اذا كان لي ان اصف السنة الاولى من تعليمي الثانوي بمعهد الحي فيمكن ان اضعها في توصيفة: سنة العبث الطفولي …دعوني اولا اصف لكم حالتي وانا الذي عاش تحت جلباب امه كل سنواته في الابتدائي، لان الوالد كان كثير الغياب عن العائلة بسبب اشتغاله بالبناء في ارجاء عديدة من البلد …
<strong>عبد الكريم قطاطة<strong>
كنت ببساطة لا اعرف من الحياة عموما سوى الدراسة في المدرسة بساقية الزيت وبواد القراوة او اللعب في الحوش وضواحيه القريبة … واد القراوة الذي كم احببته وفي كل مرة ازوره او يزورني، أزداد عشقا له عشق المجنون بأجمل ايام عمري في ذلك الواد …هو لا شيء بالنسبة لكل الذين يعرفونه …ولكنه واد عميق عندي باشيائه البسيطة بحلوى “_لركوز” وهذا اسم بائع الحلوى الذي يمر بوميا بالوادي ليهبّلنا بحلواه البسيطة والتي لا يعرف سر صنعتها الا هو …رغم انه في الاخير لا تتجاوز بعض مكونات الحلوى عموما “طرف فارينة وطرف سكر” … ولكن بنكهة غريبة في متعتها… وصادف ان شاهدته والدتي مرة فكان ان استغربت من تعلقنا به وبزمارته التي يعلن بها عن قدومه وقالت: عجب تنجمو تاكلو الحلوى من عند هذا لركوز اللي يقزز ؟؟؟ وهي كانت صدقا محقة في وصفه لانه لم يكن يعتني مطلفا لا بهندامه ولا بنظافة وجهه ويديه شبه السوداوتين وسخا … ولكن اليست للقلب اقداره حتى في الحلوى وفي بائعها والقطعة منها انذاك كانت بمليم واحد …
امي والعديد منا على الاقل في ذلك الزمن لم نفهم بعض اسرار الحياة ومن ضمنها الاقدار … وهنا اسأل هل يستشير البرعم احدا قبل ان يبرز من غصنه للوجود ؟؟؟ او وعلى طريقة نزار الكبير …هل يستشير النهد الغلالة قبل ان يتكور ..؟؟؟ .زايد اقدار …الواد ايضا كان كوشة بوقطاية بضحكة صاحبها الدائمة رحمه الله، وبرفقة كل تلميذات مدرسة البنات واللاتي اختلطن بنا نحن عافلي القوم كتلاميذ منتخبين من “مكتب السوري” (الحبيب بورقيبة حاليا) … وكان الواد أيضا ذلك المعتوه فرج الذي يطوف يوميا بالوادي الف مرة بلباسه الافغاني البريء لا ذلك اليوم اصبح عنوانا للتفجير والتدمير والترهيب …وهو يعيد جملة لم ولن نفهمها لا لانه مات رحمه الله بل لانه هو ايضا لم يفهمها يوما …كان يتكلم بلغة اشبه بالصينية … يتمتم بعض الكلمات ويختمها بـ “في هذه الليلة” … اية ليلة ؟؟ .. هل له ليلته وليلاه ..؟؟؟ انه مجنون القرية وما اجمل مجانين القرى واتعس مجانين المدن بكل اطيافهم السياسية و والغبية …
مجنون القرية هو شخصية هامة في المؤلفات وهو الذي اصبح في السينما شخصية بارزة في عديد الافلام ليمثل دور الحكيم ويؤكد اننا نحن هم المجانين وهم فقط العقلاء … وكمثال على تلك الاعمال الفنية التي تنطلق من المجنون الى العقلاء _يوسف شاهين في باب الحديد كممثل لدور المجنون علاوة على انه مخرج الفيلم °(قناوي العاشق المجنون لهنونة) و الذي ابدع فيه ايما ابداع فنال عشرات الجوائز العالمية على اتقانه لذلك الدور … سيتقدم بكم العمر وربما تتيقنون مثلي ان المجانين هم اسعد السعداء … في عالم اصبح فيه العاقل منا اتعس التعساء … لولا ايمانه بالاقدار … تصوروا فقط هذا الكائن البشري الذي سموه “عبدالكريم” يغادر الابتدائي الى المدينة و اضواء المدينة (على عنوان رائعة الفلتة السينمائية شارلي شابلن) واذا اردتم لمن تستهويه الاغنية الشعبية “ضايع في الطريق” نعم تمام الضياع …
مدينة صفاقس داخل اسوارها وخارجها لم اكن اعرف عنها شيئا بتاتا ومن عيوبي وكم هي كثيرة كما ستكتشفون … اني لا اكتفي في كل مجالات حياتي بالمعرفة العابرة… انا كنت ومازلت وسابقى اهتم بتفاصيل التفاصيل ..لانه ترسبت وترسخت لديّ قناعة مفادها انه حتى تلك التفاصيل البسيطة والبسيطة جدا هي التي تصنع الفارق في المعرفة وفي المتعة بالمعرفة وبالتالي المتعة بالحياة .. كنت ادرس يوميا بمعدل يتراوح بين ست وثماني ساعات مع راحة يومية من منتصف النهار الى الثانية بعد الظهر . .للغداء… وما ان تدق ساعة منتصف النهار من خلال منبهها بالمعهد في صرخة مدوية هي اشبه بانذار عسكري لحدث ما (كانت تفجع صدقا)..كنت وبعض اترابي نهرول من الحي طريق العين مرورا بقنطرته العالية .. وتحتها اناس لم نعرف عنهم وعن افعالهم شيئا الا في المرحلة الثانية من التعليم الثانوي (كبرنا شوية وصرنا نعرف حاجات يعني) عرفنا انهم شلة المزة (الخمر)وشلة اللواط، وشلة النوفي والقمار …
كنا نهرول في اتجاه باب الجبلي وبالتحديد للمطعم الخيري انذاك (والذي اصبح الان عمارات وبناءات امام صفاقس الجديدة)، لنتناول غداءنا مجانا تماما كركوبي في حافلة النقل باعتبار شهادة الفقر الذي يمدنا بها الشيخ خليفة غربال رحمه الله …و كلمة شيخ تعني العمدة في ذلك الزمان .. كفقراء يتمتعون بالغداء و بركوب الحاافلة مجانا مرتين في اليوم … الحافلة كانت تابعة لتعاضدية النقل انذاك والخاصة بطريقي المهدية وسيدي منصور، حمراء وبيضاء اللون بينما تتكفل شركة النقل بصفاقس (الجهوية للنقل الان) ببقية الطرقات صفراء وخضراء اللون … وككل المطاعم المدرسية انذاك كنا نتفنن في الاعراب عن غضبنا من نوعية المأكل بضرب السكاكين على الطاولة … وباصوات مزعجة جدا ولكن العبث احيانا لا يزعجه حتى الازعاج … و الغريب في احتجاجنا ان المليح فينا “عمرو ما كلا لوبية باللحم” …هكذا كنا نسميها لا مرقة لوبيا او مرقة جلبانة …او مرقة بطاطة … هذه تسميات عرفناها من بعض تونسيي العاصمة الذين اغرونا بها فتعلق بها البعض موضة وافتخارا بانتمائه الى تسميات العاصمة، بينما العديد وانا اولهم لم اطلب يوما من امي او زوجتي مرقة بطاطا …
انا اعشق شكشوكة باللحم او لوبية باللحم وخبز شعير ومرقة وحتى الموبيلات الزرقة …ولست ادري كيف لأولئك الذين تفرنسوا او تتونسوا ان يتخلوا عن جلدتهم، خاصة ان كلمة مرقة تعني لدينا في صفاقس كل اكلة اساسها “الحوت” (السمك) … واجمل الاغاني التي تتغني بها صفاقس ثلاث: سيدي منصور ومريقة صفاقسية واضيفت اخيرا مياموري… اذن تصوروا مرقة اي حوت بالجلبانة (مرقة جلبانة) … هم تماما مثلهم كذلك الغراب الذي اراد ان يتزين بريش اخر ففقد شكله وشكل الاخر … وهنا علينا جميعا ان نعتذر للغراب الذي الصقت به عديد التهم الغبية كهذه وكتلك التي يروونها عنه في “الغراب والثعلب”، والحال ان كل الدراسات العلمية تؤكد انه من اذكى الطيور وحتى الرحمان اختاره كوسيط ليرشد قابيل إلى دفن هابيل … فهل يختار الرحيم طائرا غبيا ليري قابيل كيف يواري هابيل التراب ؟؟؟
غداؤنا في المطعم لا تتجاوز مدته الخمس دقائق نلتهم فيها ما يقدّم الينا سواء اعجبنا او تظاهرنا بالاحتجاج …وكأن الاحتجاج من جينات التونسي منذ ان خلق …بعد ان نكون قد قضينا ربع ساعة اخرى في الطابور في انتظار ان ياتي دورنا … بعدها نغادر ..الى اين …؟؟؟ بعضنا لحافلات النقل العمومي المنتصبة بباب الجبلي لاستراحة قليلة يتلهى فيها بقرطاس “ڨليبات” في انتظار العودة الى الحي، والبعض الاخر يتسكع في المدينة وانا اولهم …اولا كنت لا املك دانقا واحدا في جيبي لا للقلوب ولا لغيرها (وربما ذلك سر تعلق قلبي بالقلوب عندما ترعرعت قليلا، القلوب الادمية اعني) … ثم كنت اريد اكتشاف مدينتي نهج نهج دار دار زنڨة زنڨة … وكان لي ذلك بكثير من الدهشة …الازقة كانت ضيقة جدا ولعل اشهرها زنقة عنڨني …نعم زنقة عنڨني، لان عملية المرور فيها لشخصين جنبا الى جنب تكاد تكون مستحيلة واذا حدث ووقع ذلك فالشخصان هما اشبه بحبيبين متعانقين …وهي موجودة لحد الان والراغبون في معرفتها ساعطيهم العنوان شريطة ان يعبروا بصدق عن رغبتهم في المعرفة: اهو الاكتشاف ام عنڨني؟ … طبعا دعوني امزح معكم فقط…
لكن ما يميز المدينة داخل اسوارها (المدينة العتيقة) الحركية الدائبة بشكل مثير للاعجاب، حركية البشر والعربات المجرورة بالحيوانات او باجساد البشر -البرويطة) … فسوق الخضرة له اربابه وسوق الحوت له عشاقه ورياحين حوته، وبوشويشة السوق الشعبي لبيع الخضر والغلال ورغم انه على بعد امتار من سوق الخضرة، فلا عرك ولا معروك والتنافس مشروع وكل واحد وقسمو … والربع سوق الملابس التقليدية بهبية مبيعاته وهيبة بائعيه واليوم لا حكومة استطاعت ان تفرض هيبتها بعد الغورة و كذبة 14 جانفي … وكان على كل رؤساء حكوماتها من ابن الغنوشي الى ابن الشاهد ان يقوموا بتربص في مثل هذه الاسواق حتى يتعلموا معنى الهيبة والوقار والاجلال والاحترام .. سوق الجزارين بدواويره المعلقة والاشهى الف مرة من كل الملاويات …ورحبة الرماد ونهج الباي وحومة القصر وسوق البلاغجية (الحذائين) ورائحة الكولة تعترق .. و سوق الحدادين بقلب المدينة العتيقة تتصاعد منه نيران يقوّض بها الحديد وتليّنه سواعد لا تكلّ … وسوق الغرابلية وفيها من الغرابل ما تلذ له اعين النساء وتشتهيه اياديهم من غربال الشعير حتى المالطي وهو اجملها …
المدينة مقسمة برشاقة …لكأنها جمهوريات لكل واحدة خصوصيتها …في المدينة العتيقة عندما تريد الفطاير والزلابية والمخارق في رمضان لا احد يعوض السيالة … عندما تريد صحين تونسي عليك بالغمقي في نهج الباي او بكسكروت الرمانة وما ادراك بسوق الجمعة .. وسطحة الجامع الكبير وهي تستضيف كل الكتب الصفراء بما فيها الروض العاطر في نزهة الخاطر او الايضاح في علم النكاح ….ساعود لتفاصيل وتاريخ اصدار هذا الكتاب في ورقة قادمة لكن كنا كلما حاول الواحد منا وعن غير قصد ان يمد يده ليطلع على هذا الكتاب الذي يحمل اسما مثيرا (النكاح) والذي مازال مثيرا لحد يوم الناس هذا، رغم ان النكاح في اللغة العربية وفي القرآن خاصة تعني الزواج … كنا كلما حاول الواحد منا التلصص على محتواه، هرول البائع مزمجرا وصائحا: “ما تحشموس تتعلمو في كلوبية السوق من الصغرة؟” … حتى البائع الذي هو تاجر بالاساس كان يحرص على قيم اخلاقية قبل الربح …
سوق الجمعة الان رغم قربه من الجامع الكبير اصبح مرتعا للباندية والمتسكعين، والرمانة جفت وجف كسكروتها وجلّ الحوانيت تحولت الى تجار الكترونيك …تصوروا مدينة عتيقة بنكهتها العتيقة بانهجها العتيقة باناسها الطيبين تتحول الى تجارة الكترونيك، الى منتزهات للصوص والسكارى والعابثين بها شكلا ومضمونا … تصوروا المدينة العتيقة بنكهة وسخها قديما رغم انه وسخ، تصبح اليوم اشنع وافظع واقذع من الوسخ ما في الوسخ … تصوروا المدينة العتيقة اصبحت ليلا لا امن ولا امان فيها وهي التي كانت تؤوي كبار القوم في صفاقس الذين يسكنونها شتاء ويهرعون الى الغابة صيفا… لان الغابة تعني الاجواء الفسيحة ومشموم الياسمين على اذن يعلوها كبوس “معنڨر” … و الغابة هي ايضا كعيبة سلطان الغلة (الهندي) ونغمة بوصرصار اي الصرصار وهو حسب تعبير امهاتنا “يطيّب في الهندي وفي الزللوز” اي اللوز …
تلك اللوحات واشياء اخرى عديدة في المدينة العتيقة كانت تاخذ من وقتي ساعتبن على الافل يوميا … في ذلك العمر كل شيء كان مباحا لنا الاطفال في المدينة العتيقة من باب جبليها الى باب غربيها الى باب ديوانها …ولكن ما ان نفقد البوصلة وتتجه بنا أقدامنا الى الانهج الضيقة المؤدية الى الباب الشرقي حيث نهج الجم، جتى تبدأ حواس واعين الرجال الكبار تحملق بكل شراسة وتبدأ اسئلتهم المزمجرة: “وين قاصدين ربي ؟؟..اش ضاعلكم غادي ….؟؟..بديتو تتعلموا في التزوفير والقباحة …ايا تطيروا من هوني والا نوريوكم “…كنا لا نفهم شيئا مما يقولون خاصة وهم يواصلون: “انتوما متاع كارطي ؟؟؟ يقصف قدّكم “…
ولم نفهم لا سبب غضبهم ولا معنى تلك الكلمة الا بعد عمليات استقصائية هي اخبث من السي اي آي والموساد مجتمعين ….الباب الشرقي يعني … ستعرفون ذلك واكثر في الورقة رقم 13 ….
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.