرض واقع مخالف لما كان ينتظره الشعب…
اليوم تدخل مصطلحات وتعبيرات أخرى كالشعب يريد والشعب هو الأصل…والشعب هو صاحب القرار الأول والأخير…والنظام القاعدي…والعودة إلى الشعب لتنضاف إلى وسائل الترهيب التي يستعملها زبانية عراب “الربيع العربي” المزعوم قصد إخضاع الجميع لرغباتهم والتحكم في مفاصل وتفاصيل حياتهم، فانتشرت مواقع تلفيق التهم…وخلق الذرائع…وهتك الأعراض وتشويه الخصوم…وصناعة المبررات الوهمية…ونُصبت المشانق الافتراضية والمحاكم الشعبوية بمواقع التواصل الحقدية…فهل يريد هؤلاء خيرا بشعوبهم حقّا…أم هم يسلبونهم حرياتهم بوسائل ألبسوها ملابس ديمقراطية لا يرتقي إليها الشكّ…؟؟؟
هل ما تعيشه تونس اليوم هو مجرد عملية تحيين لمنظومة فاشلة اصطدمت بواقع سياسي مغاير عمّا كانت تنتظره وتتصوّره، أم هي منظومة “استبداد” جديدة وُلدت من رحم انقلاب شقّ أراد انقاذ نفسه من تبعات فشل مخجل لسنة ونصف من الحكم بالانقلاب على شقّ من منظومة 2019 التي فشلت فشلا مُذلا في توفير أبسط متطلبات العيش الكريم للشعب التونسي؟…فطريقة الاستحواذ على الحكم يوم عيد الجمهورية ليست بالبراءة التي يتصوّرها ويروّج لها البعض الآخر…وكأني بأحد الأطراف أوعز بطريقة أو بأخرى لأتباعه بصناعة وإيجاد وخلق مبررات وذرائع لتفعيل الفصل 80 من الدستور…فكان له ما أراد…وكأن ما وقع خُطّط له مسبقا وبدقّة كبيرة…
لا أحد من العاقلين سيصدّق عامل الصدفة في ما وقع يوم 25 جويلية فالصدفة لا تصنع الانقلابات…فكل مقوّمات الانقلاب حاضرة في مجريات الأحداث وتسلسلها وتطوّرها من يوم خروج الغاضبين على منظومة 2019 كاملة (سكان القصور الثلاثة) إلى الشوارع واستهدافهم لمقرّات الحزب الحاكم (النهضة) وصولا إلى ما جاء في المرسوم 117…فالفترة الفاصلة بين ما حصل يوم 25 جويلية ويوم 22 سبتمبر كانت فترة فراغ للتمويه وتغليف الأمر بلباس آخر مغاير عن الانقلاب المخطّط له مسبقا…وكأني بصاحب “عصا” 25 جويلية أراد تقسيط الانقلاب على مرحلتين وكما أوجدوا له مبررات لما قام به يوم 25 جويلية، أوجدوا له تفويضا آخر وُلد من رحمه مرسوم 117 فاكتمل “البناء الانقلابي” الذي استحوذ به ومن خلاله على كل مفاصل الحكم والدولة وأغلق من خلاله كل منافذ الطعن في ما أتاه…
لكن ما حدث خلال الشهر الأول من هذه السنة اثبت بما لا يدع مجالا للشكّ أن ساكن قرطاج لم يُعدّ عُدّته جيدا لحكم البلاد وإطعام ملايين الأفواه…وكأني به استسهل الأمر أو أوهموه بسهولته فخدعوه ولم يتفطّن لأمرهم…فمن يريد النجاح في الحكم وجب أن يجمع حوله كل مكونات المشهد السياسي بالبلاد لتوفير “بطانة” واسعة داعمة لسياساته وخياراته تتحمّل معه تبعات أي فشل أو خطأ متوقّع…وهو ما لم يفعله ساكن قرطاج الذي لم يبحث عن توريط خصومه وشركائه معه في تبعات كل فشل منتظر( الأمر الذي فعلته النهضة خلال كامل سنوات حكمها اختبأت دائما وراء طرف سياسي تحتمي به من تبعات أي فشل محتمل)، بل بحث منذ يوم حكمه السلطوي الأول إلى ابعاد كل خصومه وكل شركائه عن مفاصل السلطة والبقاء وحيدا على “عرش” البلاد ملكا … فبدأت ملامح التورّط في فشل مدمّر تطل برأسها على واقع سياسي غريب ومريب…
ساكن قرطاج بدأ يحصد ما زرعه، وكأني به نسي أنه حين انقلب على شركائه في المنظومة أو في الحكم إنما هو أمضى دون أن يعلم على ورقة تورّطه وحده في تبعات كل فشل في إخراج البلاد مما هي فيه… فساكن قرطاج لم يُخرج البلاد مما وصلت إليه، ولم ينجح في انقاذ ما وجب إنقاذه، بل زاد على أوجاعها وجعا آخر لم يفعله كل من حكموا البلاد قبله…فلأول مرّة منذ استقلال البلاد تعيش الدولة أزمة توفير أجور الموظفين والعملة في مواعيدها…والأغرب أن يخرج علينا وزراء ساكن قرطاج يبررون ويختلقون الروايات التي لن يصدقها أي سامع، ولن يقبلها أي عقل متابع لما يدور في البلاد…ألم يصبح بيت المال تحت إمرة وتصرف ساكن قرطاج؟ ألم يصبح الخراج بيده أيضا؟ ألم يصبح لوحده الأمين على الغنائم من الجباية والخطايا؟ فلم وصل بنا الأمر إلى عدم توفير أجور موظفي الدولة ومؤسسات الدولة في موعدها؟
ستّة أشهر ومولانا يحكم بمفرده…يفعل بنا وبالبلاد ما يريد متى يريد وكيف يريد…فهل تغيّر حال البلاد…وصلُح حال العباد…لا شيء مما وقع يبشّر بالخير…فأغلب سكان هذه الرقعة من الأرض يعتريهم شعور مخيف بالغربة داخل بيوتهم وأوطانهم…يعتريهم شعور الخذلان بين أهلهم وذويهم وهم الذين استمعوا طويلا إلى خطب من ساكن قرطاج جعلتهم يحلمون بحكم الفاروق عمر… ستّة أشهر ولم يتغيّر واقع الشعب المخدوع…بل ساء أكثر…فالبلاد تعيش العزلة المالية ولا أحد قبل بمنحنا ما يخرجنا مما نحن فيه دون شروط مدمّرة اجتماعيا…
يُخيل إلينا أحيانا أننا نعيش في حفل تنكري ذبحوا فيه القيم من الوريد إلى الوريد…وأضاعوا فيه المبادئ …وكأننا أصبحنا نعيش في وطن لا يعطينا سوى التهميش والتجويع والتفقير واليأس والإحباط والموت والدمار…وكأننا اصبحنا نعيش في وطن لا يشبع من أوجاعنا…ومآسينا ومصائبنا…وكأننا نعيش مع دولة تستمتع بصراخنا وعويلنا وتتلذّذ طعم دموعنا…خذلنا كل من حكموا بعد حكم من اعتبروه “طاغية” فدفن في أرض يطوف بها الملائكة يحرسون من هم تحت ترابها من الرسل والأنبياء والصحابة…نعيش مع سلطة عمّقت شعورنا باليأس…حتى أصبح اليأس وعلى مدى احدى عشرة سنة ظلاّ لنا يرافقنا حتى وإن غابت الشمس عن ديارنا…أكل التهميش ربع أعمارنا فلم يشبع…وقضم الإحباط نصف أعمار أبنائنا ولم يشبع…
ستّة أشهر ولم نر شيئا مما كان الفاروق يأتيه…ولم نعش شيئا مما كان ابن عبد العزيز يفعله….ولم نهنأ بأمر واحد جاء في خطب ساكن قرطاج…فمن يريد التشبّه بعمر يفعل ما يقول وما أتاه عمر…وما يسمعه عنه الشعب…فنحن لا نعيش في زمن يركب فيه مولانا حصان عنترة الأبجر أو شهباء عقل بن هولا ويتبختر بها في شوارع عاصمة الأغالبة أو قرب جامع الزيتونة…ولا نعيش زمن ابن عبد العزيز وهو يسير راجلا بين مضارب بعض القبائل والعشائر يسأل عن أحوال الرعية…ولا زمن الزبير بن العوام وهو يجوب أرض إمارته على حصانه يعسوب…نحن نعيش زمنا إن لم تجعله واقعا جميلا وأنت حاكمه فلا تكن ذكرى سيئة يكتبها تاريخه…
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.