في 4 افريل من سنة 1980 كتبت في دفتري الخاص بحكايتي مع كوكتيل من البريد الى الاثير الفقرة التالية {ان العمل الاعلامي الذي لا يرمي صاحبه من ورائه الى تحريك ذهنه وذهن المستهلك … الى اسعاد هذا المستهلك بالاخذ والعطاء، هو عمل محنّط وفاقد لكلّ جدوى… وانا رفضت وسأبقى رافضا كلّ ما من شأنه ان يضعني في بوتقة اولئك الذين يعيشون خارج التاريخ … اولئك الصراصير التي تُزعج ولا تُجدي …انا رفضت وسأبقى رافضا ان اكون صرصارا …}
نعم كان ذلك بعد ثلاثة اشهر فقط من ولوج دنيا التنشيط الاذاعي عبر بوابة من البريد الى الاثير والذي اضفت له كلمة كوكتيل حتى اجسد التنوّع فيه… ولسائل ان يسأل… لماذا تلك التدوينة ..؟؟ ما الاسباب …؟؟؟ في اية مؤسسة هنالك ثلاثة اصناف تقريبا من الزملاء ..هنالك الزميل العياش …الذي لم يهمه يوما ما يحدث لا في مؤسسته ولا في مدينته ولا في بلده …يعيش يومه خالي الذهن من كل ما يحدث وفلسفته في ذلك (لا تدخّل يدك لمغاور لا تلسعك عقارب) … وهؤلاء داخلون في الربح خارجون من الخسارة… هم ينتفعون بكل ما هو ايجابي،خاصة ماديا، ولا خوف عليهم ولا هم يتظاهرون او يعتصمون او يرفعون اصواتهم هاتفين مطالبين مندّدين … هم من نوع (ياكلو البصل بافواه غيرهم)…وللامانة هم ليسوا كلّهم خبثاء او (محاسبية) بل هناك العديد منهم بسطاء الى حد الغباء …
الصنف الثاني من الزملاء وهم قلّة، هم اولئك الذي يشاركونك اشياء عديدة فكرا وقناعات … عندما تلتقيهم ترى في اعينهم البهجة الحقيقية ..تشتمّ فيهم رائحة الحبق والنعناع ..تسمع في اصواتهم الحب وللحب اصواته الجميلة ايضا والعذبة والشهية … وهنالك الصنف (المُريع) وكأنهم خُلقوا ليكون الواحد منهم (عُبّيثة) وهي كلمة يخوّفوننا بها ونحن اطفال وتعني جنّية مختفية ترانا ولا نراها ..وهؤلاء فعلا عُبّيثات لأنهم يروننا دون ان نراهم… عيونهم وراءنا… انوفهم وراءنا ..كالقدر المحتوم كالقضاء …هم غير قادرين على الحب امّا لأن الكفاءة تعوزهم او لأنّهم يريدونك مثلهم او (ومللخّر) مايحبوكش تكون كيف ما انت، يلزم تكون كيف ما يحبو هوما…
ولأنني خُلقت ومنذ طفولتي من فصيلة (اخيب منها ما ثمّاش): الرفض القاطع للتسليم بالامر الواقع او ما يعبّر عليه البعض بـ” التأقلم مع الاوضاع حتى ولو كانت مخالفة لقناعاتك” … عندي انا يعياو وهوما يقبضوا… والا ما فائدة ما تعلمته في دراستي منذ (اقرأ باسم ربّك الذي خلق) وفي “اقرأ” تكمن الدعوة الى الغوص في بحار من المعرفة الى آخر جوهرة طالعتها منذ ايام والتي تقول (يُرمى الحجر في بئر ثمّ ينتظر ليسمع صوت ارتطامه بالماء كذلك من لا يحبك يشتمك وينتظر ردّك فدعه يدرك ان بئرك اعمق) .. والشتيمة انواع منها الصريحة والعلنية (اي وجها لوجه) وقلّ من تجد في تلك الفترة من له الجرأة ليفعلها… او من وراء ظهرك امّا سخرية واستهزاء وتعود تلك الاغنية (اش يحسايب روحو) او بنصب الفخاخ …
للامانة وجدت في المدير انذاك الزميل قاسم المسدّي تشجيعا مطلقا ودون اي تدخّل في عملي ..من جهة هو يعرفني عن قرب ويثق في قدراتي، ومن جهة ثانية الكوكتيل اصبح برنامجا جماهيريا ومنذ الشهر الاول لانطلاقه ..يكفي هنا ان اذكر بعض الارقام للتوثيق ..الكوكتيل تصله شهريا قرابة الاربعة آلاف رسالة رغم اني حددت المراسلة لكل مستمع برسالة واحدة في الاسبوع… وهذا اصبح رقما قياسيا في اذاعة صفاقس ويليه انذاك برنامج ابوسهيل (دبّر عليّ)… ثم الكوكتيل اصبح قبلة الحوارات والتعاليق في الصحافة… كل هذا يُحسب ضمنيا للمسؤول الاول عن اذاعة صفاقس اي مديرها ..لذلك خصّص لي المدير تقنيين اثنين على ذمّتي (الزميلين عبدالحميد سلّام ونورالدين بن حميدة) للقيام بكل عمليات التسجيل والمونتاج لمواد الحصّة يوميا… علاوة على سنّ عادة ما يسمّى بالحصص الخاصة كاعيادنا الدينية وراس السنة وعيد ميلاد اذاعة صفاقس ..والاحداث الثقافية الهامة كريبورتاجات عن مسرحيات مهمة (غسالة النوادر مثلا) وحفلة مارسيل خليفة بصفاقس حيث اعددت اول حصة اذاعية في تونس على امتداد ساعة لمارسيل .. الذي كان لا يذاع الا في اذاعة تونس الدولية (ار تي سي اي)… مارسيل كان يمثل الاغنية الملتزمة وذاك يعني الخطر في الاعلام …وقامرت به وبالعاشقين ويفرقة البحث الموسيقي بقابس ونجحت …كنت من نوع (اللي نطلب نلقى)…
ولكن في المقابل كنت اعمل يوميا للكوكتيل 16 ساعة دون مقابل مادي ..كنت اكتفي بمرتبي الشهري فقط ..لان هنالك قناعة في داخلي تقول: “متى قبضت اجرا على انتاجك ستصبح اجيرا عند العرف” …انذاك من حقّه ان يُدخلك شيئا فشيئا في اجندته .. اي تصبح بيدقا اعلاميا يحركك كما يشاء و (اطعم الفم تستحي العين)… ولهذا السبب كنت انتج دون مقابل مادّي باستثناء سنة واحدة وسآتي لتفاصيلها في ورقات قادمة ….. كانت ثقته عمياء فيّ وحتى ان حدثت هزة ما، كان يقول لي (اللي شبكها يخلّصها، دبر راسك)…
في هذا الباب اتذكّر جيدا حادثة وقعت لي مع تلميذة في الثانوي باحد معاهد المحرس ..كنت ذهبت لتسجيل ركن (مع احباء البرنامج على عين المكان) مع مستمعي بالمحرس… ووقع ان تدخلت تلميذة لتعبّر عن غضبها من احد المدرسين بمعهدها باسلوب فيه خدش لكرامة ذلك الاستاذ… وكان عليّ ان احذف بعض عباراتها المنافية لقواعد المهنة في المونتاج وسهوت عن ذلك… وما ان انتهيت من بث البرنامج يومها حتى وجدت سي قاسم ينتظرني مكفهرّ الوجه وعيناه جاحظتان …دون مقدمات قال (اش عملتلك يا وخيّ علاش احنا ناقصين ؟؟؟)… سالت: اش ثمة؟ ..قال: هاكة الريبورتاج متاع المحرس وهاكي التلميذة واللي قالتو في استاذها… الدنيا شعلت والنقابة صعّدت والاساتذة مڨرّفين على التدريس … والوالي كلمني وما لقيت اش نقللو… دبّر راسك حلّلي هالمشكلة في اقرب وقت يبارك فيك …
نظرت اليه مليا وقلت له (ساعة ونصف ويوفى المشكل) ..نظر اليّ باستغراب وقال لي (كيفاش هذي؟ انا نقللك الدنيا خايضة وانت تقللي ساعة ونصف؟) ..قلتلو: عندك ثيقة فيّ؟… قللي: بيان سير… قلتلو “انا راجعلك”… حملت اشرطة تسجيل عذراء …لم يطمثها انس ولا جان .. وهذي في العموم لا توجد الا في الجنة … وركبت سيارتي وماهي الا نصف ساعة وكنت بالمحرس ..استقبلني المدير وللامانة بترحاب وطلبت منه ان التقي الاساتذة المضربين ونقابتهم ..وكان لي ذلك في الحين … طرح الاشكال عندي كان يجب ان يكون بكل نزاهة وشفافية مطلقة ..اولا برّأت التلميذة من المسؤولية لأنها صغيرة السن وحمّلت نفسي المسؤولية الكاملة بل ورجوتهم عدم معاقبة تلك التلميذة ثم اضفت: (من حقكم ان تسجلوا ما شئتم في ردّكم… انا هنا لاعطيكم حقكم المشروع حق الرد ثم ساسجّل امامك بصوتي اعتذاري دون ايّ اشكال وبكل صدق… ولعلّ من يعرفني منكم يعرف اني صادق مؤمن وواع بما اقول) ..
تقدّم احد الاساتذة ليتحدّث باسمهم وقال: (يا سي عبدالكريم، المؤلم انّ ما حدث وقع في برنامجك انت بالذات …ولم نتصور لحظة واحدة ان تسمح لنفسك بتمرير تلك العبارات…) لم اتركه يُكمل وقلت: انا جئتكم من صفاقس لاعتذر لكم جميعا… العملية لا تعدو ان تكون سهوا غير مقصود البتة، ولكن في نفس الوقت وانتم تعرفون ذلك جيدا، انا لست هنا لاستجديكم ومن حقكم رفض اعتذاري واعود من حيث اتيت ولكم الخيار… عاد نفس الاستاذ ليقول: (التقطيعة جات في الحجر )… والله جات معاك انت والا الدنيا نقلبوها… وفعلا سجلت لهم حقهم في الردّ ولم اغادر المعهد الا بعد ان رجع الجميع لتلاميذهم ولواجباتهم …
عندما وصلت الى الاذاعة راجعا من المحرس وجدت سي قاسم ينتظرني وهو مستبشر سعيد… نظرت اليه وقلت له: اشنوة الماس ضرب وقالولك المشكلة اتحلّت؟ ردّ ضاحكا: (والله السيد الوالي هو اللي كلمني بالتلفون وهنّاني) … هل فهمتم كيف تعمل المخابرات في كل الازمنة؟ المؤكد انها يومها تبعتني منذ خروجي من الاذاعة الى المحرس .. ذهابا وايابا …والمؤكد ان كل الخلايا اشتغلت من العمدة الى المعتمد الى الوالي في برنامج اسمه (عيونهم لا تنام)…
دعوني افضفض معكم على هاجوج وماجوج المخابرات … انا على يقين ان المخابرات عندنا وفي الوطن العربي اجمالا تعرف اكثر من الفرد نفسه كم دخّن اليوم من سيجارة وعدد الخطوات الذي يقطعها المواطن باش ياخذ كيلو سردينة ويرجع… وعدد الضحكات والتكشيرات .. وعدد طروح البولات في القهوة وعدد البيييييييييسات لتلك او تلك …ان لم تكن باللسان والصوت فبالعينين الملتهمتين يا لطيف محرش عيونّا عاش من اعترف بالعيون الحرش …وعدد النشرات الاخبارية والقنوات التي تابعها يومها وعدد السبات التي سبّها في صدره وهو يتوّج زوجته كل يوم بتلك الآهة التي عجز عن قولها امام اطفاله (اووووف مخيبو النهار اللي عرفتك فيه تي اشبيك موش كيف جارتك اشلعزاء ؟؟؟)…
ويعرفون ايضا رد فعل الزوجات السعيدات جدا الى حد الشقاء بازواجهن وهن يرددن ودائما في الصدور (تي اشبيك موش كيف حروز جارنا قداش ما عنديش زهر لا يبلّ لا يعلّ يممة عليّ قعدت انا وحدي من دون صحيباتي بكلّهم شايخين كان انا مللي عرّست لا شفت نهار خير من خوه ربّي بلاني براجل لا يصلح لا للسوق ولا للصندوق) …وهذي حسب ما اظنّ و ان بعض الظن حقيقة …السوق تعني امام الناس والصندوق تعني راس راس وخاصة هنالك …على فكرة جلّ النساء نسخة مطابقة للاصل من بعضهن البعض ومطبوعة في البلدية زادة … تتشكّين من سعدهن المكبوب وتتصورن ان الاخريات اقضل منهن بينما الحقيقة جلّهن في “الهواء” سواء في غياب الهوى ..وتلقاها عاد في الفيسبوك (زوجي خذ بيدي الى الجنة) وهي لو كان تلقاه في الجنة تهرب لجهنم ..
اذن وحتى اغلق هذا القوس _ ونعرف اللي برشة ما يحبونيش نغقلو… جلّ النساء اللي من نوع (زوجي هو او لا احد … زوجي طيارة) …وهو حتى كريطة ماجاش .. (زوجي اممممممممممممممممممه عسل يقطّر) …وهي راس راس غادي ما خصّها كان تقللو راك بصل بصل بصل … ويختموها كيف ما قلنا بـ(زوجي خذ بيدي الى الجنة )… تهييب وتفشليم وكذب ما ياخذكمش الهلس راهم اتعس منكنّ الف مرّة… مسّطناها زعمة برشة ..؟؟؟ باهي انا ماشي نسكت وكان ظهرلكم باهي الشيء استناوني في الورقة 66 .. فقط اقراوها 66 ..اكاهو عاد مادام طحت للمصروف وسعوا بالكم معايا …
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.