تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 110

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

عندما عدت الى مصدح اذاعة صفاقس يوم 6 ماي 2011 بعد غياب دام عشر سنوات علّق على عودتي صديق عزيز على قلبي، الدكتور نوري الرباعي والذي تابعني منذ كان تلميذا في الدراسة الثانوية… علّق وبكلّ قلق واستغراب بالقول: لم اجد فيك عبدالكريم الذي اعرفه… لم اجد عبدالكريم الثائر وصاحب الصوت الذي كلّه هدير وثورة…

عبد الكريم قطاطة

وكان على حقّ في ملاحظاته… وفسرت له الامر كما يلي: نعم يا نوري انت على حق اسلوبي تغيّر لسببين… بعد جانفي 2011 اصبح الصوت الثائر موضة ولأنّي ارفض السير في قطيع الفوضى والثويريين عدّلت من المقام الذي اعزف عليه ولكن دون المسّ بالجوهر… وللامانة تعديل المقام الموسيقي الذي اصبحت اعزف عليه جاء نتيجة تجربتي الايمانية… لانّي اكتشفت في ما اكتشفت بعد ان استمعت للعديد من الذين جعجعوا الدنيا باصواتهم، انّ علوّ الصوت لا معنى له امام علوّ الحجّة… وهذه نعمة اخرى من نعم الله (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لا تُحصُوهَا ـ سورة النحل آية 18)… ومن نعم الله ان الهمني الله الى درب البحث ودون هوادة في امور ديني…

طفقت منذ مارس 2003 وحتى اكتوبر من نفس السنة في بحث دائم بالعقل هذه المرّة بعد ان اطمأنّ قلبي واكتشفت امورا عديدة لم اكن لاعرفها لولا حرصي وصبري على القراءة والاستماع لكلّ الانماط ولكلّ الايديولوجيات بشرقييها وغربييها بالمعتدلين فيها والمتطرّفين… وهذه الفئة الاخيرة لم تقرا ما جاء في كتاب الله (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ـ البقرة آية 143)… نعم قرأت عديد القصص .. لم اكن اعرف مثلا قصّة الرحّالة الشهير جاك إيف كوستو وهو عالم البحار عندما اكتشف انّ بعض البحار لا تختلط مياهها بتاتا وانّ بينها حاجزا لا مرئيا اخبره بحّار يمني انّ هذا الامر ورد منذ 14 قرن في القرآن بقوله عزّ وجلّ في سورة النمل آية 61 (وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَءِلَٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)…

اسلم كوستو ولكنّ الغرب المتشدق بالديموقراطية وحرية التعبير اخفى اسلامه… وكذلك وقع نفس الامر مع الطبيب والباحث الالماني لوهار كاي الذي قرأ بالصدفة سورة الكهف واستوقفته آيتان الاولى المتعلقة بتقلب اصحاب الكهف ذات اليمين وذات الشمال… وهذا يعرفه لانّه وفي علاج بعض المرضى يحرص الطبيب على تقلّب جسد الانسان حتى لا يتقرّح علاوة على وجود الشمس للتهوئة دون ان تقع اشعتها على جسد المريض ودائما خوفا من التقرّج (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ ۚ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ـ سورة الكهف آية 18) …لكن ما لفت انتباهه في نفس الآية الحديث عن الكلب (بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ) لاحظ الطبيب الالماني انّ الصورة لا تتحدث عن تقلب الكلب حتى لا يتقرّح جسده… وامام ذلك قام بابحاثه الفيسيولوجية الطبية على الكلب فاكتشف انّ جسده يحتوي على غدد تحت جلده تمنع التقرّح… واعتنق مباشرة بعد ذلك الاسلام …

قد لا يؤمن البعض بهذه الروايات بل ويسخر منها ويعتبرها اساطير لا غير… هنا اعود الى المحطة الاولى في تجربتي الايمانية… عندما يمتلئ قلبك بالايمان امّا ان تصدّق القرآن كوحدة كاملة ودون نقصان، وبعد ذلك يميل القلب ثم العقل لا للتصديق فقط بل ولتثبيت الايمان… وامّا ان لاتؤمن، وذلك شأنك… في المقابل اكتشفت ايضا بعض الذين يتحدثون عن اشياء في الاسلام لا ترفّع من مقامه بل تشوهه احيانا… والامثلة عديدة في هذا الباب…

دعوني اذكر لكم بعضها: القبض والسدل اثناء الصلاة… هل هذه قضية يتجادل فيها البعض بل ويطول جدالهم ويكذّب بعضهم بعضا؟… عندما يقف الواحد منّا للصلاة اليس وضع يديه امرا لا يستوجب اطلاقا الجدال فيه…؟ هل هؤلاء فهموا معنى الصلاة بعمق؟… انا في تقديري المتواضع اعتبر الصلاة بقيامها وقعودها بركوعها وسجودها مواعيد يومية كي تجدّد صلتك بالله فتحمده وتستغفره وتسجد له شكرا وعرفانا… بقية التفاصيل هي تفاصيل لا غير … و في الاخير اذهب مع ما يريح قلبك دون جدل لا طائل من ورائه… وفي نفس محور الصلاة يقول بعض الدعاة والشيوخ انّ على الواحد منّا في الصلوات المفروضة ان لا يبدأ الفاتحة بالبسملة ؟؟ ايّ قول هذا ؟ هل عندما ابسمل اسبّ الله؟… انا ابسمل في الصلوات المفروضة وفي السنن…. وان عاقبني الله على ذلك فمرحبا بعقابه لانه العدل….

من اخطائنا كذلك عندما يقول البعض: الله ورسوله اعلم … لا لا يا سيدي، الله وحده اعلم… ونفس الامر عندما نقول الكمال لله ولرسوله … لا لا يا سيدي، الكمال لله وحده… الم يقل عزّ وجلّ في سورة اهل الكهف آية 110: (قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ)… هنالك اسئلة قد تراود البعض: وماذا عن تفاصيل الصلاة التي لم تات في القرآن من حيث عدد الركعات والسجدات وما يقال فيها… خاصة وانت تحترز من كلّ ماهو سنّة والتي جاءتنا عن طريق رواة السنن؟ اوّلا اذكّر بانّي عندما تحدثت عن ناقلي احاديث الرسول لم انكرها كلّها وذهبت فقط مع ما ارتاح له قلبي… ثم انا وحتى خارج العبادات لم انقطع يوما عن مجتمعي فاتبعت محاسنه واجتنبت مساوئه… ومن هذه الزاوية وجدتني اصلّي كما يصلي الناس في مجتمعي… لكن، وهنا الاختلاف مع السائد، انا في ركوعي وسجودي اناجي الله باسلوبي وبما تجود به قريحتي من عبارات الشكر والامتنان… ولا اردّد ما يردده الاخرون… اريد ان يكون لي ابتهالي الخاص بي الذي يصدر من اعماقي فاُحسّ بانّي اقترب من الله اكثر حتى لا اسقط في الببغائية…

وهنا اشير لأمر هام ارجو من الله ان يغفر لي اجتهادي فيه… بعد 14 جانفي 2011 تحوّلت خطب جلّ المساجد في صلاة الجمعة الى خطب سياسية… واتخذ الائمة من الدين قنطرة لتسريب ايديولوجياتهم… بيوت الله لم تعد كما جاء في سورة النور آية 36 (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ)… بيوت الله اصبحت ابواق دعاية لاحزاب سياسية ولاسماء اخرى سواء بالمدح او بالقدح… ولم اطق ذلك فقررت ان اقاطع هؤلاء الائمة وأقاطع صلاة الجمعة التي اصبحت اصلّيها بمنزلي… نعم وليغفر لي الله ان اخطأت في هذا الامر ولكنه وحده يعلم انّي لم اتحمّل اهانة بيوته وهي تتحوّل الى حلبات صراع سياسي… ولكن وباشارة ورجاء من بعضهم عدت ومنذ اشهر الى صلاة الجمعة بالمسجد طمعا في غفران الله ورضائه…

مازالت مواقف كثيرة من البعض تدعو للشفقة… هل تصلكم دعوات من نوع اقرأ هذا الدعاء 7 مرات وسيأتيك خير عميم ؟ او ان لم تقرأه سيصيبك اذى ؟ هل هؤلاء فهموا انّهم اذنبوا في حقّ انفسهم وهم يقرؤون لنا الغيب والغيب لا يعلمه الا الله ؟… ثم وبشيء من السخرية والتهكم لماذا 7 مرات وليست 9؟ لماذا 7 وليست 77 ؟ .. هل تقرؤون مثلي تدوينات من نوع: زوجي خذ بيدي الى الجنة؟… علاش يخخي انت معاقة؟ واشكون قال اصلا ان زوجك ماشي يدخل للجنة؟ هل تقرؤون مثلي تدوينات من اعداء المرأة عن المرأة؟ هؤلاء لم يقرؤوا شيئا في القرآن عن المراة؟ عن حواء التي جعلها الله سكنا لنا وجعلنا سكنا لها (سورة الروم آية 21 … وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً)…

هل تعلمون انّ بعض الرجال كانوا يسمّون بناتهم جحشة او نعيجة؟ اي نعم والله حصل ذلك… الم تقدّروا الله حقّ قدره وهو يخصّ النساء في قرآنه بسورتين باسمهنّ (النساء ومريم)؟ الم يقل فيهنّ رسول الله (ما اكرمهنّ الا كريم وما اهانهنّ الا لئيم) .. في الجاهلية كان الجاهل من الرجال يطلّق زوجته ان انجبت له طفلة… بل كان البعض منهم يقومون بوأدها وهي حية (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ _ سورة التكوير آية 8)… كان ذلك في الجاهلية ولكن وحتى بعد شروق نور اسلامنا العظيم والى يومنا هذا لم تنقرض عادة الوأد… هي لم تعد وأدا ماديا بل معنويا ولعديد النساء ولعلّ الوأد المعنوي اشدّ فظاعة من الموت…

اكيد لم اتحدث عن الاسلام السياسي بعد 14 جانفي 2011… لا تقلقوا سياتي في موعده عندما اصل بورقاتي لسنة 2011 ان بقي في العمر بقية… اطال الله عمركم ومتّعكم الله بالسلام الروحي… لانّ توازن الفرد في حياته لا يتمّ الا بالسلام الروحي… التقيكم في السنة الجديدة جانفي 2025*… جعلها سنة يُمن وخير وسلام روحي للجميع… دعوني استرح قليلا… في بالي ما قصرتش معاكم … حتّى هي 4 ورقات في اربعة ايام متتالية …اكاهو عاد، هاكة حدّ الجهيّد

ـ يتبع ـ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نُشر النص أول مرة في 26 ديسمبر 2024

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

محمد الأطرش يعود: نحن… ولعنة “الخوف الديمقراطي”!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

التقيت صديقا من مشاكسي أيام زمان فاقترح علي مجالسته لبعض الوقت في أحد مقاهي المدينة فقبلت بالأمر… جلس وأشعل سيجارته وقال “حين تسأل اليوم من يعترضك من المارة أو أحد الأصدقاء كيف حالك؟؟ غالبا ما تكون الإجابة (الأمور ليست كما هي… جميعنا نعيش تحت غطاء الخوف)… تسأله مم الخوف؟ يجيبك (لا نعلم…)

هكذا جميعنا اليوم أو أغلبنا، هل ورثنا ثقافة الخوف عن أبائنا أم هي ثقافة كسبناها مما عشناه ونعيشه، ما رأيك يا صديقي في هذا الأمر؟؟” قلت: “في العهود التي مرّت بها البلاد وعشناها كنّا نخاف كل شيء، فحين كنّا صغارا كان خوفنا كبيرا من أمّنا ومن إخوتنا الكبار، وكنّا نعيش الرعب مع والدنا خوفا من عقاب شديد لا نعلم لماذا ومن فرضه علينا وبأي قانون وقع فرضه…ثم حين كبرنا وكان ذلك في عهد بورقيبة رحمه الله أصبح الخوف أوسع واشمل…وأخذ طابعا آخر فعشنا الخوف من مكاتب الشُعب ومن يعمل فيها ومن رئيسها فكان أغلبنا يمرّ أمام مكتب الشعبة مطأطئ الرأس صامتا يلقي التحيّة دون أن يلتفت إلى على من ألقى التحية… وقد يصل الخوف ببعضنا بأن يرفع عقيرته بالصراخ (نموت نموت ويحيا الوطن…) وقد يرفع عقيرته بالنشيد الوطني وكأنه في تحية العلم الصباحية،

كبرنا وبدأنا نفاخر ببعض الشعيرات التي غزت ذقوننا ولم يغادرنا الخوف بل أقسم أن لا يفارقنا ويتركنا في حالنا، فاصبحنا نخاف عون الأمن وأقاربه واصهاره ومن يجالسه…ثم عرفنا دور العمدة ومدى قربه من السلطة والحكم فأصبحنا نخافه ونخاف من يعمل معه ومن يجالسه ومن يرافقه ونخاف أهله وأصهاره وحتى أصدقاء صغاره…ولم تسلم المدرسة ومن يعمل فيها من خوفنا… فكنّا نخاف حين نمرّ أمام بوّاب المدرسة من وشاية تسبقنا إلى مدير المدرسة… معلمنا أيضا لم يسلم من خوفنا…فكنّا أيضا نخاف من وشاة القسم، فبعض من هم أقرب منّا إلى المعلم ويلاطفهم بتوصية من زميل له يعمل بالمدرسة التي لا تبعد عن مدرستنا كثيرا، كانوا يقرؤون في حصة القرآن “قل أعوذ برب الناس” ثم يذهبون ليوسوسوا في أذن المعلم عمّا يفعله بعضنا خارج القسم والمدرسة، فتنزل ببعضنا أشدّ العقوبات فيغلق في وجهنا مضيق هرمز… عفوا باب القسم فنمنع من الدخول…

هكذا كان لكل من مرّوا بحياتنا وشاة ينشرون الرعب والخوف… فمدير المدرسة وحارس المدرسة وبوابها… والأستاذ… وابن الأستاذ وابن أخت الأستاذ… والعمدة وجار العمدة وقوّاد العمدة… ومخبر قوّاد العمدة… والمعتمد وابن المعتمد… وصديقة ابن العمدة وابن المعتمد وابن شقيق الوالي وحارس الولاية وقوّاد الوالي ومن يجالسهم ومن يتعاملون معه في السرّ والعلن… جميعهم أذاقونا وجع الشكّ في القوادة فكنّا نخافهم بسبب ودون سبب ولا نعرف حتى لِمَ وجب علينا أن نخافهم ونخاف وشاتهم …ث

م كبرنا…وحين أصبحنا في عمر يسمح لنا بالوقوع في حبّ ابنة جارتنا فتحية أو زميلتنا في القسم كنّا نخاف أبناء الحي والأحياء المجاورة… فالوقوع في الحبّ ليس في متناول الجميع في أيامنا تلك… وابن الفقير لا يسمح له بالتقرّب من ابنة العمدة أو رئيس الشعبة أو ابنة مدير المدرسة وقد يعيش الرعب لو عاكس ابنة المعتمد أو ابنة رئيس مركز الشرطة، ففي أيامنا تلك حتى الوقوع في الحبّ بالأكتاف…فـــ”مها” لا يمكن لــ”خليفة” ان يقترب منها ويعاكسها… و”الشعلاء” أيضا فليس لها الحق في أن تعشق أو تعجب بــ”نوفل” و”كمال”… فـــ”نوفل” هو ابن المعتمد و”كمال” هو صاحبه ابن العمدة… لـ”خليفة” لالحقّ كاملا في معاكسة “برنية” و”أم الخير” لكن لا حقّ له في الاقتراب من “ابتسام”…فالاقتراب حينها يصبح سامّا وقد يعرّضه لعقوبات وتتبعات ومضايقات وملاحقات و”شفطات” وويل وثبور وعظائم أمور…

وهكذا كان أيضا عهد بن علي رحمه الله… فتواصلت معنا لعنة أو لنقل ثقافة الخوف … الخوف مما سبق الى ما لحق… فكنّا نخاف بن علي رحمه الله ومدير ديوانه وأعضاء ديوانه وأقاربهم وعائلاتهم وأصهارهم ومعارفهم ومن يجالسهم من له أرقام هواتفهم… كما عرفنا الخوف من كل الوزارات ومن يعمل فيها ومن يديرها ومن يدخلها ومن يجالس من فيها وعائلاتهم وأصهارهم وأبناء عمومتهم… ودبّ الخوف أيضا في قلوبنا من أعضاء مجلس النواب واللجنة المركزية والديوان السياسي وكل من له علاقة أو صلة بهم وبأحد أقاربهم وأتباعهم ومن يجالسهم ومن يصاهرهم ومن يعرف أرقام هواتفهم … دون أن ننسى خوفنا الدائم من الوالي والمعتمد الأول والمعتمد والعمدة وصديق العمدة وعمّ العمدة وخال زوجة العمدة وابن أخت العمدة وسائق الوالي والمعتمد والخ الخ الخ….

ثم وقع إضافة بند آخر في قائمة الرعب، فتوسعت القائمة لتشمل ليلى وأخواتها ومن يجالسها ومن يصاهرها ومن يعرف رقمها ورقم إخوتها… ثم سافر بن علي رحمه الله لأداء مناسك الحج والعمرة والموت في البقاع المقدسة… واستوطن التتار والمغول والفيكينغ أرضنا وجاء جنكيز خان على حصانه المخطط رافعا سيف العدالة والديمقراطية والحرية فلا خوف بعد اليوم لا من ليلى ولا من فتحية ولا حتى من “مولاة الخلة الخمرية”…فأصبح الخوف الديمقراطي أكبر واستوطنت الأحزاب التي خرجت علينا كالفقاقيع كل مقرّات المغفور له التجمّع الدستوري الديمقراطي… فأصبح الخوف ديمقراطيا شموليا… فالولد يخاف من أمه ومن والده ومن إخوته ومن جاره وأصهاره وأبناء عمومته ومن كلبه ومن قطته…

فخرج علينا اليسار يهددنا بالويل والثبور والكثير من الجاوي والبخور… وخرج علينا شيوخ الدين يولولون ويكفّرون ويهددون بجهنم وبئس المصير والمسير… ثم جاء بعض من هم في الاتحاد فأصبحنا جميعا في نظرهم من الأوغاد فخرّبوا الكثير من البناء وأرهقوا البلاد والعباد…فحلّ الرعب والخوف والاستبداد… وحكم بعض رجال الاتحاد البلاد … فأصبحنا جميعا نخاف الأمين العام والكاتب العام ورفيق الأمين العام وصديق الأمين العام وجار الأمين العام وابن عم الأمين العام ومن يجالس الأمين العام ومن يصاهر الكاتب العام وقوّاد الأمين العام… فقط السؤال اليوم هل لخوفنا هذا ما يبرره؟؟؟”

ثم نظرت إلى ساعتي فضحكت وسكتُّ…فقال صديقي لِم ضحكت ولم سكتَّ أكمل؟ قلتُ: الساعة الآن منتصف الليل يعني الساعة صفر وبلغتك أنت صديقي الساعة الصفر هي ذاتها الساعة الرابعة والعشرون وأنا وعدت زوجتي ألا أكون خارج المنزل بعد الساعة صفر… ضحك وقال: “الخوف يدير الجوف يا صاحبي …”

Motif étoiles

أكمل القراءة

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار