تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم …الورقة رقم 5

نشرت

في

Coloriage de printemps – occupez les enfants avec un dessin mignon à  imprimer et colorier

عبد الكريم قطاطة:


…. ولأن الذاكرة مازالت تختزن والحمدلله بعض ما عشته في طفولتي قبل الانتقال الى التعليم الثانوي فها انا اعود الي مخزونها …

عبد الكريم قطاطة

عامل الوقت في ذلك الزمن كان مختلفا جدا عما نعيشه اليوم …فاذا كان الواحد منا في عصرنا هذا يتصارع يوميا مع الوقت وهو يجري ما يلحق، فان طفولتنا كانت انذاك تعيش وقتا وتوقيتا آخرين فلاهو غرينتش ولاهو مكة المكرمة ولا هو القدس … اليوم في ايامنا انذاك كان بدهر ….الى حد اننا نستغرب من المعلومة التي تقول انه يساوي 24 ساعة …وعلى حد تعبير سعيد صالح في مدرسة المشاغبين (يااااااااه السكة طويلة اوي) … كنا نلعب كثيرا و نسهر طويلا وننام قليلا والاهم كنا نقلق (هلبة) … كانت العابنا بدائية جدا، زربوط او كرة مصنوعة من قراطيس وملفوفة بالحبال، او “العفاريت” المصنوعة من ورق علاوة على العاب الفتيات …البرتيتة …بيت الحارة …والخماس … والقفز على الحبل _…

وكان الزمن ايضا مختلفا في فصوله فالشتاء كان شتاء بحق …الاصابع تزرقّ من صقيعه … والشفاه ترتعش من زمهريره وامطاره رغم تدلعها في النزول واحيانا ياتي عام يسميه الآباء (عام الزمّة) اي الازمة… وعند الهطول كنا نهزأ بامطاره وبرده وعواصفه وقل ان تجد الواحد منا مصابا بانفلونزا … كنا (جنون) الله يعافيك، والمقولة لامهاتنا …لكن المقلق في مطره تعاملنا مع غديره الذي يعوض البحر …لم نكن نصل الى حد السباحة فيه ولكن كنا لا نرحمه ونحن نشتت ماءه بارجلنا حفايا، او حسب ما يقول عمي رحمه الله (لابسين صباط القدرة) باعتباره قضى طول عمره يمشي حافيا ويحمل صنداله تحت ابطه _ ليدخره للمناسبات _ وهو في ذلك يجسد المثل الشعبي (في ساقي ولا في الصباط) …

المقلق اذن في علاقتنا الطربية والراقصة بالغدير اننا لا نكاد نعود الى عتبة الحوش حتى تنهال الاصوات المستنكرة لحالتنا الآية في النظافة …اجسادنا وادباشنا هي اشبه بلوحة زيتية تجريدية لا تفهم كوعها من بوعها (وانا لحد هذه الساعة غبي جدا في استيعاب ذلك النوع من الرسوم) …الله غالب احسن ما رسمت في حياتي شلاكة بالية في الثانية ثانوي شكرني عليها استاذي الرسام الكبير الراحل ابراهيم الضحاك … ولست متأكدا انه يومها يمتلك كل مداركه لانه كثيرا ما يدرسنا وهو (تيلت) رحمه الله وغفر له …. كان جميع نساء سكان حوشنا وكأنهن ينتظرننا في الدورة لشن هجوم عنيف علينا ونحن في عتبة الحوش …آش هالسحاق ..؟؟؟؟… خدامة عندكم احنا انتوما توسخو واحنا انظفوا …جهدنا طاح في جرتكم ! …

وفي الحقيقة كانت امي وخالتي ترأسان فرقة الصياح والتأنيب وكانت اختي الكبرى وبنات عمي وخاصة الكبرى رحمها الله، لا يتركن الفرصة تمر حتى يقمن وعلى احسن وجه بدور المجموعة الصوتية لترديد مآثر منظومة مقاومة الفساد …وكأنها فرصة سانحة جدا للانتقام من مجتمع رجالي لم يعترف يوما بحقوقهن، والشماتة بادية على وجوههن … هذا من جانبهن اما من جانبنا وبعد وعيد وتهديد بطريحة من عند الوالد او العم او بحكان الفلفل في الشفاه، او الكي بالنار رغم ان الواحدة منهن كانت تردد دوما (ما يحرق بالنار كان العزيز الجبار) … بعد كل تلك المواويل كنا متى عاد المطر للنزول و عاد الغدير للتدوير، نعود لعادتنا …ربما لان الفراغ القاتل، يعمل بعمايلو … او ربما ايضا لايماننا بانهن بقدر ما هن بارعات في التهديد والوعيد نظريا بقدر ما هن غير قادرات على الدروس التطبيقية . وهو نفس المنطق قياسا الذي فرضته بعد سنوات على طلبتي ….اجبارية الحضور في الدروس النظرية كما الدروس التطبيقية تماما، اذ من خور النظام التعليمي ان يبيح للطالب الحق في التغيب عن النظري مقابل اجبارية الحضور في التطبيقي …؟؟؟ والخور يتمثل عندي في: كيف لأي متعلم وفي اي ميدان ان يتغيب في الدرس النظري ؟؟؟…. فصانع النجار مثلا عليه في البداية ان يتعلم كيف يمسك المنشار ويطوع حركته، خوفا من ان يقص الاصبع عوضا عن الخشب …. منطقي جدا ان يمر بعده الى التطبيقي وبكل حذر ….

هذا شتاؤنا … خريفنا لم يكن يختلف كثيرا عن الشتاء في تفاصيل تفاعلنا معه ….في الربيع تختلف حياتنا …الربيع حامل كل انواع الزهور البرية وخاصة البوڨرعون …. الربيع الربيع حقا … لان ربيعنا الان في المدن لا زهر فيه ولا فراش ولا نحل …ربيعنا منذ سنين اصبح باهتا ثقيلا …ولان كل الغابات التي تحيط بصفاقس تربضت واصبحت جزءا من المدينة تعتمها الحجارة ويصقل ترابها الاسفلت ويزينها تلوث السيارات ويدمرها شجرا وحجرا وبشرا … التلوث الصناعي بداية من °السياب °ووصولا الى الحي الصناعي ببودريار … فكيف لزهر ان ينبت وكيف لفراشة ان تحلق وكيف لاسراب الطيور من الكانالو الى العصفور الحيطي ان تغرد وحتى اسراب الخطاف هاجرت بلا رجعة وهجرتنا تلك التي كانت تنور سماءنا والتي كنا نصطاد الواحد منها لندهن راسها بزيت الزيتون راجين ان نتبرك بها وهي تعود في رحلتها الشتائية الى الكعبة فتحمل سلامنا الى بيت الله …هكذا كان يقال لنا …

كنا نقضي آخر الاسبوع في اصطياد النحل وسجنه في قارورات مغلقة طمعا في عسله بعد سكب قليل من السكر الذي يخيل لنا انه سيحوله الى عسل مصفى فيه شفاء لنا …. ثم نتفاجأ بموته ونحن نجهل اننا حرمناه من الاوكسجين وان العسل لا يساوي شيئا امام الاوكسجين تماما كما لا يساوي الكلام المعسول شيئا من سياسيي “الغورة” امام اوكسجين هيبة الدولة المفقودة وانتشار الفساد والمفسدين، وعلى رأس قائمتهم سياسيو الافلاس الثوري في محاولة منهم لتغطية عين الشمس بالغربال على ثرائهم غير المشروع …ساعود اليهم في ورقات قادمة ولنعد الى نحلنا …

كنا ننتظر كل يوم ان نستفيق على (جابية) من العسل البلدي الحر …لكن الادهى اننا لم نكتشف ان ما اصطدناه لم يكن نحلا الا بعد ان عشش في احدى الطوابي (جمع طابية) وهي حواجز رملية عالية تفصل بين الفرد وجاره، مغروسة في قممها بتاجها الذهبي أشجار سلطان الغلة (الهندي) في احداها عشش سرب من النحل … انذاك فقط ونظرا إلى التحذيرات الشديدة اللهجة والحازمة من قبل الجميع بعدم مشاكسة مملكة النحل لأن ردة فعل مواطنيها سيكون لاذعا جدا … يااااااااااااااه كم كنا بحق اطفالا …… هذا هو الربيع الذي نتغنى به حقا في احدى محفوظاتنا بالابتدائي (ورد الربيع فمرحبا بوروده … وبنور بهجته ونور وروده) … وللتوضيح ورود الاولى هي مصدر ورَدَ … وورود الثانية هي جمع وردة ….بايجاز عبدكم اليتيم وبكل الم اليتم …

الربيع في مدينتي اصبح ماضيا …ولانني متعلق وبشدة بصباي وبكل ما فيه من فرح وترح فاني وتمسكا بالربيع (باستثناء الربيع العربي اللعين) أنتقل كل سنة الى ما ابعد من 30 كلم عن مدينتي حتى اعانق الربيع في الحقول وا أشتمّ رائحة الارض واعشق زهوره البرية وزهور الاشجار وفي مقدمتها زهور شجر اللوز (تحفة إلهية سبحان الخالق _) وهي تعلن عن ولادة (كرش) اخرى من ثمارها متحدية تحديد النسل ….. كمممممم افتقدنا ها وكممممم اشتقنا لنسلها في مدننا الرمادية الباهتة ….

في الصيف كانت لنا حكايا اخرى اذ انه وبعد توديع المدرسة ومعلميها في آخر شهر جوان ونحن نقدم لهم هدايانا البسيطة اعترافا بالجميل (ڨازوز المسدي االابيض او ڨازوز بوڨا وبعض قطع البسكويت) … وبعد ان نغني تلك الانشودة التي كانت تبكينا (الى اللقاء الى اللقاء يا ايها الخلان) او (سوف اللقاء يجمع شملا بعد الفراق) …هو يوم لا ينسى …وكيف لنا ان ننسى ايام العز في التعليم والتربية بدءا من (مابك؟ هرب طاهر بكرتي … هذا مفتاح بابك …او لسعت حليمة عقرب فجعلت تبكي وتقوا او او او ( كتاب اقرأ سنة اولى ابتدائي) … مرورا بـ (بدويّ في العاصمة) و (الحلاق الثرثار) و (جسر الحقيقة) … وصولا الى دروس التاريخ ورواياته المثيرة وكأننا في عالم علي بابا …كيف انساها وقلبي لم يزل يسكن جنبي …انهاااا قصة حبي ….

بداية العطلة الصيفية التي كانت تمتد على ثلاثة اشهر (جويلية اوت سبتمبر).هي بداية رحلة المتاعب لكبار الحوش …فالصيف انذاك يعني يوميا شمسا حارقة جدا ورمالا نارية لا يمكن الاستخفاف بها …صيفا بحق … وكان حرص والدتي على ان لا آخذ صربة شمس حرصا مرهقا جدا لي فالصيف يعني سجنا في النهار ويتواصل ليلا خوفا من العقارب …تلك العقارب التي كانت بالنسبة لحوشنا حشرات اليفة و (متعودة دايما ) على اثبات وجودها لجل متساكني الحوش يقبلاتها دون استئذان … وانقراضها الان في جل انحاء مدينتنا كان موقفا استباقيا منها لتفادي عواقب جريمة التحرش …خاصة وهي تتحرش بالجميع دون تمييز لا في السن ولا في الجنس ….ولست ادري لحد الان سبب عزوفها على التحرش بي ….نعم لست ادري كيف ولماذا زارت جميع متساكني الحوش ولم تخترني بتاتا … ربما لأني كنت (جلدة على عظمة ) …

اعود للصيف لارسم مجموعة من الاعمال القسرية التي كنت اقوم بها قتلا للفراغ (والفراغ يعمل بعمايلو كما قلنا) … كنت يوميا عشية بعد ما تبرد القايلة، اقوم بجمع الهندي بالكماشة التي تقبض على جسده وتلويه حتى يذعن لمفارقة ظلفته … تلك الكماشة تسمى °جمّاعة °بالشدة فوق الميم، هي عبارة عن عصا طويلة متوجة بقضبان حديدية مجمعة بشكل يضمن وضع (كعبة) الهندي بينها __…ثم اترك ما جمعته لاختي كي تقوم بغسله وتنظيفه من الاشواك فكيف لكريم ان يلدغه شوك الهندي؟ هكذا كانت امي تنهر اخواتي …دون نسيان الاحتفاظ بسطل منه لاقوم غدا في الصباح الباكر خوفا دائما من الشمس ومن ذبول الهندي …اقوم _ انا النحيف الهزيل _ بحمله الى ساقية الزيت وبيعه بـ 5 مليمات . وتصوروا فقط طفلا مثلي يحمل ذلك السطل الثقيل الذي يدمي الايدي النحيفة لجمع بعض المليمات وادخارها لآخر العطلة لشراء الادوات المدرسية، واعيد القول السطل ب5 مليمات …ياااااااااااااااااه الان اصبح ثمن كيلو الهندي اغلى من كيلو الموز (تفيه على الدنيا!)…….اذن تهنينا على الصباح والعشية …

وسط النهار هو حبس اجباري في البيت لتكسير ثمار اللوز الجافة بثمن بخس للغاية …الشكارة بـ 60 مليما ثم تدرجت الى 100 مليم مع مر السنوات …وكنت كلما اهم بالخروج من هذا السجن كانت امي تهددني بـ (اش عندي فيك اخرج اما راهو ثمة عربية في الزنقة)… و (عربية) تعني بدوية بخلّتها ومِلْيَتها ….ومن شدة غبائي ثم جبني كنت استجيب وبهلع كبير لتهديدها لي بالعربية، بل كنت انزوي في احد اركان البيت وكأنها شيطانة من الشياطين الداعشية …

هكذا كانت ايامي الصيفية حتى الخامسة ابتدائي، سنة بداية محاولة الافلات من قيود سجني …القيد بدأت تكسيره يوم قدم احد السكان الجدد كجيران لنا وعلى عكس كل من يقطن في حومتنا يمتلك هؤلاء السكان “دار ملاك” … رحم الله موتاهم والصحة لمن تبقى منهم والامتنان لهم ولاحيائهم جميعا بما عشته معهم وبكل ترحاب … ازمنة لا تنسى ….هذه العائلة الجديدة هلت علينا بالكنز الاعجوبة: المذياع …

يااااااااااااااااااااااااااااااااااااه تلك كانت بداية حياة اخرى ….حكاية اقدار ….

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار