تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 60

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

وحان يوم العودة النهائية الى تونس … كان من الصعب عليّ ان انتقل على سيارتي من باريس إلى مرسيليا بمفردي … فرخصة سياقتي يعود تاريخها الى سنة 73 بعد 11 ساعة فقط من التدرّب على السياقة ثمّ (امسح مات) بعدها … لم اضع يدي على ايّ مقود فكيف لي ان اغامر بسياقة سيارة ؟؟؟

عبد الكريم قطاطة

لم تطل حيرتي حيث اقترح عليّ احد الزملاء التونسيين الدارسين لهندسة الفيديو بنفس معهدي التكفّل بالمهمة، على ان أوفّر له مصاريف تنقّله ذهابا وايابا باريس تونس وتونس باريس عبر ميناء مرسيليا … وكان ذلك …تلك كانت المرّة الوحيدة طيلة حياتي التي اسافر فيها بحرا … مكرها لا بطل.. الم اقل لكم انّه بقدر عشقي الجنوني للبحر بقدر خوفي المرضي منه؟؟؟ وحتى اجمّد ذلك الخوف الرهيب بداخلي حرصت على اخذ اقراص منوّمة ممّا مكّنني من اغماض عينيّ، والاستسلام الى نوم ليس كالنّوم بميناء مرسيليا لم استفق بعده الاّ في ميناء حلق الوادي …

عند الوصول بدأت متاعبي المهولة مع السيارة …رفضت وبعناد كبير ان يشتغل محرّكها … رصاتلي ندزّ فيها انا وبعض المتطوعين وحشمتي على وجهي … الله الله عليك يا سي الطوالة جايب كرهبة من فرنسا ومن اوّل يوم تشمّر على سواعدك (غير المفتولة طبعا) وعرقك شرتلّة …_ غادرت الميناء صحبة زميلي المهندس الذي تولّى أيضا سياقة السيارة من تونس الى صفاقس وبالتحديد الى مقرّ سكناي بساقية الدائر حيث حوشنا الجميل .. ولكم ان تتخيّلوا المشهد …سيارة تلمع لمعانا تتبختر في ازقة رملية وتقبع ليلا امام حوش متداع للسقوط …كم هي سريالية تلك اللوحة … ولتقريب المشهد فقط تصوروا الاميرة ديانا في طمبكها قبل ان يفتك بها من رفض علاقتها بذلك العربي تصوروا ديانا (تحبك في الشعير في محبس) … او تغسل في دوارة العيد وخوفها الكبير من جهلها بفنون تنظيف الفحتة طلاّقة النساء …

فرح العائلة كان دون حدود ..الوالد كعادته كان مزهوّا بابنه (اللي في نظرو ولّى موش فقط راجل بل سيد الرجال اشبيكم راهو جاب كرهبة من فرانسا)… خاصّة وهي اوّل بل الوحيدة التي امتلكها واحد من سكّان الحوش .. لذلك كان يدعو الجميع لزيارتها والتبرّك بها في زهو ودلال دون حياء ..امّا عيّادة فكانت دوما من الفصيلة التي تشهق صمتا بفرحها …هل تفهمون جيّدا ما معنى ان يشهق الواحد منّا صمتا بالفرح … انّه الوجوم الجميل الذي لا حراك فيه ظاهريّا والذي تتشابك فيه كل الشرايين داخليّا في حركة مرور مزدحمة جدّا ..كلّ شريان فيها يريد ان تكون له الاسبقية والتمتّع بالسبق ليجنّح .. ليصرخ.. ليبكي بفرح … ليقول يا ربّاه … الا انّ انانية كلّ شريان للظفر ببطولة السباق للحصول على ذاك السبق الصحفي تسّد عليهم ابواب البوح من جراء ازدحامهم … فتبقى الشهقة حبيسة الصّدر …

في الغد صبّحنا والملك لله وكان عليّ ان اتعامل مع زمردتي بما اتذكّر من قواعد السياقة … شغّلت المحرّك وندهت .. ويعد 20 مترا وانا احاول ان اعكس المقود لآخذ منعرج الخروج من الجنان الى الزنقة الرئيسية وجدتني ادخل في الطابية … وكم هي كثيرة نعم الطوابي علينا …اذ باستثناء “استئجارها” من لدن سكان غير مرغوب فيهم تماما (العقارب) والتي تتعدد في حجمها واصنافها وتُعتبر من اقرب الجيران الينا خاصّة عندما تخرج ليلا تتمشّى وتتبختر بيننا اينما كنّا … العقارب في حوشنا من الفصيلة الجريئة جدا في تعاملها معنا ..اكاد اكون الوحيد الذي لم تسع يوما لتقبيله من نوادرها المؤلمة ان الوالد رحمه الله بعد ان ذهب الى بيت الراحة (يعمل بيشار، هكذا كانوا يقولون عن تعامل الفرد مع بيت الراحة …بيشار ؟؟؟ وفقط … لا اعرف لا معنى ولا سرّ اختيار هذه الكلمة والتي عُوّضت الان بـ “بيبي”)…

عند عودته بعد البيشار تمكّنت بيه صيفة عقرب … قنفود على حالها … وهرع الى الثوم يأكله كما لو كان يأكل قطعة فقّوس… عندما وصل الى المستوصف ساله الممرّض ماذا فعلت حتّى تنقذ نفسك من قبلة العقرب المسمومة اخبره بذلك الانتيبيوتيك الثومي …اثنى عليه وقال له …هاكة اللي جابك للصواب … من نوادر مؤنستنا دوما العقرب عافاكم الله انّه كانت لي ابنة عمّ تستعد لزواجها …الا انّ اهل عروسها لم يُوفوا بوعودهم في حكاية الشرط …والشرط انذاك اتفاق بين العائلتين المتصاهرتين حول الجواهر والملابس والمواسم التي يتكفّل بها العروس لعروسته … يومها كانت ابنة عمّي رحمها الله غاضبة جدا من اهل عروسها الذين اخلّوا ببعض تفاصيل الشرط ..فما كان منها الا ان انهالت عليهم بالدعاء وكانت آخر دعواها (يعطيهم عقرب) … ودعوتها طلعت دخان للسماء واجابتها العقرب لتوّها وعطاتها حسابها …

عودة لمزايا الطوابي التي هي حيّ النصر لآل عقرب وهو الاستثناء هي المعبد الهام والجميل لسلطان الغلّة ..انذاك كان سطل الهندي يُباع بخمسة مليمات ..ونبدا نقّرق بالشاري …واليوم اصبح الهندي ارفع ثمنا من الموز … اووووووووووووووووف من الدنيا وعمايلها … والحقيقة اووووووووف منّا ومن عمايلنا …. قضينا على كلّ الطوابي وتربّضت الغابات وغاب بريقها وانتفت رائحتها الى الابد …كم لا نُقدّر نعم الاشياء الا بعد فقدانها …

يوم سياقتي للسيارة بعد 6 سنوات صوما عن السياقة كان فضل الطابية عليّ كبيرا …داهمتها بجهل منّي في استعمال المقود فقابلت هجمتي بروح رياضية ولامست سيارتي بكل لطف وهي تهمس: (موش من ثمّة يا ولد موش من ثمّة)… هذه العبارة ذكرتني بحكاية واقعية لصديق ذهب لأوّل مرة في حياته الى دار خناء علني وكان ان وجد نفسه مع بائعة هوى مالطية… ولأنه لأوّل مرّة دخل فيها قعباجي… فما كان من تلك بائعة الهوى الا ان استغربت جهله وصاحت …موش من ثمّة موش من ثمّة … وما كان منه الا ان ردّ عليها موش مشكلة يا مدام البرّ الكلّ جايينو ..تقولشي فلاّح ماشي يميّل جنانو …

اعود بكم الى تلك الحادثة مع الطابية لاقول لكم انّها كانت المرّة الوحيدة في حياتي التي فقدت فيها السيطرة على المقود يعني ضربة الزلوع … عدّلت المقود وغادرت المكان ..في مرحلة اولى كان اللقاء بالاصدقاء في بيتنا الدائم حانوت الحلاق بو احمد ..وبجانبه سي المبروك الحمّاص رحمه الله وهو ينظر الى ابنه كُريّم بسيارته الجديدة بكل فخر واعتزاز… بعد ذلك كان التوجّه الى اذاعة صفاقس في محطّتي الثانية …في تلك الفترة لم اكن اعرف من الزملاء في اذاعة صفاقس سوى فئة قليلة… المدير قاسم المسدّي رحمه الله والزميل الهادي المزغني اللذين اعرفهما من فترة زمالة بالتلفزة التونسية عشناها معا منذ 1972 قبل نقلتهما الى صفاقس… والزميلين مختار اللواتي (زميل دراسة بالحي الزيتوني، 15 نوفمبر حاليا) والزميل عبدالمجيد شعبان الذي كان يدرس ويشتغل بشكل مواز في معهدي كقيّم ..وبعض الاسماء القليلة من الذين كانوا يعرفونني من خلال عملي بالتلفزة التونسية وظهور اسمي على الشاشة كمركّب افلام …

من ضمن هؤلاء كانت ابتسام الغطاسي انذاك …لقيتها اوّل مرة بمكتب الزميل الهادي المزغني ..انا اعرفها منذ كانت تلميذة وكانت ناشطة جدا ومغرمة بالمحاضرات والشعر … يوم التقينا قدّمني لها الهادي المزغنّي وكانت فرصة لتدعوني لمشاركتها كضيف في حصتها العاب وانغام مع ابتسام …كانت هنالك بيننا تقاطعات فكرية وفنّية متينة تحوّلت في ما بعد الى صداقة متينة جدا مع عائلتها وللقصّة بقايا في ورقات لاحقة ..دعوني اقل وبكلّ الم الدنيا وبايجاز ..كيف لاذاعة مثل اذاعة صفاقس ان تتخلّى عن واحدة من افضل المنشطات في البرامج الثقافية في الاعلام التونسي: ابتسام المكوّر ..؟؟ وكيف لاذاعة مثل اذاعة صفاقس ان تتخلّى عن واحد من افضل القامات العربية في الميدان الصحفي… زميلي الكبير جدا عبد المجيد شعبان ؟؟؟؟…..صدقا جريمة كبرى في حقّهما وفي حقّ اذاعة صفاقس …وللحديث حتما عودة …

مدّة اطلالتي لم تدم بصفاقس… اذ بعد ان زرت كلّ الاقارب وفي مقدمتهم عائلة خالي اي عائلة خطيبتي (ووين نحطّك يا طبق الورد) كان عليّ ايضا ان اعود الى العاصمة لترتيب بيتي بنهج كندا وللاستعداد لتسلّم مهامي الجديدة بمؤسستي التي غادرتها مركّب افلام وعدت اليها مخرجا … بداية قمت باحضار ملفّ كامل لهذه الوضعية المهنيّة الجديدة حتى تتمّ معادلة الديبلوم في وزارة التعليم العالي بما يتوافق مع ما يوازيه في الجامعة التونسيية … ديبلومي في المعهد الفرنسي هو مواز لست سنوات تعليم عال في الجامعة الفرنسية …الا انّ سيادة الجامعة التونسية استكثرت علينا هذه الدرجة المعترف بها دوليّا واشترت ديبلوماتنا بالصولد ولم تمكنّي انا وزملائي المهندسين الذين تخرّجوا في نفس دفعتي الا من اربع سنوات جامعية …

لكنّ الاغرب انّي وجدت نفسي مرسّما كمهندس لا كمخرج …اي وقع اعتباري كواحد من زملائي المهندسين ودزّ يخطف …. وبقدر ما اغتبط لي زملائي في اختصاصهم واعتبروا ذلك خطأ من نوع ربّ ضارة نافعة باعتبار انّ المهندس انذاك يتمتّع بامتيازات مادّية هامّة جدا مقارنة بسلك المخرجين… بقدر ما عادت اليّ طباعي العنيدة ورفضت رفضا قاطعا القرار ..اي ضحك على الذقون هذا … ايّة علاقة لي بسلك المهندسين وانا الذي لا اشمّ شيئا في ميدان انا اجهل الجاهلين فيه …ثمّ المشكلة اساسا بالنسبة لي مشكلة مبدأ… انا غادرت مؤسستي لاحرز على ديبلوم عال في المونتاج و في وسط الطريق ارتأت ادارة معهدي رسميا على إثر مذكّرة من اساتذتي أن احوّل وجهتي الى الاخراج فكيف لي ان اقبل باختصاص لا ابجدية لي فيه …وهل كان المال يوما محدّدا لاختياراتي ..؟؟؟

رفضت رفضا قطعيا الامر وطالبت عبر عشرات المراسلات باعادة النظر في وضعيتي وتمكيني من حقّي الذي لا نقاش فيه …المراسلة الاولى كانت في شهر افريل 1979 ولكن الاستجابة لم تتمّ إلا سنة 1990 .. 11 سنة من عمري وانا جاثم في النقطة الصفر معنويا وماديا …. عمر الشاقي باقي ومازال مازال …هنا وللامانة التاريخية عملية حصولي على حقّي كانت بتدخّل من صديقين لن انسى جميلهما في ذلك… اوّلهما الزميل والصديق صلاح معاوية والذي شغل في تلك الفترة منصب رئيس مدير عام الاذاعة والتلفزة التونسية.. علم بالامر فدعاني الى مكتبه ودعا الزميل مختار الرصاع الذي كان يحتلّ انذاك منصب مدير التلفزة واوصاه بالتعجيل في اصلاح الوضعية، معتذرا عن عدم رجعية مفعول العملية لأن ذلك ليس بمقدوره ….شكرا سي صلاح شكرا سي المختار …

عندما عدت الى مؤسستي بعد عطلة دامت شهرا كاملا … ارتأت الإدارة ان اشتغل بقسم شريط الانباء حيث تنتظر تونس احداثا هامة في الخريف لعلّ اهمّها انعقاد مؤتمر الحزب الاشتراكي الدستوري (وفاء وتقدم) في شهر سبتمبر… ومؤتمر القمة العربية في نوفمبر بعد انتقال الجامعة العربية لتونس اثر معاهدة كامب دافيد وانعقاد قمّة بغداد نوفمبر 78 وقرار القطيعة مع مصر السادات… الحدثان هامان جدا بالنسبة للدولة التونسية انذاك… اذ انه داخليا بدأت تتشكل داخل الحزب الاشتراكي لعبة التحالفات وخارجيا على تونس ان تحتضن الاشقاء العرب وهي المعروفة بوسطيتها وحكمتها ..ولهذا كان على جميع الاطراف ان تجنّد خيرة الطاقات لتامين هذه الاحداث المنتظرة ووجدتُني في قسم شريط الانباء مع ادارة جديدة للاخبار يرأسها السيد عبد الحميد سلامة ومع رئيس مدير عام جديد للمؤسسة السيد سالم بوميزة …

كنت بالنسبة لهم الرجل الثقة والرجل الكفاءة … وبدأت مرحلة هامّة في حياتي على قصرها …مرحلة تميّزت بالتّعرّف وعن قرب على ماكينة الحزب اعلاميا وعلى المناورات التي اودت برؤوس البعض واهانت البعض الاخر ومن حسن الحظ اعادت للبعض منهم الاعتبار … عالم وسخ قذر الى حد القرف …لعلّ اهمّ ما علّمني ان رجال السياسة وبيادق اعلامهم هم كالقردة في الغاب اذا تشاجروا افسدوا الزرع واذا تصالحوا اكلوا المحصول ويبقى الشعب المسكين الضحية …تذكّروا هذه القاعدة جيدا للمفكّر جورج اوريل حتّى نتاكّد معا انّ ما حدث في عهد بورقيبة من صراعات القردة لا يختلف في شيء عن صراعات الشامبانزي بعد 14 جانفي …اليست السياسة وكما قال انيس منصور هي فنّ السفالة الانيقة ..؟؟؟ قلت انّ المرحلة كانت هامة جدا لأنّ نهايتها شهدت منعرجا تاريخيا في حياتي الاعلامية ..منعرج الاقدار …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

موقف الدول العربية من الاعتداء الوحشي على غزة:

صن نار