تابعنا على

جلـ ... منار

واشنطن والدولة الفلسطينية… حقّ النقض وعربدة التناقض

نشرت

في

استخدام واشنطن حقّ النقض (الفيتو)، لتعطيل مشروع قرار يطالب بمنح فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، ليس آخر حلقات المسلسل الأمريكي في هذا الصدد، فالحلقات المقبلات لن تُعدّ ولن تُحصى أغلب الظنّ. لعله، في المقابل، أحدث مظاهر التناقض الفاضح في السلوك الدبلوماسي للقوّة الكونية الأعظم، كلما اتصل الأمر بمصالح دولة الاحتلال الإسرائيلي.

صبحي حديدي
<strong>صبحي حديدي<strong>

والأصل في الأمر لا ينطوي على انحطاط صارخ في طرائق التلفيق وحدها، بل يشمل أيضاً ذلك البؤس الهابط في تدبّر اللغة والمفردات، والتحايل على معانيها الأبسط ودلالاتها الدنيا. فما من إدارة أمريكية تخلّت، صراحة ونهائياً، عن خرافة حلّ الدولتين كمخرج لـ”نزاع” فلسطيني ـ إسرائيلي لا يخمد يوماً حتى يندلع أشدّ اشتعالاً؛ ومع ذلك، ما من إدارة أمريكية إلا واستخدمت حقّ النقض لتعطيل أيّ قرار ينقل التمثيل الفلسطيني في الأمم المتحدة من مستوى المراقب إلى العضوية الكاملة. لا أحد، في أيّة إدارة، سوف يضع السلوك الأمريكي تحت توصيف التناقض، حتى حين يجنح هذا أو ذاك من كبار ممثلي الإدارة إلى منطق كسيح ركيك في تبرير استخدام الفيتو.

الطريف قد يتمثل في أنّ حلقات المسلسل لا تتكرر، على النحو الأعلى إثارة للملل، فحسب؛ بل يحدث أيضاً أن يتكئ التبرير الأمريكي الأحدث لاستخدام الفيتو على تناقض من قلب التناقض، أو في محيطه وأمامه وخلفه. وهكذا يقول وزير الخارجية الأمريكي إنّ “الوصول إلى دولة فلسطينية يتطلب تحقيق التهدئة في غزة أوّلا”، ولكنه يتناسى أنّ واشنطن أفشلت مشاريع قرارات وقف إطلاق النار أو هدنة في حرب إبادة تتواصل منذ ستة أشهر ونيف.

ولا سبيل، أيضاً، إلى مساءلة هذا المنطق الأمريكي، المُعاق ذاتياً وإرادياً في الواقع، بصدد تناقض تكويني آخر، يسير هكذا: إذا كان البيت الأبيض يريد دولة فلسطينية عبر الوسائل الدبلوماسية فقط (وكأنّ الأمم المتحدة ساحة حرب وليست هيئة دبلوماسية)؛ فكيف ستتحقق معجزة مثل هذه إذا كان الطرف الآخر، الإسرائيلي، لا يرفض فكرة الدولة الفلسطينية من الأساس فقط، بل يأبى الدخول في أيّة مفاوضات مع أيّ فريق فلسطيني، حتى إذا اختُزل إلى مقاطعة/ شبه بلدية في رام الله؟

طرافة أخرى ذات صلة بحكاية (لعلها أقرب إلى الكوميديا، منها إلى التراجيديا) العلاقة الأمريكية مع الهيئة الأممية ذاتها؛ فقبل المندوبة الدائمة الحالية، ليندا غرينفيلد، كانت سوزان رايس قد رفعت بطاقة الـ “فيتو” مراراً وتكراراً في وجه أيّ إجماع دولي ضدّ أية من جرائم دولة الاحتلال. وقبل الاثنتين شهد العالم إصرار البيت الأبيض على تعيين جون ر. بولتون في المنصب ذاته، رغم أنّ جوهر موقف الرجل من المنظمة التي سيعمل فيها كان، ببساطة: الاحتقار التامّ!

كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية آنذاك، دافعت عن بولتون بطريقة مبتكرة حقاً: إنه ليس أوّل كارهي هيئة الأمم في لائحة مندوبي أمريكا الدائمين. وبالفعل، قبله كان هناك باتريك موينيهان، وجين كيركباتريك، و… كانت مادلين ألبرايت.

ففي مطلع عام 1993، أثناء تقديم شهادة تثبيتها في المنصب هذا، قالت ألبرايت إنها “لن تسمح بالتنازل عن السيادة الأمريكية للأمم المتحدة، في منطقة ذات مصالح حيوية للولايات المتحدة في أيّ مكان من العالم”. ولعلّ ذلك “العالم” يتذكّر، ليس دون مزيج خاصّ من الاستطراف والاستياء، صراع الديكة الذي نشب بين ألبرايت والأمين العام الأسبق بطرس بطرس غالي، حول صلاحيات مجلس الأمن الدولي بالذات؛ حين كانت تتهكم: “أليس من المضحك أن يعتقد أنه قادر على استخدام الفيتو ضدّ سياسات الولايات المتحدة”؟

كان مضحكاً بالفعل، ودفع الرجل ثمنه سريعاً؛ والحال مضحك اليوم أيضاً، وهكذا سيبقى كلما توجّب أن ترتفع يد أمريكية لإعلان النقض و… وعربدة التناقض!

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

مجموعة السبع… مفردة الدم ورطانة الخشب

نشرت

في

image 21

صبحي حديدي:

ليس أيسر من إسباغ طابع الوحدة على قرارات قادة “مجموعة السبع” حين تنعقد قممهم ويكون على جدول أعمالها شؤون الشرق الأوسط وشجونه، عموماً؛ والتأييد العلني أو المضمر لهذه أو تلك من الملفات ذات الصلة بدولة الاحتلال الإسرائيلي، وما كان منها عالقاً صانع تأزّم على وجه التحديد، خصوصاً.

صبحي حديدي

وهكذا، لم يُفاجأ (إلا السذّج عن سابق قصد وتصميم) باتحاد قادة كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، المجتمعين في باري الإيطالية، حول تأييد خطة الرئيس الأمريكي جو بايدن بصدد حرب الإبادة الإسرائيلية ضدّ قطاع غزّة؛ ثمّ التوافق، من دون تحفظ كما يتوجب التشديد، على… السماح لوكالات أممية مثل غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) بالعمل في القطاع من دون عائق. ورغم أنّ اللغة التي اعتُمدت في صياغة البيان كانت من الطراز الخشبي المفتضَح، جرياً على عادة عريقة طبعت بيانات قمم الـG-7  منذ نواة التأسيس في ربيع 1973 حين كان السبعة 4 فقط (أمريكا والمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا)؛ فإنّ الافتقار إلى قوّة فعل مقترنة بإطناب العبارة لاح هذه المرّة أشدّ إفصاحاً عن سلسلة العوائق التي حالت، على الدوام أيضاً، دون رفد مفردات الخشب بنبض الحياة.

على مرأى منهم ومسمع، ظلّ رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يتعنت ويستهتر ويسخر ويزمجر؛ ومثل أحجار ثقيلة على طاولة اجتماعاتهم، ظلت تجثم قرارات محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية ومجلس الأمن الدولي؛ وعلى مبعدة بحار أو محيطات كان وزير خارجية الولايات المتحدة يلفق الأكذوبة تلو الأخرى لصالح الاحتلال وحول خطة رئيسه نفسها، بينما تابع رئيس وكالة المخابرات المركزية سباقه مع الزمن لإنقاذ ولاية بايدن الرئاسية الثانية، من عواقب انعدام اتفاق حول وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى وانسحاب الاحتلال…

القادة الآخرون، الآتون من برلين أو باريس أو لندن أو طوكيو أو روما أو أوتاوا، تابعوا السير خلف القطب الأكبر الذي تمثله واشنطن: رفض وقف إطلاق النار حين حرّم البيت الأبيض تمريره في مجلس الأمن الدولي، ثمّ الانفكاك في كثير أو قليل عن التحريم حين بات الاضطرار بوّابة لإنقاذ دولة الاحتلال من ذاتها اللاهثة إلى انتحار، ثمّ تحويل التحريم إلى توافق مطلق عندما أدرك بايدن أنّ قواعد اللعبة لا تتغير جذرياً فقط بل تهدد بنسف طرائق اللعب جمعاء.

والحال أنّ اللغات الخشبية، التي تطمر الملفات الفعلية الحارقة، أكثر من أن تُعدّ وتُحصى؛ على امتداد اجتماعات قمم الـ 20، أو الـ G-7 (حتى حين أُضيف إليها الاتحاد الروسي)، أو منتديات دافوس، أو مؤتمرات صندوق النقد الدولي، أو اجتماعات البنك الدولي. المعطيات الموسوعية تقول إنّ مجموعة السبع هذه تحتكر 60% من إجمالي الثروة العالمية (317 تريليون دولار، في سنة 2018 مثلاً)، ونسبة 32% إلى 42% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، عند 10% من مجموع سكان العالم.

الـ90% من شعوب الأرض هي التي تدفع أبهظ أثمان ذلك التقاسم غير العادل، ومواردها تلعب دور صنبور الطاقة ومنجم المواد الخام وسوق الاستهلاك في آن، ولا غنى عنها كي تدور آلة الاقتصاد الدولي، وكي يعرف الكبار أفضل طرائق استثمار خيرات الأرض، ثمّ أفضل أَوجُه التنعّم بها. الأخطر، ربما، أن الحيلة قد تنطلي على العديد من قادة الـ90%، فيتابع بعضهم المكوث في صفّ الضحية، تحت وهم ذاتيّ التوليد مفاده أنهم شركاء في صناعة نظام العلاقات الدولية، أو حتى في صناعة التاريخ ليس أقلّ!

ولعلّ الجديد الوحيد في اللغة الخشبية العتيقة المزمنة أنها، هذه المرّة، ملطخة بدماء عشرات آلاف المدنيين الفلسطينيين من أطفال ونساء وشيوخ قطاع غزّة؛ والتاريخ، استطراداً، يقرأ مفردات الدم وليس رطانة الخشب.

ـ عن “القدس العربي” ـ

أكمل القراءة

جلـ ... منار

حياتك والآخرون

نشرت

في

وفاء سلطان:

أجلس كي أحتسي فنجان قهوتي الصباحي…

أبحث عن شيء أسجله…

وتبدأ كاميرتي بالتقاط أحداث اللحظة تلو اللحظة…

وفاء سلطان

رغم روتينية تلك الأحداث ورتابتها، علمني الغوص في أعماق الفلسفلة الزينيّة Zen التي تؤكد أنه لا قديم تحت الشمس،

علمني أن أبتهج وكأنني أرى كل شيء للمرة الاولى،

كما يبتهج طفل في ربيعه الرابع

عندما يقع بصره على لعبة جديدة لم يرها من قبل!

……..

ما أجمل هذا الصباح وما أعذب طعم القهوة!

شعوري بجماله وبعذوبة قهوتي يفتح حواسي لأرى كل شيء جميلا وعذبا…

……..

لا أريد من قارئي أن يظن أنني كفراشة تلاحق الأزهار كي ترتشف رحيقها بلا هم وغم،.. فأنا كأي انسان آخر، تحاصرني ضغوط الحياة دائما، وأشعر أحيانا بأنني أحمل عشر بطيخات في يد واحدة، لو سقطت أي منها لانهار العالم فوق رأسي! لكنني بطبعي وبتطبعي، وكلما شعرت بثقل الحمل فوق منكبيّ، أمد يدي لأمسح قطرة ندى من على برعم صغير، كي أستمد منها ومن البرعم طاقة تكفي لحمل الجبال… نعم أنا موصولة بالكون من خلال قطرة ندى، ذلك الكون الذي يضخ في عروقي طاقته، كما يضخ قلب الأم الدماء عبر الحبل السري في عروق جنينها. قطرة ندى كانت، ودائما ستكون، حبلي السري الذي يصلني بمنبع كوني لا ينضب، ولذلك أنا سعيدة… ولذلك أنا متفائلة… ولذلك أرى الوجود جميلا..

……..

يدخل المقهى شاب بعربته المجهزة كهربائيا والمبرمجة لتكون جهازه الحركي، بعد أن شاءت أقداره أن يولد بعجز جسدي. يلتقط فنجان قهوته ويجلس كي يحتسيه كأي شخص آخر… لا أحد من رواد المقهى المواظبين ـ بمن فيهم أنا، لا يعرف جيسين … لا أحد فينا لم يستمتع ولو مرّة بالحديث معه… يتعثر ويتأتئ ، لكنك في النهاية تفهمه ويفهمك… يتمنى لك ـ قبل أن تتمنى له ـ يوما سعيدا وأمنية أن يراك في الغد.

لم يولد جيسين بعجز جسدي وحسب، بل ولِد أيضا بقدرات عقلية محدودة. لكن، وفي سنوات عمره المبكرة ـ عومل كأي طفل آخر، ولاقى من العناية مالا يلاقيه أي طفل طبيعي آخر، لذلك خرج إلى الحياة مزودا بمهارات تكفيه ليعيش حياة مستقلة وكريمة!

شاءت أقداره أن يولد في بلد يقدر الحياة ويعتبرها قيمة، بل أقدس القيم… ولأنهم يقدسونها كقيمة كانوا قادرين على أن يحسنوا نوعيتها، ويضمنوا نوعية جيدة حتى لمن يولد عاجزا منها… لطالما راقبت جيسين وهو يقطع الطرقات بعربته الكهربائية،.. ثم ذرفت دمعة على ذلك الوطن البعيد…

……..

يدخل رجل آخر…رجل أسود بهيّ الطلعة حسن المظهر، لكنه صبغ مثلثا من شعره وفي مؤخرة رأسه باللون الأشقر … تتبعه فتاة بيضاء تلمع كالضوء بكامل أناقتها، ولكنها حافية القدمين!!

تعرف من مظهرها أنها موظفة، وبأنها أتت لتلقتط قهوتها في طريقها إلى العمل، ولسبب ما، تركت حذاءها في السيارة ودخلت المقهى حافية…

……..

يشدني منظر عاشقين يتسامران في زاوية أخرى من المقهى رجل أسود وحسناء بيضاء… ثم أنتقل ببصري إلى شاب آخر يجلس مقابلي بانتظار أن يحصل على طلبه كوجبة فطور، وقد زركش جسده بوشم تظنه لوحة من أحد جدران قصر الحمراء. بينما تجلس على قرب منه شابة في مقتبل العمر تتدفق من محيطها أرطال اللحم وكأنك تنظر لخصر بقرة هولندية…

……..

لا أحد يراقب الناس في هذا المقهى إلا أنا، ولا أحد يدقق في ملامحهم إلا أنا… لقد ولدت وتبرمجت في ثقافة تقيّم الناس من مظاهرهم، وقبل أن تعرف شيئا عن معادنهم… كنا نراقب الناس ونخاف من مراقبتهم… أما اليوم، فأنا امارس تلك العادة لأتعلم منها وأعلم،،. وليس لنفس الغاية التي جبرتني على اكتسابها في البداية!

……..

هذا هو المجتمع الأمريكي… عش حياتك كما تريد وبكامل حريتك، بشرط أن لا تقوّض من حرية الآخرين!

مَن مِن زبائن ذلك المقهى أساء إلى حرية غيره؟؟؟ لا أحد!

كل يعيش حياته حسب ذوقه ومشيئته. ولو دخل أيّ من زبائن اليوم محلا في أي بلد من بلاد القمع والقهر لكان محط استهزاء واهانة من قبل الجميع، بما فيهم عاجز شاءت أقداره أن يولد بقدرات جسدية أو عقلية محدودة!!!

……..

يقول المؤرخ والقاص الأمريكي Wallace Stegner

Chaos is the law of the nature. Order is the dream of man

(الفوضى هي أحد قوانين الطبيعة والنظام هو حلم البشر)

ولأن الروح قد ولدت في تلك الفوضى الطبيعة تبقى تواقة لتجاوز الحدود وكسر القيود

……..

لذلك، وربما لايمانه بتلك القناعة قال أحد الرؤساء الأمريكان يوما:

(للحرية سلبياتها، لكننا لا نستطيع أن نعالج مشاكل الحرية إلا بمزيد من الحرية)

……..

الإبداع هو لحظة انفلات الروح من معقل المألوف، والعبقرية هي لحظة فرار العقل خارج حدود البرمجة، والحرية الشخصيّة هي الشرط الأساسي لأن يعيش كل انسان بكرامة، ولأن يسمح للعملاق الكامن في داخله أن ينطلق إلى رحاب العبقرية والأبداع

أكمل القراءة

جلـ ... منار

أهل القمة.. وأهل غزة!

نشرت

في

عبد الله السنّاوي:

بين مشهدين سياسيين تابعهما العالم فى اللحظة نفسها تبدت تساؤلات ومفارقات.

في المنامة عقدت قمة عربية اعتيادية بظروف استثنائية خيمت عليها أشباح الإبادة والتجويع بقطاع غزة ومخاوف ارتكاب مجازر أبشع بحق مليون ونصف المليون نازح إذا ما جرى اجتياح رفح الفلسطينية.

وفي لاهاي التأمت جلسة أخرى لمحكمة العدل الدولية تنظر بطلب من جنوب إفريقيا في اتخاذ تدابير احترازية طارئة لوقف حرب الإبادة على غزة ومنع اجتياح رفح.

عبد الله السنّاوي

أفضل ما ينسب إلى القمة العربية ارتفاع منسوب لغة الخطاب فوق ما هو معتاد، لكن لم تصحبه مواقف وسياسات قابلة للتنفيذ والتأثير في حسابات وموازين مسارح القتال والدبلوماسية.

افتقدت دعوات القمة إلى مؤتمر سلام دولي، أو إرسال قوات دولية للأراضي المحتلة حتى إعلان “حل الدولتين” لأية آليات تفضي إليها.

بدت معلقة في فراغ الإنشاء السياسي دون أية أوراق ضغط.

في نفس اللحظة بدا الكلام القانوني أمام محكمة العدل الدولية محددا ومنضبطا، أهدافه واضحة وحججه ماثلة.

إذا ما صدر قرار من العدل الدولية بوقف الحرب فهو إنجاز له تداعياته الكبيرة على المقاربات الدولية من الحرب على غزة.

بدت جنوب إفريقيا مستعدة للمضي قدما في معركتها ضد نظام الفصل العنصري بفلسطين المحتلة جولة بعد أخرى رهانا على دعم شعبي عالمي غير مسبوق لوقف إطلاق النار في قطاع غزة بمنع اجتياح رفح.

بالمفارقة بدا العالم العربي مستنفدا، أوصاله السياسية شبه مقطعة، وقدرته على إسناد قضاياه المصيرية شبه محدود رغم ما يلهمه الصمود الفلسطيني من موجات احتجاج وتضامن يساعد على بناء مواقف وسياسات فاعلة ومؤثرة.

كيف وصلنا إلى هنا؟

لم يحدث ذلك بين يوم وليلة.

لم يكن هناك تنبه حقيقي في العالم العربي إلى حجم الخطر ومواطنه حتى داهمته نكبة (1948) وهزيمة الجيوش العربية في حرب فلسطين.

تحت صدمة النكبة جرت مراجعات واسعة لأسبابها، تطرقت لأوجه الخلل في بنية المجتمعات العربية بالفحص والتشريح، وانتقدت الفكر العربي على نحو غير مسبوق، نشأت حركات سياسية من فوق أنقاضها، وجرت تغييرات جوهرية بنظم الحكم.
لم يعد هناك شيء على حاله والتغير شمل كل ما كان يتحرك في العالم العربي.

أية مراجعة على شىء من الجدية تكتشف بيسر أن القضية الفلسطينية كانت نقطة المركز التي تجري حولها التفاعلات الصاخبة وتصطدم الإرادات المتنافسة، أو محور كل حركة وفكرة وحوار ينظر إلى المستقبل.

كانت ثورة (23) يوليو (1952) أحد تجليات ما بعد النكبة.

بخط يده كتب الضابط الشاب “جمال عبدالناصر” فى مذكراته الشخصية تحت وهج النيران في فلسطين: “لم تكن حربا، فلا قوات تحتشد، ولا استعدادات في الأسلحة والذخائر، لا خطط قتال، ولا استكشافات، ولا معلومات!”.

تبدت المفارقة التراجيدية في القصة كلها أن بعض ما انتقده عام (1948) تكرر معه عام (1967).

كان ذلك جرحا لم يفارقه حتى رحيله رغم حرب الاستنزاف وتضحياتها وإعادة بناء الجيش من تحت الصفر ليحرر سيناء بالقوة.

ما بين النكبة والنكسة بدا التناقض فادحا بين ضيق النظام واتساع المشروع.

في ضيق النظام نشأت ظواهر بالغة السلبية نحرت بنيته ومهدت للإجهاز عليه مثل تغول بعض المؤسسات الأمنية كأنها “دولة داخل الدولة” بتعبير “عبدالناصر” نفسه.

بعد النكسة دعا إلى “المجتمع المفتوح” و”دولة المؤسسات” و”الحوار مع الأجيال الجديدة” التي ترفض أسبابها وتطلب توسيع المشاركة السياسية، لا قمعها والزج بها خلف قضبان السجون، غير أن العمر لم يطل به لوضع برنامجه الجديد تحت التنفيذ.

على النقيض تماما كان مشروع “يوليو” رحبا في أفكاره وسياساته، اتسع لقضايا عصره التي تبناها وخاض معاركها في محيطه العربي وقارته الإفريقية وعالمه الثالث.

بعد حرب السويس (1956) خرجت مصر، المستعمرة السابقة، كقوة توضع في كل حساب وباتت عاصمتها القاهرة أحد المراكز الدولية التي لا يمكن تجاهل رأيها.
للأدوار تكاليفها، فلا يوجد دور مجاني فى التاريخ.

من السويس حيث تأميم قناتها وخوض حرب غير متكافئة مع الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية بالإضافة لإسرائيل، إلى دمشق حيث أول وآخر مشروع وحدوي عربي لم تغب القضية الفلسطينية عن حركة الأحداث الكبرى.

قاتلت مصر حتى تمكنت من عبور الهزيمة العسكرية في السادس من أكتوبر (1973) غير أن نتائجها السياسية تناقضت مع بطولاتها العسكرية، وأن الذين عبروا على الجسور لم يكونوا هم الذين جنوا جوائزها.

كان أخطر ما تمخضت عنه اتفاقية “كامب ديفيد” عزلة مصر عن عالمها العربي، وتآكل أوزانها في إقليمها وقارتها وعالمها، وسيادة لغة تستهجن الانتماء العربي، أو أي دفاع عن القضية الفلسطينية.

بدت تلك نكبة سياسية كاملة أسست لغياب أية مناعة في العالم العربي.

كانت الحرب الأهلية اللبنانية عام (1974) إحدى تبعات الخروج المصري من الصراع العربي الإسرائيلي.

احتلت بيروت من القوات الإسرائيلية عام (1982)، لكنها نهضت لتقاوم بسلاح أبنائها في حروب تتالت حتى الآن.

وكان الاجتياح العراقي للكويت مطلع تسعينات القرن الماضي مصيدة أخرى أذنت بانهيار النظام الإقليمي العربي وعجزه شبه الكلي عن مواجهة تحدياته.

أفسح المجال تاليا لاحتلال بغداد عام (2003).

بانهيار مشرق العالم العربي دخل الأمن القومي كله في انكشاف تاريخي توارت خلفه القضية الفلسطينية وبات مطلوبا التخلص من صداعها.

بدا الحديث يتصاعد عن شرق أوسط جديد وتعاون إقليمي دون ربطه بتسوية القضية الفلسطينية، قضية قضايا المنطقة.

ثم جاءت اتفاقية “أوسلو” لتعلن نكبة أفدح بآثارها السلبية على وحدة الشعب والقضية.

في كل أزمة مصيدة وعند كل منحنى نكبة.

بتداعى الانهيار في النظام العربي أمكن الحديث عن توسيع “كامب ديفيد” ودمج إسرائيل في معادلات المنطقة دون أدنى التزام بأية تسوية للقضية الفلسطينية.

كل شيء مقابل لا شيء.

اختلت المعادلات والحسابات حتى وصلنا إلى احتلال الجانب الفلسطيني من معبر رفح بالدبابات وطرح سيناريوهات متعددة لإدارته تحت الحماية الإسرائيلية في خرق صريح لاتفاقية “كامب ديفيد”.

كان الرفض المصري حاسما والدعم العربي حاضرا في هذه القضية، غير أن ذلك لا يكفي لردع التغول الإسرائيلي.

لا بد أن تلوح مصر بتجميد “كامب ديفيد”، وأن نكف عن التأكيد بمناسبة وبدون مناسبة أنها خيار استراتيجي!

كأى اتفاقية بين طرفين، الالتزام لا بد أن يكون متبادلا.

التهاون فى لغة الخطاب يغرى بخرق كل القواعد والاستهانة بكل الاعتبارات.

إذا ما كانت هناك قيمة تاريخية للسابع من أكتوبر (2023) فهو إحياء القضية الفلسطينية من تحت رماد النسيان المخيم والتراجع الفادح.

لو أن العالم العربي على شيء من التماسك والمنعة لأمكن دعم وإسناد أهل غزة بأكثر من بيانات الشجب والإدانة، ودعوة الآخرين في العالم أن يفعلوا شيئا دون أن نقدم نحن على أي شيء تستحقه التضحيات الهائلة، التىي تبذل حتى ترفع فلسطين رأسها وتؤكد أحقيتها بتقرير مصيرها بنفسها.

ـ عن “الشروق” المصرية ـ

أكمل القراءة

صن نار