تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 48

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:


لم تطل اقامتي بـ”روني سو بوا” بالضاحية الشرقية لباريس… احسست بالعزلة هناك اذ ان المعهد الواقع بـ “بري سير مارن” كان قريبا من مقر سكناي… وهو ما جعلني اعيش في دائرة جغرافية ضيّقة لا تمنحني فرصة الوجود في باريس الا في نهاية الاسبوع…

عبد الكريم قطاطة

…وكيف لي ان اغيب عن دنيا باريس؟؟؟

بكل الوانها بكل مطاعمها في الحي اللاتيني… بكل قاعات السينما التي تقول فيما تقول انت عاجز عن رؤية الكمّ الهائل من الافلام الجيدة التي تنزل الى السوق يوميا … وانا المغرم بهذا الفن السابع والذي هو في الحقيقة نوع من الدروس التطبيقية لدراستي… كيف لي ان لا امر على فطايري “بيلفيل” لالتهم فطيرة ومعها كعبة زلابية ؟؟؟… كيف لي ان لا ازور سان دينيس ؟؟؟..بكل فاتناتها ولكن بحذر لان الاقتراب منهن قد يثير شكوك “امرائهن”… اي اصحاب الامر دون النهي عن المنكر في تصرفهن في اجسادهن المعروضة للبيع في هدوم بلاش هدوم ….كيف لي ان لا امشي الى حديقة لوكسمبورغ الشاسعة والجميلة باشجارها العالية وقازونها الطبيعي (ما تشبّهلها كان التوتة متاعنا في صفاقس كرمك الله)…

لهذه الاسباب ولغيرها من المغريات قررت ان ابحث عن مقرّ سكنى آخر لاتمكّن يوميا من عشق باريس ..ولأغنّي لها يوميا (حبك خارطتي ..ما عادت خارطة العالم تعنيني) ….ولأن اقداري تلاحقني دوما بحلوها ومرّها فقد وجدتني يوما وقرب جامعة السوربون التقي باصدقاء من ساقيتي …يااااااااااااه … اولاد المعزون… وبعد العناق وكثيرا من نوستالجيا الحكايات عن عبثنا في حومتنا، جاء السؤال عن مقارّ سكنانا وكيف يمكن لنا ان نجدّد اللقاءت معا ..تبادلنا العناوين وأصفت من جانبي انّ عنواني مؤقت لاني ابحث عن مسكن جديد حتى اخرج من عزلة روني سو بوا ..وقتها قفز الى ذهن جمال (اكبرهم) وهو طالب فلسفة بجامعة السوربون اقتراح بلّلني فرحا وسعادة ..قال لي جمال: ” تحبّشي تسكن معانا” ..؟؟ كانوا اخوين وابن عم لهما .. طالبان اثنان وعامل ..كلّهم يقطنون بمبيت جامعي بـ”كروا دي بارني” في الضاحية الجنوبية لباريس ..قلت له: “جمال انتم ثلاثة في غرفة جامعية واحدة … موش برشة عليكم ؟… ربت على كتفي وقال: “عاد اشبيه نتحشاو في بعضنا” …

كنت انتظر ردا من هذا القبيل بفارغ الشوق وما كانت ملاحظتي حول ضيق المكان الا نوعا من الكياسة في عدم ازعاج الغير ..وقفزت عيناي تعبّر عن فرحها بردّه وواصلت سياسة الكياسة معه بالقول: يا جميّل بالكشي نضيّقكم؟ .. وجاء الجواب الذي اراحني لانه كان صادقا: “يا كريّم اشبيك ركيك .. تسكن معانا واكاهو ويزّي من التزعبين متاعك” …وكان ذلك ..انتقلت الى كروا دي برني معهم في غرفة صغيرة حجما ولكن كم هي كبيرة بصفائنا … كانت لي قناعة ومازالت ان المكان لا قيمة له مع من نحب ..فخيمة في صحراء نيفادا افضل عندي من قصور كسرى انو شروان …وتعسيلة تحت ظلال شجرة زيتون او لوز، اكثر رفاهة من سرير فاخر… الم يقل ابو ماضي (احبب فيغدو الكوخ قصرا نيّرا، وابغض فيُمسي الكون سجنا مظلما) …

كانت فترة رائقة مع اصدقائي المعازنة ..سهراتنا لا تنتهي قبل الواحدة صباحا في اجواء رائعة للغاية وكانت المهمات موزّعة حسب اختصاص كل واحد فينا ..جمال كانت مهمته الطبخ وهو يجيدها … عبداللطيف يتكفل بشراء ملازم المنزل ذي الغرفة الواحدة …انا اتكفّل بغسل الصحون وما تبعها بعد كل وجبة … وهي من الاشغال التي يتافف منها العديد …وحتى النساء ايضا … وانا اندهش من الامر لاني اجد متعة في غسل كل الاواني الوسخة (ونخرّجها تلمع لمعان… وفي نفس الوقت ما تستغلّوهاش فرصة باش تهبطو فيالق عليّ وتقولولي مارس متعتك …خليونا احباب يبارك فيكم) … رضوان صغيرنا مهمّته الاستهلاك … هو درّوشنا … بعد تناول العشاء نلتقي جميعا كل يوم تبدأ رحلة التهريج والضحك الذي لا ينتهي وكنت مهرّجهم …. انا لا اطيق السكون او السكوت لذلك اعود كل ليلة الى لوحة من ذكرياتنا بالساقية والوّنها ببعض العبارات الوقحة حتى يكون ذلك فلفل اكحل السهرية …

ربّما ذلك الاسلوب الذي كنت امارسه منذ طفولتي في خلق اجواء والوان هو ما اهّلني يوما وانا اجلس امام المصدح لاستقي منه زادي حتى اخرج بالتنشيط من عالمه المُعلّب الى دنيا اخرى … والاروع فيه ومنذ طفولتي ايضا اننا كنّا بارعين في “تراكية” احدنا ويا ويلو اللي يطيح بين ايدينا … لكن الجميل انه لا يغضب الواحد منّا اذا وقعت عليه الواقعة ..كنّا نمزح بحق … نشيّط احيانا… ولكن ما بداخلنا من صفاء وحب يشفع لنا كي نمزح دون خوف او وجل ودون عقد …

انتقال السكنى الى الضاحية الجنوبية بباريس …جعلني اعيش نسقا جنونيا كامل ايام الاسبوع الدراسية … التنقّل من مقر سكناي الى المعهد يتطلب منّي ان استفيق يوميا على الساعة السادسة صباحا حتى اكون في موعد انطلاق الدروس على الساعة الثامنة…واذا اتفقنا على ان موكب النوم لا يحلّ عندي الاّ مع الساعة الواحدة صباحا على اقلّ تقدير، فذاك يعني ان معدل ساعات نومي يوميا لا تتجاوز في افضل حالاتي الخمس ساعات …نعم …وكأن مقولة خالتي فطومة رحمها الله ذات طفولة (اللطف يا ربي كيف الجنون لا تنامو ولا تخلليو شكون ينام)، كأنها “طلعت دخان للسماء” وعلى حد قول الخيام مترجمة من أحمد رامي (فما اطال النوم عمرا ولا قصّر في الاعمار طول السهر )…

اجواء الدراسة كانت ممتعة جدا بالمعهد ..اكتشفت فصيلة جديدة من المدرّسين .. في حضرتهم تشعر بذاتك كانسان لا كطالب …الاستاذ ورغم ما يحمل جرابه من شهائد عليا ومن خبرات فرنسية مُعترف بها، يحاورنا الند للند، ينزل من البرج العاجي الذي يسكن فيه جلّ اساتذتنا بكثير من العقد ..يصاحبك الى مقهى المعهد او مطعمه ويحسن الاستماع اليك في كل شواغلك …يستمع الى نقدك ويتفهّم واقعك وبكل اريحية ..جل الاساتذة في بلدنا ينطلقون اما من عُقدهم او من واقعهم المؤلم كي يُسقطوا على تلامذتهم او طلاّبهم قهرهم في ماضيهم مع عائلاتهم مع اترابهم مع مدرّسيهم او (تمرميدة) في حاضرهم مع زوجة نمرة، مع طفل عاق اومع رئيس متسلّط … ويذهب المتلقّي اي الطالب ضحية ..ليتحوّل فيما بعد الى استاذ اخر يحمل نفس العقد ونفس الاساليب ..

كنت يوما حاضرا في مجلس مراقبة نتائج امتحان آخر السنة في معهد الملتيميديا ..وفاجأني احد الزملاء من المدرّسين بقوله: “يا سي عبدالكريم لو تسمح عندي ملاحظة” ..نظرت اليه وهو المعروف بتشدّده مع الطلبة في اسناد الاعداد وقلت له تفضّل ..قال: “لاحظت انك كريم في اسنادك للاعداد لطلبتك … موش لو كان تشدّ يدك شويّة خير” …ملاحظته كانت الشرارة التي فتحت بها ابواب الجحيم عليه ..قلت له: “يا سي فلان ..لو قمت بدراسة بسيطة لمعرفة من هم طلاّب معهدنا لفهمت اكثر الموضوع ..طلبتنا يا سي فلان يمثّلون في جلّهم الفئة المتوسطة جدا في معدلات نجاحهم في الباكالوريا، اذ ان الّلامعين فيهم يًوجّهون الى دراسة الطب او المدرسة التحضيرية للمهندسين .. والفئة الثانية تًوجّه للكليات المختصة … وانت يا سي فلان توصلك كان الرشّة الثالثة… اي ان كفاءتهم في المواد العلمية التي تُدرّس بالمعهد متوسطة… وهذا ما يُفسّر اعدادهم المتواضعة ايضا ..بالنسبة لاختصاصي هو من النوع الذي يًصبغ بمسحة فنّية لذلك يجد الطلبة فيه متنفسا وبالتالي يتفاعلون معه ايجابيا ..هذا اولا ..ثم انت وكلّنا جميعا مدركون ان الطالب عموما هو ضحية نظام تربوي فاسد منذ الدراسة الابتدائية… فكيف اسمح لنفسي بذبح من هو ضحية ..؟؟” واتممت وبسخرية: “يا سي فلان الاعداد التي اسندها لطلبتي لا اُخرجها من نقود جيبي ومن يستحق 20 اسند له العشرين دون تردد لانّ ذلك حقّه الشرعي، ثم لاني لست معقّدا حين اسمع البعض من زملائي يتباهون بشحّهم ويتشدّقون بـ (اشكونو هو الطالب باش نعطيه عشرين ؟؟)”..

في المعهد السمعي البصري بباريس تعيش حياتك الطالبية بكل المعاني الجميلة ..اذ علاوة على العلاقات الممتازة جدا مع اساتذتي هنالك اكتشاف لطلبة اخرين افارقة ..في هذا الباب اكتشفت عديد الاشياء واصلحت عديد التابوهات …قبل عيشي بباريس كان في اعتقادنا ان الافريقي الاسمر هو مرادف للشخص القذر سواء في هندامه او وخاصة فيما يقال عن عرقه النتن … يا لنا من اغبياء ومرضى… صدّقوني ان العديد منهم رجالا ونساء هم اعطر منّا … ولكن وللامانة ايضا وباستثناء السينيغاليين والماليين، جلّهم لهم مسحة من الغباء … فانا كنت امازح الايفواريين مثلا وذلك باللعب على الكلمات لاقول لهم بالفرنسية ما معناه (الايفواريون لا يرون شيئا) ..ربما ميزتهم التي لا يكسبها العديد منّا انهم يضحكون للحياة ..قلّ وندر ان ترى فيهم الوجوه المكشبرة .. وبارعون جدا في الرقص ..اووووووووووووف ما اروعهم ..ولكنّ الامر المقرف حقا جلبهم للحوم القردة المجفّفة وطهيها في المبيتات (القدّيد متاعهم) يومها قد نبتعد كيلومترات (راني نعرف انو مبالغة) كي لا نستنشق ايف سان لوران القرودة …

اعود للدراسة بعد ثلاثة اشهر من بدايتها كان من ضمن ما ندرسه المونتاج… باعتبار ان السنة الاولى تخضع لجذع مشترك فيه جميع محاور العلوم السمعية البصرية من التصوير الفوتوغرافي وصولا الى المونتاج ولجميع الطلبة ثمّ ياتي بعدها الاختصاص ..كانت استاذة المونتاج مركّبة رئيسية ذات خبرة واسعة في هذا الميدان ..وبقدر ما كانت لطيفة معنا بقدر ما كانت تركّز وبكل انتباه وعمق على ما ابديه من ملاحظات … انتقلنا بعد ثلاثة اشهر الى الدروس التطبيقية في مادة المونتاج وانا ذو خبرة الخمس سنوات في هذا الاختصاص …وواصلت استاذتي الاهتمام بي اثناء الدرس التطبيقي الاول وبكل صمت وعمق ..انهيت موناتجي وجاءت لتطّلع على عملي النهائي ….لم تنبس ببنت شفة لا سلبا ولا ايجابا …انتهت الحصة الاولى التطبيقية معها .. هممت بالخروج فاذا بها تدعوني لجلسة منفردة معها في القسم (جلسة استاذة مع طالبها والله)… خرج الطلبة وبادرتني وبسرعة بالسؤال: “هل اشتغلت سابقا في المونتاج؟” ..اجبتها نعم ولخمس سنوات …انفتحت عيناها كفوهتي بركان وقالت: اذن ماذا تفعل هنا ..؟؟؟ قلت لها ادرس لتطوير معرفتي ولنيل ديبلوم في اختصاصي حتى اصبح مثلك مركّبا رئيسيا ..

لم تصدّق ما قلته لها …وطلبت منّي ان اتحوّل معها الان وفورا لمكتب مدير المعهد … سالتها: هنالك اشكال ؟؟ … لم تجب بل اكتفت بالقول ستعرف حالاّ ..دخلنا مكتب السيد فرومنتان مدير المعهد وطفقت تسرد الواقعة ..قالت: “موسيو فرومنتان هذا الطالب التونسي “كريم” منذ ثلاثة اشهر كان يساورني شك فيه .. اليوم وبعد محادثتي معه اكتشفت براعته اولا في المونتاج ولكن الاهم انه عمل خمس سنوات في بلده وحامل لديبلوم مونتيار منذ 1971.. هل هذا معقول ان يكون طالبا بالمعهد في خانة ديبلوم درجة ثانية وهو المتحصل عليه منذ خمس سنوات؟ هنالك اشكال ما ..انا لا يمكن ان اضيف له شيئا في دراسته ضمن المستوى الثاني، لأن المفروض ان يتابع دراسته ضمن طلبة المستوى الثالث” ..

هاتف المدير مدير الدراسة (موسيو جاك ديران) وطلب منه رايه في الامر فكان على نفس نغمة المركّبة الرئيسة ….خاطبني السيد فرومنتان بكثير من الحرج وقال لي: مؤسستك هي المسؤولة عما حدث لانه كان من المفروض ان لا تشارك في مناظرة درجة ثانية وانت المتحصل عليها منذ خمس سنوات … تجمّدت في مكاني ولم ادرِ ما اقول …واحساسا منه بضياعي لم يتركني لهواجسي وقال: شوف يا ولدي ساخّيرك بين امرين، امّا مواصلة دراستك في المستوى الثاني واعتبار وجودك بفرنسا رحلة سياحية او…” صمت قليلا ثم قال: “المعهد سيفتح قريبا مناظرة الدرجة الثالثة وسنمكّنك من المشاركة فيها، لكن شريطة ان تقطع علاقاتك نهائيا بالمعهد وتعود الى بلدك في انتظار صدور النتائج … اذا نجحت مرحبا بك بيننا… اذا فشلت بامكانك العودة للمناظرة بعد سنتين …فكّر طويلا في الامر ثم خذ قرارك” …

عدت الى زملائي التونسين واعلمتهم بالامر حاولوا معرفة موقفي فالححت عليهم بمعرفة موقفهم اولا …كان لديهم اجماع على ان لا ادع فرصة العمر تمرّ واهدر ما اتقاضاه مادّيا ..منحتنا انذاك بفرنسا قيمتها 130 دينارا تونسيا …ثم مرتّبي بالمؤسسة لم ينقطع ..وبالتالي بالنسبة لهم مهبول عبدالكريم لوكان يسيّب في فرصة عمرو ويترك تلك الاموال تذهب سدى ..اضافة الى ما اقوم به احيانا من مونتاج ببعض الشركات الخاصة في باريس والتي اتقاضى عليه 60 دينارا يوميا …

وتداول عليّ الجميع وهم يعيدون نفس العبارة ..اشبيك مهبول ؟؟… وعلى ذكر كلمة مهبول ارجوكم اعادة النظر فيها ..توة اشكون عايش فيها ..؟؟ موش المهبول ..؟؟ ثم احيانا موش الهبال جنون جميل .. ؟؟؟ التقيكم في هبلة اخرى من هبلات ورقاتي …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 53

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

لم يطُل مُقامي في تونس … ثلاثة اشهر ووجدتني اُجهّز حقائبي للعودة الى باريس … للمعهد الوطني للعلوم السمعية البصرية وهذه المرّة للحصول على ديبلوم درجة ثالثة في العلوم السمعيّة البصريّة، اختصاص مونتاج، وهو المعادل بفرنسا لستّ سنوات تعليم عال…

عبد الكريم قطاطة

سفرة هذه المرّة لم تكن كسابقاتها … فباريس لم تعد هاجسا بالنسبة لي لأني اصبحت اعرفها (شكلة شكلة) باحيائها الراقية فرساي والشانزيليزيه ..وباحيائها المُريبة … بيغال وسان دينيس … الا انّ ما اختلف كان وجود خطيبتي معي يوم التوديع في المطار… انّها منية ابنة خالي وزوجتي حاليا والتي لها أفضال عديدة عليّ في حياتنا المشتركة وحتما ساعود اليها في قادم الورقات …اذ بعد ان خرجت من دائرة حب مراهق تيقّنت فيما بعد انّ الله حباني واحبّني عندما لم يُكتب له الدوام فخطبت ابنة خالي .. تمّت الخطوبة في 30 جويلية 75 .. وعمرها 15 سنة ….لم تكن انذاك تعي كثيرا ماهية الحب وعمقه بل كانت فقط تتباهى بخطوبتها بعبدالكريم الذي يظهر اسمه احيانا على شاشة التلفزة كمركّب للافلام او كريبورتار في بعض البرامج (الحياة الثقافية لخليفة شاطر او ساعة مع …لخالد التلاتلي او همزة وصل لعبدالقادر الجربي)…

تتساءلون حتما …. عمرها 15 سنة ..؟؟؟… نعم 15 سنة .. الدافع انذاك كان الخوف عليها من ان يختطفها آخر منّي لذلك عجّلت بالخطوبة… هكذا هو تفكير جُلّ ابناء جيلي (قرطس عليها خير مللّي يقفزولك بيها)… الاّ انه وبمرور الايّام كبرت البنيّة وتحرّكت بداخلها المشاعر متدفقة منهمرة واصبحت “مدغرقة” في عبدالكريم …لذلك كانت يوم السفر من مشيّعيّ إلى المطار… هي ليست من المثرثرات… بالكاد يُسمع صوتها … الاّ ان ثقتها فيّ لا حدود لها ..ربّما صدقي في احاسيسي .. واقعيّتي معها …وشفافيّتي تجاهها في كلّ شيء حتى في علاقاتي بالعالم النسائي انذاك، غرست فيها تلك الثقة العميقة … ان تكون واضحا شفّافا مع ذاتك اوّلا ومع الآخر ثانيا فذلك يعني انّك متناغم مع نفسك … ليس مهما جدا ان اختلفت مع الآخر … ليس مهما جدا ان غضب منك الاخر لانّه حتما سيتفهّمك يوما وان طال الزمن او على الاقلّ سيحترم قناعاتك ..الاهمّ ان لا تخسر ذاتك …

بالمعهد بباريس وجدتُني مع مجموعة جديدة من الافارقة… كنت العربيّ الوحيد فيها … ووجدتُني مع مجموعة جديدة ايضا من الاساتذة وعلى رأسهم واحد من اكبر رجال التليفزيون الفرنسي انذاك (كلود اوتزن برجيه) قامة علميّة رهيبة وكاريزما تشبه الى حد كبير الجنرال ديغول كمّا وكيفا …الاّ ان تواضع الاساتذة الفرنسيين رفع كل حاجز بيننا وبينهم… كان الواحد منهم يدعونا لقهوة معه، لعشاء معه، لدردشة معه، دون حواجز … وعلى ذكر القهوة في فرنسا تعلّمت ان شرب القهوة لا يعني قضاء ساعات بالمقهى بل يعني قضاء دقيقة لا اكثر اذ لا معنى عندهم للترشّف .. احتساؤها يعني تقسيمها على “جغمتين” او ثلاث… لذلك بُهتُّ في البداية من هذا السلوك ثمّ اُُجبرتُ على مجاراتهم في اخذ الكابيسان على طريقتهم… جغمتان او ثلاث ونعود الى مقاعد دراستنا سالمين … وهكذا انا لحد اليوم اتّبع نفس الاسلوب .. فهمت ان القهوة لا تعني (ترحريحة) على المقاعد و”خوذ فيّ ناخذ فيك” وحديث في السياسة والكورة والاقتصاد وعلوم الجيولوجيا والبيولوجيا والسوسيولوجيا والانتروبولوجيا والدينولوجيا ..حيث يتحوّل كل واحد من المتدخلين ليصبح السيد غوغل عرّيف زمانه… وتنفضّ الجلسة ولا يخرج الواحد منّا الاّ بالكلامولوجيا … والعنترولوجيا .. ولا حول ولا قوة الا بكلّ مشتقات الّلوجيا …. بما في ذلك التُخُلُوفولوجيا …

في الثلاثة اشهر الاولى بعد عودتي الى الدراسة لاحظت اهتماما متزايدا بي من مدير الدورة السيد اوتزن بيرجيه ..كان كثيرا ما يدعوني لشرب قهوة معه بعد الغداء ويستدرجني للحديث في امور عديدة … احسست باستدراجه نظرا إلى انه كان كل مرّةيطرح موضوعا مختلفا عن سابقه ثم (شلّقت) انه يريد الاستماع اكثر من الحديث ..وكان يحسن جدّا الاستماع ..كانت نظراته لي ثاقبة جدا وكأنه يريد الولوج الى مُخيّخي ليكشف اغواره ..ومعه تحدثنا عن تونس… بكل مفاصلها عن صفاقس مدينتي الحبيبة ..عن فرنسا ..عن تاريخها .. وعن حاضرها … عن افريقيا والافارقة …عن امريكا المتسلطة الصلفة ..عن الصين هذا التنّين المجهول ..عن العرب وعن الاسلام ..عن الكرة ..عن الحرية ..عن العلم ..عن العمل.. عن الفن شعرا وموسيقى ومسرحا وسينما ….عن آفاقي … وعن آفاقي كان يضاعف التركيز ..

وكان يصطحبنا احيانا استاذ اخر شاب عمريّا من مواليد الجزائر ايام الاستعمار الفرنسي يدرّسنا تقنيات الكتابة السينمائية… غاية في البشاشة والروح المرحة… وثالث وهو عجوز رائع يدرّسنا تقنيات الاتصال في السمعي البصري .. كنت احس بافتخار وانا المحظوظ بالجلوس الى هذه القامات الكبيرة علميا وهم يخُصونني بهذا الاهتمام ….وحتى زملائي في الدراسة كانوا يغبطونني على هذه الجلسات الانفرادية ..الا ان علاقتي الجميلة بهم لم تصل يوما الى حد الحسد او التنبير كما هو سائد في جل علاقاتنا هنا …

انتهيت بعد ستة اشهر من الفترة المقررة للتكوين العام في كل تفاصيل العلوم السمعية البصرية وبمعدل سبع ساعات يوميا، خمسة ايام في الاسبوع، وجاء وقت المرور الى التخصص ..اي دراسة المادة المختص فيها كل طالب منّا… بالنسبة إليّ المونتاج… في آخر يوم من تلك الفترة دعاني مدير المعهد الى مكتبه (السيد فرومنتان) وها أنا ادقّ على بابه … فتحت الباب فوجدت معه السيد اوتزن بيرجيه ..دعاني للجلوس والبشر يعلو وجهه.. لم يعترني اي شعور بالخوف او القلق فانا كنت ومازلت لا اخاف من اي شيء ..حتى الله احبه ولا يراودني ابدا الشعور بالخوف منه ..كيف نخاف ممن نحب ..؟؟؟ انا لا افهم معنى ذلك ..فخالقي احبّه اوّلا وأثق في عدله دون ادنى شكّ… اذن هو لن يظلمني يوم الحساب وسأنال ما استحقه فممّ الخوف اذن ..؟؟

ان أكون خائفا معنى ذلك انّي لم اتحمّل مسؤوليّتي في ما افعل ..معنى ذلك انّني جبان ..وما احقر الانسان وهو جبان ..حتما اخطئ كسائر البشر ولكن اتحمّل مسؤوليتي في اخطائي واعتذر دون تردد ..هذا مع سائر عباد الله فكيف لي ان اخاف من رب عادل احبّه واومن به ؟؟؟ كيف ان اخاف ذلك الخوف المرضي من ربّ كريم اختار ان يبدأ كل سور القرآن باستثناء التوبة بـ”بسم الله الرحمان الرحيم”؟… الم يكن ممكنا ان يختار باسم الله المنتقم الجبار … هل يمكن ان يتصوّر الواحد منّا اختيار لفظتي (الرحمن الرحيم) اعتباطيا .. او مجانيا ..؟؟ انا مؤمن بأن الله هو الرحمان الرحيم ..هلاّ عدتم الى سورة النساء والله يُعيد على عباده ثلاث مرّات (ان الله لا يغفر ان يُشرك به ويغفر دون ذلك لمن يشاء ) .. هذه ليست خاصة بايّة فصيلة من البشر، هي للبشرية قاطبة دون استثناء ..نهضاوي جبهاوي ندائي تجمّعي دستوري مستقلّ (مثلي) يساري يميني مسلم يهودي مسيحي..

الاساس ان يكون مُوحّدا… الله يغفر دون ذلك لمن يشاء لا اسثناء في (لمن يشاء)… قد يقول البعض: هل نسيت انّ الله شديد العقاب ..؟؟ لم انس يا من تنظرون الى وجهه الكريم من كوّة السواد والتجهّم والتكشير ..ولكن اقرؤوا القرآن بتمعّن وستكتشفون ان رحمته سبقت غضبه وان كل عبارات العقاب والشدة تأتي في القرآن بمعدل 10 بالمائة مقارنة بعبارات الرحمة والمغفرة (قُل يا عبادي الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم ـ الزمر آية 53)… وصدقا لست من الذين يعودون الى تأويل وتفسير بعض الآيات فهي واضحة وضوح الشمس ولا احتاج الى المفسرين الذين هم في حد ذاتهم مختلفون… جوجمة زايدة لا اكثر ولا اقلّ …

جلست بكل وثوق واحترام لمدير المعهد ومدير الدورة ..طلب لي قهوة وبادرني بالسؤال ..اه كيف وجدت الدراسة بالدرجة الثالثة ؟؟ اجبته: بخير من جانبي والتقييم هو من مشمولات اساتذتي ومدير الدورة طبعا ..اعجبه منطقي وقال: هذا من لطفك ..المهم بالنسبة لنا في المعهد ان يحسّ الطالب بنجاعة واهميّة ما يدرس حتى يعود لبلده محققا الاضافة …رددت بتهيّب: انا سعيد بكل ما تعلمّت وبكل من عرفت ..نظر بابتسامة خفيفة الى مدير الدورة وقال: وهم سعداء بكريم ايضا ولذلك وبعد تشاوري في امرك مع السيد كلود بيرجيه، رأينا انه عليك ان تحوّل اهتمامك من اختصاص المونتاج الى اختصاص الاخراج لأنك جدير به …اندهشت جدا من المقترح ولم تطُل دهشتي حينما اسعفني السيد كلود بالقول: كريم انا من موقعي وبعد التشاور مع جميع مدرّسيك اجمعنا على انّك ستضيع وقتك في دراسة المونتاج… انت ممتاز جدا في ذلك الاختصاص ولن تكون لك اضافة كبرى فيما تبقى من فترة دراستك… لذلك ارتأينا ان تحوّل اهتمامك الى عالم الاخراج ..انا تحدثت معك طويلا وكثيرا في مواضيع شتّى ومخزونك الفكري والثقافي يؤهلك لتنتقل الى الاخراج ما رأيك ..؟؟

شكرت له ومن خلاله جميع اساتذتي هذه الثقة الموضوعة فيّ وفي امكانياتي وقلت: الامر ليس متعلّقا بي وحدي يجب ان احظى بموافقة ادراتي في تونس ..تدخّل مدير المعهد وقال: “نحن من سيتكفّل بذلك وعبر قنواتنا الرسمية… ننتظر فقط موافقتك حتى نرسل للتو الفاكس لادارتك”… كنت سعيدا جدا بالمقترح بل كانت الارض لا تسعني ..تذكّرت في تلك اللحظة ما دوّنته يوما على صورة من صوري (انا اطمح الى هيمالايا لانّ الشعانبي لا يقنعني( … وتذكّرت طبعا عائلتي خطيبتي اصدقائي في العمل وفي الساقية وحتما عيّادة ..ساعود اليهم بديبلوم عال اختصاص اخراج …

ياااااااااااااه… ما اضيق الاماكن التي لا يمكنها ابدا ان تحتوينا في لحظات سعادة قصوى غامرة ..ما اتعسنا بانفسنا ونحن لا نستطيع حتى تخيّل ماذا علينا ان نصنع او كيف نتصرّف او ماذا نقول عندما تتدفّق شلالات السعادة … خرجت وقتها من مكتب المدير بعد ان تركته يرسل الفاكس لادارتي (مؤسسة الاذاعة والتلفزة التونسية) مقترحا عليها الامر… ولم يدم ذلك غير ساعة واحدة حتى جاء الرد ومدير الدورة يزف لي الخبر…بالموافقة ! … اندهشت جدا لا فقط لسرعة الرد بل للموافقة … اذ كيف لادارة مؤسسة أن توافق بهذه السرعة على تحويل وجهة موظّف من قطاع الى قطاع دون اعمال رأي ..؟؟ دون دراسة وتمحيص واشراك الستاف الاداري بحاجيات المؤسسة (ناقصين مخرجين يخخي ؟؟)… اعتقدت يومها ومازلت لحد الان ان الموافقة جاءت بشكل متخلّف جدا ينمّ اساسا على مركّب نقص تجاه الاوروبي ..اذ انه بالنسبة للعديد ما يراه الاوروبي صوابا لا حاجة لنا في نقاشه او التروّي في امره ..استفدت قطعا من قرار الموافقة ولكن حتما لو كنت مكان صاحب القرار في المؤسسة لما كنت اتصرّف مثله ..حتما سابحث في الامر بكل ايجابياته وسلبياته وساتحرّى كثيرا في اخذ القرار … انذاك فقط اُجبر الاوروبي على احترامي لأني بذلك الاسلوب ابرهن له ولنفسي انّي انا ايضا صاحب قرار صاحب موقف ومسؤول بما في كلمة مسؤولية من ثقل …

وبدأت مرحلة دراسية جديدة في حياتي …كنا خمسة طلاب في اختصاص الاخراج: ايفواريان وكونغوليان وتونسي، العبد لله … وكعادتي واصلت اسلوبي في التعامل مع الدراسة لم استطع يوما ان اكون محراث قراية… الله وهبني نعمة التركيز والذاكرة التي هرمت الان …وفقط .. أما خارج المعهد فواصلت حياتي و”عملت بعمايلي” ولكن وفي نفس الوقت لم اكن منافقا في علاقاتي.. لم اكذب .. لم اغشّ .. احترمت قناعاتي وعشت بها …كنت مثلا من الرافضين قطعا لأن احوّل فتاة الى امراة .. ورغم كل الاغراءات والتوسلات …لم افعلها.. رغم انّه امر عادي في المجتمعات الاوروبية …كنت من الرافضين ايضا ان تُنجب منّي ايّة امرأة باستثناء زوجتي ورغم كل الاغراءات والتوسلات ..لم افعلها … هل فهمتم ما معنى ان يكون الانسان متناغما مع ذاته …سعادة قصوى ان تعيش هذا التناغم …واعيد القول قد يغضب منك البعض بل قد يكفر بك ..ليس هاما في نظري ..المهم ان اعيش وانا محلّق الى ما بعد حدود السماء راحة وامانا في كل ما افعل … ما اسعدني بي وانا هكذا مجنّح الى ابعد من حدود السماء …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 52

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

وكان لابدّ ان اعود الى تونس العاصمة … الى مؤسسة الاذاعة والتلفزة التونسية لأمارس عملي بعد عطلة دامت اسبوعا واحدا بصفاقس ..الى شلّة نهج كندا حيث السكن وحيث حياة المجون واللهو …

عبد الكريم قطاطة

في السنوات التي عشتها في تونس وخاصة في الثلاث الاولى منها تنقّلت في السكنى بعديد الاماكن ومع عديد الاصدقاء فمن قلاتيني الى استوديو ابن خلدون الى نهج المشنقة، صحبة صديق الدراسة الثانوية وصديق العائلة المُقرّب جدّا اليّ المربّي ثمّ متفقد تعليم ورئيس بلدية ساقية الدائر في زمن متقدّم عبدالوهاب الزواري …صحبة صديق ثالث في السكن هو من الساحل عبدالحميد خيوط ..وهذا ليس لقبه بل كنّا نطلق عليه كلمة خيوط لانه لا يعود يوميا الى المنزل الا (ساس يردّ وساس يجيب) بفعل عسل العنب… … الى نهج الراس الاخضر مع الشهير عبدالستار الذي شبع في رؤوسنا وهو يحتسب كل اسبوع تاريخ السنة ليضمّه الى قائمة المصاريف ..لكن وكما اسلفت (خلّصناها ثاني ومثلّث) بتهرئته ونحن نستعمل هاتفه المنزلي في غيابه حتّى نؤكّد له انه (اذا قلت للبير بوّ يقلّك بوّين)…

كذلك وفي السكن دائما وبعد انتقال اختي الصغرى للعمل في تونس كميكانوغراف بديوان الاحصاء قرّرت العائلة الانتقال للإقامة بالعاصمة هي ايضا للمّ شمل العائلة … اذ لا يّعقل ان تقطن الأخت الصغيرة بمفردها في العاصمة (اش يقولو علينا الناس ؟؟؟)… طفلة صبية تسكن وحدها في تونس ..؟؟ وخوها يسكن وحدو زادة ؟؟ اليس من الافضل ان تجتمع الاسرة تحت سقف واحد ..؟؟ الرأي يبدو صائبا مادّيا واجتماعيا اي تقاليديّا ..الاّ ان نقطة الضعف فيه انّ اخي الاصغر الحبيب رحمه الله سيبقى بصفاقس لمواصلة دراسته بالسنة الثالثة ثانويا … وتلك كانت نقطة تحوّل كبيرة في حياته … الحبيب رحمه الله كان متوسط الامكانيات دراسيا لسببين اوّلهما انبهاره المفرط بشخصيّة عبدالكريم …هذا الانبهار جعله لا اراديّا يريد ان يكون نسخة منه فوجّه كل اهتمامه إلى الجانب الادبي .. كان يؤلف قصصا وحكايات مُحاكيا اخاه ومهملا لجلّ المواد الدراسية الاخرى ..ثاني الاسباب انه انهمك في العمل الكشفي بشكل مجنون …هو نجح في حياته الكشفية وتسلّق رتبا هامة فيها ولكنّه فشل بشكل كلّي في الدراسة ..

سنة نقلة العائلة الى تونس والسكنى بنهج الهند اوّلا ونهج الاطلس ثانيا وطريق المرسى ثالثا كانت سنة هامّة جدا في حياة عائلتنا ….ولكن لم تكن خالية من الطرائف … من طرائف السكنى بنهج الاطلس مثلا انه كانت هناك امرأة وهي زوجة لصديق ابي، كانت عينها على عبدالكريم طمعا في تزويج ابنتها منه ..وكانت الامور ماسطة علّلخر ..يعني عيني عينك ما خصّها كان تقول ايّا وقتاش تجيو تخطبو؟؟…وكأني سيدي تاتة … كان اسمها نسيمة وكنّا نقول عنها فوجة ريح … يوما ما دخلتُ الى المنزل انا وصديق عمري رضا وجدتها (مقمّعة) سلّمنا عليها ثم دخلنا الى الكوجينة… وجدت اختي نبيهة تُعدّ لها وبخجل ما تملكه العائلة يومها من غلال (عقاب طرف دلّاع)… قالت اختي: “شيء يحشّم ما عندنا شيء”…اكملت اعداده وهمّت بادخاله للضيفة في تلك اللحظة خامرتني فكرة الانتقام من هذه المرأة ثقيلة الظل حتى لا تعود الى زيارتنا …امرتُ اختي بترك “عقيّب الصحن متاع الدلاّع” بدعوى انّي انا من ساقدّمه لها… اذعنت اختي دون نقاش وخرجت ..وانهمكت انا ورضا في الهجوم عليه بشراسة واتينا عليه في ظرف وجيز وغادرنا المنزل ..عدنا ليلا فاذا بعيادة تنتظر .. هكّة توة خليتوني في الحشومة مع المرا كيف ما جات كيف ما مشات …لا ما يصيرش هذا ..هي صحيح رقعتها صحيحة وباسلة اما احنا ما يشرقش علينا …

اما في منزل طريق المرسى فاتذكّر جيّدا ان صاحب المحل الذي تسوّغناه والقاطن بجانبنا اشترط علينا ان لا سكنى لاطراف اخرى معنا ..قبلنا طبعا بشروطه ولكن كيف العمل مع رضا الذي يُعتبر واحدا من العائلة .؟؟ ..بعد اسبوع من حلولنا بالمكان كانت الساعة تشير الى الثامنة والنصف ليلا وكنت ادردش مع صاحب المحل امام بهو المنزل ..اطلّ سي رضا كعادته بلحيته اللينينية ..سالني صاحب المحل من هذا الذي اراه يتردد على منزلكم؟ قلت له انه اخي طالب جامعي ويقضّي معظم وقته مع زملائه الطلبة في المذاكرة خارج المنزل ..نظرت الى عينيّ الملاّك فلمحت عدم التصديق ..ناديت رضا وقلت له: “موش قلتلك كيف تجي للدار تجي بكري؟” …وطرطاااااااف نشحطو بداودي لا نودّك ولا نشهّيك ..

نظر اليّ رضا باستغراب ولم اتركه يقول نصف كلمة حتى لا ينفضح امرنا واضفت: “انا سيدك وانت يلزمك تسمع كلامي .. ادخل لبيتك اقلب وجهك من قًدّامي”… فهم رضا المقلب الذي ذهب ضحيّته وطأطأ راسه واستجاب لضروريات السيناريو وقال: الله بارك سيدي… وما ان ادار ملاّك المنزل ظهره ذاهبا الى منزله لست ادري أكان مقتنعا ام لا، حتى هاج رضا وماج وتوعدّني و بابشع الالفاظ واخمجها بأن يردّ الصاع صاعين…

لتلك السنة التي انتقلت فيها العائلة الى تونس العاصمة كانت سنة كارثيّة بالنسبة لاخي ..نفسانيا ودراسيا …بقي بصفاقس عند اختنا الكبرى ووجد نفسه بعيدا عن حنان الامّ ورعايتها كما وجد نفسه في طريق مفتوح لممارسة هواياته من كتابة ونشاط كشفي مما جعل اهتمامه بالدراسة منعدما تماما …كانت تلك السنة اخر سنة دراسية في حياته .. وانقطع عن التعليم ..بل والامرّ من ذلك اصبحت له شخصية نرجسية عنادية بشكل مرضي وكم هي مرهقة تلك النوعيّة ….كان يريد ان يثبت لنا وخاصة لي واحيانا بشكل عدواني انّ الدراسة ليست هي الطريق الوحيد للنجاح في الحياة …. وخاصة: “اش تحسايب روحك يا سي عبدالكريم ..؟؟؟ انجمو نكونو خير منّك”… اذكر ذات مرّة ذهبت لاستقباله في محطّة اللواجات بالعاصمة زائرا لنا ..يومها نزل من سيّارة الاجرة وما كاد يلمحني حتّى اخرج سيجارة ووضعها في فمه ..كان ينظر اليّ بنظرة متحدّية يمكن تلخيصها في (حتّى انا ولّيت راجل كيفك ..وكان عجبك زادة)… وهاهو يتقدّم اليّ مترقّبا ثورتي على صنيعه ..

وصل اليّ وجها لوجه عانقته وسلّمت عليه وردّ السلام بتحية هي الصقيع .. لم يكن يهمّه لا عناقي ولا سلامي .كان متحفّزا للمعركة وانا انهاه عن التدخين كأخ اكبر يُبيح لنفسه ما لا يُبيحه لغيره …هكذا كانت الاعراف في زمننا ..ابدا ان يُدخّن الابن امام ابيه .. ابدا ان يُدخّن الاخ الاصغر امام اخيه الذي يفوقه سنّا ابدا ان يُدخّن التلميذ امام استاذه …. هي اعراف كم احترمتها ومازلت ..بل واضحك احيانا من عديد ما يُسمّى بصحفين وهو صحفيو زمن الغلبة وهم يذكرون رئيس الدولة او الحكومة او الوزير باسمه (حاف)… يا والله جهل وتُخُلف… ان تُقدّم هذه الشخصيات باسم السيّد فلان ليس فيه اي نوع من التذلّل لأن الاحترام لم يكن يوما مرادفا للتّذلّل… هكذا تربّيت وهكذا سأبقى ورأسي مرفوع بكل شموخ… نعم تربيتي كانت مع من يكبرني سنّا تعني الاحترام والتقدير…

فالوالد رحمه الله مثلا لم اجرؤ يوما على التدخين امامه حتى وانا اصبح ابا لكرامة وكروان ..ولم افعل ذلك الاّ وهو يترجّاني ان ادخّن في حضرته ولا انزوي في غرفة لوحدي (يا وليدي توة نعرفك تتكيّف علاش تقعد كل مرّة تمشي لبيتك ..؟؟… العمر اش مازال فيه ..نحبّك وقت تجيني تقعد بحذايا نشبع بيك وتشبع بيّ)… وسي محمد رحمه الله لا يريد ان يّفوّت ايّة لحظة وانا بجانبه لاحكي له عن آخر اخبار السي اس اس ..هو مغرم لحدّ النخاع بالجمعية وهو مثل ولده تماما لا يطيق فريقا اسمه الترجّي ايّام شيبوب السوداء …قلت مثل ولده لأني انا من جعلته يعشق الكرة… بكلّ تفاصيلها فيّحب ذاك الفريق ويكره الفرق الشيطانية الاخرى …

وفي عالم السيجارة ايضا اتذكّر جيّدا انه ذات يوم وبعد ان انهيت برنامجي اذاعة بالالوان دعاني زميلي عون الاستقبال هاتفيا للقاء احد الاشخاص الذي ينتظرني ببهو الاستقبال الخارجي للاذاعة …ما ان تجاوزت الحاجز البلّوري لبهو الاذاعة حتّى لمحته ..انّه هو استاذي الفاضل في الاداب العربية سي محسن الحبيّب ..كانت السيجارة في فمي وانا التهم انفاسها الاولى ..ودون وعي منّي وجدتني ارميها تحت رجلي وادوسها ظنا منّي انّي اخفيت اثار الجريمة …وصلت وحتّى قبل ان اسلّم عليه غمرني بنصحه اللطيف والانيق قائلا: ” ايّا وقتاش ماشي ربّي يهديك ..؟؟ انت تعرف انّو انا كنت نرحي زوز باكوات في النهار ونتماطى الثالث … وانا نحّيتو …وانت وقتاش ..؟؟”… عمري انذاك كان فوق الخمسين ولكنّ اعرافي في التدخين جعلتني اخجل حتّى من النّظر اليه والاكتفاء بـ (ان شاء الله يا سي محسن) ..

واذا كان العزيز الرحيم يؤكّد انه يستجيب لمن يدعوه (ادعوني استجب لكم) فانّي اقرّ بانّي لم أُرد يوما انهاء علاقتي بالسيجارة … الله يستجيب لعبده كلّما دعاه وانا دعوته نعم حتى وانا اطوف بالكعبة في عمرتي سنة 2008 ولكن ولأني لا اشكّ في استجابة الخالق فانّي اعيد القول ان رغبتي في انهاء علاقتي بالدخان منعدمة تماما فكيف للربّ أن يستجيب لدعاء تقليدي لا ارادة فيه للفرد ..

عندما اقترب منّي اخي الحبيب وسيجارته في فمه كان يدعوني بشكل غير مباشر لمبارزة .. انها مرحلة اثبات الذات بما فيها من عنطزة وتحدّ لا حدود لهما .. ابتسمت واخرجت ولاّعتي من جيبي واشعلت له السيجارة …لم يفهم ما حدث ..بحلق فيّ وفي عينيه الف سؤال ..نظرت اليه وقلت (الكلّنا كيف كيف … راهو نبداو كيف ما انت توّة ..المهمّ ما تتكيفش برشة) … تلك اللقطة كانت منطلقا لعلافة متينة جدا مع اخي .._كبرت في عينيه… كان قبلها يتحاور مع امّي في شأن كلمة سيدي التي يناديني بها هو واختي الصغرى .. كان يريد ان يرمي بلفظة سيدي الى المزابل ..لماذا هذه سيدي ..؟؟ حتى حد لاهو سيدي … وكانت عيّادة تردّ (احشم نطلعلك بلحوحك لوكان تناديلو باسمو هاكة خوك الكبير ويلزمك تقدّرو وتقللو سيدي) ..وكان وهو يناديني بسيدي يغمغمها …حتى لا يُغضب امّي ويُرضي كبرياءه في آن واحد …

بعد حادثة سيجارو اللواج اصبح يناديني بسيدي بالفم والملا …وكم همست له ..يا حبيب ما تقلقش وقت نكونو وحدنا عيطلي بللي تحبّ اما قدّام امّك قولها هذي سيدي اش نعملولها خوذ بخاطرها …؟؟ الا اني احسست منذ تلك السيجارة التي اشعلتها له بأنه اسّس لعلاقة جيّدة جدا معي واصبح يستشيرني في ابسط امور حياته … امّا انا فكنت اقلق لحدّ الالم وانا افكّر في مستقبل حياته …هو ضعيف البنية (اعظم من همّي) اي لا يقدر على الاعمال اليدوية وهو ذو مستوى تعليمي محدود .. ثالثة ثانوي.. وهو كذلك لم يفهم يوما انّ الهواية (الانخراط في المنظمة الكشفية) تأتي بعد العمل … كان كلّ همّي ان احسّسه بأن العمر يمضي وهو ضايع فيها…

وحتّى عندما عرضت عليّ الوالدة التوسّط له للعمل بالاذاعة كعون رفضت ذلك لامرين ..اوّلهما قناعتي بأن ما انهك الاذاعة في تاريخها هو الوساطات ..العديد من موظّفيها كانوا وما زالوا يعتبرون الاذاعة رزق الوالد ..بل ويعتبرون ادماج ابنائهم واقربائهم حقا مشروعا حتى وان كانوا لا يصلحون وهم لا يصلحون فعلا لذلك الاختصاص لا طولا ولا عرضا ..وثانيهما كنت مؤمنا بانه حتى انتداب اخي كعون بالاذاعة سيورّطني لانّه غير منضبط في اوقاته (وكبّوس هذا على راس هذا)… لذلك الغيت هذه الفكرة من تفكير والديّ ..الا انّي في المقابل وبعد ان تمكّن وبمجهوداته الحصول على شغل قار ببلديّة صفاقس كعون لا يتجاوز مرتّبه المائة وخمسين دينارا، كنت اطرح على نفسي التساؤل المضني: كيف لأخي ان يبني اسرة ؟؟ المنزل ؟؟ الزواج …؟؟؟ الاطفال ؟؟؟ اليس من حقّه ان تكون له اسرة …؟؟ ووجدتها …

ابي لا يملك في الدنيا الا نصيبه في ذلك الحوش وقطعة ارض في الجنان المشترك مع اخوته والتي لا تتجاوز المرجع ..جئت يوما لسي محمد وعيادة وطرحت عليهما فكرة بيع قطعة الارض حتى اتمكّن ويتمكن اخي خاصّة من بناء او شراء ما يُسمّونه قبر الحياة (المنزل) …. استحسن الجميع الفكرة واشترط ابي بعد بيع قطعة الارض ان يمكّنني انا وحدي من المبلغ كلّه لانّه لا يثق في جديّة اخي عند حصوله على نصيبه ..واضافت عيّادة: والله يترتقهم ويفلّقهم في ليلة ونهار … واضاف سي محمد : وانا نعرفك ما تاكلش فلوس خوك… ابتسمت وقلت في نفسي (اه لو تدري) … تنفست الصعداء وطفقت ابحث عن مشتر لقطعة الارض ..

وبيعت قطعة الارض بثمن بخس للغاية ثمّ انزويت باخي واعلمته بمشروعي ..ايّا حبيب اسمعني ..انت راك كبرت ..ويلزمك تفكّر في مرا وعايلة وصغار …بوك باع الجنان ويلزمنا نشوفولك دار وبعد خمّملي في عروسة ..فرح الحبيب واجاب: فكرة وعلاش لا وحتى العروسة موجودة ..مسكت شاربه الظريف باطراف اصابعي وقلت: بتذاكر من ورانا والا ايه..؟؟؟ … وفعلا دخل المشروع حيّز التنفيذ ..اقتنى اخي منزلا متواضعا ورُسّمت العلاقة مع الفتاة التي اختارها وتزوّج ..كان نصيبه من ثمن قطعة الارض الثلثين (وصحّة وفرحة)… اما بقية نصيبي فلقد احتاجته اختي الكبرى عندما تعرّض ابناؤها لصعوبات مالية بعد وفاة زوجها …وكردّ جميل لزوج اختي رحمه الله وهو الذي رعاني طيلة سنواتي في الثانوي ماديا وادبيا، سلّمتها المبلغ كلّيا واسترجعته وكانّي لم استرجعه ..اي كل مرّة بالعشرة والعشرين والخمسين دينارا في احسن الظروف …

ولنننننننننننننننننننننن اندم ابدا على صنيعي وان عاد التاريخ عدت ..اذ كيف لعون بلدي يتقاضى 150 دينارا شهريا ان يضمن تكوين اسرة دون منزل ..كيف له ان يتزوّج حتّى …والحمد لله انه تزوّج وانجب …ورحل يوما ما ليترك غزالة وشبلا نجحا رغم كل الظروف الصعبة في تسلّق مدارج العلم جامعيا ..ثمّ كيف اترك اختا كبرى في ورطة مالية شائكة تهدّد ابناءها بالسجن وانا المدين لزوجها اولا بكل ما وصلت اليه في دراستي ..ثمّ هي اختي والاخت عندي اثمن من كل اموال الدنيا …نعم لم ارث شيئا من ابي ومن ثمن قطعة الارض … ولكن متى كان المال يعنيني يوما …

لست مليونيرا ولن اكون بل الافظع من ذلك انّي من الفصيلة التي يُقال على الواحد منها (منتّف) اي لا يكسب شيئا وينتظر كل 24 من كل شهر ليتنفس اسبوعا الصعداء …ثمّ يعود حليم (مذكّر حليمة) لتعبه القديم …ما اكتبه ليس شكوى ولن يكون … ليس تذمّرا ولن يكون … لأني في مقابل كلّ ذلك وانا ازور اطلال حوشنا القديم الذي يعجّ مدخله بالنباتات التي توحشت وطالت واصبحت تُعيق من يريد الولوج الى منتهاه ..ولكن ابدا ان تُعيقني .. وانا ازوره و باطلاله و نباتاته الوحشية وهي تستقبلني بقبلاتها اللاذعة احيانا بفعل الحُرّيقة … هنالك يكمن جزء كبير من اوكسيجيني في محطّة متقدّمة من قطار العمر .. علّمتني تلك الاطلال وعلّمتني الحياة انّ الاماكن هي التي ترسم هويتنا …علمتني الحياة ان الجذور مهما علت اغصانها، تبقى هي الثبات وهي الاُسّ الاقوى ..علّمتني الحياة انّ الواحد منّا قد يكون مّعوزا مادّيا ولكنّ العوز الحقيقي والمؤلم عندي ان تكون ميليارديرا ويكون بداخلك فراغ في فراغ ..

علمتني الحياة انّه قد يضحك عليك البعض وعلى قناعاتك ..وقد يغضب منك البعض ومن قناعاتك ولكن الاهمّ ان لا تضحك على نفسك وان تكون منسجما معها حتى وانت تتمرّغ على الحشائش الوحشية في زمن الوحوش ..انذاك فقط تصبح تلك الحشائش اشهى من اي غازون وتصبح تلك الاطلال ارقى من كل قصور الدنيا … قد تقسو علينا الحياة قد نُضيع توازننا قد نعُوف احيانا انفسنا قبل حتّى الاخرين … ولكن علّمتني الحياة ايضا انّ الاقدار هي الاقدار وانّه علينا رغم كلّ شيئ ورغم كل ما نبذله من جهود ورغم كل ما نتوهّم في قدرتنا على التحكّم… ان نؤمن بأننا نبقى محدودي الجهد والقدرة امام الاقدار …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 51

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

عندما امتطيت سيّارة الاجرة للخطوط البعيدة في اتجاه صفاقس (لواج) والتي كانت انذاك في الغالب من نوع بيجو 404 ذات الخمسة مقاعد دون اعتبار السائق …كان بي شوق لصفاقس… صفاقس العائلة… صفاقس الشلّة… صفاقس الحوش… صفاقس السي اس اس… صفاقس صفاقس… بكل تفاصيلها البسيطة وجزئياتها التي قد لا تعني شيئا للأخرين والتي يجدها ايّ منكم في مسقط رأسه بالوان خاصّة وطعم خاص وذكريات خاصّة …

عبد الكريم قطاطة

كان بي شوق لا يعرفه الا من يكابده … شوق لبوشويشة ذلك النهيّج الصغير والذي لا يتجاوز بضعة امتار في صخبه اليومي وهو الذي انتصب لبيع الخضر والغلال باثمان شعبية ولكن ايضا بغشّ شعبي… فالمعروض للمشتري مدروس بشكل خبيث ومنمّق بشكل اكثر خبثا… اذ انّ ما تراه عكس ما تشتريه ففي ايّ صنف من الغلال يعرضه البائع بشكل يُغري البلهاء مثلي… ولكن بحركة يدويّة لا يعرف سرّها الا المنتصب في هذه السوق يدسّ لك الغلّة الخامرة والمضروبة … والنحيفة والتي في طرفها حور من الخزّ … وابدا ان تكتشف عيوبها الا وانت تستعرض عضلاتك عند عودتك للمنزل وانت مفتخر بصيد ثمين ثمنا… واذا بالوالدة تهزّ رأسها سخرية وتضيف: اشنوة عجبك رخصو؟؟؟…

اتذكّر ذات مرّة ان الوالد عاد الى المنزل ذات عشيّة مزهوّا بكيلو صبارص لا يتجاوز ثمنه الـ10 ملّيمات …وعندما وصل الى ايدي عيّادة … صاح انفها في ومضة تكشيرية من عطوره النتنة …ثم ماكان منها الا ان رمقت الوالد المسكين بنظرة حادّة وقالت: “تي هذا منتن هذا بايت ..هذا للقطاطس موش للعباد” … وماكانش سي محمد من العاكسين ..وبحركة نتر، اخذ السمك المحنون ورفسه برجليه مردّدا: “هذا المنتن ..هذا البايت ..هذا للقطاطس !”..سي محمد عصبانة رغم قلبه الطيّوب جدّا وبارع في حركات النتر هذه والتي لا ينافسه فيها الاّ الربّاعون الاتراك في الالعاب الاولمبيّة والمشهورون بتفوّقهم على منافسيهم عالميا (يبدو انّ جيناتهم كانت ومازالت تبدع في النتر … موش هكّة يا عشّاق اردوغان …؟؟؟) ولن ادع الفرصة تمرّ دون ان اهمس لانصار اوردوغان اسمعووووووني … وانا على يقين بأنهم لن يسمعوا ولكن سمعوا ام بقوا صُمّا، ها انا اكشف عن آخر ابداعاته في مناصرة الاسلام والاسلاميين لا المسلمين …

السيّد اردوغان المهدي المنتظر في اعين العديدين سافر اخيرا (*) الى جنوب افريقيا لامضاء عقد شراكة وتسويق للاعمال التلفزيونية التركية (مسلسلات العشق الممنوع ..والعشق المر.. والعشق المالح ..والعشق المسّوس … وهذه النوعية في حدّ ذاتها لا يمكن اصلا ان تكون لافتة دعائية لدولة تدّعي قيم الاسلام …كدت اقول لا علينا ولكن الاصحّ علينا وعلينا وعلينا) …السيّد اوردوغان في حفل توقيع الشراكة (اينعم رئيس دولة يُوقّع للشراكة في منتوجات تلفزية !!) كانت تصاحبه نجمة تلفزية تركية (ايه اشبيه يا سي عبدالكريم عيب ؟؟؟ اشبيك متحامل على اردوغان؟؟؟) استناوني بارك الله في صبركم … دعوني اصف لكم المشهد:

النجمة التركية كانت والله لابسة بلاش هدوم …وهذه المرة بالحق بلاش هدوم ذوق 24 ..يعني كل شيء تراه بمقاييسه الطبيعية انتفاخا …كللّو …اللي يقلّقو المشهد يستعوذ من الشيطان الرجيم ..واللّي يشيّخو ما عندي ما نعملّو …ايلي وايلو ربّي …. يقول القايل: اش عندك فيها يخخي انت ربّي ماشي تحاسبها…؟؟ من هذه الزاوية لا اجادل لانّي تعلّمت من القرآن انّ لا احد يزكّي اعمالنا الا الله …لكنّ الذي اثار انتباهي عمّكم اردوغان وهو يتأبّط ذراع النجمة الـ 90 في المائة عارية “برادسي برادسو” وعيناه العسليّتان تغوصان في جسدها بعشق حلال مباح وبنهم عثماني فيه كلّ معاني الرغبة لاحتلال ذلك الجسد واستعماره ..وحديثنا قياس… دعوكم من تصوّر اردوغان حامل راية الاسلام … لأنّ حامل مثل تلك الرايات العظيمة عليه ان (يختشي) كعديد الشلايك امثاله حتى لا يتورطوا .. وكم من شلاكة حصل في المحظور …

صفاقس هي ايضا سوق الحوت ونتونته العطرة في انفي …صفاقس هي نهج الباي بصخبه اليومي وبكسكروت الغمقي (رحمه الله) الذي ما زال يُسيل لعابي مذ كنت تلميذا في الثانوي …وفطاير وسفنج وزلابية السيالة … بدكاكين باعة العطر من كريستيان ديور الى الاوبيوم الاسود (عطر هذا وليس زطلة والله) والتي سقطت منها منذ مدّة وجيزة اخر حبّة في عنقودها …قاعة الكوكب… ومن غرائب الدهر انها تسقط في ذات السنة التي قيل فيها انّ صفاقس عاصمة الثقافة العربية … ويعطي لذباب الثقافة عمى، عندما تُوكل مثل هذه التظاهرات التي تحدث مرّة في القرن لاناس لا علاقة لهم بالثقافة وهم مثال للسخف والسخافة… مع تقديري للنزر القليل منهم…. صفاقس هي ايضا تلك المراكز المترامية على شكل اشعّة دائرية في ضواحيها… فهذه ساقية الزيت والتي يقال عن تسميتها انها تاّتت من فيضانات ذات سنة فطغت امواجها على معاصر الزيتون فيها لتُخرج مدّخراتها من الزيت وتتزاوج مع الماء سيلانا ..وساقية الدائر والتي يُحكى عنها انّه في عصر ما انتشر فيها الداير (اي السرقة) … هكذا يُقال عنها … (رغم انّي ذاتيا كدت امُرّ مرور الكرام على تاريخ اللئام ..ولكن شرفي التوثيقي يأبى ذلك) …وتنيور اللي عليها النور… وقرمدة اللي عليها العمدة …والافران جماعة الجبّة والقفطان …

كنت في تلك الحقبة من عمري كعديد اترابي لا نعير اهتماما كبيرا للضاحية الجنوبية والغربية لمدينتنا اي طريق قابس وطريق خنافس وعقارب (المطار حاليا) وسُكّرة والمحارزة …فتلك الضاحية كان اغلب سكّانها من فقراء صفاقس ..بل الادهى انّ من يشتري منزلا او عقارا في تلك الضاحية يُقال عنه”مدعي بالشرّ”… اذ انّ معمل “السياب” وما خلّفه من لوحات رمادية على الطبيعة من جهة، وتلك الروائح التي يُفرزها يوميا عطرا قاتلا لسكّان تلك المنطقة، جعل معظم اهالي صفاقس يتهرّبون من السكن فيها رغم الحسرة الكبيرة على عنب وتين عين فلاّت فيها …امّا الان فانّ سرطان السياب لم يسلم منه ايّ شبر من صفاقس برّا وبحرا وجوّا … وقللك سي الشاهد حسم الامور في زيارته لصفاقس (*) …ملاّ كذبة، من جهته ..وقدّاش احنا بوهاليين من جهتنا …

كنت وانا في اللواج استعيد ذاكرتي وانا الذي لأول مرة في حياتي ابتعد عن صفاقس بضعة اشهر… ولم استفق الا وسائق السيارة يتوقّف بسيدي بوعلي قرب سوسة … تلك كانت محطّة الاستراحة لجلّ سيارات الاجرة بين تونس وصفاقس … (قللو برجين قللو سيدي خليفة!) … كان السائق يُوفّر لصاحب مطعم سيدي بوعلي، وهو الوحيد ، عشرة زبائن يوميا (بحساب الذهاب و الاياب)… ومقابل ذلك يتمتّع بوجبتين خالصتي الثمن …لم تكن انذاك توجد طريق سيّارة وكانت الرحلة تدوم 4 ساعات في افضل الحالات وكنّا نحفظ الطريق عن ظهر قلب بكل محطاتها … من جبل الجلود حتى سيدي صالح .مرورا ببني كلثوم وكركر (يلّلي تكركر)… ومساكن -اللّي في النهار مساكن وفي الليل سكاكن) … اكاهو مادامني قلت على ما يُقال عن ساقية الداير نقول ما يقال عن مساكن ..الله غالب حجّتي في ذلك امانة التوثيق …

الا اننا وبوصولنا الى الغرابة زهاء العشرين كم عن صفاقس تهيّأ لنا ان روائح جنّة صفاقس فُتحت لنا رغم انّ الواقع يقول عكس ذلك… لاّنه وبعد وصولنا الى الحنشة وحتى سيدي صالح كانت روائح المداجن المنتشرة هنالك تخنقنا … خلاص … اشرفت السفرة على نهايتها …نحن في السدرة ولم يبق لنا سوى بضع الكيلومترات عن قلب صفاقس …

عند الوصول الى محطّة اللواجات والتي كانت قرب صالة الافراح البلدية وقرب محطّة القطارات… كان كلّ همّي ان اجد في زحمة المكان سيارة اجرة خفيفة لتنقلني الى جنّتي، ساقية الداير سواء كان فيها “داير” او لم يكن .. لا احد اطلاقا على علم بعودتي …كنت ومازلت من طبعي عاشق مفاجآت ..اجتهد كثيرا في كتابة وتنفيذ سيناريوهات المفاجآت بكل حبكة …وازدادت حبكتي والحقيقة عفرتتي بعد ان درست فنّ كتابة السيناريو … واعشق ايضا تلك السيناريوهات التي تُحاك لي … يوم ليك ويوم عليك واش تعمل يعمالك… ..ها انا على بعد امتار من حانوت بواحمد حلاّق الشلّة …توقّفت سيّارة الاجرة امام الحانوت وما ان اطللت بوجهي حتى صاح القوم: “السهريّات” جاء ! … ذاك كان لقبي في الشلّة… وهرع الجميع ..يا بوس ..يا تعنيق …ياضمّ …يا طبطبة …وكأنّنا من قبيلة ابي بوّاس … وتنهمر الاسئلة… كيف السبّة ؟؟ عندك عطلة ..؟؟ احكينا عاد على باريس واش عملت واش ما عملتش ..؟؟ ويشكّب عليه واحد من شياطين الشلّة بالقول: تنجّم ما تحكيش على اش ما عملتش اما اش عملت هاكة نحبّوه بالتفاصيل يا ابو العمايل انت…

كنت انذاك ادخّن بشراهة سيجارتي الروايال المنتوليه دون نسيان ضرّتها الحلوى … وكان الزمبار ينظر اليها بشراهة أيضا وما كان منّي الا ان ربّتُّ على كتفه وهو صديق الانفة والكبرياء رغم فقره المدقع وهمهمت (تحبّ وحيّد فاوح؟؟؟)… ابتسم وانا امدّ له السيجارة … اخذها وشمّها كما يفعل من يشتهي شمّ السجائر دون تدخينها وقال ..امممممممممممممممممم هذي عاد فاوحة … ليكس …وردّد العديد: اللهمّ فوّح الجميع… وكان لهم ذلك …حمل معي صديقي رضا احدى الفاليجات وحملت انا الثانية … وقصدنا ربّي الى الحوش… الى ذلك القصر الملكي ذي الثلاث عائلات… كل عائلة في جمهورية بيت واحدة … ذي المرحاض الواحد … يصطفّ على بابه (وهو اصلا من غير باب) الجميع صباحا مساء باستثناء يوم الاحد حيث تختلف مواعيد النهوض يومها . ولابدّ قبل الولوج الى مدخله طرح السؤال او كلمة السر (اللابندة عامرة ؟؟؟)… اي هل دورة المياه مشغولة …ولاباندة كلمة ظاهرها صفاقسية ولكنها ذات اصل ايطالي (لافاندا)… ثمّ حُرّفت لتصبح لاباندة … الى تلك المطاير التي تموج بخضرواتها في كل الفصول ..الى ذلك الجنان والذي يتمايل ببعض الاشجار المثمرة وفي مقدمتها اللوز وقليل منه الفخفاخ وفي رواية اخرى المغزاز الشهي اكلا قبل ان “يعظّم” اي ينضج … قلت القليل لان البقية وجلّها من نوع القسمطيني، مطبوعة بشيء من المرارة مما يجعلها بعيدة عن طموحاتنا لاكلها خضر.ء .. واختيار هذا النوع بذلك الكمّ هو مدروس من قبل العائلة حيث تستغلّه اما لبيع جزء منه (ترقيع مصاريف) او لاستعماله في الحلويات المناسباتية (عيد فطر او اعراس) وها انا امام عيدي ..

عيادة تجري وتئنّ (يا وليدي يا وليدي) …كان بودّها ان تصيح …ولكن متى كان الصياح من شمائلها ؟؟ كان بودّها ان تبكي فرحا والبكاء فرحا هو ايضا سمفونية من سمفونيات السعادة … ولكن عيّادة لم تكن يوما بكّاءة بل كانت على حدّ تعبيرها تخجل من دموعها التي لا تجدها حتى في المآتم …الا ان روعة امّي في نغمات صوتها فرحا او الما …امّي كانت عازفة ماهرة على اوتار صوتها …هي لم تكن يوما محترفة ولا منحرفة في عزف صوتها …هي لم تدرس يوما موسيقى او مقامات ولكنّها كانت مذهلة في كل موسيقى ومقامات صوتها …هي تفرح بصوتها تتالّم بصوتها تغنّي بصوتها وترقص بصوتها رغم انّي لم اشاهدها يوما ترقص على ايقاع موسيقى او اغنية… ولكن وكما قال المتنبي وهو يمدح سيف الدولة في احدى المعارك التي شارك فيها (عيب عليك تُرى بسيف في الوغى .. ما يفعل الصمصام بالصمصام ).. اي انت سيف يا سيف الدولة فما حاجتك إلى السيف .. وعيّادة ما حاجتها بالرقص على الموسيقى وصوتها رقصة وموسيقى …

عانقتها طويلا طويلا ولم اشعر بتقصيري تجاه الاخرين الا وانا ادير راسي لارى طابورا ينتظرني …وعاد نفس السؤال: كيف السبّة ؟؟؟ عطلة ..؟؟؟ عجبتك فرنسا ؟؟؟ وذلك السؤال الغبيّ (اما خير فرنسا والا تونس ؟؟) …وانقذتني عيّادة من عناء الاجابة بشيءمن الجدّية الرادعة: تخليوه يشرب عرقو مازال بغبار الثنية يرتاح ويحكيلكم … ويُوفى الحديث … عيادة اصدرت حكمها …اي للتنفيذ …

انسحبت العائلات المجاورة من جمهورية بيتنا وتمدّدت كعادتي على جلد العلّوش التي احضرته عيادة من مخبآتها لمثل تلك الظروف الفجئية ….ياااااااااااااااااااااااااااااه عليك يا اغلى وامتع فراش في الدنيا… عبدالكريم على فراشه الوثير وعلى وسادته التي لا احد سواه ينام عليها… وبجانبه العائلة وعيادة تسابق الزمن لتقول: “يا وليدي اش تحب نطيبلك ؟؟ عندك شهور تلقاك ما كليتش مونة كاملة انتي بلاشي زڨلام في الماكلة هوني وزيد عاد في فرنسا الله اعلم اش يخنفسوا ويدنفسوا” … نظرت اليها وقلت: “والله بالحق يخنفسوا ويدنفسوا ماكلتهم ما تتكالش” …وتلك هي الحقيقة …الاكلات الفرنسية ليست فقط غير لذيذة عندي بل تنفّر… وردّت عيادة بحرقة: “يمّة على كبدي …تلقاك متّ بالشّر”…. قبّلتها في يدها وقلت: لاباس بصبرو… ايّا قوم طيبلي هاكة الحلالم من يديك الملاح … وذُعِرَتْ… حلالم! تجيني بعد شهور ونطيّبلك حلالم؟ …

ولأني عنيد الى حدّ القرف قلت لها… “ورحمة بوك ما تطيّبلي كان حلالم” … رحماك يا عيادة منذ رحيلك لم اذق يوما حلالم في عطرها… في طعمها …ومن يديك الجميلتين البارعتين …ربّاه ربّاه ربّاه …لا تعرض ايديها على نار …ربّاه اعرف واؤمن انّه لا تزر وازرة وزر اخرى …ولكن ربّاه ربّاه ربّاه …انت ادرى بما في داخلي من رجاء …يا رببببببببببببببببببببببببببببي ياربيييييييييييييييييييييييييي يا رببببببيييبببببببببببببببييييييييي …

ـ يتبع ـ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) المقال من سنة 2017

أكمل القراءة

صن نار