تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم …الورقة رقم 5

نشرت

في

Coloriage de printemps – occupez les enfants avec un dessin mignon à  imprimer et colorier

عبد الكريم قطاطة:


…. ولأن الذاكرة مازالت تختزن والحمدلله بعض ما عشته في طفولتي قبل الانتقال الى التعليم الثانوي فها انا اعود الي مخزونها …

عبد الكريم قطاطة

عامل الوقت في ذلك الزمن كان مختلفا جدا عما نعيشه اليوم …فاذا كان الواحد منا في عصرنا هذا يتصارع يوميا مع الوقت وهو يجري ما يلحق، فان طفولتنا كانت انذاك تعيش وقتا وتوقيتا آخرين فلاهو غرينتش ولاهو مكة المكرمة ولا هو القدس … اليوم في ايامنا انذاك كان بدهر ….الى حد اننا نستغرب من المعلومة التي تقول انه يساوي 24 ساعة …وعلى حد تعبير سعيد صالح في مدرسة المشاغبين (يااااااااه السكة طويلة اوي) … كنا نلعب كثيرا و نسهر طويلا وننام قليلا والاهم كنا نقلق (هلبة) … كانت العابنا بدائية جدا، زربوط او كرة مصنوعة من قراطيس وملفوفة بالحبال، او “العفاريت” المصنوعة من ورق علاوة على العاب الفتيات …البرتيتة …بيت الحارة …والخماس … والقفز على الحبل _…

وكان الزمن ايضا مختلفا في فصوله فالشتاء كان شتاء بحق …الاصابع تزرقّ من صقيعه … والشفاه ترتعش من زمهريره وامطاره رغم تدلعها في النزول واحيانا ياتي عام يسميه الآباء (عام الزمّة) اي الازمة… وعند الهطول كنا نهزأ بامطاره وبرده وعواصفه وقل ان تجد الواحد منا مصابا بانفلونزا … كنا (جنون) الله يعافيك، والمقولة لامهاتنا …لكن المقلق في مطره تعاملنا مع غديره الذي يعوض البحر …لم نكن نصل الى حد السباحة فيه ولكن كنا لا نرحمه ونحن نشتت ماءه بارجلنا حفايا، او حسب ما يقول عمي رحمه الله (لابسين صباط القدرة) باعتباره قضى طول عمره يمشي حافيا ويحمل صنداله تحت ابطه _ ليدخره للمناسبات _ وهو في ذلك يجسد المثل الشعبي (في ساقي ولا في الصباط) …

المقلق اذن في علاقتنا الطربية والراقصة بالغدير اننا لا نكاد نعود الى عتبة الحوش حتى تنهال الاصوات المستنكرة لحالتنا الآية في النظافة …اجسادنا وادباشنا هي اشبه بلوحة زيتية تجريدية لا تفهم كوعها من بوعها (وانا لحد هذه الساعة غبي جدا في استيعاب ذلك النوع من الرسوم) …الله غالب احسن ما رسمت في حياتي شلاكة بالية في الثانية ثانوي شكرني عليها استاذي الرسام الكبير الراحل ابراهيم الضحاك … ولست متأكدا انه يومها يمتلك كل مداركه لانه كثيرا ما يدرسنا وهو (تيلت) رحمه الله وغفر له …. كان جميع نساء سكان حوشنا وكأنهن ينتظرننا في الدورة لشن هجوم عنيف علينا ونحن في عتبة الحوش …آش هالسحاق ..؟؟؟؟… خدامة عندكم احنا انتوما توسخو واحنا انظفوا …جهدنا طاح في جرتكم ! …

وفي الحقيقة كانت امي وخالتي ترأسان فرقة الصياح والتأنيب وكانت اختي الكبرى وبنات عمي وخاصة الكبرى رحمها الله، لا يتركن الفرصة تمر حتى يقمن وعلى احسن وجه بدور المجموعة الصوتية لترديد مآثر منظومة مقاومة الفساد …وكأنها فرصة سانحة جدا للانتقام من مجتمع رجالي لم يعترف يوما بحقوقهن، والشماتة بادية على وجوههن … هذا من جانبهن اما من جانبنا وبعد وعيد وتهديد بطريحة من عند الوالد او العم او بحكان الفلفل في الشفاه، او الكي بالنار رغم ان الواحدة منهن كانت تردد دوما (ما يحرق بالنار كان العزيز الجبار) … بعد كل تلك المواويل كنا متى عاد المطر للنزول و عاد الغدير للتدوير، نعود لعادتنا …ربما لان الفراغ القاتل، يعمل بعمايلو … او ربما ايضا لايماننا بانهن بقدر ما هن بارعات في التهديد والوعيد نظريا بقدر ما هن غير قادرات على الدروس التطبيقية . وهو نفس المنطق قياسا الذي فرضته بعد سنوات على طلبتي ….اجبارية الحضور في الدروس النظرية كما الدروس التطبيقية تماما، اذ من خور النظام التعليمي ان يبيح للطالب الحق في التغيب عن النظري مقابل اجبارية الحضور في التطبيقي …؟؟؟ والخور يتمثل عندي في: كيف لأي متعلم وفي اي ميدان ان يتغيب في الدرس النظري ؟؟؟…. فصانع النجار مثلا عليه في البداية ان يتعلم كيف يمسك المنشار ويطوع حركته، خوفا من ان يقص الاصبع عوضا عن الخشب …. منطقي جدا ان يمر بعده الى التطبيقي وبكل حذر ….

هذا شتاؤنا … خريفنا لم يكن يختلف كثيرا عن الشتاء في تفاصيل تفاعلنا معه ….في الربيع تختلف حياتنا …الربيع حامل كل انواع الزهور البرية وخاصة البوڨرعون …. الربيع الربيع حقا … لان ربيعنا الان في المدن لا زهر فيه ولا فراش ولا نحل …ربيعنا منذ سنين اصبح باهتا ثقيلا …ولان كل الغابات التي تحيط بصفاقس تربضت واصبحت جزءا من المدينة تعتمها الحجارة ويصقل ترابها الاسفلت ويزينها تلوث السيارات ويدمرها شجرا وحجرا وبشرا … التلوث الصناعي بداية من °السياب °ووصولا الى الحي الصناعي ببودريار … فكيف لزهر ان ينبت وكيف لفراشة ان تحلق وكيف لاسراب الطيور من الكانالو الى العصفور الحيطي ان تغرد وحتى اسراب الخطاف هاجرت بلا رجعة وهجرتنا تلك التي كانت تنور سماءنا والتي كنا نصطاد الواحد منها لندهن راسها بزيت الزيتون راجين ان نتبرك بها وهي تعود في رحلتها الشتائية الى الكعبة فتحمل سلامنا الى بيت الله …هكذا كان يقال لنا …

كنا نقضي آخر الاسبوع في اصطياد النحل وسجنه في قارورات مغلقة طمعا في عسله بعد سكب قليل من السكر الذي يخيل لنا انه سيحوله الى عسل مصفى فيه شفاء لنا …. ثم نتفاجأ بموته ونحن نجهل اننا حرمناه من الاوكسجين وان العسل لا يساوي شيئا امام الاوكسجين تماما كما لا يساوي الكلام المعسول شيئا من سياسيي “الغورة” امام اوكسجين هيبة الدولة المفقودة وانتشار الفساد والمفسدين، وعلى رأس قائمتهم سياسيو الافلاس الثوري في محاولة منهم لتغطية عين الشمس بالغربال على ثرائهم غير المشروع …ساعود اليهم في ورقات قادمة ولنعد الى نحلنا …

كنا ننتظر كل يوم ان نستفيق على (جابية) من العسل البلدي الحر …لكن الادهى اننا لم نكتشف ان ما اصطدناه لم يكن نحلا الا بعد ان عشش في احدى الطوابي (جمع طابية) وهي حواجز رملية عالية تفصل بين الفرد وجاره، مغروسة في قممها بتاجها الذهبي أشجار سلطان الغلة (الهندي) في احداها عشش سرب من النحل … انذاك فقط ونظرا إلى التحذيرات الشديدة اللهجة والحازمة من قبل الجميع بعدم مشاكسة مملكة النحل لأن ردة فعل مواطنيها سيكون لاذعا جدا … يااااااااااااااه كم كنا بحق اطفالا …… هذا هو الربيع الذي نتغنى به حقا في احدى محفوظاتنا بالابتدائي (ورد الربيع فمرحبا بوروده … وبنور بهجته ونور وروده) … وللتوضيح ورود الاولى هي مصدر ورَدَ … وورود الثانية هي جمع وردة ….بايجاز عبدكم اليتيم وبكل الم اليتم …

الربيع في مدينتي اصبح ماضيا …ولانني متعلق وبشدة بصباي وبكل ما فيه من فرح وترح فاني وتمسكا بالربيع (باستثناء الربيع العربي اللعين) أنتقل كل سنة الى ما ابعد من 30 كلم عن مدينتي حتى اعانق الربيع في الحقول وا أشتمّ رائحة الارض واعشق زهوره البرية وزهور الاشجار وفي مقدمتها زهور شجر اللوز (تحفة إلهية سبحان الخالق _) وهي تعلن عن ولادة (كرش) اخرى من ثمارها متحدية تحديد النسل ….. كمممممم افتقدنا ها وكممممم اشتقنا لنسلها في مدننا الرمادية الباهتة ….

في الصيف كانت لنا حكايا اخرى اذ انه وبعد توديع المدرسة ومعلميها في آخر شهر جوان ونحن نقدم لهم هدايانا البسيطة اعترافا بالجميل (ڨازوز المسدي االابيض او ڨازوز بوڨا وبعض قطع البسكويت) … وبعد ان نغني تلك الانشودة التي كانت تبكينا (الى اللقاء الى اللقاء يا ايها الخلان) او (سوف اللقاء يجمع شملا بعد الفراق) …هو يوم لا ينسى …وكيف لنا ان ننسى ايام العز في التعليم والتربية بدءا من (مابك؟ هرب طاهر بكرتي … هذا مفتاح بابك …او لسعت حليمة عقرب فجعلت تبكي وتقوا او او او ( كتاب اقرأ سنة اولى ابتدائي) … مرورا بـ (بدويّ في العاصمة) و (الحلاق الثرثار) و (جسر الحقيقة) … وصولا الى دروس التاريخ ورواياته المثيرة وكأننا في عالم علي بابا …كيف انساها وقلبي لم يزل يسكن جنبي …انهاااا قصة حبي ….

بداية العطلة الصيفية التي كانت تمتد على ثلاثة اشهر (جويلية اوت سبتمبر).هي بداية رحلة المتاعب لكبار الحوش …فالصيف انذاك يعني يوميا شمسا حارقة جدا ورمالا نارية لا يمكن الاستخفاف بها …صيفا بحق … وكان حرص والدتي على ان لا آخذ صربة شمس حرصا مرهقا جدا لي فالصيف يعني سجنا في النهار ويتواصل ليلا خوفا من العقارب …تلك العقارب التي كانت بالنسبة لحوشنا حشرات اليفة و (متعودة دايما ) على اثبات وجودها لجل متساكني الحوش يقبلاتها دون استئذان … وانقراضها الان في جل انحاء مدينتنا كان موقفا استباقيا منها لتفادي عواقب جريمة التحرش …خاصة وهي تتحرش بالجميع دون تمييز لا في السن ولا في الجنس ….ولست ادري لحد الان سبب عزوفها على التحرش بي ….نعم لست ادري كيف ولماذا زارت جميع متساكني الحوش ولم تخترني بتاتا … ربما لأني كنت (جلدة على عظمة ) …

اعود للصيف لارسم مجموعة من الاعمال القسرية التي كنت اقوم بها قتلا للفراغ (والفراغ يعمل بعمايلو كما قلنا) … كنت يوميا عشية بعد ما تبرد القايلة، اقوم بجمع الهندي بالكماشة التي تقبض على جسده وتلويه حتى يذعن لمفارقة ظلفته … تلك الكماشة تسمى °جمّاعة °بالشدة فوق الميم، هي عبارة عن عصا طويلة متوجة بقضبان حديدية مجمعة بشكل يضمن وضع (كعبة) الهندي بينها __…ثم اترك ما جمعته لاختي كي تقوم بغسله وتنظيفه من الاشواك فكيف لكريم ان يلدغه شوك الهندي؟ هكذا كانت امي تنهر اخواتي …دون نسيان الاحتفاظ بسطل منه لاقوم غدا في الصباح الباكر خوفا دائما من الشمس ومن ذبول الهندي …اقوم _ انا النحيف الهزيل _ بحمله الى ساقية الزيت وبيعه بـ 5 مليمات . وتصوروا فقط طفلا مثلي يحمل ذلك السطل الثقيل الذي يدمي الايدي النحيفة لجمع بعض المليمات وادخارها لآخر العطلة لشراء الادوات المدرسية، واعيد القول السطل ب5 مليمات …ياااااااااااااااااه الان اصبح ثمن كيلو الهندي اغلى من كيلو الموز (تفيه على الدنيا!)…….اذن تهنينا على الصباح والعشية …

وسط النهار هو حبس اجباري في البيت لتكسير ثمار اللوز الجافة بثمن بخس للغاية …الشكارة بـ 60 مليما ثم تدرجت الى 100 مليم مع مر السنوات …وكنت كلما اهم بالخروج من هذا السجن كانت امي تهددني بـ (اش عندي فيك اخرج اما راهو ثمة عربية في الزنقة)… و (عربية) تعني بدوية بخلّتها ومِلْيَتها ….ومن شدة غبائي ثم جبني كنت استجيب وبهلع كبير لتهديدها لي بالعربية، بل كنت انزوي في احد اركان البيت وكأنها شيطانة من الشياطين الداعشية …

هكذا كانت ايامي الصيفية حتى الخامسة ابتدائي، سنة بداية محاولة الافلات من قيود سجني …القيد بدأت تكسيره يوم قدم احد السكان الجدد كجيران لنا وعلى عكس كل من يقطن في حومتنا يمتلك هؤلاء السكان “دار ملاك” … رحم الله موتاهم والصحة لمن تبقى منهم والامتنان لهم ولاحيائهم جميعا بما عشته معهم وبكل ترحاب … ازمنة لا تنسى ….هذه العائلة الجديدة هلت علينا بالكنز الاعجوبة: المذياع …

يااااااااااااااااااااااااااااااااااااه تلك كانت بداية حياة اخرى ….حكاية اقدار ….

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الوضع الحالي (ج 2): الساحة الوطنية… مقترحات لدرء الخطر

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.

كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أو بعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.

هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:

أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،

ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.

ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.

ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.

المقنترحات العاجلة:

ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.

واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:

أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.

ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.

ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.

رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.

خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.

خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.

كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.

أكمل القراءة

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار