تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة رقم 31

نشرت

في

زغرودة جزائرية YouTube Hhhhhhhhhhhhhh - YouTube

اخذت ورقة تعييني او الاصح اعادتي الى مدرسة سبّالة اولاد عسكر، بكثير من الغبطة ..احسست وقتها بقيمة ما قدمته في سنتي الاولى من حياتي كمعلّم وانا في بداية مسيرتي التعليميّة والتربوية ..وانّ نشاطي ومثابرتي وكلّ ما زرعت من مجهود لم يذهب سدى ..واحسست خاصّة بصدق متفقّدي وهو يعبّر عن اعتزازه بي …

عبد الكريم قطاطة
<strong>عبد الكريم قطاطة<strong>

امتطيت الحافلة التي ستقلّني من القصرين الى السبّالة وكلّي عزم على مواصلة نهجي في التعليم والتربية شكلا ومضمونا …كنت في الحافلة حالما باطفالي.. بابنائي.. وعادت بي شاشة الذكريات الى سنوات عمري كتلميذ … كنت اتساءل … هل ساعود الى تلاميذ السنة الثانية لاكرّر تجربتي مع ابنائي الجدد ..بنفس الشغف والعزيمة والمثابرة ..؟؟هل سادرّس السنة الرابعة ..؟؟؟ لاعود وايّاهم الى الحلاّق الثرثار الذي ضرب بكُمّ يده راس الحريف وهو يلعن السّياسة والسّياسين والنّاس اجمعين؟ ..هل ساحدّثهم عن ستّ الرياح وعن جسر السعادة .عن الارملة المرضع لمعروف الرّصافي و…لقيتها ليتني ما كنت القاها …تمشي وقد اثقل الاملاق ممشاها؟ …

هل سيمنحني مدير المدرسة احدى السنوات الفردية ..وخاصّة الثالثة والخامسة وهي سنوات عادة ما تُعطى للمعلّمين ذوي التجربة نظرا إلى صعوبتها … اما عن السنة الاولى فحدّث ولا حرج …..وهذه لا اظنه انه سيغامر بي فيها لمحدودية تجربتي ..كنت في كلمات ذلك السابح وبنوستالجيا كبيرة في عالمي وانا تلميذ من جهة …والمدرك لأهمية ما سأقدم عليه هذه السنة من مسؤولية جسيمة خاصة بعد ان اقتلعت ورقة عودتي الى السبّالة …وحطّت طائرة عودتي بمطار السبّالة الدّولي ..هكذا خلت نفسي وانا انزل من الحافلة منتصرا على نقلتي الى عين الحمادنة …

في السبالة لم يتغيّر شيء ..الجزار الميزوني كعادته امام حانوته ..اهلا بيك سي عبدالكريم بيكشي وهذه تعني كيف هي احوالك …وابراهيم حارس المدرسة رحمه الله يسرع لاستقبال سي عبدالكريم بابتسامته التي لا تنتهي …وهاهو سي رضوان مدير المدرسة ينضم لمجموع المستقبلين و في عينيه تساؤل ..اش جابك ؟؟ كيفاش عملت ..؟؟ ناولته ورقة التعيين وصدقا سُعد بقدومي وبكل فرح …ادخلني مكتبه المتواضع ومدّني بجدول التعيينات ..وفّجعت …وُزّعت السنوات على بقيّة الزملاء ولم يبق الا قسمان من السنة الاولى ….يا للطامّة ..انا سادرّس السنة الاولى …نرجسيّتي من جهة والواقع الموضوعي لتقسيم السنوات جعلاني لا انبس ببنت شفة، خاصّة ان المدير يضيف ..نعرفك تنجم روحك سي عبدالكريم …وما تخافش انا معاك وقت تستحقّني … فكيف لي ان ابدي اعتراضا على هذا القدر المحتوم ؟؟؟كان ذلك يوم جمعة مساء …ولا اعرف يومها كيف قضّيت ليلتي .. كنت جد قلق من خوض هذه التجربة الصعبة بيداغوجيا … اطفال بهيأة طين خام وعليّ ان اطوّعه لاعلّمه ابجدية المعرفة ..

يوم السبت صباحا ارتديت كعادتي ميدعتي البيضاء وتوجهت الى القسم …واذا بي عاجز تماما عن تخطّي الخطوة الاولى مع اطفالي …تماما …. تصوّروا انّي قضّيت كامل وقتي في حصّتي الصّباح والمساء وانا اتأمل وجوههم ..كنت حاضرا بالغياب معهم ..غائبا تماما ..كان ذلك اليوم واحدا من الايام التي عشت فيها عجزا كاملا عن فعل ايّ شيء …ايّ شيء ..وشعرت وبكل مرارة انّي اضعت لهم يوما من عمرهم ..شعرت اني اجرمت في حقّهم تعليميّا وتربويّا ..شعرت بأني تخلّيت عن رسالتي السامية …القيام بالواجب… نعم هو يوم واحد ولكن بمقاساتي الانسانية هو قرن من الزمن …وحتى عندما انهيت الحصة المسائية لم اكن قادرا على مواجهة الزملاء ولا ايّ كان ..وجهي كانت تعلوه خيبة صفراء وهزيمة رمادية ..وكنت اردّد في داخلي: هل هذا انت يا عبدالكريم ..؟؟ هل هذا انت الذي يقول عنك الكثيرون انّك شاطر ويقول عنك متفقدك لم ارد ظلمك لذلك سارجئ منح ما تستحقه في سنتك الثانية ؟؟؟ وهل سأنال ما استحقه بهذا السلوك؟؟؟

ابتعدت عنهم جميعا ووقفت متجمدا على حافة الطريق اراقب اصحاب السيارات المارّة متجهين الى صفاقس ..كنت اتمنى ان تاخذني واحدة منها الى صفاقس لاقضّي الويك اند هنالك، علّني استلهم من اصدقائي شيئا من القدرة على تخطّي حاجز الفشل او علّ ضمّة عيادة وهي “توجوج” على ولدها واخبار الفيضانات التي عمّت البلاد تتوارد عليها من الراديو والاكيد انّها كانت تردّد دوما: يالندرى وينك يا كبدي ؟؟؟ واش عاملة فيك المطر ..؟؟ مغطّي والا عريان ..؟؟؟ جيعان والا شبعان … ؟؟؟ يا ربي جيب وليدي على خير …وما من سيارة تمر الا واردد رافعا يدي تجاه صاحبها: صحة لدين سماك ..انت تحوّس وانا يعلم ربّي بحالي كيفاش ماشي يتعدّي هذا العام على خير …

ولأن الاقدار لازمتني طيلة حياتي ..هاهي تجيب وتستجيب في لحظة فارقة … كانت السيارة مرسديس سوداء تمر امامي (كي العجاجة) وكان رد فعلي كما ذكرت غابطا ثم وبتواتر مرور تلك السيارات حاسدا لهؤلاء الذين يمرّون امامي بكل سعادة وانا البائس التعيس …فجأة وعلى بعد خطوات منّي توقّفت المرسديس ثم عادت اليّ ..اطلّ سائقها من النافذة الجانبية وقال لي ..وين ماشي ؟؟ اندهشت من سؤاله واجبت … ما عندي وين ماشي ….انا نقرّي في السبّالة …ابتسم وقال ..تصوّرتك تعمل في اوتو ستوب قلت نهزّك معايا ..صمتّ لحظة وقبل ان يغادر قلت له ..خويا وين ماشي بالضبط ..؟؟ ردّ ….لصفاقس … في تلك اللحظة تحوّلت كلمة صفاقس الى عناقيد فرح وقناديل نور … هي من المرّات العديدة التي اسمع فيها اسم مدينتي بذلك الزخم الموسيقي الرهيب متعة .. احسستني ارقص على وقعها واحسستني اتحوّل في رمشة عين الى زوربا اليوناني وهو يرقص رقصته الشهيرة ..

وبسرعة بليون كلم في الثانية قلت له ..لحظة وساكون معك …اسرعت الى الميزوني الجزار وحانوته على حافة الطريق ..نزعت ميدعتي ورميت بها اليه وقلت له: سلّملي على الناس الكل ..نهار الثنين نرجع ان شاء الله .. وصعدت الى الطائرة الرئاسية (المرسديس) قاصدا صفاقس …كانت المرّة الاولى في حياتي التي ركبت فيها مرسديس …وهل همّتني المرسديس في شيء .؟؟ وهل همّني ما روى لي سائقها .؟؟؟ في تلك اللحظة وفي تلك الاجواء التفسية المضطربة كنت مستعدا للركوب ثانية على بغلة لترحل بي الى صفاقس …كان بداخلي احساس عميق بان تحوّلي الى صفاقس لقضاء ويك اند هنالك كفيل بشحني بطاقة لا توصف، حتى تصبح سنتي التدريسية عنوانا للعطاء الذي لا حدود له رغم صعوبة المهمّة (سنة اولى ابتدائي ؟؟؟؟ موش ساهل) …

يومها عشت ما كنت ازعم اني افهم ما اقول او ما اكتب ..كنت في توصيفاتي للسرعة استعمل عبارة “وطويت الارض طيّا”… يومها طويت الارض طيّا وانا احلم بلقاء الاصدقاء والعائلة حيث لا اخبار متبادلة بيننا ..فلا الهاتف بنوعيه العادي و الجوّال خرج من رحم التكنولوجيا بعد ..ولا سي مارك متاع الفيسبوك اتولد ..ما اخيب امّو اللي وخّرت بجيّانو .. وحتى اخبار القنوات الرسمية اذاعيا وتلفزيا لا تصلنا الا بعد ان تشتغل المصفاة لتُخرج فقط ما يريدون الافصاح عنه …انّه الاعلام الموجّه سابقا وحاضرا ..لا تنخدعوا بشعارات حرية التعبير والصدق والموضوعية التي يتبجّح بها العديد الان ..كذبة كبرى ..كل قناة تعمل ضمن منظومة معيّنة …والمصفاة خدّامة ..وكلّ ـ كدت اقول يغنّي على ليلاه ـ والاصح كلّ ينوح على ليلاه …

وصلت الى صفاقس المدينة وامتطيت سيّارة اجرة .. _ اشبيكم راني معلّم والفلوس كاينة وفي اول الشهر والسؤال الذي رافقنا طيلة حياتنا نحن الموظفين (صبّوشي؟) لا يُطرح …وصلت الى نادي الاصدقاء بالساقية، حانوت الحلاق احمد الفقي، حوالي الساعة السابعة مساء ونزلت …العصابة كلّها هناك ..وتعالت الصيحات ..واضخمها صيحة الزمبار صانع الشاي في حانوت الحلاق ..سهريات …هكذا كان يحلو له ان يلقّبني… ويبدو انو كلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان، لان السهر والسهرات لازمتني طيلة حياتي ..فانا واحد من الذين قضوا معظم حياتهم ساهرا اما بفعل القيام بواجباتي المهنية، او برغبة جامحة منّي وعشقا لليل والسهر… لذلك تجدني بعدها وحتى في اختياراتي الغنائية في عملي مدفوعا بوعي ودون وعي الى اختيار اغان تتغنّي بالليل والسهر (انا حبيبي الليل والليل حبيبي انا …عدّينا عمر طويل نواسي في بعضنا) …

التف الاصدقاء حولي في عناق وتقبيل … وكان كل واحد منهم لا ينسى في خاتمة تحيّته ان يقول لي مبروك …وحتى سي المبروك حمّاص الساقية غمرني بقبلاته وهو يعيد كلمة مبروك مرّات … ويضيف _ والله انا كنت حاسس انّك ماشي تنقزها يا كُريّم ….اندهشت من وصول خبر عودتي للسبالة الى مسامعهم …. وكنت اردّ بدهشة وسعادة: الله يبارك فيك …وطفقنا ندردش معا وبالفاظنا السمجة والوقحة كما تعودنا دائما …وجاء السؤال من احدهم …ايّا انسى ما تتحدث وانحبوا المبروك ..هاذي يلزمها فيشطة كبيرة ويلزمها السلتيا والبوعرقوب …اي سكرة …واذعنت لمشيئتهم …فكيف لي ان ارفض طلبات عصابة الخلاّن ؟؟….خاصّة وانا انذاك ولسنوات عديدة من عمري كنت اعشق اجواء والوان سكرة الاصدقاء، وكنت اكثرهم انتشاء وسكرة رغم انّي لم اشاركهم في كل حياتي فعل شرب الخمر ولو قطرة واحدة منه …ولكن كانوا هم من يشربون وانا من يسكر …

اتذكّر جيّدا اني صعدت يوما سيّارة اجرة وسألني صاحبها الى اين فقلت له اذاعة صفاقس … نظر في وجهي ثم قال لي انه يحب جدا اذاعة صفاقس وان له صديقا حميما يعمل فيها… سالته عن اسم هذا الزميل الصديق الحميم له فقال لي: هو عبدالكريم قطاطة ..قلت له هل تعرفه جيدا ؟؟ اجاب: يا راجل اشنوة نعرفو ..؟؟ كل نهار نسكر انا وياه ..قدّاشو بحبوح ..و صاحب جوّ كبير ..وبعد السكرة نوصّلو خيوط لدارو … وتركته يسرد لي عنه اجمل الحكايات …لم اغضب منه بتاتا لان هنالك من المستمعين من يصورك كما يريده هو لا كما انت كائن وتكون ..فقط عندما وصلت الى مقر عملي سلمته دراهمه وقلت له ..راهو عبدالكريم نعرفو عمرو ما شرب في حياتو ..اغتاظ للامر وسخر منّي وقاللي: بالكشي تعرفو خير منّي ..انا نقلّك كل ليلة انا وياه فرد طاولة وانت تقللي ما يشربش ؟؟ ابتسمت له وقلت تعرف اشكون اللي معاك توة …راهو انا عبدالكريم اللي تحكي عليه وهاهي بطاقتي المهنية حتى تتأكد …وما تقلقش حتى انا كنت انّجم نعمل كيفك … الحبّ يعمل يا خويا ..

ومضيت في سبيل حالي …..

مع عصابة الاصدقاء في حانوت الحلاق بقي الهاجس كبيرا والمتمثل في معرفة من اعلمهم بنقلتي الى السبالة …علامات استفهام كانت تراود ني داخلي ..خاصة وان نقلتي لم تتم الا منذ يومين …واسندت كتفي الى صديق عمري (رضا التريكي اطال الله في انفاسه ومتّعه بالصحّة) وهمست له: يخخي كيفاش عرفتو اني حوّلت للسبّالة ..؟؟ اشكون قلّكم …؟؟؟ استدار رضا بكل اندهاش و”لهدني” بدعوة لا تقرا ولا تكتب من النوع القبيح والجميل عندنا، وقال اما سبالة متاعك ..؟؟؟ راك نجحت في الامتحان! … فتساءلت: اما امتحان؟؟ ..وردّ، يا كازي اشبيك سكّارة امتحان النقلة الى السادسة …قالها بصوت عال وبزهو وكأنّه فاز كاعلامي بـ “السكوب” وما افظع سكوبات هذا الزمن الردئ ….ونظر الى الجميع وقال ..قلّك حوّل للسبّالة يعطيه (تييييييييييييييييييييييييييييييت) ليلو وللسبابلة …وقهقه الجميع …وحتى لا ابقى مهزوما امام سخريته بي وسخرية العصابة عادت لي لحظة حضوري الذهني وقلت له: محسوب هي فاضلة عليك يعطيك …تييييييييييييييييييييييييييييييييييييلت … رُدّها عليّ ان استطعت …(شكرا للتلفزة التي لقنتنا كيف نستعمل الكلمات النابية )….

يوم عودتي الى صفاقس ذلك السبت الجميل صادف يوم ظهور نتائج الامتحان الاستثنائي للانتقال الى السنة السادسة… سنة الباكالوريا انذاك …وكنت من بين الناجحين ..عندما علمت بالخبر كانت الوان من السعادة تغمرني …السعادة بالانتصار على امتحان كم قهرني وانا اخيب فيه _امتحان الجزء الاول من الباكالوريا …خاصّة وانا اسقط في مادّة العربية وبـ 6 على 20 …سعادة الانتصار لعائلتي ..لعيّادة لاصدقائي الذين وثقوا بي ..سعادة النجاح الذي سيخوّل لي الارتقاء أليا في مهنتي من مدرب صنفا ثانيا الى مدرب صنف اوّل ..وهذا يعني انّ مرتّبي سيسمن نوعا ما وهو ما يهيّئني عمليّا اكثر لبناء مستقبلي مع فتاة احلامي … وسعادتي النرجسيّة التي يحس بها جلّ التلاميذ الذين ينجحون في امتحاناتهم ..انذاك كنّا نحس بأننا شبه ملوك نرفل في حلل الافتخار والزهوّوالخيلاء …

واستأذنت من الجميع ان اغادر للالتحاق بمنزلنا ..وغادرت انا وصديق عمري رضا في اتجاه الحوش ..كنت متلهّفا لاقرأ جداول السعادة وهي تنهمر من عينيّ عيّادة ..كنت احسّ بأنني اليوم سأرفع لها رأسها امام الجميع وكنت متشوقا لرؤية سي محمد الوالد وهو العاجز في مثل هذه المناسبات عن الكلام . …لأنه عادة ما يترك المصدح المشاعري لدموعه تُلقي معزوفته الخاصّة به …طرقت الباب وخرجت حميدة ابنة عمّي واحبّهن الى قلبي لفتح الباب .. حميدة هذه كانت “البهيّم القصير” الذي يستعمله الجميع هادئة مطيعة وطيبة هلبة ..وكانت ابتسامتها لا تفارقها رحمها الله ..لذلك هي صاحبة جميع المهمات التي يتأفف ثم يتملّص منها الجميع …ومن ضمنها فتح باب الحوش …

اه عبدالكريم ايّا مبروك، والله فرحتلك يا ولد عمي … هكذا استقبلتني … وعلى وقع كلماتها هبّ الجميع لاستقبالي والزغاريد تلوّن الاجواء ..وصدقا كانت كاميرا عبدالكريم مركّزة على عيّادة… كنت انتظر تلك اللحظة التي ترى فيها ابنها “هلال على روس الجبال الشمس لا تحرقو والعدو لا يلحقو” تلك كانت دعواتها …وتلك يومها كانت عيناها تحكي وتحاكي ابنها .. وكأن هواجسها التي رويتها لكم وانا في السبالة (ومن ضمنها يا لندرى وليدي جيعان شبعان .؟؟؟ يا ربي جيب وليدي على خير ) قد سمعها الرحمان فاستجاب لها …وكان سي محمد رحمه الله كما صورته لكم ..لكن هذه المرّة كانت دموعا ونشيجا مصاحبا لها ..اي انّه كان في قمّة سعادته …ولم تنتظر عيّادة لا نشرة اخبار ولا حتى موجزها بل سألت: تلقاك مقطوع بالشرّ (اي بالجوع) هوّاشي يا وليدي ؟؟…ايّا توّة نحضرلك عشاك انت ورضا ..

امّي تعرف ما معنى رضا في حياتي انذاك …وكنت اقول لها كان تحبّني بالحق وقت رضا يكون معايا نحبّك تعطيه هو الباي الباهي اي منابي في “الزهومة” (وهذه تعني اللحم او السمك) …. امّي اعدّت ليلتها كسكسي بلحم العلّوش لكل متساكني الحوش، كيف لا وطفلها ينجح في الامتحان ..؟؟ وانغمسنا انا ورضا في ذلك الطبق الشهي …رغم اني لم اكن يوما من عشاقه ولكن ان ياتيك بعد سردينة بالبسكويت … علّقوا انتم …انتهينا من زردة الكسكسي وخرجت مع رضا كي اوصله بعض الامتار في طريقه الى منزلهم ..وماكدنا نقطع بعض الخطوات حتى فاجأني رضا بسؤال لم انتظره بتاتا …. قال: .ايّا قللي اش ماشي تعمل توّة …؟؟؟ لم افهم وقلت له: يعني ؟؟؟ قال هل ستعود الى السبالة ام تعود الى دراستك …؟؟؟ …

وبُهت الذي سمع ….تجمّدت في مكاني … وتجمّدت كلماتي … هل وثقتم اليوم بأن افصح الفصحاء يصاب هو ايضا كالاخرين في لحظة ما ..في واقعة ما …. في زمان ما …. في مكان ما …. بالشلل …؟؟ بعدم القدرة على النطق ..؟؟؟ بالعجز …؟؟؟ فما بالكم وانا في زمن لم ابلغ بعد مرحلة “من اين تأتي بالفصاحة كلّها .. وانا يتوه على فمي التعبير”؟ …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 44

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:


يوم 24 اكتوبر 74 امتطيت الطائرة لأوّل مرة في حياتي ..الطائرة حملت على متنها الزعيم الحبيب بورقيبة في مقصورته الشرفية وحملتنا معه نحن الفريق التلفزي الذي سيغطّي القمّة العربية بالرباط والمنعقدة رسميا من 26 الى 29 من نفس الشهر...

عبد الكريم قطاطة

كنت صحبة الزميل سعيد الاصرم المصوّر التلفزي والمرحومين محمد قاسم المسدّي ومحمود صابر من قسم شريط الانباء … كنت سعيدا جدا كطفل يذهب الى الماناج ايام عيد الفطر او عيد الاضحى ليركب الطائرة التي ما ركبتها يوما وانا طفل خوفا منها ..كنت ابحلق برعب في ركابها وبالمقابل كنت امارس ركوب تلك السيارات الصغيرة التي نجد لذة كبرى ومتعة اكبر لنركبها نحن الاطفال ونتعمّد نطح بعضها خاصة تلك المركوبة من ايّاهن … وقيّد على الماناج و صاحبه عمّك صالح الجربي رحمه الله …وكنّا ايضا مشدودين الى ذلك السحّار العجيب الملقّب بالفلو (لا اعرف لهذا الاسم الفنّي ايّ معنى)… والذي لم ينفك دوما عن اخراج كويرات صغيرة من فمه ومن تحت اذنه ومن انفه …

ماناجي يوم الرحلة الى المغرب كان مختلفا تماما … اوّلا كنت مزهوّا بنفسي ..كيف لا وانا امتطي طائرة رئاسية .؟؟؟ .كيف لا وانا اتحصّل لأول مرة في حياتي على اوّل مبلغ مالي كبير وبالعملة الصعبة من خزينة مؤسسة الاذاعة والتليفيزيون … كمصاريف لمهمّة رسمية هامّة جدا ..؟؟ ثمّ كيف لا والمرحوم علاّلة العويتي يتنقّل بين صفوفنا كرئيس للكتابة الخاصة للزعيم بورقيبة ليسأل عن فريق التليفيزيون فردا فردا ويستطلع اخبارنا وحاجياتنا …؟؟؟ وبتكليف من الزعيم …هذا في بداية السبعينات والتلفزة التونسية لم تصل حتى الى عشريتها الاولى … نعم انه الزعيم بورقيبة الذي ادرك قبل عصور مدى خطورة الاعلام واهمّيته …تلك الحركة من رئيس كتابته الخاصة لم تمرّ عندي في الخفاء وانا الذي كنت ازعم نفسي من معارضيه ..هي كانت بمثابة قرنفلة يُهديها لك خصمك رغم كل اخطائه وعداؤك له، فاذا بها تحدث فيك لمسة لا تدرك آثارها الاّ بعد رحيله ..

واستعدّت الطائرة للاقلاع ..وجاء ازيز المحركات ..وجاء الديماراج المجنون و (اوببا !) الاقلاع الفجئي السحري لعباس ابن فرناس ..كانت لحظة الانفصال عن الارض لحظة رهيبة ..داريت فيها خوفي وتلوت بعض الآيات القرأنية بحثا عن تماسكي ..وربّما كانت المرة الاولى التي اعود فيها لتلاوة القرآن بعد التعليم الابتدائي ..(الكبسة تعمل) ..ثم جاءت اللوحات البديعة ..العاصمة في مشهد فوقي بانورامي ممتع .. ثم التزاوج مع السحاب ..ما امتع التزاوج مع السحاب …ما امتع معانقة القطن الابيض .. ما امتع ان يصعد الواحد الى عالم كان خرافيا بالنسبة لنا ونحن اطفال ..كنا نرقب تلك السحب وخاصة البيضاء منها بدهشة وانجذاب ..كنّا نتساءل اما آن لتلك السحب ان تنزل من عليائها ونستحم معا ..؟؟ نجري معا .. نتسابق معا..؟؟ وكنّا ايضا نتساءل هلي ياتي يوم نعانقها في السماء …؟؟ كيف سنجدها ونحن نمشّط شعرها الجميل والمترامي هنا وهناك ..وها انت اليوم يا عبدالكريم ..على بعد سنتمترات منها .. انت واياها جيران ..تحتسي معها ما يُقدّم اليك من قهوة وشاي على متن الطائرة ..فيما بدأ البعض من زملائك في احتساء المشروبات الصفراء التي لا تنزل الاحزان ساحتها … لو مسّها حجر مسّته سرّاء ..انهم احفادك يا ابا نواس …

لم استفق طوال تلك الرحلة وانا المزبهلّ الى درجة السكرة الا وانا على سماء مدينة الرباط ..وفجأة انخلع قلبي من حادثة لم انسها لحد هذا اليوم .. كنت اضع راسي على حافة نافذة مقعدي …ورايتني اهتز من المقعد اهتزازا عنيفا ..هي عقرب تمر حذو الطّائرة وبسرعة جنونية ..نعم عقرب ..وتصوّروا فقط ذلك المشهد الرهيب ..انها هيليكوبتر تمرّ حذو طائرتنا ..لست ادري ان كانت ترعى الوفد التونسي لقمة الرباط ..لست ادري ايّة مهمّة كانت لها في تلك اللحظة بالذات ..ولكن علمت بعد سنوات ان قمة الرباط كانت من اخطر القمم العربية على الاطلاق احداثا و امنا كاد يُزعزع فيها .. قبلها بسنة انعقدت القمة بالجزائر وكان ذلك في نوفمبر 73 … وفي تلك القمة وقع الاتفاق ولاول مرة في التاريخ على ان منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني ..الا ان ملك الاردن (حسين) عارض وبشدة بل ونصّب نفسه الممثل الشرعي لفلسطيني الاردن (قرابة المليون)… وهو ما حتّم على الرؤساء العرب تأجيل الحسم في الموضوع إلى قمّة الرباط …

في تلك السنة الفاصلة بين القمتين تحركت عناصر من منظمة ايلول الاسود الفلسطينية لتصفية لا فقط الملك حسين ملك الاردن بل شملت القائمة كل من ملك المغرب الحسن الثاني، ملك السعودية فيصل بن عبد العزيز، لرئيس المصري انور السادات والرئيس السوداني جعفر النميري … وخططت ايلول الاسود للتنفيذ عند وجودهم بالرباط في قمة 74 ..وبقدر ما البلدان العربية فاشلة في معظم مخططاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والرياضية، فانها تنافس الاف بي اي والانتربول وحتى الموساد في عالم الاستخبارات …وهذا “القليّم” بقدر ما كان طوال عصورنا قمّة في التألق واستباق المؤامرات فانه بعد 14 جانفي شهد في نفس الوقت نكسة وانتعاشة… نكسة لاستباق الاحداث في جلّها كما عوّدنا سابقا .. وانتعاشة للاختراق عند البعض الاخر ..

مخطط جماعة ايلول الاسود وقع اكتشافه اياما قليلة قبل انعقاد القمة… لذلك كانت الاستعدادات الامنية في الرباط لضمان انعقادها في افضل الظروف الامنية، ممتازة الى حد الرهبة ..وكانت عقرب الهيليكوبتر التي روّعتني جزءا منها ….لم اكن ومجموعة التلفزة التونسية انذاك نحفل كثيرا بما يحدث في القمة وكواليسها …كنّا فرحين نعم ..بانتصار كبير حققته القضية الفلسطينية والتي اصبحت منذ 29 اكتوبر 74 وبالاجماع (وفجعان الذيب ولا قتلانو)، الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني والذي خوّل بعد سنة لياسر عرفات الصعود ولأول مرة ايضا على منبر الامم المتحدة لتمثيل بلده (بصفة ملاحظ طبعا لاغير)… صدقا وبالنسبة لنا (الفريق التلفزي) كلّ واحد منّا يبحث بعد القيام بواجبه المهني وارسال نشاط القمة وخاصة نشاط الزعيم بورقيبة لبثّه يوميا في شريط الانباء … كلّ واحد منا كان يبحث عن ليلاه ..بعضنا كندماء لابي نواس.. بعضنا عن الزطلة وهي المنتشرة انذاك في المغرب بشكل عادي جدا ..وبعضنا الاخر وانا منهم يبحث عن ثقافة تبادل دواليب المُقررات ..

وكانت الامور ساااااااااااااااااااااااهلة … حيث اكتشفت من خلال الخمسة ايام التي قضيتها هناك انه من الصعب احيانا ان تجد رغيف خبز ولكن من السهل كتونسي ان تجد مقررا بكل المواصفات …قلت التونسي لأن تجربتي في الرباط والتي تدعّمت بعد سنتين خلال دراستي بباريس، اكدت ان هناك ميلا سحريا من المغربيات للتونسيين والعكس صحيح ايضا ..نحن والمغاربة في جلّنا لنا سلوكيات متشابهة جدا ..حب الحياة بشهية كبيرة وننافق احيانا بشهية اكبر .. وحتى في كرتنا نُحسن الخبث الكروي اكثر من اجادتنا للعب الكروي ولعلّ التعادلات التي سُجلت في تاريخنا المشترك كرويا اكبر دليل على ذلك …وحتّى لا اُفوّت هذه الفرصة وانا اتحدث عنّا نحن سكّان المغرب العربي، لابدّ من التاكيد على حقيقة عشتها في باريس واسمحولي ان اصدح بها عاليا ..لا يوجد في مغربنا العربي اطلاقا “ارجل” من الجزائرين …هم بعبارتنا التونسية (شانابات وعليهم الكلام وقدّها وقدود)….

وانتهت القمة وحان موعد العودة الى تونس يوم 30 اكتوبر وكلّ واحد منّا فرح مسرور بما حققه من انجازات وبكل الالوان …الا انه وعند امتطائنا الطائرة من الدار البيضاء وقع اعلامنا بأن الطائرة الرئاسية ستتوجه رأسا الى الجزائر ..الرئيس بورقيبة سيشارك الشعب الجزائري الشقيق احتفاله بعيد الثورة غرة نوفمبر ..(واضرب عندك يا كريّم) … المشاركة لم تدم اكثر من يوم وليلة ولكن ذاك كان ثاني بلد اسافر اليه في حياتي ..لم اطّلع على عالمه كما فعلت في الرباط حيث اصبحت مغربيا اكثر من المغارية واعرف تلك العاصمة زنقة زنقة ..ولكن سجّل لي جواز سفري اسم البلد الشقيق والجار والعزيز الجزائر …

اتممنا مهمّة الرباط والجزائر وعدت الى عملي بالمؤسسة في قسم المونتاج … فتحت يوما مجلّة الاذاعة لاجد بها خبرا ادهشني وازعجني ..بينما كنت بالرباط وقع تأسيس اوّل شعبة مهنية في المؤسسة …وانا مالي ..؟؟ يأسسوا على ارواحهم … الا اني عند قراءتي لتركيبتها وجدت اسمي من ضمنها كعميد شباب …؟؟؟ ثم انا معنديش تلفون ..؟؟ كيف لي ان اكون فيها وانا الذي لم احضر اجتماعاتها بتاتا ولا علم لي بها اصلا وفصلا ..عبدالكريم في شعبة للحزب الاشتراكي الدستوري (الحاكم) وعميد شبابها …؟؟؟ يا خرابك يا طفل … اش يقولو عليك جماعة اليسار من “بوكته” الى كل تشكيلاته الاخرى ..؟؟ يا مصيبتك يا واد …؟؟

لم انتظر طويلا ..صعدت الى الطابق العلوي حيث المصالح العليا جدا (المدير العام وضواحيه) وطلبت من السكرتيرة مقابلة رئيس الديوان ..استقبلني سي الديماسي بكل حفاوة وترحاب وشكرني على انجاز مهمّتي بالرباط والجزائر وسألني ما المطلوب ..اعلنت له عن انشغالي بتسميتي في هيئة الشعبة المهنية وانا الذي رفضت وارفض العمل داخل اية منظومة حزبية …فتح فاه بدهشة واستغراب شديدين وقال: سي صلاح (البي دي جي) هو من اختارك .وهذا شرف لك ..والبعض “يدفع عليها فلوس وانت جايني تقللي ما نعملش سياسة”..؟؟تماسكت وقلت: “سي عبدالسلام ارجوك هذا موقف مبدئي وارجو ان يتفهمني سي صلاح …صدقا لا استطيع” ..نظر اليّ بكلّ حزم وجدّ وقال: “سابلّغه الامر” …لست ادري ماذا حدث بالضبط لكن كل ما وقع انهم لم يعودوا معي اطلاقا للحديث في هذا الموضوع …

في تلك السنة ايضا 74 مارست اولى محاولاتي في الصحافة المكتوبة… كان ذلك عندما قرر الاديب محمد مصمولي صاحب العين الخضراء ..؟؟؟ نعم هو له عينان كسائر الناس ولكن ما لم اشاهده في حياتي ان صديقي المصمولي له عين كستنائية اللون والثانية خضراء ! … قرر المصمولي تاسيس جريدة جديدة سماها الهدف ..ولانه يعرفني من خلال بعص الحصص الثقافية التي كنت اقوم بتركيبها وبانجاز بعض ريبورتاجاتها بالصوت والصورة (الحياة الثفاقية لخليفة شاطر، وهمزة وصل لخالد التلاتلي رحمه الله )…عرض عليّ فكرة المشاركة بقلمي في جريدته وقبلت بسعادة وزهو ايضا… وتلك كانت الخطوة الاولى لقلمي في الصحافة المكتوبة ولي عودة لها في قادم الورقات ..

وجاءت سنة 75 …هي ايضا مفصلية في حياتي …كنت نفسانيا وامام نجاحاتي المهنية التي اصبحت حديث الصحف، وامام ما عشته من تجارب لا تحصى في عالم المقررات… كنت نفسانيا مستعدا للتغيير نحو الايجابي ..اذ اني وبعد فشل تجربتي مع حبي في المراهقة ادركت بعد فورة المشاعر وبعد تتبعي لاخبار من احببت ان ربّ ضارة نافعة وانها حب مراهقة لا غير… وكانت عيادة رحمها الله وهي تتابع جولاتي وصولاتي تنظر الى طفلها وتقول في همس (اه يا وليدي وقتاش يهديك ربي ونفرح بيك …؟؟)… وحدث ان كنت ذات يوم في صفاقس وبالتحديد عند خالتي الاصغر والتي احبّها جدا … تباعدت وتدانت ..كاصبعين بكفّي …ثمّ كان قرارها النهائي وطفقت تقرأ موضوعها الذي حررته بتنميق ..

شوف يا وليد اختي انا ماشي نحدثك في موضوع وما نحبّكش تتغشّش منّي” ..قبلتها في يدها وقلت: “انا” نتغشّش منّك ؟؟؟ وتعطيني طريحة وما نتغشّش…راك خلتي نفيسة وما ادراك”… اخذت يدي واعادت لي مصروفي (قبلة الحنية والحب لابن اختها) وقالت: “ايّا وقتاش نفرحو بيك ..؟؟؟”… نظرت اليها وعرفت انها المؤامرة الجميلة لعيادة وقلت لها: “اشنوّة …؟؟ هذي عيادة ورا الحكاية ..؟؟”… ربتت على كتفي وقالت: “انا والا هي موش كيف كيف ؟؟” _” تبسمتُ واردفت: “ايه اشنوة المطلوب منّي ؟؟”… قفزت على بداية الغيث وقالت: “نحبّوك تستحصن على روحك وتشوف بنيّة حلال” …مازحتها بقولي: “حتى اللي نعرفهم بنيّات حلال زادة” …

ضربتني باطراف اناملها على ركبتي وقالت: “يزّيك عاد ماك درتها شليلة ومليلة … ما شبعتش ؟؟؟”… وضعت يدي على كتفها وقلت: “لوّجلي بنيّة حلال وربّي يعمل نايب” … نظرت إلي بحب كبير وبعطف اكبر وروح انتصارية على من نصبت له الفخّ وقالت: “عندي بنيّة الحلال ..وما تلقاش خير منها” …ودون اهتمام كبير وبشيء من السخرية سالت: “واشكوني هذي بنت الحسب والنسب ؟؟؟”… ودون انتظار انقضّت على فريستها وهي تنظر مليّا في عينيّ: “منية بنت خالك” … تبسمت وقلت: “منية بنت الـ 15 سنة ؟؟؟”… ولم تترك لي اية فرصة ..كانت تحاصرني بكل ما فيها من قلب وعقل ووجدان: “اي عاد اشبيه صغيرة انا ما قلتلكش عرّس بيها توّة ..اما اتكلّم عليها باش ما يخطفوهاش منّك …راك ما تلقاش كيفها” …اجبتها بنظرة لا شيء فيها وبصوت لا لون له: زعمة ؟؟؟ … قالت دون ان اسمعها: “والله لا تندم …واتفكّرني” ..

عندما قلت لها (زعمة) كنت اعيش لوحة فلاش باك من ذات يوم …كان ذلك اليوم غرة سبتمبر 1960 …يومها انجب خالي الذي احبه جدا وتحبه امي جدا جدا بنيّته …كان يعمل خارج صفاقس بنّاء… علم بالخبر واجاب عندما طُلب منه ايّ اسم يختار لها: ما نعرفش ..وكانت تمرّ بجانبه فتاتان نادت احداهما صاحبتها (يا منية)… التقطه خالي وقال لهم سمّيوها منية … لكن الاغرب وها هي الاقدار مرة اخرى تفرض سلطانها ..عندما سمعت امّي بولادة طفلة لاخيها كان اوّل ما قالت: اش خصّ لو كان يسميوها منية والا نجوى وناحذها لولدي !! … الستم معي في انّ هنالك في الحياة اقدار لا قدرة لنا عليها ؟؟؟ الستم معي في ان حياتنا تعيش منعرجات وزلازل وبراكين لا نقدر على فهمها لانها لا تخضع لاي منطق …

هل تفهمون مثلا ان الالعاب الاولمبية سنة 2020 بطوكيو قد تطلع علينا بشيخ مثلي ينافس الجامايكي يوسين بولت الاسرع في العالم وينتصر عليه ..؟؟ هل تتصورون مثلا ان العلاقة الودية جدا بين اوردوغان وحلفائه قد تتدهور وهم يكتشفون صورته اثناء حفل في جنوبى افريقيا لتوقيع شراكة تلفزية مع البلد حتى يمرّر على شاشاته مسلسلات مهند وما شابهها …؟؟؟ لقائل ان يقول انه الاستثمار الجديد ..نعم وبورك فيك يا هذا وفي عتاوتك واستنتاجاتك ودفاعاتك القطيعية …. اما ان يطلع رائد الاسلاميين الجديد وهو يمسك بيده “برادسي برادسو” ممثلة تركية فاتنة (وهنا اعني بفاتنة من الفتنة والتي هي اشد من القتل)… والفتنة هنا انها كانت بحق بلا هدوم تقريبا ما عدا بعض السنتميترات التي تغطّي البعض البعض البعض من جسدها . يبدو ان مشكلة القماش في تركيا عسيرة جدا الا بالنسبة لعلم تونس …هي ككل النجمات العالميات اهلا وسهلا ..اما ان يكون مصاحبها او صاحبها او لست ادري ماهي مواصفاته بالضبط “الشيخ اوردوغان” ؟؟؟ فعن اي شيخ يتحدثون …؟؟؟ حريم السلطان مثلا ..؟؟…

زعمة شيّطت في “هل تتصورون” ..؟؟؟ عذرا ..تقبّلوني كما انا بتشنّجي وهدوئي بفرحي وغضبي بالطفل فيّ وبجنوني …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

نخبة براقش (5)

نشرت

في

عبد القادر المقري:

عيدا مباركا،

قلنا في ما سبق من حلقات، إن نُخب ما بعد 2011 جنت على مستقبلها أكبر الجنايات بما فعلته زمن كانت تحكم… هذا في باب “جنت على نفسها” … وبما أن المثل العربي حول براقش فيه نسخة تقول بل “جنت على أهلها”، فهات ننظر في ما جنته تلك النخبة على البلاد قاطبة...

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

بين قوسين توضيح صغير… عندما نستعمل اصطلاح “نخبة” و”نُخب” فلا يعني ذلك أنها الصفوة، أو أنهم أفضل من في المشهد وخيرة عقوله وخلاّقيه… لا، فنحن لسنا في عصر مونتيسكيو وفولتير وروسو، ولا حتى مع نهضة الكواكبي وعبده… المقصود فقط طبقة ارتقت إلى سدة السباق السياسي وتقاسمت كعكة النظام يوما هنا ويوما هناك … حتى لو كان أفرادها من أبناء سلاّخ البهايم… وقد أمكن أن تحصي بينهم ما يزيد عن الثلاثمائة وزير، والـ 700 نائب، فضلا عن الكائنات المحيطة بهؤلاء كجيش احتياط، والمتوزعة على وسائل الإعلام للهتاف باسم هذا الحزب أو ذاك القائد، والمستفيدة من مختلف المناصب بفضل ذاك الهتاف … وفي هؤلاء كثرة لا تظهر بالحتم في مقدمة الصورة، ولكنها حرثت وزرعت وحصدت من ريع أولياء النعم … وأسمن الريع ثورة تحوّلت بعصا الواحد الأحد إلى ثروة طائلة… وكم تلعثمت ألسنتهم في الزلل بين الكلمتين، وهذا ما يسميه علماء النفس بالزلة الكاشفة (Lapsus révélateur)!

لقد جنى هؤلاء الساسة أولا على السياسة … السياسة بمعناها الضروري وهي الاهتمام بإدارة الشأن العام … التونسي قبل وصولهم كان ممنوعا من السياسة، مشتاقا إليها، منتبها لأي صوت شجاع يطرح قضاياه ويتصور لها حلولا … وكان يجد في النظام القديم حاجزا منيعا أمام هذه الأصوات … وكان يرى في تعدد الأحزاب وانتخاب نزيه للسلطة التشريعية، مخارج سحرية لأزماته … هناك حيث يحل ركب ممثلي الجهات البعيدة والأحياء الشعبية والطبقات المسحوقة، ستسلط الأنوار على مشكلات التونسيين، وتُسنّ القوانين التي ستصلح، وتلغى القوانين التي أفسدت، وتعاد الحقوق إلى أصحابها… وكنّا نحلم بهذا ونحن نستمع إلى البرلمانات الديمقراطية ونسمع عنها … ننبهر بما تنجزه تلك الديمقراطيات، وننبهر حتى بما يطرأ أحيانا فيها من شجار وعنف، لأجل مصلحة عامة بين أطراف تستميت في الدفاع عن تلك المصلحة …

ومن الطرائف أنه كان هناك قبل 2011 برنامج على قناة حنبعل يقدمه عز الدين العامري وعنوانه “المسكوت عنه” … في المسكوت عنه كان العامري يناقش مع ضيوفه مواضيع تتسم ببعض الجرأة في تلك الأيام… وقد تطرق مرة إلى موضوع الديمقراطية ودعا لذلك بعض الضيوف ممن كانت السلطة تقبل بهم… ومنهم واحد كان مرضيا عنه بحكم أن سهام بن سدرين أطردته مع آخرين من إذاعة “كلمة”… وطبعا ومن باب عدوّ عدوي هو صديقي، فقد لقي المطرودون ترحابا لدى رقباء السلطة بما أنهم منشقون عن إنسانة معارضة وقتها … دون تطويل، قال أحد الضيوف إن البرلمانات الديمقراطية يصل فيها الصراع (الديمقراطي) إلى تبادل العنف بين النواب… فما كان من “طريد بن سدرين” إلا أن قاطعه بأنه ليس على الديمقراطية أن تتحول إلى عنف… وبعد سنوات وبالتحديد يوم 30 جوان 2021، توجه نفس ذلك الشخص وقد أصبح نائبا، إلى زميلة له بمحلس النواب الجديد، وسدد لها على خدها صفعة تليق بكبار البلطجية …

علما بأنه كان من أنصار النظام القديم (والمحتمين به والمسترزقين منه) الذي كانت هي ومازالت تمثله … ولكنه في الأثناء، غيّر البندقية من كتف إل كتف، كما يقول الفرنسيون …

بداية من جانفي 2011 اهتم التونسيون بالسياسة وأهلها ونقاشاتها إلى درجة اختفى معها بريق الأحداث الرياضية ونجومها الذين لأول مرة في تاريخنا يتراجعون إلى الصف الثاني … كما انحسرت متابعة قنوات عربية وأجنبية كنا نلتهمها التهاما بعلم السلطة ودونه… ونزلت نسبة مشاهدة مواطنينا لقناة الجزيرة مثلا، إلى أدنى المستويات منذ تأسيس تلك القناة القطرية … كما انتشرت في سمائنا مجرة من النجوم الجدد … معارضي الأمس خرجوا من السرية إلى العلن ومن المهجر إلى مسرح البلاد … ممثلي المجتمع المدني وخاصة مراقبي الانتخابات والأداء البرلماني … أصحاب شركات سبر الآراء بمناسبة وبغير مناسبة … نواب ورؤساء كتل … كما عرف رجال القانون (والقانون الدسنوري خاصة) ازدهارا وشهرة لا مثيل لهما، في وقت كان فيه الجميع يبحث عن حيثيات وأفكار لدستور جديد …

كان الأمل كبيرا في مخاض قد يسفر أخيرا عن بلد جديد وجدير بأن يلتحق بنادي الديمقراطية… أي نادي “جي 7” حيث الاختيار الحر يأتي بأعلى الكفاءات وأنزهها، والكفاءات النزيهة العليا تحقق النمو وتتقدم بالبلاد … ورحنا نستعرض الأمثلة التي نسير على دربها، ومن سار على الدرب وصل… من فرنسا 1789 إلى سنغافورة الستينات إلى إسبانيا السبعينات إلى ماليزيا الثمانينات إلى هند التسعينات وهكذا…

وجاءت الصدمة الأولى في أكتوبر 2011… إذ فاز بجميع المقاعد تقريبا (لولا فتات نظام البقايا) حزب محافظ جدا هدفه الماضي لا المستقبل … ورغم تفاؤل البعض منا (وقد كنت منهم) بأن الأحداث وضغط الشارع وبراغماتية السياسة ووعود التطوّر، قد تحيل المحافظ إلى مجدد، والرجعيّ إلى تقدّمي، والسلفية إلى اجتهاد وتنوير … على الأقل تنوير مستبد كأوروبا القرن 19 … رغم هذا، فقد أبان الفائزون (ومنذ الحملة الانتخابية) عن وجه حجري وقلبوا أولويات ودغدغوا مشاعر ما كانت مثار احتجاج أيام المواجهات الدامية في سيدي بوزيد وما جاورها بين 2010 و2011…

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 43

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:


بعد ثلاث سنوات من استقراري بتونس العاصمة كشابّ في بداية مسيرة حياته، لم تكن شؤون حياتي مستقرة ماديا بالمرّة ..اذ اثر انتهاء الدراسة بمنحة قدرها 30 د تماما كمنحة اي طالب انذاك وبعد تخرجي، جاء اول مرتّب في حياتي وهو الذي لم يتجاوز 40 د ليسدّ في اغلب الاوقات بعض حاجيات العيش هنالك ..

عبد الكريم قطاطة

هنا لا بد من الاشارة إلى امر هام جدا وله ابعاد كبيرة في رؤيتي للمال ..اوّل مرتب في حياتي ويوم قبضته اودعته ليلة كاملة في حاوية الزبلة .. نعم في حاوية القمامة …كانت ومازالت لي رؤية عدائية للمال …ربّما لأني عشت في عائلة معوزة ولم اجد حاجتي عند حاجتي له طيلة طفولتي وشبابي … ربّما لأن احببتها في مراهقتي او هكذا توهّمت باعتني من اجل حفنة مال ..ولكن ومع تقدّم العمر تيقنت انّ من يلهث وراءه انّما هو يلهث وراء سراب ..(“يا عابد المال قل لي هل وجدت به .. روحا تؤانسك او روحا تواسيها .. انظر الى النار انّ الفتك عادتها .. لكنّ عادتها الشنعاء تّرديها” / ايليا ابو ماضي) …

اشكال جل البشر انهم اعتبروا دائما المال غاية وليس وسيلة للعيش فاشقاهم اكثر مما اسعدهم …لأن صاحب الدينار قد لا يفيه الدينار لقضاء حاجته الا ان صاحب المليار اكثر تعاسة ..لأنه ببساطة لن يّحس بالراحة يوما ..فهو لن يكتفي اولا بالمليار لانه يريد اخا له واختا ويدعو الله ان يرزقه بتوائم من صنفه ..من جهة ..ولكن الاتعس انه يعيش طيلة حياته عسّاسا على ملياراته خوفا من منافس ينهبها …ومن ثمة تبدا الحرب اليومية بينه ومنافسيه لتتحول الى كوابيس في مرحلتها الاولى ثم لتنتهي بسرقات موصوفة وغير موصوفة وجرائم متعددة التوصيفات ..ويكفي لنتأكّد ان نُطلّ من كوّة صغيرة على ما حدث منذ قارون ويحدث الى يوم البعث من حروب وجرائم تُرتكب في حق البشرية والتي مصدرها وهدفها المال ..

انظروا الى الحروب ..انظروا الى مستنقعات الاقتصاد وحقوق العمّال المسروقة ..انظروا الى دول البترودولار كيف تتدخّل في شؤوننا ..انظروا الى تركيا واوردوغان والحلم العثماني تُصدّر لنا “الڨليبات البيضاء” وهي تُخفي قلوبها السوداء التي تُضمر لنا اياما اكثر سوادا من قلوبها ..ويتعامى العديد من ساستنا اللصوص على ابسط واتفه سؤال ..هل نحن في حاجة لاستيراد تلك الڨليبات التي لا تزيد قلوبنا الا تبلّدا وكسلا .؟؟؟.لو احد يمنحني الامان وها انا امنح لنفسي الامان… (من غير مزية حدّ) …لقلت لهم ..لساستنا الاعزاء… يا أللّه ما احوجنا الى نظام داعشي يقطع رؤوسكم (سياسيا لا بشريا) ويرمي بها في اسطمبول او انقرة وهنيئا لكم بالڨليبات بيضاء او زرقاء او بنفسجية ..المهم ان نستريح منكم ومن وجوهكم الكالحة المالحة … عودوا الى تاريخ الامبراطوريات الاستعمارية …وحتى تلك التي نتغنى بها نحن العرب والمسلمين من خلال مقولة هارون الرشيد وهو يخاطب مزهوّا بعرشه على الدنيا، سحابة تمرّ في السماء بقوله (امطري انّى شئت فخراجك آت اليّ) .. اليس كل ذلك من اجل تكديس المال ..؟؟

في حين ان ابسطنا علما بالقرآن لم يتفطّن الى آية من اعظم آيات الله في كتاب الحق (المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلّه).. اي نحن في الاخير لا نملك شيئا .. الم يتفطّن لها اوناسيس اثرى اثرياء اليونانين وهو على فراش الموت عندما قال (خذوا كل ثروتي ودعوني اعش) ..؟؟ الم يتفطن لها قوم موسى وهم يتمنون لو كان لهم نصيب من ثروة قارون ….وعندما خسف الله بقارون وبثروته استفاقوا من غفوتهم واستغفروا ربّهم ..دعونا نتفق بأن المال قوام الاعمال وبأن نكران حاجتنا اليه ضرب من ضروب السريالية .. ودعونا نتفق ان للفقر مصائبه وتعاسته …وهو الذي قال عنه علي رضي الله عنه (لو كان الفقر رجلا لقتلته) رغم ان البعض ينسبها لعمر ابن الخطاب ..ولكن ان يتحوّل الى غاية فذلك عندي اكبر همّ من هموم الانسان …

الاربعون دينارا كجراية لم تكن كافية بتاتا لكي اعيش عيشة سوية ومتوازنة في العاصمة… فعلاوة على مصاريف الكراء والملبس والمأكل، كنت لا احسن التصرّف بتاتا في جرايتي ..وها انا وبعد كلّ هذا العمر على سليقتي …ويبدو اني ساغادر هذه الحياة وانا مدين للبعض بما اقترضته منهم …وليطمئنوا …وصيتي في هذا الامر جاهزة لأبنائي حتى يفعلوا ما لم اقدر على فعله ..وكلّي ثقة في برّهم بي وعدم خذلاني… لأني لم اخذلهم ولم ولن اخذل كل من وعدته بأن لا اخذله …بعبارة اخرى عشت في تونس باسلوب (كبّوس هذا على راس هذا) لكنّي وكلّي فخر اقول… لم اكذب على ايّ احد ولم اسرق حتى رغيف خبز ولم احنث في وعودي متى قدرت على تسديدها ….كنت ابيت احيانا على نصف باڨات و”طابعين شكلاطة” كعشاء ..وكنت كما تقول احدى الجارات رحمها الله وهي تعاتب ابنها الشرّيب: ° في النهار عروس وفي الليل قطّوس°…

لهذه الاسباب كنت كثير التنقل في المسكن ..اما لحاجة صاحب المسكن لمنزله … او للبحث عن سكنى اقل تكلفة في الكراء ..وربّما من المساكن التي عمّرت فيها بالعاصمة ..استوديو ابن خلدون طيلة الدراسة ..ومنزل بنهج الراس الاخضر وراء معهد بورقيبة للّغات الحية بشارع الحرية ..وآخرها واشهرها واكثر اعاجيبها منزل بنهج كندا والتي كانت تلقّبها عيادة رحمها الله بـ”دار العجايب” عندما تهلّ عليّ ضيفة انذاك وتكتشف يوميّا خُنّارها (اعني خُنّار كثرة زائراتها) .. ولكن لا بد من العودة الى مسكن نهج الراس الاخضر لما عشنا فيه من ايام وليال ..متسوّغه يعمل صانعا عند بائع قماش باحد اشهر انهج قلب المدينة ..بسيط او هكذا يبدو .بحبوح او هكذا يبدو .. كنا نقطن به اربعة وكلّنا من صفاقس كل واحد يجيب صاحبو… بعضنا من سلك التعليم …بعضنا الاخر طلبة في معهد الفنون الجميلة، احدهم ما قضّاه نائما في بيته اكثر مما قضّاه على مدارج المعهد ..موش هكة يا نوري ؟؟ رغم موهبته الكبيرة في دنيا الرسم ..وانا (زعمة زعمة) موظّف قد الدنيا في مؤسسة التلفزة واسمه يطلّ بشكل دائم على شاشة التليفزيون …(يا بمبك يا بمبك) …

عقد الكراء كان بيد ذلك الصانع في حانوت القماش …وهو الذي تحوّل بعد سنوات الى واحد من اثرياء تونس بعد زواجه بابنة ثريّ لست ادري كيف احبته (وللحب جنونه) ليبدأ مشروعه الصغير وليصبح كبيرا …طبعا بمفهوم الثراء لا غير ..وربّما ستفهمون ان امثاله من الممكن جدا ان يكونوا اثرياء عندما اقصّ عليكم هذه الحكاية.. صديقنا هذا كان المكلّف بقضاء كل ما يحتاجه المنزل من حاجياتنا اليومية (الاكل وملازم المنزل الضرورية) وكان اسبوعيا يقوم بقضاء تلك الشؤون ويسجّل ذلك في كنّش صغير ..وفي نهاية كل شهر يقوم بالجمع والقسمة ليدفع كل واحد منا نصيبه من المصاريف … في شهر ما، انتابني شك في حجم المصاريف ..لمّحت لبعض متساكني المنزل عن شكّي ..لقيت منه وعنده نفس الشكوك ..دخلنا غرفته وبحثنا عن كنّش المصاريف ..فتحناه ..عاينّا مصاريف الشهر المنقضي ..لم نجد اية زيادة في استحقاقتنا العادية لكل شهر …اسبوعيا حاجياتنا كانت مدوّنة دون زيادة ..اغلقنا الكنّش وهممنا بالخروج الا انّ شيئا ما اعادني الى الكنّش ..

لاحظت ان صديقنا يدوّن اسبوعيا تاريخ ذلك الاسبوع بالشهر والسنة ..لم افهم سرّ تأريخ ذلك في البداية ..اعدت النّظر هذه المرّة بكل تأمل وبدات مراحعة عملية جمع المصاريف ..ورغم ضُعفي المدقع في الرياضيات وجدت خللا في المجموع ..لكن الاغرب ان الخلل كان دائما بنفس القيمة … اعدت الجمع مرات وكان الخلل دائما بقيمة 1974…. هل فهمتم ماذا حدث ..؟؟ كان يضع قائمة المصاريف ويضيف لها اسبوعيا السنة والتي كانت 1974 ليصبح هذا العدد من جملة مصاريف ذلك الاسبوع … كان اوّل ردّ فعلي “مهفّ فريمون مهفّ!”.وانا هكذا اُعجب بالبصمة الخاصّة حتى ولو كانت سرقة … ولكن الى حين ..اطلّت بعدها عليّ نرجسيتي وقلت “موش وحدو مهفّ” او باسلوب ادبي خاطبت هذا المهف وعلى طريقة طرفة ..(ستُبدي لك الايام ما كنت جاهلا .. ويأتيك بالاخبار من لم تُزوّد) … اشعرت زملاء السكن بالمؤامرة الاسبوعية لصاحبنا اللص الظريف وعقدنا اتفاقا على ان يدفع الثمن “ثاني ومثلث”…

في منزلنا هاتف …والهاتف باسم صاحبنا ولا يستعمله احد سواه… كان يُقفله دائما بقفل حديدي (شرلّية صغيرة) وتحدّينا تلك الشرلّية واصبحنا نستعمل النقر (تماما كما فعلها خماخم مع الحكم) حيث نكوّن الرقم المطلوب بعدد النقرات فـ 2 تساوي نقرتين .. و5 خمس نقرات ..الخ …هل تذكرون عادل امام وهو يقول في احدى مسرحياته (حهرّيك) .؟؟….”هرّيناه” فعلا ..كل الارقام التي نعرفها وحتى التي لا نعرفها طلبناها …وهذه العملية الاخيرة بالذات تعرفنا من ورائها على عصابة فتيات هاي جدا ومتبرجزات جدا جدا من فئة “بونجورغ” في ذلك الزمن ..الا انّ عفرتتنا اخضعتهن لعرشنا و لصولجان الزيارات كمقررات …حيث نختلق كل سبت عيد ميلاد لواحد منّا وليس مهما ان لا يكون من مواليد ذلك اليوم ولا ذلك البرج …المهم ان يكون برجهن مقررات …يااااااااااااااااااااااه كنّا عالم صايع قوي … وكانت المؤامرة الهاتفية وبعد اطلاع صاحبنا على فاتورة الهاتف، آخر عهد لي بذلك المنزل ..حيث انتقلت بعدها الى نهج كندا وهو الذي لا يبتعد عن دار الاذاعة والتلفزة الا مائة متر ونيف …

عندما تسلمت مهامي في تلك السنة كمسؤول وكمنسق لقسم المونتاج عملت بكل مثابرة وجدّية ..حاولت ان اكون الزميل الصديق لهم جميعا لا اكثر ..واحمد الله اني لم اظلم احدا بل وهو الاهم كما احببتهم احبوني دون استثناء … في شهر اكتوبر من تلك السنة 74 ..حدث اشكال مهني خطير للغاية ..رئيس المؤسسة انذاك هو السيد صلاح الدين بن حميدة… وعلى عكس الذي سبقها ..(السيد ميمون الشطي الوديع جدا) …كان مُهابا بشكل خُرافي … اولا هو ذو كاريزما رهيبة جدا ..ثم هو في تلك الحقبة من المُقرّبين جدا للقصر الرئاسي ..وممن يحظى خاصة بدعم مزدوج من الزعيم بورقيبة وعقيلته وسيلة …بما معناه “يضرب يعور”… كان الجميع في المؤسسة يخافونه..يكفي ان يراه احدهم ينزل من سيارته في اتجاه مكتبه حتى تصبح الكولوارات خالية من روّادها ..

ذات يوم طلب منّي رئيس المصلحة مدّه بشريط وثائقي كنّا نقوم بمونتاجه حول حدث سياسي .. حتى تقوم التلفزة ببثّه ذلك اليوم ..اجبته بالقول: الشريط غير جاهز ولا يمكن بثّه اليوم بل يستحيل بثّه اليوم …هاتفني المدير التقني العام واشعرني بان السيد صلاح الدين بن حميدة مصر على بثّه اليوم ..اجبته: غير معقول بالمرة الشريط غير جاهز ..اتّصل بي رئيس ديوان السيد صلاح الدين وبلغة اكثر حدة قال لي: راهو سي صلاح يحبّو يتعدّى والبلاد ماهياش على ڨرنك يا سي قطاطة …كانت الساعة انذاك تشير الى منتصف النهار ..اجتمعت فوريا بزملائي واعلمتهم بتفاصيل ما حدث ..اشاروا عليّ بأنهم معي في كل ما اراه صالحا ..وانهم ودفاعا عن مهنتنا مستعدون لاي تصعيد ..

اعلمت رئيسي المباشر بموقفنا وانتظرت ردّه . قدم اليّ سي ابراهيم بوجه شاحب وطلب منّي الشريط لسي صلاح الذي امره بذلك ..قلت له ساحمله بعد حين لرئيس ديوانه ..قال لي تهنّيني..؟؟ اجبته كون متهنّي … اجتمعت بزملائي وقلت لهم ..انا ساقدم استقالتي ولست مستعدا لتسليم الشريط لأي كان …ولكم سديد النظر ..وكان الحدث الذي لم يحدث اطلاقا لا قبل ذلك اليوم ولا بعده ..الزملاء وبالاجماع قدموا استقالتهم معي … امضينا جميعا على الاستقالة وكلفوني باعطائها لرئيسي المباشر _ سي ابراهيم الغضاب اطال الله عمره… وغادرنا جميعا المؤسسة ..كنّا مدركين لأهمية قسم المونتاج في الاعمال اليومية للتلفزة… وخاصة شريط الانباء الذي لا يمر دون مونتاج نشاط الرئيس ..نحن لعبنا ورقة خطيرة نعم وكان حماسنا انذاك واندفاعنا من جهة، وتلك الافكار الثويرية التي احملها ويحملها امثالي من نوع (لا للاستبداد) و(لا للمسّ بنواميس المهنة) …هي التي جعلتنا نلعب ورقة استقالتنا …

و”دخلت بعضها”..الجميع يرتعش … فعلها ولد عيادة ..والاكيد لم يقولوا مثل هذا الكلام الجميل بل كانوا يشتمون ويلعنون (عملها الكلب بن الكلب ..؟؟ هذا اللي حسبناه موسى يطلعنا فرعون ….شوف يا سيدي اش يخرج منّو هاكة الفرخ ..؟؟) … هكذا اعاد عليّ بعضهم هذا الكلام في زمن متقدم …وماهي الا ثلاث ساعات حتى اصبحت سيارات المؤسسة تجوب شوارع العاصمة لتجلبنا من منازلنا لحضور اجتماع عاجل مع سي صلاح الدين الرئيس المدير العام للمؤسسة …

وصلت وكان جميع الزملاء في انتظاري.. كلّفوني بالتحدّث باسمهم وكلفت احدهم بالذهاب لخلية الاخبار التلفزية للقيام بعمله في شريط الانباء ..نظر اليّ باستغراب ..قلت له وللجميع سنثبت بهذه المبادرة اننا دعاة صلح لا حرب …دخلنا صالة الاجتماعات الخاصة برئاسة المؤسسة والتي لم ادخلها من قبل ولكنّها كم عانت من وجودي بين حيطانها منذ ذلك التاريخ حتى سنة 2013 ..جلسنا على مقاعدها الوثيرة في انتظار قدوم الكاريزما …يُفتح الباب… يدخل دون ان ينظر الى احدنا … غضب ساطع في عينيه ..شفتاه زرقاوان بمفعول التدخين وحوله الحاشية المتكونة من رئيس ديوانه سي الديماسي اطال الله عمره، رئيسي المباشر سي ابراهيم، المدير العام للتقنية سي منجي الشافعي وكاتب الجلسة المرحوم محمد قاسم المسدّي ..

جلس سي صلاح على مقعده الوثير جدا وألقى نظرة بانورامية علينا جميعا وسأل: وينو سي قطاطة ..؟؟ كنت على يساره ..اجبته.: انا سيد المدير …نظر اليّ باحتقار وقال: هو انت ؟؟؟ امّالا لو كان جيت اطول واسمن تعمل انقلاب في البلاد؟؟… صمتّ قليلا وقلت: سيدي المدير تسمحلي نفسرلك الموقف؟ …اجاب بغضب: اما موقف؟؟ تعرف اش معناها ما يتعداش شريط الانباء الليلة؟؟؟.. قلت له: نعرف سيدي المدير وانا كلفت واحدا من زملائي (محمد علي الرويدي) بالقيام بمهامو على احسن وجه … اووووووف تنفس موش الصعداء ..تنفس هيمالايا .. وعاد الى استعلائه وقال: معناها رجعلك شاهد العقل وماشي تعطيني الشريط ؟؟… اجبته: تسمح ببعض الدقائق لتفسير سوء التفاهم ؟..قال لي: تفضل هاني نسمع فيك ..اوضحت له بمنطق علمي لا جدال فيه ان مرور شريط على تلك الحالة في شاشة المؤسسة هو معرّة لنا… لك انت كأول مسؤول عنها …وللتلفزة التونسية ككل …

كان يستمع بانتباه كبير دون ان ينظر اليّ .. بعد ان اتممت توجّه الى المدير التقني العام وقال بلهجة جدّية: “سي المنجي انت ما قلتليش هالكلام …اهو عندو حق السيد” … ولانقاذ سي المنجي قلت له: تسمح سيد المدير بتعليق صغيّر؟ … استدار اليّ ورايت في عينيه شيئا من الرضى فأكملت: راهو موش انا اللي عندي الحق كل القسم هو اللي عندو الحق .. احنا صحيح ندافعو على مهنتنا اما زادة ندافعو على مؤسستنا واللي يمسّها يمسّنا سيّدي المدير …نظر سي صلاح الى المدير التقني العام والى رئيسي السيد ابراهيم وقال: عندكم الحق، توة فهمت علاش عندكم فيه ثيقة …ثم وبكل اعجاب واطمئنان قال: “ايّا سي عبدالكريم اشنية مشاكلكم في قسم المونتاج … وسجل عندك سي قاسم” ..وطفقت اعدّد له نقائص القسم وكذلك في الان نفسه تفهّمنا التام لتكون البدائل بمرحلية …قام السيد صلاح من مكانه… شدّ على يديّ وقال “نوعدكم ما تراو منّي كان الخير” ..كان ذلك في العشرية الاخيرة من شهر اكتوبر …

في الغد رن هاتف مكتبي فاذا به رئيس الديوان يطلبني الى مكتبه فوريا … ليستقبلني بكل حفاوة وبـ”اش تشرب ؟؟” (هذه عادة اما للكبار او “لهنّ”) … شكرت و اعتذرت ..وبابتسامة رقيقة قال لي: سي صلاح يُقدّر موقفك الذي ينمّ على تفانيك من اجل سمعة المؤسسة، ويعيّنك لتكون ضمن البعثة التلفزية الرسمية التي سترافق الزعيم بورقيبة للقمة العربية بالرباط …(26 اكتوبر 1974) .. نظرت لرئيس الديوان وقلت: “شوف سي عبدالسلام، اولا انا قمت بواجبي تجاه مؤسستي، ثم أشكر السيد المدير على منحي هذه الثقة، ولكني غير مستعد ليها لانّي ما عنديش تلفون (اقصد جواز سفر) … ابتسم سي عبدالسلام وقال: توة هذي مشكلة ..؟؟ برة جيبلي بطاقة تعريف واتصورزوز تصاور وجيبهم ..انت هو اللي اختارك السيد المدير وانت هو اللي ماشي تمشي ..

صدقا بفرح طفولي نفذت… كانت الساعة تشير الى التاسعة صباحا وها انا اتحصل على اول جواز سفر في حياتي على الساعة الواحدة ظهرا من نفس اليوم …قلت بفرح طفولي ولابد ان اعود اليها …في تلك اللحظة عبدالكريم خارج للمغرب مع بورقيبة ! …نسيت وقتها الثورية متاعي والمعارضة والشعارات (لا تفهموها من زاوية “اطعم افم تستحي العين” ابدا والله) … لكن في تلك اللحظة عشت فلاش باك كاملا … رجعتلي صورة عبدالكريم ..هو واحد من قلب الغابة متاع ساقية الداير …اللي كان يخرج للمدرسة بقبقاب … وصوابع ساقيه ويديه زرق بالسقع … وسورية المناسبات تشدّو خمس سنين … في عيد صغير والا كبير يلبسها والاصح هي تلبسو وترجع تطويها عيادة الله يرحمها في صندوق عرسها …

(.وصندوق عيادة اسمح صندوق في الدنيا… فيه اسرارها وفيه جمالها وفيه عينيها اللي قد ما نوصف ما نقدرش نعبّر .قدّاشهم اسمح عينين في الدنيا وقداشهي هي سلطانة فيهم … وحتى مرّة عيّادة الله يرحمها غلطت وانا في الثالثة ثانوي عطاتني فلوس باش نحضر بيها احد اعراس اهلنا… وانا زعمة زعمة شريتها على الموضة نصف يد وبيضاء وكيف شافتها كليت على راسي بالبخص والتڨرڨير والمرج وانا نكره التڨرڨير والمرج .. وهي تقول وتعاود: نصف يد؟؟؟ لاه فلوسنا برشة ؟؟؟ معناها ما تصلحش للشتاء . يلزم يديها طوال (معناها 2 اون 1) ….وزيد بيضاء على استحفاظك البيّ! …

وهاكة عبدالكريم اللي يقعد في الكور متاع الحي يمطّق في لسانو وهو يشوف في زميلو ولد الحشيشة ياقف قدام بياع الميلفيه ويضرب الاولى والثانية واذا ما كلاش ياكل حارة ..وانا كان لطف بيّ ربّي كعبة نتشارك فيها انا وواحد من امثالي مرّة في الشهر ….عبدالكريم المطعم الخيري… والقعدة في كيران باب الجبلي …ودورو قلوب اكحل (موش ابيض متاع الدولة العثمانية) …مع خويا الصادق شعبان وللي ما يعرفوش ويعتبرو من ازلام بن علي نقوللو …هاكة سيدكم لو كان جيتو تعرفوه وتعرفو قيمتو، توة تبلّعوا اذا موش تنقرضوا ..راجل وسيد الرحال … هذي نقوللها فقط للي موش رجال …

عبدالكريم متاع كل تلك الحقبة واللي البعض يتبرأ منها ويحكي عنها بمنطق الفقر و السخط والميزيريا ويزيد يدعي (الله لا ترجعّها) انا نقول اش خص لو كان ترجعلنا الايام … وحتى اذا ما رجعتش وهي عمرها ما ترجع، انا وكل الفخورين بسخطها وفقرها وميزيرتها وذلك كان حجر الاساس في بنائنا… سنواصل البناء الى ما فوق حدود السماء لزرع القرنفل هناك ولزرع الحب والامل والارادة حتى يصبح الانسان فينا سلطانا …

اذ لا سلطان على الانسان الا الانسان.الجميل الراقي …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

صن نار