تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 48

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:


لم تطل اقامتي بـ”روني سو بوا” بالضاحية الشرقية لباريس… احسست بالعزلة هناك اذ ان المعهد الواقع بـ “بري سير مارن” كان قريبا من مقر سكناي… وهو ما جعلني اعيش في دائرة جغرافية ضيّقة لا تمنحني فرصة الوجود في باريس الا في نهاية الاسبوع…

عبد الكريم قطاطة

…وكيف لي ان اغيب عن دنيا باريس؟؟؟

بكل الوانها بكل مطاعمها في الحي اللاتيني… بكل قاعات السينما التي تقول فيما تقول انت عاجز عن رؤية الكمّ الهائل من الافلام الجيدة التي تنزل الى السوق يوميا … وانا المغرم بهذا الفن السابع والذي هو في الحقيقة نوع من الدروس التطبيقية لدراستي… كيف لي ان لا امر على فطايري “بيلفيل” لالتهم فطيرة ومعها كعبة زلابية ؟؟؟… كيف لي ان لا ازور سان دينيس ؟؟؟..بكل فاتناتها ولكن بحذر لان الاقتراب منهن قد يثير شكوك “امرائهن”… اي اصحاب الامر دون النهي عن المنكر في تصرفهن في اجسادهن المعروضة للبيع في هدوم بلاش هدوم ….كيف لي ان لا امشي الى حديقة لوكسمبورغ الشاسعة والجميلة باشجارها العالية وقازونها الطبيعي (ما تشبّهلها كان التوتة متاعنا في صفاقس كرمك الله)…

لهذه الاسباب ولغيرها من المغريات قررت ان ابحث عن مقرّ سكنى آخر لاتمكّن يوميا من عشق باريس ..ولأغنّي لها يوميا (حبك خارطتي ..ما عادت خارطة العالم تعنيني) ….ولأن اقداري تلاحقني دوما بحلوها ومرّها فقد وجدتني يوما وقرب جامعة السوربون التقي باصدقاء من ساقيتي …يااااااااااااه … اولاد المعزون… وبعد العناق وكثيرا من نوستالجيا الحكايات عن عبثنا في حومتنا، جاء السؤال عن مقارّ سكنانا وكيف يمكن لنا ان نجدّد اللقاءت معا ..تبادلنا العناوين وأصفت من جانبي انّ عنواني مؤقت لاني ابحث عن مسكن جديد حتى اخرج من عزلة روني سو بوا ..وقتها قفز الى ذهن جمال (اكبرهم) وهو طالب فلسفة بجامعة السوربون اقتراح بلّلني فرحا وسعادة ..قال لي جمال: ” تحبّشي تسكن معانا” ..؟؟ كانوا اخوين وابن عم لهما .. طالبان اثنان وعامل ..كلّهم يقطنون بمبيت جامعي بـ”كروا دي بارني” في الضاحية الجنوبية لباريس ..قلت له: “جمال انتم ثلاثة في غرفة جامعية واحدة … موش برشة عليكم ؟… ربت على كتفي وقال: “عاد اشبيه نتحشاو في بعضنا” …

كنت انتظر ردا من هذا القبيل بفارغ الشوق وما كانت ملاحظتي حول ضيق المكان الا نوعا من الكياسة في عدم ازعاج الغير ..وقفزت عيناي تعبّر عن فرحها بردّه وواصلت سياسة الكياسة معه بالقول: يا جميّل بالكشي نضيّقكم؟ .. وجاء الجواب الذي اراحني لانه كان صادقا: “يا كريّم اشبيك ركيك .. تسكن معانا واكاهو ويزّي من التزعبين متاعك” …وكان ذلك ..انتقلت الى كروا دي برني معهم في غرفة صغيرة حجما ولكن كم هي كبيرة بصفائنا … كانت لي قناعة ومازالت ان المكان لا قيمة له مع من نحب ..فخيمة في صحراء نيفادا افضل عندي من قصور كسرى انو شروان …وتعسيلة تحت ظلال شجرة زيتون او لوز، اكثر رفاهة من سرير فاخر… الم يقل ابو ماضي (احبب فيغدو الكوخ قصرا نيّرا، وابغض فيُمسي الكون سجنا مظلما) …

كانت فترة رائقة مع اصدقائي المعازنة ..سهراتنا لا تنتهي قبل الواحدة صباحا في اجواء رائعة للغاية وكانت المهمات موزّعة حسب اختصاص كل واحد فينا ..جمال كانت مهمته الطبخ وهو يجيدها … عبداللطيف يتكفل بشراء ملازم المنزل ذي الغرفة الواحدة …انا اتكفّل بغسل الصحون وما تبعها بعد كل وجبة … وهي من الاشغال التي يتافف منها العديد …وحتى النساء ايضا … وانا اندهش من الامر لاني اجد متعة في غسل كل الاواني الوسخة (ونخرّجها تلمع لمعان… وفي نفس الوقت ما تستغلّوهاش فرصة باش تهبطو فيالق عليّ وتقولولي مارس متعتك …خليونا احباب يبارك فيكم) … رضوان صغيرنا مهمّته الاستهلاك … هو درّوشنا … بعد تناول العشاء نلتقي جميعا كل يوم تبدأ رحلة التهريج والضحك الذي لا ينتهي وكنت مهرّجهم …. انا لا اطيق السكون او السكوت لذلك اعود كل ليلة الى لوحة من ذكرياتنا بالساقية والوّنها ببعض العبارات الوقحة حتى يكون ذلك فلفل اكحل السهرية …

ربّما ذلك الاسلوب الذي كنت امارسه منذ طفولتي في خلق اجواء والوان هو ما اهّلني يوما وانا اجلس امام المصدح لاستقي منه زادي حتى اخرج بالتنشيط من عالمه المُعلّب الى دنيا اخرى … والاروع فيه ومنذ طفولتي ايضا اننا كنّا بارعين في “تراكية” احدنا ويا ويلو اللي يطيح بين ايدينا … لكن الجميل انه لا يغضب الواحد منّا اذا وقعت عليه الواقعة ..كنّا نمزح بحق … نشيّط احيانا… ولكن ما بداخلنا من صفاء وحب يشفع لنا كي نمزح دون خوف او وجل ودون عقد …

انتقال السكنى الى الضاحية الجنوبية بباريس …جعلني اعيش نسقا جنونيا كامل ايام الاسبوع الدراسية … التنقّل من مقر سكناي الى المعهد يتطلب منّي ان استفيق يوميا على الساعة السادسة صباحا حتى اكون في موعد انطلاق الدروس على الساعة الثامنة…واذا اتفقنا على ان موكب النوم لا يحلّ عندي الاّ مع الساعة الواحدة صباحا على اقلّ تقدير، فذاك يعني ان معدل ساعات نومي يوميا لا تتجاوز في افضل حالاتي الخمس ساعات …نعم …وكأن مقولة خالتي فطومة رحمها الله ذات طفولة (اللطف يا ربي كيف الجنون لا تنامو ولا تخلليو شكون ينام)، كأنها “طلعت دخان للسماء” وعلى حد قول الخيام مترجمة من أحمد رامي (فما اطال النوم عمرا ولا قصّر في الاعمار طول السهر )…

اجواء الدراسة كانت ممتعة جدا بالمعهد ..اكتشفت فصيلة جديدة من المدرّسين .. في حضرتهم تشعر بذاتك كانسان لا كطالب …الاستاذ ورغم ما يحمل جرابه من شهائد عليا ومن خبرات فرنسية مُعترف بها، يحاورنا الند للند، ينزل من البرج العاجي الذي يسكن فيه جلّ اساتذتنا بكثير من العقد ..يصاحبك الى مقهى المعهد او مطعمه ويحسن الاستماع اليك في كل شواغلك …يستمع الى نقدك ويتفهّم واقعك وبكل اريحية ..جل الاساتذة في بلدنا ينطلقون اما من عُقدهم او من واقعهم المؤلم كي يُسقطوا على تلامذتهم او طلاّبهم قهرهم في ماضيهم مع عائلاتهم مع اترابهم مع مدرّسيهم او (تمرميدة) في حاضرهم مع زوجة نمرة، مع طفل عاق اومع رئيس متسلّط … ويذهب المتلقّي اي الطالب ضحية ..ليتحوّل فيما بعد الى استاذ اخر يحمل نفس العقد ونفس الاساليب ..

كنت يوما حاضرا في مجلس مراقبة نتائج امتحان آخر السنة في معهد الملتيميديا ..وفاجأني احد الزملاء من المدرّسين بقوله: “يا سي عبدالكريم لو تسمح عندي ملاحظة” ..نظرت اليه وهو المعروف بتشدّده مع الطلبة في اسناد الاعداد وقلت له تفضّل ..قال: “لاحظت انك كريم في اسنادك للاعداد لطلبتك … موش لو كان تشدّ يدك شويّة خير” …ملاحظته كانت الشرارة التي فتحت بها ابواب الجحيم عليه ..قلت له: “يا سي فلان ..لو قمت بدراسة بسيطة لمعرفة من هم طلاّب معهدنا لفهمت اكثر الموضوع ..طلبتنا يا سي فلان يمثّلون في جلّهم الفئة المتوسطة جدا في معدلات نجاحهم في الباكالوريا، اذ ان الّلامعين فيهم يًوجّهون الى دراسة الطب او المدرسة التحضيرية للمهندسين .. والفئة الثانية تًوجّه للكليات المختصة … وانت يا سي فلان توصلك كان الرشّة الثالثة… اي ان كفاءتهم في المواد العلمية التي تُدرّس بالمعهد متوسطة… وهذا ما يُفسّر اعدادهم المتواضعة ايضا ..بالنسبة لاختصاصي هو من النوع الذي يًصبغ بمسحة فنّية لذلك يجد الطلبة فيه متنفسا وبالتالي يتفاعلون معه ايجابيا ..هذا اولا ..ثم انت وكلّنا جميعا مدركون ان الطالب عموما هو ضحية نظام تربوي فاسد منذ الدراسة الابتدائية… فكيف اسمح لنفسي بذبح من هو ضحية ..؟؟” واتممت وبسخرية: “يا سي فلان الاعداد التي اسندها لطلبتي لا اُخرجها من نقود جيبي ومن يستحق 20 اسند له العشرين دون تردد لانّ ذلك حقّه الشرعي، ثم لاني لست معقّدا حين اسمع البعض من زملائي يتباهون بشحّهم ويتشدّقون بـ (اشكونو هو الطالب باش نعطيه عشرين ؟؟)”..

في المعهد السمعي البصري بباريس تعيش حياتك الطالبية بكل المعاني الجميلة ..اذ علاوة على العلاقات الممتازة جدا مع اساتذتي هنالك اكتشاف لطلبة اخرين افارقة ..في هذا الباب اكتشفت عديد الاشياء واصلحت عديد التابوهات …قبل عيشي بباريس كان في اعتقادنا ان الافريقي الاسمر هو مرادف للشخص القذر سواء في هندامه او وخاصة فيما يقال عن عرقه النتن … يا لنا من اغبياء ومرضى… صدّقوني ان العديد منهم رجالا ونساء هم اعطر منّا … ولكن وللامانة ايضا وباستثناء السينيغاليين والماليين، جلّهم لهم مسحة من الغباء … فانا كنت امازح الايفواريين مثلا وذلك باللعب على الكلمات لاقول لهم بالفرنسية ما معناه (الايفواريون لا يرون شيئا) ..ربما ميزتهم التي لا يكسبها العديد منّا انهم يضحكون للحياة ..قلّ وندر ان ترى فيهم الوجوه المكشبرة .. وبارعون جدا في الرقص ..اووووووووووووف ما اروعهم ..ولكنّ الامر المقرف حقا جلبهم للحوم القردة المجفّفة وطهيها في المبيتات (القدّيد متاعهم) يومها قد نبتعد كيلومترات (راني نعرف انو مبالغة) كي لا نستنشق ايف سان لوران القرودة …

اعود للدراسة بعد ثلاثة اشهر من بدايتها كان من ضمن ما ندرسه المونتاج… باعتبار ان السنة الاولى تخضع لجذع مشترك فيه جميع محاور العلوم السمعية البصرية من التصوير الفوتوغرافي وصولا الى المونتاج ولجميع الطلبة ثمّ ياتي بعدها الاختصاص ..كانت استاذة المونتاج مركّبة رئيسية ذات خبرة واسعة في هذا الميدان ..وبقدر ما كانت لطيفة معنا بقدر ما كانت تركّز وبكل انتباه وعمق على ما ابديه من ملاحظات … انتقلنا بعد ثلاثة اشهر الى الدروس التطبيقية في مادة المونتاج وانا ذو خبرة الخمس سنوات في هذا الاختصاص …وواصلت استاذتي الاهتمام بي اثناء الدرس التطبيقي الاول وبكل صمت وعمق ..انهيت موناتجي وجاءت لتطّلع على عملي النهائي ….لم تنبس ببنت شفة لا سلبا ولا ايجابا …انتهت الحصة الاولى التطبيقية معها .. هممت بالخروج فاذا بها تدعوني لجلسة منفردة معها في القسم (جلسة استاذة مع طالبها والله)… خرج الطلبة وبادرتني وبسرعة بالسؤال: “هل اشتغلت سابقا في المونتاج؟” ..اجبتها نعم ولخمس سنوات …انفتحت عيناها كفوهتي بركان وقالت: اذن ماذا تفعل هنا ..؟؟؟ قلت لها ادرس لتطوير معرفتي ولنيل ديبلوم في اختصاصي حتى اصبح مثلك مركّبا رئيسيا ..

لم تصدّق ما قلته لها …وطلبت منّي ان اتحوّل معها الان وفورا لمكتب مدير المعهد … سالتها: هنالك اشكال ؟؟ … لم تجب بل اكتفت بالقول ستعرف حالاّ ..دخلنا مكتب السيد فرومنتان مدير المعهد وطفقت تسرد الواقعة ..قالت: “موسيو فرومنتان هذا الطالب التونسي “كريم” منذ ثلاثة اشهر كان يساورني شك فيه .. اليوم وبعد محادثتي معه اكتشفت براعته اولا في المونتاج ولكن الاهم انه عمل خمس سنوات في بلده وحامل لديبلوم مونتيار منذ 1971.. هل هذا معقول ان يكون طالبا بالمعهد في خانة ديبلوم درجة ثانية وهو المتحصل عليه منذ خمس سنوات؟ هنالك اشكال ما ..انا لا يمكن ان اضيف له شيئا في دراسته ضمن المستوى الثاني، لأن المفروض ان يتابع دراسته ضمن طلبة المستوى الثالث” ..

هاتف المدير مدير الدراسة (موسيو جاك ديران) وطلب منه رايه في الامر فكان على نفس نغمة المركّبة الرئيسة ….خاطبني السيد فرومنتان بكثير من الحرج وقال لي: مؤسستك هي المسؤولة عما حدث لانه كان من المفروض ان لا تشارك في مناظرة درجة ثانية وانت المتحصل عليها منذ خمس سنوات … تجمّدت في مكاني ولم ادرِ ما اقول …واحساسا منه بضياعي لم يتركني لهواجسي وقال: شوف يا ولدي ساخّيرك بين امرين، امّا مواصلة دراستك في المستوى الثاني واعتبار وجودك بفرنسا رحلة سياحية او…” صمت قليلا ثم قال: “المعهد سيفتح قريبا مناظرة الدرجة الثالثة وسنمكّنك من المشاركة فيها، لكن شريطة ان تقطع علاقاتك نهائيا بالمعهد وتعود الى بلدك في انتظار صدور النتائج … اذا نجحت مرحبا بك بيننا… اذا فشلت بامكانك العودة للمناظرة بعد سنتين …فكّر طويلا في الامر ثم خذ قرارك” …

عدت الى زملائي التونسين واعلمتهم بالامر حاولوا معرفة موقفي فالححت عليهم بمعرفة موقفهم اولا …كان لديهم اجماع على ان لا ادع فرصة العمر تمرّ واهدر ما اتقاضاه مادّيا ..منحتنا انذاك بفرنسا قيمتها 130 دينارا تونسيا …ثم مرتّبي بالمؤسسة لم ينقطع ..وبالتالي بالنسبة لهم مهبول عبدالكريم لوكان يسيّب في فرصة عمرو ويترك تلك الاموال تذهب سدى ..اضافة الى ما اقوم به احيانا من مونتاج ببعض الشركات الخاصة في باريس والتي اتقاضى عليه 60 دينارا يوميا …

وتداول عليّ الجميع وهم يعيدون نفس العبارة ..اشبيك مهبول ؟؟… وعلى ذكر كلمة مهبول ارجوكم اعادة النظر فيها ..توة اشكون عايش فيها ..؟؟ موش المهبول ..؟؟ ثم احيانا موش الهبال جنون جميل .. ؟؟؟ التقيكم في هبلة اخرى من هبلات ورقاتي …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار