تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 64

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

الخيبة التي لا تُولّد شرارة الانتفاضة تعني الموت … والحلم الذي لا تحدّي فيه هو كحلم مهزوم نخرته النكبات واستسلم للخرف ..

عبد الكريم قطاطة

هكذا كنت اردّد مع عبدالكريم الآخر وانا اغادر حوشنا لأعانق اوّل مرّة مصدح من البريد الى الاثير، خيبة فشل النواة التلفزية وقبرها، وتحدّي الواقع الاعلامي الباهت انذاك… اذن لابدّ من رؤية اخرى ومستمع آخر ورسالة… في تلك الفترة كان هناك اسمان فقط شغلا الناس اذاعيا… المرحومان صالح جغام ونجيب الخطاب وقبل دخولي دنيا التنشيط كنت من ضمن مستمعيهما وباعجاب… كانا مختلفين جدا وكانا دوما متنافسين جدا في الخفاء والعلن… عندما عدت من باريس بعد اتمام دراستي في العلوم السمعية البصرية اصبحت استمع اليهما باذن ناقدة وفهمت من خلال دراستي معنى الاختلاف لديهما… كان نجيب ممتعا جدا وكان صالح مقنعا جدا… والتنشيط علميا هو الذي يحقّق المعادلة بين الامتاع والاقناع… وكانت الثغرة التي عملت من خلالها على تحقيق تلك المعادلة…

هذه كانت النقطة الاولى في استراتيجيّة عملي… الثانية تتعلّق بالمستمع التونسي في تلك الفترة… هو امّا سلبيّ للغاية بطبعه او مفقود تماما لأنه مغيّب اراديّا من لدن السياسة الاعلامية حتى تتجنّب اخطار وجوده كفاعل وشريك في المشهد… اي (فكّنا من بلاه)… وهذا كان بالنسبة لي تحدّيا كبيرا حتّى اجر السلبي جرّا الى ساحة اعمال الفكر اوّلا، والى تحطيم جدران الكهف ليخرج الى النور… هذا من جهة، ثمّ اجبار اباطرة الاعلام على حلحلة مواقفهم وبتدرّج قد يصل بهم يوما الى الخضوع لواقع اعلامي آخر…

المفصل الاخير الذي خطّطت له هو الرسالة… انا ترسخت لديّ قناعات من خلال تكويني المعرفي من ناحية وحسّي الوطني من ناحية اخرى، انّ السلطة الرابعة هي ديكور باهت اذا لم يكن المنضوون تحت لوائها اصحاب موقف واصحاب رسالة … ومن ثمة كنت ومازلت اعتبر الحياد كذبة كبرى والاعلامي الذي لا موقف له هو اشبه بـ”روبو” يعبث به من يشاء عندما يضغط على زرّ من ازراره كي ينفّذ فقط ما يريد الضاغطون عليه من مواقف… وهو ما نسميه الان اعلام الاجندات… كنت ومازلت اومن بأن لا اجندة الا للوطن وللانسان.. وفي هذه النقطة بالتحديد لا فُضّ فوه الكاتب المغربي المزلزل محمد شكري وهو يتحدث عن مهمة الكتابة والكاتب فيقول: {انّ مهمة الادب الاساسية كما اعتقد هي الاستنكار والاحتجاج والتمرّد على كلّ واقع مسكون بالبؤس والعفونة والاستغلال البشع}…

اليست هي ايضا مهنة ورسالة الاعلامي ..؟؟؟

عندما اقترح عليّ المرحوم قاسم المسدّي المساهمة في برنامج من البريد الاثير سعدت جدا بتلك المساحة اليومية من العاشرة صباحا الى منتصف النهار… سعدت لا لتوقيتها او مدّتها او معدّل بثها اسبوعيّا… بل لانّها مساحة اذاعية متخلّفة جدا في مضمونها… اذ ماذا يعني ان نبقى ساعتين يوميّا فلان يُهدي اغنية لفلانة و فتاة تُهدي اغنية لأمها وهي تقطن معها تحت سقف واحد .. ايّة جدوى في ذلك ..؟؟ ايّة رسالة .؟؟؟ والغريب ان تلك الاهداءات في الاذاعات الثلاث وفي نفس التوقيت … الان ستفهمون اكثر معنى سعادتي .. كنت كذلك الفلاح الذي يجد نفسه امام ارض خصبة ولكنّها جدباء لا تنتج شيئا ..اليس عليه ان يشمّر على ساعديه للحرث والزراعة …؟؟؟ في انتظار مطر اوّلا وحصاد ثانيا … وعلى هذا الفلاح ايضا ان يعرف ماذا وكيف ومتى يزرع .. حتى تتحقق معادلة الامتاع والاقناع …

في من البريد الى الاثير بدأت خطوتي الاولى ولمدّة شهر كامل اقدّم تحيّتي ومعها قصيدة شعر لنزار قباني فقط واترك الاستوديو لمنجي وحسناء لتقديم اغاني الاهداء ..كنت اجسّ النبض …ومنذ الاسبوع الاوّل بدأ الغيث النافع يهلّ على زرعي ..شعر القباني والقاء عبدالكريم (ضرب) وبريد المستمع بدأ يتكاثر … بعد ذلك الشهر ادمجت اوّل ركن لصحافة الموقف في البرنامج وكان (قرأت سمعت شاهدت)… ضرب هو ايضا رغم الليونة والهدوء في تعاليقي حتى لا اثير قلق المراقبين واولاد الحلال… من داخل الدار ومن خارجها وتكاثر تكاثُر البريد . ثمّ جاءت دعوتي للمستمع للفعل التشاركي ..لاخراجه من قمقم المستهلك واخترت له ابسط السبل: انتقاء حِكم او مقولات واسميت الركن (كلمات من ذهب)… ثم تلته اركان اخرى لمزيد تفعيل دور المستمع في انتاج البرنامج…

ثم جاء دوري لاكون بجانب هذا المستمع في محيطه في بيئته في بيته وانا اتنقل اسبوعيا كل احد لزيارته على عين المكان ولتسجيله كعضو فاعل بصوته ..بكيانه ..بمشاعره ..بآماله وما اجمل الآمال ..وبآلامه وما اجمله وهو يئن امام المصدح انينه الصادق …. الركن انذاك (مع احباء البرنامج على عين المكان) ..وهو ركن اتاح لي زيارة معظم مناطق تونس التي لم اكن اعرفها من قبل واتاح للمستمع ان يوصل صوته … اليس ذلك حقّه المشروع ..؟؟ ما قيمة الاذاعة دون حضور فعلي لمستمعيها …قلت فعلي واضيف فاعل ..لان المستمع الذي يكتفي بالحضور الباهت الماسط موجود وسيبقى موجودا اذا لم يأخذ المنشط بيده كي يرتفع به الى الاجمل والارقى… ولكن انّى لمنشّط ماسط وباهت وفارغ ان يرتفع بالمستمع ..وتلك هي معظم حالات منشّطي هذا الزمن الاحرف …. ضحك وتهنهين واستعراض عضلات ببعض الكلمات الفرنسية في حين ان جُلّهم لا يفرّقون بين les héros et les zéros الابطال والاصفار ، وهم ينطقونها في صيغة الجمع باللغة الفرنسية …

لنعد الى خرفاننا كما يقول المثل الفرنسي …كاينّي صعّبتها شويّة بهذا المثل الفرنسي على هاضوكا المنشطين اللي عمرهم ما كانوا منشطين …واللي البعض منهم دخلو بقفة زيتون او بالرمّان لبعضهن … هذي هاكة العام عملت زلزال كيف حكيت عليها ..ونساو اولاد الحلال اني استثنيت الزميلات الشريفات … ولي عودة لها عند اوانها لأني تعودت كذلك ان اقولها واُمضي ولا امضي…راجعين يا هوى ملوّث راجعين…هوى اعنيها وليست هواء …

تلك كانت استراتيجيتي في العمل ضمن برنامج من البريد الى الاثير .. تحسيس المستمع بعدم جدوى اغنية للاهداء والتقليص من وجودها مرحليا والقيام بعدعام واحد باستفتاء مع مستمعي البرنامج حول ضرورة بقاء ركن الاهداءات من عدمه ..وكان اوّل رهان اربحه .. المستمع ينادي بنسبة 90 في المائة بالغاء الاهداءات تماما وفسح المجال لاركان ومحتويات اخرى اكثر جدوى …وتضاعف بريدهم عشرات المرات… وكان بريدهم كما اسميته انذاك امانة حقا … اذ والله شاهد على ما اقول لم يطّلع ايّ كان على محتوى رسائل مستمعيّ ..ايّ كان ..علاقتي بالمستمع على مستوى الثقة تجذرت بشكل غريب … المستمع اصبح يعتبر المنشّط جزءا من حياته فيسقط عليه كلّ ما ينقصه في محيطه ..هو الاستاذ …هو الاب هو الاخ … هو الصديق …هو الحبيب ..هو الزوج … اي هو المفقود في الواقع المعيشي ..نعم …وهذا طبيعي جدا في غياب اي فرد من هؤلاء الذين ذكرتهم …انذاك سيُسقط على منشطه المفضل ذلك الدور بل ويتجاوز ذلك (وهي حالة لم يفهمها العديدون) المستمع وخاصة المرأة بفعل ظروفها الاجتماعية والبيئية التي حرمتها من عدّة اشياء… سيصبح المنشط بالنسبة اليها يقول الشعر فيها ولها وحدها ..كل الاغاني في الحصّة هي مهداة لها وحدها .. اي سيصبح المنشط عالمها الجميل في عالم لم تعش فيه يوما الجمال ..

ومن هنا جاءت غيرة العديدين من بعضهن البعض ..المرأة في مثل هذه الحالات تصبح لبؤة تغار بشدة على قرينها … لكن ما لا يعرفه الكثيرون من مستمعيّ ان بعض الرجال هم ايضا يغارون ..اما من المنشط على زوجاتهن ..وهذا اراه معقولا .. حتى ان بعضهم، وهذه حالات علمت بها منهم، كاد يُنهي حياته الزوجيّة نظرا إلى تعلّق زوجته المفرط بمنشطها …وذات يوم جلسا لمناقشة امر الطلاق فطلبت الزوجة من زوجها بكل رجاء ان يستمع مرة واحدة الى ذلك المنشط… فاذا به يُصاب هو ايضا بادمان العشق … وانتهى الخلاف… والقصص لا تعدُّ ولا تُحصى في هذا الامر ..

ومن جهة اخرى هنالك من المستمعين من يغار من المستمعات في حبّهن الغامر للمنشّط ويعتبرون انفسهم مهضومي الجانب عندما يقرؤون او يسمعون اشياء من النساء من نوع (هاكة متاعي وحدي) .. يوما ما، دخل واحد منهم على الخاص ليُعبّر لي عن غضبه من مثل هذه الظواهر بالقول (حتى احنا عندنا باي فيك ومتاعنا زادة)… تحدثت عن هذه الامور من اجل التوثيق… اولا لاني لست دون جوان ولا كازانوفا ولا جيجي لاموروزو . ولم ارد البتة التباهي بهذه الاشياء . ولكن ما اردت ان اوصله لكم هو الآتي: ليس هناك ايّ سرّ في تعلّق المستمع بمنشّطه… هذا لن يحدث الا اذا تحققت معادلة الامتاع والاقناع واذا كان المستمع شريكا في البرنامج واذا كان للبرنامج رسالة سامية… رسالة في سطورها حب الوطن ..حب الانسان ..الدفاع عن المظلومين والتحالف وبصفة لا تجادل مع الجمال ضد القبح ومع الحب ضد الكراهية ..انذاك فقط يتعانق الانسان مع الانسان حتى وان لم يره يوما في حياته ..وهل هنالك اجمل من عناق الانسان للانسان … اعانقكم ودون عقد …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

موقف الدول العربية من الاعتداء الوحشي على غزة:

صن نار