تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 57

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

كيف لي ان انهي ورقاتي مع فرنسا دون ان اذكر محطات اخرى هامة في ما عشته هناك …لعلّ ابرز بصمة فيها الفخر بكوني تونسيا …

عبد الكريم قطاطة

في جانفي 1978 عاشت تونس ثاني اكبر هزة في تاريخها مع بورقيبة… اولاها كانت فشل النظام التعاضدي في نهاية الستينات مع مهندسها احمد بن صالح… وثانيها احداث 26 جانفي 78 … لا ادّعي انّي مؤرخ مالك للحقيقة الكاملة حتى اجزم بموقف موضوعي في ما حدث، ولكن كانت ومازالت لديّ قناعة ان كلّ احداث العهد البورقيبي كان مأتاها سببان… اوّلهما تفرّد الزعيم بورقيبة بالرأي وثانيهما ما يجري انذاك في الكواليس السياسية داخل القصر وخارجه من اطماع انتهازية انتهت الى انقلاب السابع من نوفمبر … كانت الاطراف الفاعلة في كل ما حدث لتونس في عهد بورقيبة تعيش تطاحنا وتكالبا على: إما التقرّب لبورقيبة اي للمناصب ..او الطّمع في خلافته في آخر مراحل حكمه … وهذا الامر لم يختلف اطلاقا بعد 14 جانفي… التكالب على الحكم… ولهذه النقطة عودة بالتفاصيل في ورقات متقدمة …

في احداث جانفي 78 كنت موجودا في تونس وبالتحديد في صفاقس … لن ادّعي البطولة حتى ازعم انّي جئت خصّيصا لمواكبتها والمشاركة فيها ..بل كنت في اجازة قصيرة فكُتب لي ان اعيشها …ولكم ان تتصوروا مواطنا تونسيا يعيش في بلد الديموقراطية (فرنسا) بكل مفاصلها من حرية اعلام وحرية تظاهر والوان لا تُحصى من الاطباق الايديولوجية .. ويجد نفسه في واحد من اهم احداث تونس البورقيبية … انتفاضة 26 جانفي 78 …كانت صور ماي 68 بفرنسا تتخايل امامي وانا وسط الحشود امام مقر الاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس …وكانت صور محمد علي الحامي وفرحات حشاد واحمد التليلي والحبيب عاشور تتمايل في زهو وخيلاء امام ناظريّ … وكانت ميولاتي اليسارية انذاك تُحيلني حتما لاكون الى جانب العمال والشغالين في تلك الاحداث …وذلك ما دفعني يومها لشراء بعض الدجاج المصلي لاقدّمه غداء للزملاء في اذاعة صفاقس والذين اشتغلوا يومها بالاذاعة الداخلية للاتحاد، كمساهمة منّي في حركتهم الاعلامية …

ذاك ما فعلته فقط … اقول هذا حتى لا ادّعي مرّة اخرى البطولة كما فعل العديد من زملائي في اذاعة صفاقس ليصبحوا كذبا ابطالا بعد مرور سنوات …والحال ان الابطال الحقيقيين كانوا لا يتجاوزون عدد الاصابع الواحدة وفي مقدمتهم عبدالمجيد شعبان ومختار اللواتي … اذن يومها شعرت بفخر غامر بأنني تونسي ..لم اغرق في تفاصيل ما حدث ومَن وراء ما حدث وكل الصراعات التي ولّدت تلك الاحداث ولكنّ مصدر نشوتي تلك الهبّة الشعبية الرافضة لما يحدث في تونس …هل كانت مصيبة في هبّتها ..؟؟؟ هل كانت واعية بما يحدث وراء الكواليس من صراعات ..؟؟؟ صدقا لا اظنّ … المهم انّي كنت ارى في تلك الهبّة لوحة مما يحدث في فرنسا بلد التظاهرات والمظاهرات اليوميّة …

عندما عدت الى فرنسا زاد فخري واعتزازي بكوني تونسيا لأنّ الاخرين (فرنسيين وعربا وافارقة) كانوا ينظرون اليّ بعين التقدير والاحترام …تونس تثور على واقعها …هكذا هم يُقدّرون الشعوب التي لا تستكين لاوضاعها …وانا هنا اتحدّث عن الراي الشعبي العام لا عن مواقف الحكّام …اذ انّه متى كانت مواقف الحكّام في كلّ دول العالم متطابقة مع مواقف شعوبها؟؟؟… الامم في جلّ تاريخها منقسمة الى اربعة ألوية ..لواء الحكّام وهم في معظمهم طغاة ولصوص ..لواء الازلام وهم القطيع الذي لا يعرف في السياسة (كوعو من بوعو)، هم من فئة عاش الملك مات الملك…لواء الشياطين الذين هم الحكام الفعليون حيث يصبح حكام القصور مجرّد بيادق لتنفيذ الاجندات التي تتوافق ومصلحتهم… وهؤلاء من الفئة الميكيافللية تلك التي لا تهمّها اساليب وادوار مشبوهة حتى ولو وصلت الى اهدافها على طريق معبّدة بالجماجم …

اللواء الاخير الفئة التعيسة وهي الاقلية الواعية بهموم الشعب والتي آلت على نفسها ان تبقى دوما الشوكة في حلوق اللصوص …. قلت تعيسة لسببين اولهما الجانب الكمّي لأنها عادة ما تكون فئة ضئيلة عددا وثانيهما انّها لم تتجدّد في خطابها وفي اساليب عملها ومن لا يتجدّد يتبدّد … ولهذا السبب الاخير وعبر التاريخ ايضا لم ينجح هذا اللواء الاخير في حركات التغيير الا متى خرج عن منظومة المعارضة السائدة و قامت بتقديم بديل مقنع جماهيريا ..شكلا ومحتوى … ما تبقّى جعجعة فيها كلامولوجيا لا غير ..وهذا حال اغلب المعارضين في الوطن العربي …

اثر عودتي إلى فرنسا بعد احداث جانفي 78 ..كان الجميع من زملاء في الدراسة واساتذة ينظرون اليّ كتونسي وكما اسلفت نظرة غمرتني فخرا وسعادة .. ومازال للسعادة عناوين اخرى… سنة 78 لم تكن مقتصرة على جانفيها كيف لي ان انسى جوانها …؟؟؟ شهر جوان 78 هو ايضا كان بالنسبة لي ولكل التونسيين شهر السعادة حتى الثُّمالة …كيف لا واليوم الثاني منه تعزف تونس اوّل سمفونية ابداع عربي افريقي ..الملعب هو روزاريو والمناسبة مشاركة تونس في كأس العالم المُقامة بالارجنتين ..والمنافس منتخب نجم مدريد آنذاك، “هوغو سانشيز” المكسيكي …التونسيون قبل ذلك اليوم كانوا مزهوين بالانتصار العريض الذي حققه الفريق الوطني على حساب شقيقه المصري في مباراة العودة بملعب المنزة بتونس باربعة اهداف مقابل هدف والتي رشحته ليكون الممثل الوحيد لافريقيا بكأس العالم بالارجنتين … هذه الكأس التي لم يحقق فيها فريق عربي او افريقي اي انتصار …

كانت تطلعاتنا انذاك وبكلّ امانة ان نمثّل تونس والعرب والافارقة تمثيلا مشّرفا …على الاقلّ ان لا نتكبّد خسائر مُذلة كتلك التي تكبدتها بعض البلدان الافريقية الاخرى والتي سبقت تونس في تمثيل القارة الافريقية …يومها خرج جل التونسيين واشقاؤنا العرب واصدقاؤنا الافارقة الى الساحات العامة في باريس … لمشاهدة المباراة على الشاشات العملاقة …وازداد توتّرنا والفريق المكسيكي يضرب شباكنا …الهدف المكسيكي بالنسبة لنا نحن التونسيين كان شبيها بطعنة خنجر حاد …صمت رهيب ممزوج بخجل اكثر رهبة .. وملوّن بخوف باطني من (طبيخة) …. هكذا كان احساسنا …. يومها وعلى غير عادتي لزمت مكاني … لم ابرحه …اذ انّه من عاداتي كمتفرج على الفريق الوطني او على فريق السي اس اس ان اغادر الملعب او حتى التليفزيون عندما يكون فريقي منهزما ..وهذا يحدث معي لحد هذا اليوم ..اغادر اما الملعب او البيت وابقى سائحا مهموما في الشوارع والانهج المجاورة المزدحمة بالمقاهي… وكلّما سمعت صيحة اهرع بسرعة لمعرفة الجديد ..واحيانا اكلّف ابني الاكثر تعقّلا منّي حتى يهاتفني بأيّ تغيير في النتيجة …هل اكتشفتم مدى ضعفي في تحمّل ما لا استطيع تحمّله …الم اقل لكم منذ بداية كتابة ورقاتي هذه انّ عيوبي لا تُحصى ولا تُعدّ ….

دعوني اصارحكم بحقيقة اخرى …انا لحدّ يوم الناس هذا لم احضر ايّة مباراة لفريقي الابيض والاسود مع الترجّي …من عيوبي ايضا انّي اتقبّل الهزائم مع كل الفرق الاخرى واعتبرها طبيعية لاّن الفريق الذي لم يُهزم لم يُخلق ولن يُخلق بعد … الا اني مع الترجّي بالذات لا اقبل الهزيمة فكيف لي ان اكون شاهدا عليها … (صحّيتك يا سي الطلطول تدخل للستاد تتفرّج على السي اس اس والمكشّخة وتربحك المكشّخة بكل روح رياضية اللي يقولو عليها …,لا راجل وسيد الرجال انت!) … _ نعم مع المعذرة لأصدقائي من احبّاء المكشّخة …لا اطيق الخسارة امامكم …

اعود لذلك الـ 2 جوان 1978 بباريس وجموع غفيرة نتابع معا اوّل مباراة لتونس امام المكسيك ..كنت احس قبل الشوط الثاني وتونس منهزمة هدفا لصفر بأن اعين اصدقائي من الافارقة خاصة ترمقني ..وكان يُخيّل اليّ بانّها تتتغامز عليّ وكأنّ لسان حالها يقول (شنوّة سي كريم …فخفخت علينا برشة راك بالعقربي وعقيد وطارق وغمّيض وعتّوقة … تي وينو عتوقة متاعك ؟؟..اصلا موش موجود في التشكيلة) … صدقا لم اكن قادرا بعد ان سجّلت المكسيك هدفها الاول والوحيد ان انظر في اعين الاخرين بينما كنّا نحن التونسيين نتبادل نظرات فارغة… ما اشقى الواحد منّا وهو ينظر دون ان يرى ..و ما ابشع ان نرى دون ان ننظر … وانطلق الشوط الثاني …كنت احس بأن شيئا ما سيحدث ..تسمّرت بشراسة على الكرسي كمن يحاول من يثبّت رجله على الارض .. وهذه حركة يعرفها من لعب كرة القدم ..هو لا شعوريا يقوم بحركات عبر رجليه ..كم يريد اصلاح تصويبة ما او اعطاء الكرة للاعب في موقع افضل ودون حتى شعور منه يصيح (اوكة الكعبي اعطيه ..اعطيه) ..ويعطيه ويسجّل الكعبي …

يااااااااااااااااااااااه ..كيف لي ان افسّر لكم ماحدث لي ولكل التونسيين انذاك والكعبي يسجّل هدف التعادل ….دعوني ابحث عن صورة مقاربة لما عشناه ..عندما نغوص في البحر لمدّة ما حتى انتهاء الاوكسجين بداخلنا نًسرع في الخروج من عمق اليمّ الى سطح الماء ..هنالك لحظة فارقة وهامة جدا لا يتجاوز عمرها عًشر الثانية ..لحظة خروج الرأس من تحت الماء ….هو من جهة يضرب الماء حتى يتجاوزه ومن جهة ثانية لحظة التزاوج مجددا مع الاوكسيجين … هي الشهقة الجميلة بالعودة الى الحياة …هي تحدّي الموت والانتصار عليه ..هي لحظة الصراخ دون صوت بأن الواحد منّا مازال حيّا …الغطس تحت الماء عندي هو بمثابة تحدّي الموت… انا تحتك ايّها الماء ميّت ولكن اتحداك وساعود حيّا ..اقول هذا فقط من زاوية تقريب الصورة الى الاذهان …اذ انّي اجبن الناس في علاقتي بالبحر ..احبّ البحر بشكل خرافي ولكنّي اخافه جدّا ..في داخلي قناعة بأنه هو ايضا يحبّني جدا وابدا ان يتركني ابارحه لو جازفت يوما ودخلت الى يمّه …نعم في داخلي قناعة متجذّرة فيّ كأني به حينما ارمقه بعشق كبير يبادلني ذلك العشق ..والقناعة تتعمّق اكثر الى مستوى التخاطب ..اخاطبه بعشقي للجمال وهل هنالك امتع من جمال البحر بموجه صاخبا كان ام هادئا… فيخاطبني باسلوبه هامسا احيانا هادرا احيانا اخرى: (يا نهارت اللي نطرّف بيك ..والله لا نسيّبك)… سيضمّني الى سكّانه دون رجعة لذلك لم ولن اتجرّأ يوما على غزله او بعبارة ادق على مندافه …

حين سجّل “العقربي” هدف التعادل كانت الشهقة وقتها مُدوّية … طبعا انا تعمدّت قول العقربي اذ انّ المُسجّل كان علي الكعبي ..وتعمُّدي هذا مأتاه انّ الجميع (تونسيين عربا افارقة ..والمعلّق الفرنسي) كانوا منبهرين باللاعب رقم 8… انه المعلّم …ورغم الماكينة الاعلامية انذاك للمكشّخة كي يكون طارق هو نجم تونس الاوّل، فان الاجماع لمن يفهم سحر الكرة تونسيا عربيا وافريقيا واوروبيا كان حول العقربي ..وحتى اقف قليلا عند هذه النقطة ساحاول تفسير الفارق بين حمادي وطارق …في معاهد تعليم الموسيقى يتخرّج العديد من الطلاب بديبلومات في علم الموسيقى ولكنّ قليلين من يصبحوا ملحّنين مبدعين ..احمد فؤاد حسن هو من اهم قادة الاوركسترا في مصر الشقيقة ولكن ابدا ان لحّن اشياء تُذكر باستثناء بضع القطع الموسيقية ..فبقدر ما لا احد يُنكر حذقه لإدارة الفرقة الماسية … وهو فعل ذلك مع الكبار وردة عبدالحليم نجاة… بقدر ما لا ولم ولن يستطيع ان يصل الى مرتبة المبدعين في التلحين لأنّ التلحين موهبة والموهبة لا نتعلمها في المدارس …

من هذه الزاوية يبقى طارق قائد اوركسترا ممتازا ويبقى العقربي المبدع الساحر … وفعلا كان في الارجنتين الطائر الذي غرّد خارج السرب ولفت انظار عاشقي السحر والابداع واسألو كاسبرجاك عمّا فعله به ..(بعثو من روزاريو حتى لجنوب افريقيا) … بعثه الى حيث بقي التاريخ يضحك عليه بحركة واحدة لا يعرف سرّها الا المعلّم ..دعوني اختم كلامي عن حمادي وهو الذي يستحقّ مجلّدات …كان ذلك في بداية الثمانينات وكان الدربي بين السي اس اس والرالوي وكان ان كلّف مدرب الرالوي مدافعا اسمر اللون يُدعى الطرابلسي بالرقابة المشددة على حمّادي… قال له: (تلقاشي تسعة داخلين راسهم راس الڨول اش يهمّك فيهم سيّبهم و شدّ حمّادي اكاهو)… التزم هذا المدافع بتوصيات ممرنه وبكل شراسة …حمّادي فهم اللعبة وفي كرة وصلته اوهم ذلك المدافع بانّه سيعطيها لاحد زملائه في الفريق وبلغة يفهمها الكوارجية (قرص الكورة)… فذهبت سنتمترات وعادت اليه ليجد المدافع نفسه مذهولا امام هذه الحركة ويواصل حمادي طريقه ليسجل الهدف ..

المدرب استشاط غضبا من لاعبه واخذ يصيح في وجهه قائلا: (اش قلتلك … هكة تخلّيه يتعدّى منّك يا بهيم؟) … المدافع كان مازال في ذهوله عندما ردّ على مدرّبه: (اش نعملّو عمل واحد اثنين هو والشيطان) …ذاك هو حمّادي …وتواصلت شهقاتنا مع الثاني لغميض وانفجرنا مع الثالث لذويب …وقتها ذابت باريس نهائيا بالنسبة لنا نحن التونسيين ..اندثرت تماما ..لاننا حوّلناها الى ضواحي المنزة بتونس او شاطئ بوجعفر في سوسة او المائة متر، شارع الهادي شاكر بصفاقس… اختفت كل الاغاني الفرنسية وحضر النشيد الرسمي التونسي ويا ديني محلالي عرسو والله الله يا بابا سيدي منصور يا بابا …يومها كنّا فعلا افضل سفراء لتونس… الانتصار وتونس العزّة والفخر ..يومها كنّا افضل من اي خطاب سياسي ..افضل من ايّة نشرة اخبار وافضل من اي برنامج سياحي حول تونس … يومها لم نقم بتكسير بللور واحد ولا بتهشيم سيارة واحدة ولا بحرق ايّة عجلة واحدة …كنّا فعلا على درجة كبيرة من التحضّر وهو الامر الذي زاد في تلميع صورة تونس من خلال سلوكنا الحضاري …

و”امشي يا زمان وايجا يا زمان” …ليتحوّل التونسي الى ارهابي يدعس الناس بعربته المجرورة ويقتل ويذبح هنا وهنالك في بقاع متعددة من انحاء المعمورة …قال اشنوة قال ثورة الربيع العربي ..انها مهزلة التاريخ العربي، حيث نتحول دون وعي منّا الى قردة وببغاءات ننفّذ اجندات غربية تستعمل فيها احيانا اليسار واحيانا اخرى اليمين… يوهمونهم بأن العصر عصرهم وانّه حان الوقت ليكونوا الخلفاء … وبكلّ غباء نبتلع جميعا الحربوشة ولم نكبّد انفسنا حتى عناء التساؤل وبكل بساطة: متى كان الغرب يهتم لمصالحنا وهل يسمح لاية خلافة ان تقوم هنا وهنالك ؟؟؟ اهكذا بكل غباء ينتحر الغرب .؟؟…متى ندرك ان كل الدّول الغربية دون استثناء كان ومازال كل همّها تشتيتنا وتشريدنا… حتى تضمن لاسرائيل سلاما يمتد على قرون وتضمن لمصانعها الحربية ان تعمل لتسويق اسلحتها …؟؟؟؟.. السنا بعالم صايع من حيث الفاعل و خاصة المفعول به …؟؟؟؟

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الدنيا ليست بخير كما يزعمون…

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…

هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…

فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟

وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟

فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟

هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…

أكمل القراءة

جور نار

ملاّ ليلة كلبة!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…

سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…

جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة  ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…

نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”

ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”

نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي  منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”

هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”

نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”

همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…

نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….

شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…

ملا ليلة كلبة…

أكمل القراءة

جور نار

محمد الأطرش يعود: نحن… ولعنة “الخوف الديمقراطي”!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

التقيت صديقا من مشاكسي أيام زمان فاقترح علي مجالسته لبعض الوقت في أحد مقاهي المدينة فقبلت بالأمر… جلس وأشعل سيجارته وقال “حين تسأل اليوم من يعترضك من المارة أو أحد الأصدقاء كيف حالك؟؟ غالبا ما تكون الإجابة (الأمور ليست كما هي… جميعنا نعيش تحت غطاء الخوف)… تسأله مم الخوف؟ يجيبك (لا نعلم…)

هكذا جميعنا اليوم أو أغلبنا، هل ورثنا ثقافة الخوف عن أبائنا أم هي ثقافة كسبناها مما عشناه ونعيشه، ما رأيك يا صديقي في هذا الأمر؟؟” قلت: “في العهود التي مرّت بها البلاد وعشناها كنّا نخاف كل شيء، فحين كنّا صغارا كان خوفنا كبيرا من أمّنا ومن إخوتنا الكبار، وكنّا نعيش الرعب مع والدنا خوفا من عقاب شديد لا نعلم لماذا ومن فرضه علينا وبأي قانون وقع فرضه…ثم حين كبرنا وكان ذلك في عهد بورقيبة رحمه الله أصبح الخوف أوسع واشمل…وأخذ طابعا آخر فعشنا الخوف من مكاتب الشُعب ومن يعمل فيها ومن رئيسها فكان أغلبنا يمرّ أمام مكتب الشعبة مطأطئ الرأس صامتا يلقي التحيّة دون أن يلتفت إلى على من ألقى التحية… وقد يصل الخوف ببعضنا بأن يرفع عقيرته بالصراخ (نموت نموت ويحيا الوطن…) وقد يرفع عقيرته بالنشيد الوطني وكأنه في تحية العلم الصباحية،

كبرنا وبدأنا نفاخر ببعض الشعيرات التي غزت ذقوننا ولم يغادرنا الخوف بل أقسم أن لا يفارقنا ويتركنا في حالنا، فاصبحنا نخاف عون الأمن وأقاربه واصهاره ومن يجالسه…ثم عرفنا دور العمدة ومدى قربه من السلطة والحكم فأصبحنا نخافه ونخاف من يعمل معه ومن يجالسه ومن يرافقه ونخاف أهله وأصهاره وحتى أصدقاء صغاره…ولم تسلم المدرسة ومن يعمل فيها من خوفنا… فكنّا نخاف حين نمرّ أمام بوّاب المدرسة من وشاية تسبقنا إلى مدير المدرسة… معلمنا أيضا لم يسلم من خوفنا…فكنّا أيضا نخاف من وشاة القسم، فبعض من هم أقرب منّا إلى المعلم ويلاطفهم بتوصية من زميل له يعمل بالمدرسة التي لا تبعد عن مدرستنا كثيرا، كانوا يقرؤون في حصة القرآن “قل أعوذ برب الناس” ثم يذهبون ليوسوسوا في أذن المعلم عمّا يفعله بعضنا خارج القسم والمدرسة، فتنزل ببعضنا أشدّ العقوبات فيغلق في وجهنا مضيق هرمز… عفوا باب القسم فنمنع من الدخول…

هكذا كان لكل من مرّوا بحياتنا وشاة ينشرون الرعب والخوف… فمدير المدرسة وحارس المدرسة وبوابها… والأستاذ… وابن الأستاذ وابن أخت الأستاذ… والعمدة وجار العمدة وقوّاد العمدة… ومخبر قوّاد العمدة… والمعتمد وابن المعتمد… وصديقة ابن العمدة وابن المعتمد وابن شقيق الوالي وحارس الولاية وقوّاد الوالي ومن يجالسهم ومن يتعاملون معه في السرّ والعلن… جميعهم أذاقونا وجع الشكّ في القوادة فكنّا نخافهم بسبب ودون سبب ولا نعرف حتى لِمَ وجب علينا أن نخافهم ونخاف وشاتهم …ث

م كبرنا…وحين أصبحنا في عمر يسمح لنا بالوقوع في حبّ ابنة جارتنا فتحية أو زميلتنا في القسم كنّا نخاف أبناء الحي والأحياء المجاورة… فالوقوع في الحبّ ليس في متناول الجميع في أيامنا تلك… وابن الفقير لا يسمح له بالتقرّب من ابنة العمدة أو رئيس الشعبة أو ابنة مدير المدرسة وقد يعيش الرعب لو عاكس ابنة المعتمد أو ابنة رئيس مركز الشرطة، ففي أيامنا تلك حتى الوقوع في الحبّ بالأكتاف…فـــ”مها” لا يمكن لــ”خليفة” ان يقترب منها ويعاكسها… و”الشعلاء” أيضا فليس لها الحق في أن تعشق أو تعجب بــ”نوفل” و”كمال”… فـــ”نوفل” هو ابن المعتمد و”كمال” هو صاحبه ابن العمدة… لـ”خليفة” لالحقّ كاملا في معاكسة “برنية” و”أم الخير” لكن لا حقّ له في الاقتراب من “ابتسام”…فالاقتراب حينها يصبح سامّا وقد يعرّضه لعقوبات وتتبعات ومضايقات وملاحقات و”شفطات” وويل وثبور وعظائم أمور…

وهكذا كان أيضا عهد بن علي رحمه الله… فتواصلت معنا لعنة أو لنقل ثقافة الخوف … الخوف مما سبق الى ما لحق… فكنّا نخاف بن علي رحمه الله ومدير ديوانه وأعضاء ديوانه وأقاربهم وعائلاتهم وأصهارهم ومعارفهم ومن يجالسهم من له أرقام هواتفهم… كما عرفنا الخوف من كل الوزارات ومن يعمل فيها ومن يديرها ومن يدخلها ومن يجالس من فيها وعائلاتهم وأصهارهم وأبناء عمومتهم… ودبّ الخوف أيضا في قلوبنا من أعضاء مجلس النواب واللجنة المركزية والديوان السياسي وكل من له علاقة أو صلة بهم وبأحد أقاربهم وأتباعهم ومن يجالسهم ومن يصاهرهم ومن يعرف أرقام هواتفهم … دون أن ننسى خوفنا الدائم من الوالي والمعتمد الأول والمعتمد والعمدة وصديق العمدة وعمّ العمدة وخال زوجة العمدة وابن أخت العمدة وسائق الوالي والمعتمد والخ الخ الخ….

ثم وقع إضافة بند آخر في قائمة الرعب، فتوسعت القائمة لتشمل ليلى وأخواتها ومن يجالسها ومن يصاهرها ومن يعرف رقمها ورقم إخوتها… ثم سافر بن علي رحمه الله لأداء مناسك الحج والعمرة والموت في البقاع المقدسة… واستوطن التتار والمغول والفيكينغ أرضنا وجاء جنكيز خان على حصانه المخطط رافعا سيف العدالة والديمقراطية والحرية فلا خوف بعد اليوم لا من ليلى ولا من فتحية ولا حتى من “مولاة الخلة الخمرية”…فأصبح الخوف الديمقراطي أكبر واستوطنت الأحزاب التي خرجت علينا كالفقاقيع كل مقرّات المغفور له التجمّع الدستوري الديمقراطي… فأصبح الخوف ديمقراطيا شموليا… فالولد يخاف من أمه ومن والده ومن إخوته ومن جاره وأصهاره وأبناء عمومته ومن كلبه ومن قطته…

فخرج علينا اليسار يهددنا بالويل والثبور والكثير من الجاوي والبخور… وخرج علينا شيوخ الدين يولولون ويكفّرون ويهددون بجهنم وبئس المصير والمسير… ثم جاء بعض من هم في الاتحاد فأصبحنا جميعا في نظرهم من الأوغاد فخرّبوا الكثير من البناء وأرهقوا البلاد والعباد…فحلّ الرعب والخوف والاستبداد… وحكم بعض رجال الاتحاد البلاد … فأصبحنا جميعا نخاف الأمين العام والكاتب العام ورفيق الأمين العام وصديق الأمين العام وجار الأمين العام وابن عم الأمين العام ومن يجالس الأمين العام ومن يصاهر الكاتب العام وقوّاد الأمين العام… فقط السؤال اليوم هل لخوفنا هذا ما يبرره؟؟؟”

ثم نظرت إلى ساعتي فضحكت وسكتُّ…فقال صديقي لِم ضحكت ولم سكتَّ أكمل؟ قلتُ: الساعة الآن منتصف الليل يعني الساعة صفر وبلغتك أنت صديقي الساعة الصفر هي ذاتها الساعة الرابعة والعشرون وأنا وعدت زوجتي ألا أكون خارج المنزل بعد الساعة صفر… ضحك وقال: “الخوف يدير الجوف يا صاحبي …”

Motif étoiles

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار