ظننت يوما ومازلت أظن أن خير طريقة لكي يعالج المدرّس أداءه ويُجوّده هي أن يعود إلى نفسه طفلا وتلميذا بالذات، ليقيّم ما كان يُبهره في سلوك أستاذه وما كان يشدّه في علاقة معلمه به والوقوف خاصة على ما كان يحبّذه فلا يجده وما كان يكسره كسرا في سلوكات المربّين… ليكون مدرّس اليوم أفضل من بعض مدرّسي الأمس عطاءً وتواصلا وقدرة على المرافقة ومنهجا في التدريس. عشتُ شخصيا لحظات حاسمة في طفولتي المدرسية بحلوها ومرّها، هذا بعض منها :
أولا، دُبّ سي علي جدّي :
<strong>منصف الخميري<strong>
كان عمري لا يتجاوز الخمس سنوات عندما وطئت قدماي عالم الطباشير الملوّن والحبر البنفسجي الصبّة والصلصال والأعواد … وهذا الدخول المبكّر إلى المدرسة كان له مبرّر وحيد يتمثل في ضمان الترافق بيني وبين أخي الأكبر الذي كان يتجاوزني سنّا بعام أو عام ونصف يوفر لي حماية ونتساعد على مواجهة الكلاب العربية ذات النّباح العشوائي والذئاب الشاردة.
لم يكن يستهويني لعب الكجّة والخذروف أكثر من تعلّم بعض الحساب وتعريق الحروف.
كان معلّمنا الأنيق والطيب سي علي جدّي، جادّا ومُجديا في تدريسه وحريصا على تحفيزنا بشتى الطرق لنتعلّم ونتجاوز فقر مكتسباتنا القبْليّة، لا أذكر شيئا كبيرا من تلك السنة الابتدائية الأولى سوى بعض الصّور الصادمة مثل “هذا قرد راكب” و “هذا قرد قاعد” و “هذا جمل بارك” ( ولا أفهم إلى حدّ الآن حقيقة ما وراء هذه الكثافة في معاني القعود والبروك والركوب بدلا من معاني القفز والطيران والتحليق)… وأذكر خاصة أنه صادف أنني أجبت بطريقة صحيحة على سؤال ألقاه علينا سي علي فما كان منه إلا أن أهداني صورة دبّ قطبي على ورق مقوّى صغير. غمرتني فرحة لا توصف بتلك الصورة الجائزة … ورُحت أريها إلى كل أفراد عائلتي دليلا على إحراز نجاح نوعي غير مسبوق، بالرغم من أنني لم أكن متمثلا لهذا الحيوان الغريب الذي ليس هو بالكلب أو الخنزير أو الخروف لكنه يبدو وديعا ولطيفا رغم كبر حجمه. ومن يومها أصبحت أُقبل على دروس سي علي جدّي وكلّي أمل في نيل تتويجات أخرى.
الدّرس المستخلص: كان سي علي جدّي يمثل جيل معلّمين من عهد آخر متشبّعين فطريّا بنظريات آلان ليوري وفابيان فينويي في “الدافعيّة والنجاح المدرسي” (عنوان كتاب صدر بباريس سنة 1997)، ومن ناحية أخرى، كلمات بسيطة من قبيل “أحسنت” و “برافو” و “ممتاز” و “حقيقة…شكرا” الخ… لا تكلّف المدرّسين شيئا لكنها قادرة على توليد دافعيّة محرّكة للسّواكن وحافرة في المكامن.
ثانيا، الأستاذ الأصفر (إستعرت له هذا الإسم للنّأي به عن مربّع التشهير) :
كان ذلك في السنة السابعة أساسي (الأولى ثانوي نظام قديم)، وكنا ندرس الرياضيات التي أذكر أنها لم تلنْ لي منذ الوهلة الأولى لكن في ذات الوقت لم تكن نيرونات دماغي الصغير رافضة تماما لطلاسم هذه المادّة الصلبة. .. وكان سي لصفر نحيف القامة عبوسا ضروسا غير سعيد في حياته بالمرة على ما يبدو، لا يبتسم أبدا لأنه (ربما) كان يعتبر الرياضيات اختصاصا حربيا أو صنفا من أصناف الرياضات القتالية. بحث عن متطوع أو متطوعة لفك رموز تمرين حسابي على السبورة … لم يتطوع أحد … فأصدر قرار تسخير صعدتُ بموجبه إلى المصطبة التي بدت لي يمثابة المقصلة في تلك اللحظة، تظاهرت بمحاولة فك ألغاز التمرين ولمّا تأكّد أنني كنت بصدد إضاعة الوقت وتأجيل عملية القصاص أكثر ما يمكن، افتكّ مني قطعة الطباشير وطلب مني أن أقف في متناول يديه الحديديّتين وناولني صفعة قوية ألقتني أرضا في مشهد أقرب إلى ساحات المواجهة مع جيش تساهال الصهيوني منه إلى مربعات التربية والتعليم … أعتقد الآن بعد حوالي نصف قرن، أن ما ساءني ليس وجع الصفعة في حد ذاتها لأنه عابر بل وجع إهانة السقوط أرضا وكون “العقوبة” كانت غير متناسبة مع طبيعة الخطأ الذي لم يكن ناجما عن تقصير متعمّد أو سوء سلوك …
منذ تلك اللحظة، كرهت سي لصفر وكرهت الرياضيات واستسلمت إلى ملاحظات nul en mathématiques وما جاورها.
الدّرس المستخلص :“كفّ أمّك يقوّيك آما كفّ البرّاني يقتلك ويِفْنيك”. إضافة إلى أن نزعة التعويم القطاعي المقصود في شعارات “كاد المعلم أن يكون رسولا” وأن “المعلم شعلة قدسية تضيء العقول” لا يمكن إلا أن تؤبّد سلوكات منحرفة تدمّر أجيالا وتقصف أطفالا.
ثالثا، كيف تفعل لتكون الأوّل دائما ؟
في التاسعة أساسي (الثالثة ثانوي نظام قديم)، كانت تربطني صداقة ما بالتلميذ صاحب النتائج الأولى في قسمنا (لقبه الورغي) لكن لم أكن أجلس بجانبه. أتذكر ذات يوم بينما كنا ننتظر قدوم الأستاذ وكان المقعد إلى جانب الورغي شاغرا، انتهزت الفرصة لأجالسه قليلا وألقي عليه السؤال التالي (الذي كان يخامرني منذ مدة طويلة لكنني لم أجرؤ على مباشرته في الموضوع) : “صباح الخير، بالله عليك، قل لي كيف تفعل وكيف تراجع دروسك وماذا تصنع لتكون دائما الأول في الامتحانات ؟” . لا أذكر مفردات إجابته بالضبط، ولكن أن متأكد الآن أن إجابته كانت عائمة وغائمة وغير دقيقة، من قبيل “أراجع دائما” أو ” ليس أكثر من المراجعة المنتظمة”… لم يقنعني ولكني تظاهرت بالاقتناع.. هو نفسه لم يكن يملك إجابة أو وصفة سحرية للنجاح لأن الاشتغال على الذات صعب ولأن ما طلبته منه تعجز عن تفقّهه حتى ما يسمى بالعلوم العصبية المعرفية اليوم.
الدّرس المستخلص : دور المدرّسين هو هذا بالضبط، مساعدة الأطفال والشبان على تعليمهم كيف يتعلمون وجعلهم يُدركون كيف ينجحون. إلى جانب أنه بإمكانك أن تكون مسكونا بإرادة حقيقية في النجاح لكن تعوزك المفاتيح. تحاول معالجة جميع الأقفال الموصدة، تُطلّ من كوّة الباب لعلّ وراء الباب إرادة نيّرة تأخذ بيدك نحو الدروب المضيئة.
رابعا، السّابعة خاصة (الرابعة ثانوي نظام حالي) :
تابعت تعليما ثانويا قصيرا في شعبة “تقنيات اقتصادية للإدارة” TEA الذي يتوّج بشهادة التقني في نهاية السنة السادسة ثانوي (نظام قديم). كانت شعبة دراسية يأوي إليها “طالبو اللجوء المدرسي” كما شعبة الاقتصاد والتصرف في نظامنا التربوي الحالي، لكنها كانت شعبة جامعة درسنا فيها مبادئ الاقتصاد والحقوق واللغات الثلاث وبعض المواد التقنية في علاقة بالشؤون الإدارية مثل الاختزال والرقن وتقنيات التحرير الكتابي… وكانت شعبة غير موصدة الآفاق تماما حيث يُمكّن التلميذ الذي أحرز أفضل النتائج في امتحان الديبلوم من كل ولاية أن يتابع دراسته بالـ”سنة السابعة خاصة” بالعاصمة بمعهد العمران آنذاك (معهد الفنون بالعمران حاليا). وأقرّ أنني إلى حد الآن لم أفهم كيف تمكّنتُ من التفوق بذلك الشكل في جمهرة غير قليلة من اللاجئين، وخاصة كيف لم يتمّ التلاعب بالنتائج ليُسند ذلك الامتياز الثمين إلى تلميذ آخر من أبناء أصحاب السلطة والجاه في زمن لا شفافية فيه ولا مساءلة أو مكاشفة !
الدّرس المستخلص :
يمكن أن يكون التلميذ متوسط النتائج في مراحل معينة من مسيرته الدراسية، ولكن يكفي أن يشتعل فتيل الرغبة والدافعية على نحو ما لتنطلق كل المحركات في الاشتغال بكل إمكانياتها وبلوغ السرعات المطلوبة… مع ضرورة توفّر قدرة ذاتية على “التجنّد” بمعنى أن يكون التلميذ “جنديّا” ينتعل جزمته الحربية كل صباح ويلبس بذلته العسكرية استعدادا لخوض معركته المقدّسة ضدّ ظلمة الكوابح والموانع والحتميّات.
الرياضيّات مادّة دكتاتورية تقصم ظهر أجيال مدرسية بكاملها، والمشكل في اعتقادي ليس في طبيعة المادة في حدّ ذاتها بل في طريقة تدريسها وقيام أمثال سي لصفر على حظوظ تمكّن التلاميذ من ناصيتها.
من الحلول الممكنة التي يستطيع من خلالها نظامنا التربوي تدارك بعض معضلاته: تنويع المسالك الدراسية أمام طالبيها وفتح معابر مرنة وثابتة ودائمة لعودة مَن ضَل الطريق في الشعب الطويلة نحو شعب أقل طموحا (لكنها ذات قدرة تمهينيّة قويّة) وعودة من تميّز في شعب “المتوسّطين” إلى التّحليق مجدّدا بأجنحة اشتدّ عودها في الأثناء.
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
تعليق واحد